ومن قوله تعالى : (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) ، فكان من التوكيد بالناسخ "إن" ما يزيد المعنى رسوخا وتقريرا في الذهن ، فضلا عن اسمية الجملة التي صدرت باسم الرب ، جل وعلا ، وذلك من حسن الاختيار إذ الحشر من وظائف الربوبية ، فذلك فعل تظهر فيه آيات القدرة والحكمة وهي مما يحسن فيه الثناء باسم الربوبية وهو اسم مركب بالنظر في وظائفه فالحشر منها ، كما تَقَدَّمَ ، وهو ما يجريه مجرى العام الذي يراد به خاص ، فَأُطْلِقَ اسم الرب الأعم على وصف الحاشر الأخص ، فالرب ، جل وعلا ، حاشر وزيادة ، فهو الخالق البارئ المصور الرزاق المدبر .... إلخ ، والربوبية ، من وجه آخر ، مئنة من كمال التدبير وهو وصف مركب من معاني الجلال ونظائرها من الجمال ، فالتدبير يكون بالقدرة جلالا والحكمة جمالا ، فَثَمَّ تدبير الخلق وهو ما يكون بالعلم تقديرا وذلك من جمال الحكمة أن تُقَدَّرَ الأشياء على أكمل الوجوه ، فَيُوضَعُ كُلُّ شيءٍ في المحل الذي يقبل آثاره على وجه يؤتي ثماره ، فلا زيادة ولا نقص ، وإنما العدل أن يكون القدر والوصف على حد العدل ، فهو عدل العطاء الذي لا يحصل بالتسوية المطلقة ، وإنما يحصل أن يُعْطَى كل ذي حق حقه الذي يلائم وصفه فتكون الحكمة أن يحكم الناظر على الشيء فرعا على وصفه ، فالوصف سبب جالب للحكم جلب العلة للمعلول ، إن في المعقول أو في المحسوس ، فذلك أصل يطرد ، فهو من القياس المحكم الذي تظهر آثاره في الدين والدنيا ، في السمعيات والتجريبيات ، ولا يكون تدبير الخلق ، من وجه آخر ، إلا بالقدرة وهي من الجلال ، فإن المقدور لا يخرج من القوة إلى الفعل ، من العدم إلى الشهادة إلا بالقدرة والمشيئة وبها يكون تأويل المخلوق المقدور فَيَصِيرُ من المخلوق الموجود كما قد قضى الرب المعبود ، جل وعلا ، فلا زيادة ولا نقص ، وذلك مئنة من إتقان الصنع وإحكام الخلق ، فكان من الجلال والجمال ما بهما تدبير الكائنات جميعا ، وهو ما حسن معه إيراد اسم الرب ، جل وعلا ، وثم إضافة إلى ضمير المخاطب الأول في "ربك" ، وهو النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو أول من خوطب بالرسالة تكليفا ، فضلا أنه أول من خوطب بها بلاغا وبيانا ، ولا يخلو من دلالة اشتراك بالنظر في خطاب التكليف فهو أعم من خطاب المواجهة ، فكل خطاب مواجهة فهو خطاب تكليف ولا عكس ، فخطاب التكليف قد يرد لا على حد المواجهة التي تقتصر على المخاطب الأول ، وهو النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَيَرِدُ مباشرة بلا واسطة خطاب في اللفظ ، كما في قول الرب جل وعلا : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، فَوَرَدَ التكليف مباشرة بلا واسطة في لفظه ، وإن كان ثم واسطة بلاغ وبيان فتلك وظيفة الرسالة ، فثم عموم وخصوص مطلق بين خطاب التكليف وخطاب المواجهة ، فكل خطاب مواجهة فهو خطاب تكليف ولا عكس ، وإن كان ثم ما يقدح في هذا الأصل إذ ثَمَّ من خطاب المواجهة ما يقتصر التكليف فيه على صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في خصائص النبوة ، وقد يجاب إنه وإن اقتصر على واحد إلا أن معنى التكليف فيه ظاهر ، وإن كان المكلَّف واحدا بعينه لما تقدم من قرينة التخصيص فذلك ، من وجه آخر ، خلاف الأصل في هذا الباب ، فالأصل في التكليف العموم ، إلا أن ترد قرينة تخصيص ، فكان من خطاب المواجهة ما أبانت عنه كاف المخاطب المفردة في "ربك" ، كان منه ما يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فاتسعت دلالته بالنظر في قرينة عموم آخر ، وهو عموم التكليف الذي يستغرق كل من يصح تكليفه ممن أوتي العقل فهو مناط التكليف ، فلفظ "ربك" ، من هذا الوجه ، يضاهي في الدلالة القول في غير التنزيل : وإن ربكم هو يحشرهم .

فكان من اسم الربوبية ما يحسن في موضع الحشر فهو موضع جلال فلا يحيي العظام وينشر الأجساد ثم يحشرها إلا رب قدير لا يعجزه شيء لا في السماء ولا في الأرض ، وكان من اسم الربوبية ما يحسن في موضع جمال فلا يخلو الحشر منه ، إذ الحشر مناط حكمة فإن إعادة الخلق على الصورة الأولى لا يكون إلا بمقدار محكَم ، وإن كان في الخلق الأول من الحكمة والقدرة ما يرجحه ، فلا تخلو الإعادة من الحكمة والقدرة ، أيضا .
وفي الحشر حكمة أخرى ، لو تدبر الناظر ، وهي حكمة العدل الذي يُقْضَى به بَيْنَ العباد بين يدي رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فكان من استعمال اسم الربوبية ما استغرق هذه المعاني الجليلة ، ولا يخلو السياق من توكيد إذ اسمية الجملة ، كما تقدم ، مئنة من ثبوت وديمومة ، وذلك يصح بالنظر في نوع الفعل ، فعل الحشر ، فهو قديم قِدَمَ الذات القدسية التي تقوم بها صفات الكمال الذاتية والفعلية ، الخبرية والمعنوية ، إيجاب الكمال أو سلب النقص ..... إلخ من تقاسيم أهل الشأن في هذا الباب الجليل ، فوصف الحشر من جملة الأوصاف الفعلية التي تناط بالمشيئة الربانية النافذة ، فآحادها ، كما تقدم ، حادثة فَلَمَّا يقع الحشر بعد ، فهو حدث آت إذا شاء الرب ، جل وعلا ، إِتْيَانَهُ ، فالمضارعة في "يحشرهم" تحتمل الحال والاستقبال مَعًا فكان من قرينة المعنى ما رشح دلالة الاستقبال ، فحال التلاوة لا يكون شيء من ذلك فهو ، كما تقدم ، آت لما يأت تأويله بعد ، فتأويل ما أخبر به الوحي من الحشر أن يحصل وذلك ما يكون يوم الحشر المستقبل وفيه يخرج الخبر من الغيب إلى الشهادة ، من العدم إلى الوجود ، من القوة إلى الفعل ، وعلى هذا فَقِسْ في كل خبر من أخبار الغيب فهو مما لا يدرك إلا بالسمع ، فلا بد من خبر تحصل به صورة العلم في الذهن ، ومناط القبول أو الرد أن تثبت صحته بالنظر في حال الناقل ، فما لا يستقل العقل بدرك حقيقته فهو مما يحار فيها بَيْنَ النفي والإثبات ، فضلا عن حيرة أخرى في الماهية فلا يحيل حصولها في الخارج وإنما يحار في حدها وإن تصورها ، فما يحصل في ذهنه من صورة العلم صورة تقريب تضاهي دلالة التشبيه ، فهي صورة تقريب ، فيشبه ما في الحقيقة ما يكون في الذهن من صورة العلم بالنظر في الأصل ، ولكن ثم اختلاف ، أي اختلاف ، في الحقيقة في الخارج ، فالفرع المشبه في الخارج بصورة العلم المجرد في الذهن ، هذا الفرع لا يساوي الأصل المشبَّه به وهو ، كما تقدم ، صورة العلم المجرد في الذهن وهي مما يحصل بِبَدَائِهَ استقرت من دلالات اللسان بالنظر في وضعه الأول ، كما في وصف الملَك أنه ذو جناح ، فذلك مما استقر في الذهن معناه المجرد دون أن يوجب ذلك حده في الخارج استنادا إلى ما يدرك الحس في الخارج من جناح الطائر ، فذلك من قياس الغائب على الشاهد وهو مما لا يصح بالنظر في الحقائق الخارجية وإن صح بالنظر في الحقائق الذهنية التي يجردها العقل فلا توجب التماثل أو التشابه في الماهيات والحقائق في الخارج ، فيصح من هذا الوجه أن ثم اشتراكا واختلافا في نفس الآن على وجه لا تعارض فيه ولا تناقض إذ الجهة قد انفكت فجهة الاشتراك وهي المعنى المطلق في الذهن تغاير جهة الاختلاف وهي الحقيقة والماهية في الخارج فهي مما قُيِّدَ بذاتٍ يقوم بها المعنى ، فثم قياس غائب على شاهد يصح بالنظر في المعنى ، وثم آخر لا يصح بالنظر في الحقيقة والماهية وذلك أصل يطرد في نصوص السمع جميعا ، سواء أكانت من الإلهيات أم من الغيبات فَذَلِكَ مما يصح جريانه ، أيضا ، في نصوص الصفات ، فإن معنى "العلم" ، على سبيل المثال ، وهو مما يجرده الذهن على وجه يبلغ حد البداهة الضرورية فلا يفتقر إلى حده الحد الجامع المانع على وجه قد يخرج بالمعنى عن بداهته الضرورية فيصير من المشكل الذي يستغلق كما في كثير من حدود أهل المنطق التي عَسَّرَتِ اليسيرَ وَأَجْمَلَتِ المبيَّن ، فمعنى العلم معنى مجرد في الذهن يصح فيه قياس الغائب على الشاهد تقريبا إلى الأذهان دون خوض في الحقائق والماهيات ، فيحصل من تصور العلم ما يدل على كمال مطلق في حق المخلوق ، فالعالم خير من الجاهل ، وذلك ما يوجب مدح الأول وذم الثاني ضرورة لا يماري فيها عاقل ، وإن كان ذم الجاهل مناط اشتراك آخر ، فالجهل في نفسه وصف يذم سواء أعذر صاحبه أم لم يعذر ، وإنما يكون من العذر في أحوال ما يرفع ذم التكليف الذي يستوجب العقاب وإن لم يرفع ذم الوصف فالجهل لا يكون أبدا مناط مدح بل الجاهل وإن عذر فلا تخلو حاله من تقصير إذ لم يشتغل بضد الجهل أن يطلب أسباب العلم بنظر صحيح يُحْمَدُ صاحبُه ، فذو العقل يُمْدَحُ بِمَا يَتَعَاطَى من أسباب النظر والبحث ، إن في التشريع أو في التجريب ، فذلك مدح يعم سائر العلوم ، العقليات والتجريبيات ، فحصل من الاشتراك في صورة الوصف في الذهن ما قد دل العقل ضرورة على مدحه فهو كمال مطلق فإذ مُدِحَ به المخلوق فالخالق ، جل وعلا ، بهذا المدح أولى ، فذلك من قياس الأولى ، وهو القياس الجائز في هذا الباب الجليل ، وهو ما قَدْ حَدَّهُ أهل الشأن بكلام محكم قد استوفى الجمع والمنع فاحترز فيه من مآخذ تقدح في اطراده ، فكل كمال مطلق لا نقص فيه من وجه قد ثبت في حق المخلوق فالخالق ، جل وعلا ، أولى به إذا ورد النص الصحيح به دون خوض في ماهية أو كيف ، ومن ذلك "العلم" الذي تصح الشركة فيه بالنظر في معناه المطلق في الذهن فتلك جهة الاشتراك في هذا الباب ، فذلك أصل يطرد في أوصاف الكمال جميعا ، جلالا وجمالا ، حكمة وعلما كما قد ختمت به الآية في قوله تعالى : (إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) ، وأما الاختلاف فهو في الحقيقة والماهية في الخارج ، فلا تماثل فيها ولا تشابه فلا يحصل فيها أي اشتراك ، ولو مطلق اشتراك ، فحصل اشتراك في المعنى المجرد في الذهن ، وحصل اختلاف في الحقيقة والماهية في الخارج ، وذلك ما يصح ولو كان شطرا القسمة مخلوق وآخر ، فلا بد من اختلاف في الحقيقة والماهية في الخارج وإن كان ثم اشتراك في المعنى المطلق في الذهن سواء أكان المخلوقان جميعا مما يدرك بالحس ، وقد يشتركان في النوع فكلاهما إنسان ، فعلم زيد يواطئ علم عمرو بالنظر في أصل المعنى المطلق في الذهن ، وهما ، من وجه آخر ، يختلفان بالنظر في قدر العلم الذي وعاه كلاهما ، فقد يَعِي أحدهما من العلم ما لا يعي الآخر ، بل ذلك هو الأصل ، فالقلوب أوعية تَتَفَاوَتُ ، فلا يستوي اثنان في العلم إن بالنظر في آلة التحصيل فعقل فلان قوة يرجح عقل غيره فهو أذكى ، أو بالنظر في جملة المعلوم الذي وعاه العقل ففلان قد باشر من أسباب العلم ما لم يُبَاشِرْ غيره فهو أشد اجتهادا في البحث والتحصيل والحفظ والاستنباط ..... إلخ من وظائف النظر التي يَتَفَاوَتُ فيها البشر ، فحصل من الاختلاف في الحقيقة والماهية في الخارج ما يوجب التفاوت وإن كان الأصل ثابتا في كلا المحلين ، زيد وعمرو ، فكلاهما قد قام به وصف العلم بالنظر في المعنى المجرد في الذهن ، وكان الخلاف في القدر ، على التفصيل آنف الذكر ، مع اتحادهما في النوع ، فيحصل التفاوت ، من باب أولى ، إن كان ثم اختلاف في النوع فعلم الإنسان أوسع من علم الحيوان الذي لا يعقل عقل التكليف وإن عقل من مدارك الحس ما به يغتذي وينكح .... إلخ من وظائف الحس التي بها حُفِظَ النوع ، وكذلك الشأن إن كان شطرا القسمة مخلوقين ، أحدهما شهادة والآخر غيب ، كما يقال في علم الإنسان وعلم الملَك ، فالملَك غيب والإنسان شهادة ، فحصل الاشتراك في المعنى المطلق في الذهن وإن كان ثم اختلاف بالنظر في الحقيقة والماهية في الخارج ، فعلم المَلَك أوسع بما قد فُضِّلَ به من الاطلاع على جملة من الغيوب قد حُجِبَ عنها الإنسان لحكمة الابتلاء ومنه التكليف أن يؤمن بغيب لا يدركه بالحس وإن لم يحله بالعقل فغاية أمره أن يحار في حقيقته وماهيته في الخارج وليست تلك بمناط تكليف فلم يوجب عليه الوحي أن يفتش فيها ويبحث ، وإنما كلف أن يؤمن بالمعنى المطلق في الذهن فَيُجْرِيَ الآي على الظاهر المتبادر من المعنى دون خوض في الكيف ، وذلك أصل في الإلهيات ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فلئن كان العلم يثبت جنسا مطلقا في الذهن تحته آحاد في الخارج ، مع حصول التفاوت الذي يوجب مدح العالم في مقابل الجاهل ، ومدح الأعلم في مقابل العالم ، فالخالق ، جل وعلا ، أولى بهذا المدح ، فإن اشتراكه مع المخلوق في معنى العلم المطلق في الذهن لا يوجب الاشتراك في الحقيقة من باب أولى ، فقد ثبت التفاوت بين علم مخلوق وعلم آخر ، وكلاهما مخلوق ، فكيف بعلم الخالق ، جل وعلا ، في مقابل علم المخلوق ؟! ، فالتفاوت يثبت من باب أولى فذلك من آكد الواجبات العقلية على وجه يَنْفِي جناية التشبيه فلا تحصل بإثبات المعنى المطلق في الذهن أو الاجتهاد في تدبره وإنما تحصل إذا جاوز العقل الحد الذي يطيق في الغيبيات فَرَامَ التفتيش في الحقائق والماهيات التي لا يدركها ، بل ولا يثبت أصلها الأول في الذهن ، وإن جوزه ، فلا يجزئ ذلك في إثباته ، فَلَئِنْ جَوَّزَ العلمَ وَصْفًا للرب ، جل وعلا ، فهو كمال مطلق يدركه العقل ضرورة ، فلا يجزئ ذلك في إثبات الوصف حتى يرد الدليل المرجح من خارج وهو نص الوحي النازل الذي رجح كفة الإيجاب وإلا فالأمر قبله على حد الجواز ، فليس كون الوصف كمالا مطلقا بادي الرأي بمجزئ أن يثبت في حق الرب ، جل وعلا ، فغايته أنه جائز حتى يرد الدليل الذي يرجح ، فيكون الإثبات بالدليل المثبت من نص الوحي المحكم وإلا وَقَفَ العقل على عتبة الجواز لا يغادرها ، إذ لا يستقل في الغيب بإثبات ، وذلك ما يَعُمُّ وصف الحشر ، محل الشاهد ، فيصح إطلاقه في حق المخلوق كما في وصف المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الحاشر بين يدي الساعة أمارة تَتَقَدَّمُهَا ، ويصح بل ويجب إطلاقه في حق الرب ، جل وعلا ، لا اسما ، فالأسماء لا تعلم إلا بالتوقيف الصريح ، وإنما وصفا يشتق منه اسم وصف الفعل ، كما قد قسم بعض أهل الشأن ، فثم اسم وصف فعل يشتق من مادة الفعل دون أن يثبت اسما من الأسماء الحسنى ، فالرب ، جل وعلا ، هو المستوي على العرش ، فاسم المستوي : اسم وصف فعل اشتق من فعل استوى ، وكذلك إطلاق اسم الحاشر على الرب الخالق ، جل وعلا ، فهو من إطلاق اسم الوصف الذي اشتق من مادة "حشر" ، كما في الآي آنف الذكر ، فحصل اتفاق في أصل المعنى المطلق في الذهن وهو معنى الحشر فيصدق في الخالق ، جل وعلا ، ويصدق في المخلوق ، إِنِ المعصومُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو غيره ، فالوصف ، لو تدبر الناظر ، يصح إطلاقه على كل حاشر يجمع أعيانا في موضع واحد ، كما في قول الرب جل وعلا : (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) ، فذلك حشر مخلوق في الشهادة يشاطر حشر الخالق ، جل وعلا ، في الغيب ، يشاطره دلالة اللفظ المطلقة في الذهن مع حصول القدر الفارق في الخارج ، فثم اختلاف ، كما تقدم مرارا ، في الحقيقة والماهية الوصفية فهي فرع من اختلاف يَتَقَدَّمُهَا في الحقيقة والماهية الذاتية ، فالكلام في الوصف فرع على الكلام في الذات ، فكما أن الخالق ، جل وعلا ، ليس كمثله شيء في ذاته وإن صح إطلق لقب الذات على حقائق أخرى في الخارج خلاف حقيقته القدسية الكاملة ، فكما أنه ليس كمثله شيء في ذاته على التفصيل آنف الذكر فليس كمثله شيء في وصفه وإن حصل الاشتراك في اللقب الدال عليه دلالة التجريد في الذهن ، فذلك ما يجري مجرى الجنس العام الذي تندرج تحته آحاد ، فَثَمَّ حشر مطلق في الذهن تحته آحاد بَيْنَهَا من الاختلاف ما هو فرع على الاختلاف في ذوات الحاشرين ، فشتان رب العالمين ، جل وعلا ، وسائر الحاشرين سواء أكان المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أم غيره ، فحصل من الفرقان ما يميز وينفي شبهة التمثيل أو التشبيه على وجه ينفي الحاجة إلى التأويل الذي يبلغ بصاحبه حد التعطيل على تفاوت بين المتأولين في هذا الباب من أبواب السمع فكلما أمعن الناظر في التأويل فهو يمعن في التعطيل الكلي أو الجزئي ، فلكلٍّ حظه من الجناية بقدر ما تأول في باب غيب لا تصلح فيه قرينة العقل إذ لم يدرك الحقيقة في الخارج أو يدرك ما يضاهيها أو يأتيه خبر صحيح عمن أدركها بحسه ، فلكلٍّ حظه من هذه الجناية تعطيلا وإن سماه بغير اسمه فصيره تأويلا فهو تأويل بلا قرينة صحيحة معتبرة في هذا الباب ، فلا تصح فيه إلا قرينة السمع في السياق ذاته أو في سياق آخر صحيح الإسناد ، متواترا أو آحادا ، فكلاهما حجة في هذا الباب إذ مناط الاستدلال هو الصحة فإذا صح الخبر فهو المذهب كما قد أثر عن أهل الشأن من الأئمة الأعلام ، فلا تصح قرينة العقل في هذا الباب ، فهي قرينة باطلة سواء أكان التأويل بعيدا يحتمل المعنى ولو مهجورا ، فَثَمَّ شبهة استدلال تجزئ في العذر ولا تجزئ في تصحيح الفعل فهو تأويل باطل عُذِرَ صاحبه أو لم يُعْذَرْ ، فضلا أن يزيد فلا يكون لتأويله وجه في اللسان فهو تلاعب بالدلالات يبلغ بصاحبه في أحيان حد التأويل الباطن وهو أفحش في الجناية والحكم من التأويل البعيد ، وإن كان كلاهما باطلا لا يصح .
وكان من المضارعة في "يحشرهم" ، كان منها ما استقبل زمانه بالنظر في قرينة السياق وقد يقال إن هذا هو الحشر العام يوم البعث الآخر ، وإلا فإن حشر الأجساد بجمعها في الأرض وحشر الأرواح في البرزخ على اختلاف درجاتها أو دركاتها ، فالقبر روضة من رياض الجنان أو حفرة من حفر النيران ، كما في الأثر ، فيقال ، من هذا الوجه ، إن الحشر نوع قديم قد ثَبَتَ أزلا وآحاده حادثة تَتْرَى ففي كل يوم محشور بل ومحشورون كثير قد استوفوا الأجل فقبروا في الأرض وصاروا بين يدي الرب ، جل وعلا ، فثم حشر عام يوم البعث الآخر ، وثم حشر خاص بما يكون من قبر الأموات كل يوم ، فكان من التوكيد ما يحسن في تقرير هذا المعنى الجليل ، فثم ، كما تقدم ، التوكيد بالناسخ "إن" ، واسمية الجملة : ربك هو يحشرهم ، فضلا عن ضمير الفصل المؤكد "هو" ، ودلالة المضارعة في "يحشرهم" التي استغرقت أجزاء الزمان الحال والاستقبال ، إن حمل الحشر على جميع أنواعه ، العام والخاص ، وتكرار الإسناد ، فاعلا معنويا مظهرا دل عليه الاسم مبدأ الخبر ، وهو اسم الربوبية ، وآخر لفظيا مضمرا إضمار الجواز في عامله "يحشرهم" ، فضلا عن دلالة عموم يستغرق في ضمير الغائب المجموع فلا يخلو من دلالة التغليب فتذكيره في اللفظ لا يقتصر في الدلالة على الجنس المذكر وإنما يعم جميع المحشورين ، الذكور والإناث ، بل ويعم العقلاء وغيرهم من العجماوات التي لا تفصح ، وبعده كان الاستئناف الذي يجري ، من وجه ، مجرى الجواب على سؤال يقدره الذهن اقتضاء ، فهو يستفهم عن العلة ، فما علة هذا الحشر ؟! ، أو بم يكون هذا الحشر ؟! ، فعلته أن تظهر آثار الحكمة والعلم في القضاء بين الناس ، وهو يكون بالحكمة والعلم في إعادة الخلق ، وذكرهما ، من وجه ، يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام فهما من وصف الجمال الذي يدل على نظيره في هذا الباب وهو وصف الجلال فالحشر ، من وجه آخر ، يكون بالقدرة النافذة وهي من وصف الجلال الذي اتصف به رب العباد ، جل وعلا ، ولا يخلو الجواب ، أيضا ، من مؤكد اللفظ ، وهو الناسخ "إن" ، ومؤكد المعنى باسمية الجملة ، فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : هو حكيم عليم ، والوصفان قد حُدَّا حَدَّ المبالغة إمعانا في الثناء فهما فعيل بمعنى فاعل ، وذلك حد التفضيل في هذه الصيغة من الاشتقاق كما قد قرر أهل الشأن وَنَصَّ صاحب "الكتاب" ، رحمه الله ، ولا يخلو إطلاقهما من عموم يستغرق سائر المعلومات والمحكَمَات ، الكونيات والشرعيات جميعا ، فهو يعم الكليات والجزئيات خلافا لمقال الفلسفة الذي قصر العلم على الكليات المجملة فكذب بالمقادير المفصلة ولازم ذلك قدح في الوصف فالجهل قرين العجز فلا يقدر الرب ، جل وعلا ، على ما يكون من المقدورات إذ لم يعلمها على حد التفصيل وإنما غاية ما يعلم علمٌ مجمل لا يحصل به الثناء الواجب على الرب الخالق ، جل وعلا ، بل فيه من القدح والعجز ما قد تَنَزَّهَ عنه الرب ، جل وعلا ، على وجه يوجب الاتصاف بكمال الضد من العلم المحيط الذي يستغرق آحاد المعلومات ، والقدرة التامة النافذة التي تستغرق آحاد المقدورات ، فالله ، جل وعلا ، بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ، فلا يحصل الثناء في هذا الباب إلا بالعموم المستغرق لآحاده ما دق وما جَلَّ ، ما ظهر وما بطن ، ما كان وما يكون وما سيكون ، فهو يستغرق أجزاء الزمان كلها .

والله أعلى وأعلم .