اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: الهوية والانتماء

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:27 AM

    المشاركات
    4,838
    العمر
    41

    الهوية والانتماء

    أسباب الدين والهدى هي ، لو تدبر الناظر ، مناط الصراع بين قبائل البشر ، فإنها مادة الهوية التي تَتَأَلَّفُ من عقد فكري وحكم شرعي وسياسي ، وهي آية الاستقلال التي تحفظ الحشمة فلا يتحول الإنسان إلى تاجر محترف يحسن يَتَرَبَّحُ ولو بِبَيْعِ الولاءات ذات اليمين وذات الشمال ، على وجه يظهر فيه التَّنَاقُضُ إذ باعثه الربح وهو يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لاختلاف الزبون واختلاف السلعة التي يَبِيعُهَا ، وقد صارت الأديان والأفكار والسياسات والجند والأخلاق .... إلخ ، صارت جميعا سِلَعًا محلَّ مساومة على وجه يخالف عن مبادئ القيم الرسالية بل والقيم الأرضية ، فصارت الدول الوظيفية تَتَّجِرُ في ثَرْوَتِهَا البشرية عوضا أن تديرها الإدارة الراشدة ، فاتخذت من الجند ما وظيفته القمع في الداخل والارتِزَاقُ السياسي والمادي في الخارج ، فذلك مرجع القيم الذي تأرز إليه النفوس الوضيعة ، فالأديان والأوطان ..... إلخ بضاعة يَبِيعُهَا التاجر الماهر بأعلى سعر في مَزَادٍ مفتوح ، بل ويحسن يكسو تجارته لحاءً من المبادئ ، فهو تاجر شريف لا يغش ، وهو صاحب دين وفكر ، وهو ذو طرح جديد في الفكر والسياسة ، وإن لم يخرج الأمر أن يكون تجارة محرمة يتجمل صاحبها فهو خائن لا يَثِقُ في نفسه ولا في غيره ، فالناس معه ، ولو أصحاب الولاء المطلق ، الناس معه في محنة أي محنة ! ، فالمخالف لا يأمن ظلمه فهو شديد البطش إذا تَمَكَّنَ لضعةِ نَفْسٍ وضعفِ عقل ، وذلك أمر جليل الشأن في أخلاق الرجال فلا يطيقه كل أحد ، فَقَلَّ من يَصْبِرُ على الظلم فَيَنْسَى الثأر إذا حصلت له أسبابه ، بل قد يسرف في الانتقام فيجاوز الحد ليشفي صدرا قد تَغَيَّظَ بما انتهك من الحقوق والحرمات على وجه قد جاوز الحدود ، فَقَلَّ من يصبر من أصحاب المظالم فَيُحْسِنُ يَثْأَرُ دون أن يجاوز الحد كما قد صنع صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقد كان ثأره لأجل الفكرة ، فَلَمْ يَثْأَرْ لنفسه وإنما كان ثأره للحق العام فهو ثأر من يقود أمة ، فقيادته تجاوز حد الطبع الذي يسرف في القول والعمل إذا وجد فسحة ولم يكن ثَمَّ لجام من الفكرة والشرعة ، فهما يرشدان الطبع الذي جُبِلَ على الشح والأثرة ، فإذا أطلق له العنان فلا منتهى لطغيانه على وجه يُبِينُ عن لؤم الأصل ودناءة الخلق ، فلا يصبر على قوة السلطان وشهوة الاستبداد إذا حصلت أسبابه ، لا يصبر عليها إلا شريف النفس الذي يحسن الثأر والعفو معا ، فيحكم أمره أن يضع كل خلق في موضعه الذي يلائمه ، فيكون الجلال والثأر في موضع داء قد استحكم فلا يحسمه إلا الاستئصال فصاحبه يُقْتَلُ ولو تعلق بأستار الكعبة إذ جاوز كل حرمة ، ويكون الجمال والعفو إن كان يرجى من صاحبه خير ، أو قضت به الضرورة فلا يخلو من نفع ، ولو حفظ السلم العام فقد يكون للفاجر من عصبة الخير ما قضت به ضرورة النسب في حَالٍ لما تَزَلْ فيها حمية القبيل حاصلة ، فَيُسْتَأْلَفُ قَبِيلُ الخيرِ الكثير بالعفو عن فاجرٍ حقه الأخذ بالذنب ، وذلك أمر دقيق المسلك لطيف المأخذ ، فضلا عن عظم الشأن في الفتيا الشرعية ، وهي ، بداهة ، أَجَلُّ قدرا من الخصومة السياسية ، فالخصومات في السياسة والحرب خصوماتٌ يجد الناظر فيها من فسحة القول تحليلا وَتَقْيِيمًا وتخطيطا وتنفيذا ما لا يجده في فتوى التحليل والتحريم التي لا يَتَوَلَّى كِبَرَهَا إلا من هو أهل أن يُوَقِّعَ عن الرب ، جل وعلا ، فهو يجتهد أن يصيب حكم الوحي في نازلة فحاله حال من يُحَدِّثُ عن الله ، جل وعلا ، فإن لم يكن أهلا فهو مُدَّعٍ ما ليس له في باب لا أعظم منه شأنا ، فَالْبَلْوَى به تَعُمُّ الدين والدنيا مَعًا بما يكون من استباحة دماء وأموال وحرمات على وجه صحيح إن كان المفتي أهلا لذلك وكان من شوكة السلطان حزب عدل لا يجاوز الحد فلا يخرج عن سلطان الوحي ولا يستسلم لداعي الطبع أن يسرف في الثأر اسْتِيفَاءً لحظِّ النفسِ ، ولا يسلم الناس من بَلْوَى أعظم ، إن كان مبدأ الفتيا باطلا يَرُومُ صاحبه التَّزَلُّفَ إلى سلطان جائر قد حصلت في يده قوة القتل ولم يحصل فيها ما يُلْجِمُ رغائبه في الطغيان والاستبداد ، فالفتيا التي تُسْنَدُ إلى الوحي هِيَ ، عند التدبر والنظر ، أعظم ما تَهُونُ به المحارمُ على نفوس من يُقَارِفُهَا مع نقص في الحال ، بادي الرأي ، فصاحبها قد أعرض عن الحق وَرَكَنَ إلى الباطل وأهله اغْتِرَارًا بما لهم من سلطان أو طمعا فيما عندهم من عطايا ، وهو ما يَزِيدُ في الثأر بما يكون في الأرض من إفساد وقتل ، وتلك بضاعة يحسن يَتَّجِرُ فيها أصحاب المصالح ، فانتقال المجتمع من حال السكينة إلى حال تغلب فيها الغريزة ، خوفا وَتَرَبُّصًا وشماتة وَتَشَفِّيًا .... إلخ ، انتقال المجتمع إلى هذه الحال يجعله فريسة الشائعات التي يطلقها تجار السياسة والحرب تحريشا بين الناس فما أيسر التحكم في جماعة قد ضَرَبَهَا الخوف وَتَقَطَّعَتْ أوصالها فلا تحسن تصل رحمها ، ولا تحسن تعدل في الخصومة ، فلا يكون إلا الفجور الذي لا يسلم منه الخصوم جميعا ، على تفاوت ، بداهة ، بَيْنَ الظالم البادئ ومن وقع عليه الظلم ، وإن لم يسلم هو ، أيضا ، أن يجاوز الحد فتلك طبائع النفوس التي تَغْلِبُ إن لم يكن الوحي هو الحاكم المهيمن ، فإن الأخذ بالعقوبة أو العفو والتَّرْكَ أمر لا يقوم به إلا ذو شرعة تَحْكُمُ فَلَهَا السلطان قَضَاءً ، وذو شوكة يُنْفِذُ فَلَهُ السلطان إِنْفَاذًا ، فَالتَّعْجِيلُ بالثأر أمر يُفْضِي ، في الغالب ، إلى فساد أعظم ، إن بِمِعْيَارِ الرسالة أو بِمِعْيَارِ السياسة ، وهو ، كما يَنْقِلُ بعض الفضلاء ، ما اصطلح بعض منظري الشيوعية أن يمسيه "إرهاب الفرد" في مقابل "إرهاب الدولة" التي تمارس القمع بِقُوَّةِ القانون تشريعا وقضاء وإنفاذا ، فحذر الجمهور الثوري أن يستدرج إلى هذا الباب ، فالسلطة تصطنع الذرائع أن تُوقِعَ به فكيف لو أعطاها من ذلك ما تَقَرُّ به عَيْنُهَا من عنف فَرْدِيٍّ لا يُؤَثِّرُ في مركز السلطة وَبُنْيَانِهَا الصلب فَغَايَتُهُ أن يطال بعض حواشيها وإن أصاب من رموزها شيئا فغيره كثير فإن مات زعيم قام آخر ! كما قال الزعيم الخالد ! فلم يكن ثم تغيير رئيس في جسم السلطة التي تَسْتَثْمِرُ هذا العنف الفردي وهو رد فعل إنساني لا يستطيع الناظر إنكاره والتماس العذر له بعين الكون فهي راحمة لا بعين الشرع فهي حاكمة لا تجامل ، فالسلطة تَسْتَثْمِرُ هذا العنف الفردي فتبادر بالقتل والسفك بذريعة الحفاظ على الأمن ، ويكون من ضعة النَّفْسِ الخسيسة إذا امتلكت أداة القتل ولم يكن لها حظ من الرسالة ، يكون منه ما به تَظْهَرُ عظمة النفس الشريفة ، حَالَ أخذت أو تَرَكَتْ ، فبضدها تَتَمَايَزُ الأشياء ، فلا تأخذ إفراطا ولا تَتْرُكُ تَفْرِيطًا ، فلا يطيق هذا الأمر الجليل الذي يسهل حده في كلام يسير موجز ، لا يطيقه إلا ذو نفس عظيمة قد تشبعت بقيم الحضارة التي تهذب أخلاق البداوة ، فأخلاق القمع والأثرة والإسراف في العقوبة والشح في العفو وهو ينبئ الناظر عن شح أعظم يجاوز ما قد يتبادر من شح النفوس في النفقة والإحسان ، ولا يخلو صاحب هذا الخلق ، كما يرصد أهل الشأن ، لا يخلو من شَرَاسَةٍ يُقَارِنُهَا الخوف من سوء العاقبة فَهُوَ يخشى الموت ويخشى القتل فأعداؤه كَثِيرٌ إذ لم يصطنع حالَ ضعفه إلا سادة يخدمهم ، فكان من سابق الذلة ما تحمل أيام ضعته إذ كان مهينا لا يحسن يُبِينُ ، وهو ما يحمله إذا صار له سلطان أن يُسْرِفَ في قمع ذوي الهيئات ممن كانوا بالأمس سادة لا يطيق مجالستهم فضلا أن يكون سيدا لهم ! ، وذلك مثال من البشر يستعمله خصوم أي حضارة في تقويض أركانها ، إذ يحمل من الحقد ما يجعله يَلْتَذُّ بإذلال من فوقه في دين أو دنيا ، فلا يطيق أن يجاوزه أحد وإن كان أحط الناس قدرا فلا يحظى بصحبته إلا أذلة قد أعطوا الدنية ، وأولئك نواة الأقلية الحاكمة في أي نظام فاسد ، فَثَمَّ إحساس الغربة فلا يشعر صاحبه أنه يشاطر من حوله هوية الفكر والتصور ، فلا ينشئ من الأقوال والأعمال ما يستند إلى الهوية الجامعة ، فهو لا يحسن يُبِينُ عن منطقها إذ ليس من أهلها ، كما يضرب المثل ، وهو محل تدبر يَلْطُفُ ، كما يضرب المثل بمحمد علي باشا ، فهو حاكم مصر التي تنطق بالعربية ، لسان الحضارة الجامع في الشرق ، فهو حاكم مصر العربية وهو أعجمي لا يفصح بالعربية ، وهو يحمل اسم محمد وإن كان مشبعا بقيم العلمانية اللادينية ، بل عَلْمَانِيَّتُهُ ، لو تدبر الناظر ، ضد دينية ، بل وضد إسلامية ، فهو يخاصم الوحي الذي يحول دون إنفاذ مشروعه التَّغْرِيبِيِّ الذي يَنْتَمِي إلى محيط آخر من القيم والأفكار ، فَلَوْ نَظَرْتَ في حاله أنه يمثل مصالح المركز في الأطراف فالأمر واضح ، ولو نظرت فيه أنه يُمَثِّلُ نَفْسَهُ فهو حاكم مستبد صاحب ذكاء وطموح ، فالوحي يحول دون ظلمه واستبداده ، فضلا أنه ينطلق ، كما تقدم ، من محيط آخر يخالف عن محيط الرسالة ، فهو ابن المركز سواء أكانت بُنُوَّتُهُ بُنُوَّةَ مبادئ أم بُنُوَّةَ مصالح ، وسواء أكان مشروعه تَابِعًا للمركز تَبَعِيَّةً مباشرة أم تبعية فكر مع استقلاله في السياسة والحرب ، ولو في الجملة ، فتحقيق الاستقلال التام في السياسة والحرب مع التَّبَعِيَّةِ الفكرية أمر نظري ، فالسياسة والحرب لا بد لها من مرجع قيم ومبادئ ، ولو لم تجاوز حد المصالح المادية فلا بد لها من تأصيل فكري يصدر عنه صانع القرار السياسي ، فمحمد علي باشا رجل من طراز فريد فهو ذَكِيٌّ طموح صاحب أناة وَرَوِيَّةٍ في تحقيق أهدافه السياسية ، التكتيكية والاستراتيجية ، وهو رجل جمع الخيانة الفكرية ونظيرتها السياسية ، وهو رجل اجتمعت فيه التبعية للمركز مع هامش استقلال في مشروعه الخاص الذي جاوز الحد قبل أن يتدخل المركز فَيُوقِفَهُ عند حده ويقلم أظفاره التي طالت وإن لم تخمش مصالح المركز على المدى القريب فقد تَخْمِشُهَا على المدى البعيد فالرجل قد جاوز الخط الأحمر ، وهو في جميع الأحوال خطر عظيم على حضارة الشرق الذي يخالفه القيم والمبادئ ، والألفاظ والمخارج ، فهو أعجمي لا يفصح بلغة الوحي ، لا لفظا ولا معنى ، فعجمته ، لو تدبر الناظر ، قد جاوزت عجمة المنطق الظاهر ، فهي عجمة منطق باطن يخالف عن قيم الحضارة التي صاغت الهوية الجامعة في الشرق ، فَانْتَمَى إليها أهلها انْتِمَاءَ الفرع إلى الأصل ، فهي قاعدة أفكارهم وأعمالهم ، وهي أصل الحضارة الذي ينشأ منه قَرَارُ السياسة والحرب ، ولو انطلاقا من غاية أرضية محدثة ، فالأمم كلها ، ذات المبادئ وذات المصالح ، لا بد لها من هوية جامعة ، ولو أجمعت على الباطل المحض ! ، فلا بد من استراتيجية بعيدة المدى تَسْتَثْمِرُ في هوية جامعة ، ولو لَفَّقَتْهَا تَلْفِيقًا ، كما يُضْرَبُ المثل الآن في الشرق بكيان يهود الذي أدرك آباؤه المؤسسون من أول لحظات الميلاد أن البقاء في الشرق أمر محال بالنظر في الأبعاد الحضارية والجيوسياسية والديموجرافية ، فذلك كيان لا حواضن له في الشرق ولا امتداد له ولا عمق في التاريخ أو الجغرافيا أو الديموجرافيا ، فالشرق ، كما يقول بعض الفضلاء ، عرب وفرس وكرد وَتُرْكٌ وأمازيغ ، فَتِلْكَ الأعراق الرئيسة في الشرق ، فليس ثَمَّ وجود لعرق يهود وإن احتملهم الشرق فدخلوا في حضارة الوحي وكانوا من رعايا الإسلام ، ولكنهم الآن قد خالفوا عن هذا التوصيف السياسي فمارسوا ما اشتهروا به من الوظيفية السياسية التابعة وإن كانوا في الظاهر سادة ، فَلَمْ يخرجوا ، مع ذلك ، عن وصف الذلة والمسكنة إلا بحبل من الله ، جل وعلا ، أن يمدهم بأسباب القوة فيظهروا على غيرهم ويسوموه سوء العذاب عقابا ناجزا وإنذارا عاجلا لعل الشرق يستيقظ إذا صُبَّ عليه سوط العذاب من المركز والسوط هو المجموع الوظيفي الذي يَتَرَاوَحُ ، فقد يكون مجموعا وظيفيا محليا كما يرى الناظر في حال النخب السياسية والعسكرية الحاكمة التي ضَعُفَ انْتِمَاؤُهَا لحضارة الشرق بل وَعُدِمَ في أحيان ، سواء أكانوا صناعةَ المركز صناعة خالصة أم كانوا مَرَقَةً عَاقِّينَ لحضارتهم فخرجوا عنها رغبة فيما عند المركز من زهرة السلطان الذي يَبْذُلُ أولئك لأجله ما يبذلون من الأموال والقيم ، والثانية أخطر فَثَمَّ من يدفع من ثوابت الفكرة فضلا عن رصيد الثروة ما يصدق فيه حد الخيانة العظمى المركبة ، الفكرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية ، فكما أن حضارة الرسالة لها رَكَائِزُ في الفكر والسياسة والحرب والاقتصاد والأخلاق ..... إلخ ، فهي دين الحياة ، فكذلك المركز الذي يطرح دينا يخالف عن دين الرسالة ، فهو سلك آخر يَنْتَظِمُ حبات الحياة ، فكرا وسياسة وحربا واقتصادا ، فكل حضارة تطرح دينها أنه الحل الأمثل والسقف الأعلى الذي يعلو كل سقوف الحضارات الأخرى ، فكان من المجموع الوظيفي ما هو محلي الجسد ، مركزي الروح ، فَعَقْلُهُ في المركز رغبا أو رهبا أو هما معا ! ، فيرجو عطاؤه ويخشى حرمانه إذ غلا في اعتباره فمنحه صفة ربوبية في تدبير الكون فهو صانع السياسة بأدواته الفاعلة التي لا راد لقضائها وذلك أَثَرٌ آخر من آثار السياسة الأرضية التي لم تخرج ، لو تدبر الناظر ، عن حد الوثنية ، فهي تأويل دقيق لنظرية الدولة الإله التي انتقل إليها مركز التدبير والتشريع سواء أكان الإله السياسي شخصا حَقِيقِيًّا كما في دولة الزعيم الواحد الذي يختزل السلطات الحاكمة فِي شخصه فضلا أنه يختزل المرجع الفكري والأخلاقي في عقله ، وهو الأخطر ، فهو يُنَصِّبُ نفسه راعي القيم والمبادئ فيختار منها ما يكرس طغيانه ويكسوه لحاء الشرعية بل والقداسة فالخروج عنه خيانة عظمى ، فثم دين سياسة وحرب من خالف عنه فَقَدْ قَارَفَ جناية الردة التي توجب القتل ، حسا أو معنى ، فثم ألوهية تمارسها السياسة الأرضية المحدثة ، سواء أكان الإله شخصا حقيقيا ، كما تقدم ، أم شخصا اعتباريا كما هي الحال في دولة المؤسسات ، وذلك اصطلاح مجمل منه الحق ومنه الباطل ، فالحق منه هو توزيع السلطات على حد الاختصاص الذي يَزِيدُ في كفاءة الإدارة والخدمة العامة ، والباطل منه هو تسلط هذه المؤسسات فهي تمارس الاستبداد ، خشنا أو ناعما ، بما لها من صلاحيات إلهية فتضع التشريعات ولها سلطة القضاء والإنفاذ ، وَلَهَا ، كما تقدم ، سلطة القيم والأخلاق التي يصدر عنها الشرع الحاكم فَانْتَقَلَ إليها مركز الفكر والشرع ، وصار وحي السياسة والحرب من الأرض لا من السماء ، فحضارة الرسالة التي نَزَلَتْ في الشرق ، حضارةُ السماء ، وحضارة المركز ، في المقابل ، حضارةُ الأرض ، فإله الأولى هو الإله الذي في السماء ، وإله الثانية هو الإله الذي في الأرض ، فَثَمَّ تغاير بل وتناقض في المرجعية الحضارية يجعل التقاءهما على كلمة سواء ضربا من الخيال أو الخداع الذي يُسَكِّنُ الخصم ، فغاية ما يكون بين حضارتين لكل منهما إله يصوغ نظرية القيم والمبادئ ونظرية السياسة والحرب ، غاية ما يكون بَيْنَهُمَا هو التهادن ، وقد يداري المغلوب منهما الغالب على وجه لا يَتَنَازَلُ فيه عن قيمه الحضارية ، وقد يداهن المغلوب منهما الغالب طمعا في نَوَالِهِ ، وقد يَنْتَقِلُ عن حضارته إلى حضارة الغالب انْتَقَالَ الخائن الذي تَبَدَّلَ ولاؤه فصار للغالب بعد أن كان للمغلوب ، والغالب يَرَى ذلك إيمانا ، وتلك قاعدة مفاصلة ، فإن أي خارج من حضارة ومنتحل لقيم أخرى تغايرها المرجع والقيم الحاكمة ، هذا الخارج يوصف في دائرته الحضارية أنه خائن ، ويوصف في دائرة الحضارة الغالبة أنه مؤمن قد رشد بعد ضلال فاهتدى إلى الحق والصواب ودخل فيه دخول الاختيار والاقتناع ، فذلك أصل به تكون المفاصلة بين أي حضارتين تَتَصَارَعَانِ على قاعدة : (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، فمن رام الجمع بَيْنَهُمَا فهو مغفَّل أو مخادع .

    وَثَمَّ ، لو تدبر الناظر ، مستوى في السلطة به يستبين القدر الفارق بين الحضارات الحاكمة ، فإن أي أمة لا تستطيع العيش إلا في إطار قانون يحكمها وسلطة تسوسها ، عادلة أو جائرة ، فَثَمَّ سلطة الدين أو القرآن فهي تكافئ الضمير والأخلاق العامة في الحضارات الأرضية ، وَثَمَّ سلطة الهيئة الاجتماعية ، فَقَدْ يَفْتَقِرُ صاحبها إلى مرجع القيم والأخلاق فلا يحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ مقارفة الجريمة المخزِية إلا الهيئة الاجتماعية فصاحبها يخشى الفضيحة في الدنيا وإن لم يخشها في الآخرة فَلَوْ قُرِئَتْ عليه الكتب السماوية المنزَّلة كلها لِيَنْزَجِرَ ما انْزَجَرَ ! ، فإذا ذُكِّرَ بالهيئة والحشمة انْزَجَرَ وسلك الجادة ! ، وثم سلطة الجبر وهي سلطة السيف ، فمن ليس له دين ولا قيم ومن ليست له هيئة في المجتمع فلا يرده إلا الجبر ، كما قد أُثِرَ عن عمر وعثمان ، رضي الله عنهما ، فـ : "ما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن" ، فإن كان فوق السلطة فلا يخضع لقانونها الحاكم ، كما يرى الناظر في المجموع الوظيفي في بلاد الشرق فهو الذي يضع القانون الذي يُوَافِقُ أهواءه ويحفظ مصالح الأقلية الحاكمة فَبِهِ تستبيح حقوق الأغلبية المحكومة ، ولا تجد غضاضة أن تكسره وتجاوز حدوده وخطوطه ، فهي التي وَضَعَتْهُ فلا حشمة له في النفوس ، فليس قرآنا محفوظا لا يقبل النسخ ، وإنما يُحَاكُ منه ما يُحَاكُ على قياس السلطة ، فإن ضاق وجب تَوْسِيعُهُ وإن اتسع وجب تهذيبه ، وذلك إشكال آخر في دولة السياسة والحرب الوظيفية في الأطراف ، فإنها ليست دولة قانون ، ولو أرضيا محدِثًا ، فقد منحها المركز صلاحيات القمع وإن أحسن يلاعبها بدعاوى الحقوق والحريات لتحقيق بعض المكاسب السياسية ، فكان من تحلل الدولة في الأطراف بما يُنْتَهَكُ من الحقوق والحريات والقوانين الحاكمة ما يؤذن بِزَوالٍ قضت به سنة التكوين النافذة ، واختزال السلطات في شخص واحد ، حقيقيا أو اعتباريا ، هو مما يُعَجِّلُ بتآكل النظام السياسي وانهياره وإن حظي بجرعات الإنعاش ، فَثَمَّ زيادة في القمع ، وهي ما تكتم الغيظ ولا تكظمه فَثَمَّ احتقان يتراكم ومآله الانفجار الذي يحدث فجأة بالنظر في لحظة الانفجار ، ويحدث ضرورة في العقل والحس بالنظر في مجموع أسبابه المتراكم ، وثم زيادة في الدعم ، فالمركز يُبَادِرُ بالدعم السياسي والاقتصادي نظير ما يقدم له المجموع الوظيفي من خدمات ، مع تسارع وتيرة التفريط في ثَوَابِتِ السياسة والسيادة ، فالمجموع الوظيفي ، لا سيما العسكري ، يَتَّصِفُ في الغالب بانعدام الرؤية فلا غاية له في الحياة ولا مشروع ، فغالبا ما يكون كائنا مُهَمَّشًا ضحلا في تفكيره فاشلا في تحصيله ، فضلا عن حقد يتراكم على المجتمع الذي أهمله واحتقره فهو يسعى في الانتقام منه بعد حصول أسباب الرياسة في يده ، ولو رياسة صغرى ، فهو يمارس الانتقام في جميع مراحله الوظيفية ، وهو ، مع ذلك ، يتصف بانعدام المرجعية الفكرية والأخلاقية ، سماوية أو أرضية ، فلا ثوابت لا في دين ولا في حضارة ولا في سياسة ولا في حرب ، ولو بالمعيار الوطني العلماني ، فهو آلة سياسة محترفة لا ولاء لها إلا لمن يستأجرها لأداء مهام فكرية وسياسية وعسكرية واقتصادية وإعلامية ..... إلخ ، جامعها الرئيس أنها مهام قذرة فغايتها تحطيم ثوابت الحضارة المنافسة ، فلا بد من خائن يفتح الباب للخصم لينفذ بأفكاره وسياساته ، فالقلعة لا تسقط إلا من الداخل ، كما يقول أرباب السياسة والحرب ، فلا يكلف السقوط آنذاك إلا استئجار خائن أكبر يصطنع هو الآخر مجموعات من الخونة يمارسون أدوارهم الوظيفية المحترفة كُلٌّ في دائرة نفوذه ، والغاية في الأطراف نَقْلُ الشرق إلى المركزية الأرضية التي تضاهي المركزية الرسالية ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، جوهر الصراع بين النبوات وخصومها في جميع الأعصار .
    وفشل الأنظمة الوظيفية كما تقدم من السنة الكونية التي تَقْضِي بِالتَّنَافُرِ بَيْنَ وافد يحكم بالقهر وغالب هو صاحب الأرض وإن صيره المجموع الوظيفي الحاكم ضيفا ! ، فهو يَنْتَزِعُ حريته وملكيته وهو ، قبل ذلك ، يَنْتَزِعُ منه الأخلاق والفكر ، أعز ما يملك الإنسان الذي رُكِزَ فيه من قوة العقل ما أنيطت به أشرف وظيفة في الأرض ، وظيفة العبودية والخلافة لإقامة حكم الرسالة العادل ، فَفَشَلُ هذه الأنظمة ، وهو أمر متوقع لكل ذي نظر في الأطراف أو في المركز ، طال زمانها أو قصر ، هذا الفشل مما يحمل دوائر التخطيط في المركز أن تُبَادِرَ بتقديم التوصيات إلى صناع القرار ، فَثَمَّ من يوصي بدعم هذه الأنظمة حتى آخر رمق والاستفادة منها قبل سقوطها ما أمكن لترسيخ واقع سياسي وجيوسياسي جديد فضلا عن تحقيق الاختراق النوعي في الجانب الفكري تطبيعا مع حضارة المركز ، وَثَمَّ من يحذر من هذا السقوط فمآله فوضى هي من بدائه الطبائع البشرية التي يولد كبتها انفجارا هائلا ، والفوضى حالٌ شديدةُ السيولة يعظم فيها الشر ، من وجه ، فذلك ما لا يجحده ناظر في تاريخ الأمم لا سيما في مراحل الانتقال الحاد ، وهي ، من وجه آخر ، لا تخلو من خير ، ولو بعيد المدى ، فإن إطلاق الحريات التي تمنح الناس حق الاختيار لهوياتهم الفكرية والسياسية يجعل كل أمة تراجع أصولها التي تحفظ كيانها من الزوال ، فمهما اجتهد الخصم في طمس الهوية بقوة السيف الحاكم ، فلا زال في النفوس من مادة المقاومة ما يدفع عدوانه ، وهذه المادة لا تصير فاعلة ذات أثر إلا إذا صدرت عن مرجع يغاير مرجع الخصم فذلك ما يزيد في الخصومة ويزيد الصراع حدة ، فالأمر قد آل أن يكون صراع وجود ومصير ، وتلك معان تشحذ النفوس في الأطراف لا سيما وعندها من مرجع الرسالة ما يُذْكِي هذه الجذوة ، فالوحي مادة توحيد وتحرير يتلازمان ، فلا يكون توحيد للإله الحق إلا بتحرير النفوس من عبودية غيره من آلهة الباطل ، فلا يكون توحيد إلا بعد التحرير من حكم الطواغيت لا جرم كان الكفر بالطاغوت مقدما في آي الوحي على الإيمان بالإله الحق فتلك العروة الوثقى في قول الرب الأعلى : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، فلا بد من تخلية المحل من آلهة الطغيان الفكري والسياسي ، قبل تحليته بالإيمان بالله العلي ، فثم تلازم ضروري بين التحرير والتوحيد ، لا كما يروج خصوم الرسالة أن التوحيد مادة قهر واستبداد فهو يدعو الناس أن يخضعوا ويذلوا فلا يغاير في ذلك أي كهنوت ديني محدَث رام إخضاع الناس لسلطان الجور والاستبداد فكسى الذلة لحاء التدين الذي صار يكافئ في الأذهان الخضوع المهين الذي يأباه أي حر شريف ، فكان رد الفعل العنيف في المركز الذي تَسَلَّلَ منه ما تَسَلَّلَ إلى الأطراف ، فَيَرَى الناظر الآن من رد الفعل انحلالا من ربقة الدين بلغ حد المروق فصار الإلحاد ظاهرة تفشو في مجتمعات توصف أنها محافظة فمنها الآن ما يشكو من آثار القمع المتراكم الذي يمارس باسم الدين تارة وهو الأخطر ، وباسم السياسة أخرى ، فضلا عما يكون من دعاية زور يروجها بعض من ينسب إلى العلم والفتيا ، وزد عليه ما يكون من ركون بعض حركات الإصلاح إلى الظالمين بذريعة النصح الذي أثبتت التجارب أنه لا ينفع ، لأن نظام السياسة في الأطراف في هذه الحقبة التي تخيم عليها أجواء الهزيمة الفكرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والحضارية ، لأن هذا النظام لم يوجد لِيُصْلِحَ ، ولو إصلاح الدنيا فضلا أن يكون إصلاحه في الدين والفكر انطلاقا من قاعدة الرسالة ، وإنما أنشأه المركز ليقمع أي خطر يهدد مصالحه لا سيما إن كان الخطر خارجا من رحم الحضارة التي رسخت جذورها في الشرق فاستئصالها أمر يتعذر وغاية ما حققه المركز أن نجح في إضعافها وحصارها بما أطلق به يَدَ مجموعاته الوظيفية التي مارست من العنف والإقصاء ما كان كفيلا بزوال الحضارة كلها لو كان الخصم خصما آخر غير الوحي الذي تكفل الرب ، جل وعلا ، بحفظه ، وأنشأ له من رجالات التجديد إصلاحا وجهادا ما يحفظ به البيضة وإن اشتدت المحنة في أعصار فبعدها فرج عظيم فذلك وعد الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فما مارس المركز من الضغط على الأطراف في الشرق ، لو تدبره الناظر ، لوجد أنه كفيل بإبادة الأطراف إبادةَ الأديانِ والأبدانِ ، كما صنع المركز في الأرض الجديدة التي أَفْنَى أهلها قبل أن يحتل أرضها ! ، فلم يكن لدى تلك الشعوب من المقاومة الفكرية ما يحفظ حضارتهم من الزوال ، وتلك آية اعتبار لكل عاقل ، فإن السنن الجاري لا يداهن ولا يصانع ، فلا ينجو من هذه الفتنة الحضارية إلا من استمسك بأصوله الفكرية فجعلها رائدة تحكم ، فهي مادة هويته التي بها يقاوم الوافد الغريب الذي ما جاء إلا ليبدل القيم ويستنزف الأمم ، استنزاف الأديان والأبدان ، ولن يحقق ذلك ، كما تقدم ، إلا بمجموع وظيفي خائن أو آخر مفتون مهزوم لا وازع له يحول دون دخوله في دين الغالب ، فهزيمته الحضارية قد ألجأته أن يدخل في دين الغالب سواء أكان يؤمن به حقيقة أم يَتَظَاهَرُ نفاقا ، فهو يطمع في دعم المركز الذي يَرْعَى أتباعه في الأطراف ، فالمركز قد استثمر في هذه النظرية الوظيفية ما يجعله يدعمها حتى آخر رمق ، أو يدعمها حتى اسْتِنْفَادِ الغرض ، ثم يكون المكر الكبار أن يستبدل بها مجموعا آخر يلائم المرحلة القادمة ، فالسياسة لا تثبت على حال ، وقد تقضي بالتحالف مع الخصوم ، ولو على المدى القصير ، وذلك فخ محكم ينصبه المركز لبعض الدعوات الإصلاحية ، لا سيما السياسية ، فغاية ما تُمْنَحُ في إطار الصفقة السياسة البراجماتية أن تلعب نفس الدور الوظيفي ولكن بشروط أفضل وبهامش هوية أوسع لا يبلغ درجة التأثير الفاعل في قرار السياسة والحرب والاقتصاد ، فضلا عن أصل النظرية الحضارية لا سيما في جوانبها التشريعية فتلك خطوط حمراء في أي صراع حضاري ، فهي الفواصل الحادة التي تميز كل حضارة من غيرها ، وهي الفواصل التي يروم المركز الآن تجاوزها في إطار جذاب يُكْسَى لحاء التجديد والانفتاح الذي تحكمه عقلية التاجر المحترف فالأمر لا يجاوز أن يكون صفقة ، وإن كان لها من الأبعاد الفكرية ما يهدم بُنْيَانَ الحضارة في الشرق ، فيكون الأمر في ظاهره مشروع تجارة رائد يوفر فرص العمل وَيُنْعِشُ الاقتصاد ويكون ملتقى لمصالح العالم ..... إلخ ، ولكنه ، إن تدبر الناظر ، واجهة لطرح كامل يجاوز حد التجارة فهو صياغة ماكرة لهوية جديدة جامعة لشعوب الشرق الأوسط الجديد الذي سُلِبَتْ منه أوصاف الرسالة ، فَثَمَّ وافد جديد هو المجموع الوظيفي الخارجي ، مجموع يهود الذي يُبَشِّرُ نظاره بالشرق الأوسط الجديد ، فذلك طرح صنف فيه من صنف من الآباء المؤسسين لكيان يهود ، وغايته أن يكون كيان يهود في الأرض المحتلة هو مركز الحضارة في الشرق وتكون بقية الأمصار حوله أطرافا تستمد منه قِيَمَ الحضارة قبل أرباح التجارة فهو مثل أعلى تَقْتَدِي به الأطراف ولن يكون ذلك ، بداهة ، إلا باستلابها الهوية التي تقاوم بها هذا الاحتلال الناعم ، فلا بد من إضعافها لِتَشْعُرَ دوما أنها في حاجة إلى المركز الجديد ، مركز يهود ، وإضعافها لا يُؤْتِي أُكُلَهُ إلا أن يُطْعَنَ مَرْجِعُ الهوية والفكر في مقتل ، فتصير الأطراف بلا رائد فيسهل على كيان يهود قيادها ، فضلا عن قيادة مركزية أعلى هي ، عِنْدَ التَّدَبُّرِ والنظر ، مَنِ اصطنع مِنْ يهود المجموعَ الوظيفي الراعي للمصالح ، فكان دوره في المجتمعات الأوروبية أن يقوم بالمهام القذرة كالجباية التي يَتَعَسَّفُ أصحاب الإقطاع فيها فلا بد من قوة قمع فكان أولئك هم من تَوَلَّى هذا الدور ، فضلا عن أنشطة الربا والدعارة فهي من وسائل الكسب السريع الذي لا يَسْتَنِدُ إلى أي مرجع رسالي أو أخلاقي ، ثُمَّ كان دوره الجديد في الأطراف ، فليس إلا مجموعا وَظِيفِيًّا اصطنعه المركز للسيطرة على الأطراف في إطار معادلة شديدة التعقيد يصعب التحكم فيها ، فالمجموع الوظيفي اليهودي قد نجح في اختراق المركز فاصطنع هو ، أيضا ! ، مجموعات وظيفية تضغط على صانع السياسات وصانع القرارات ، فصار له من النفوذ ما يراه الناظر اليوم في حال المركز واختياراته السياسية الفجة التي جاوزت حد المداهنة التي طالما التزمها المركز في تَعَاطِيهِ مع بعض الملفات الشائكة ، كملف البيت المقدس ، رعايةً لمصالحه في الأطراف فَثَمَّ الآن تحول نوعي يدل على مدى اختراق يهود لمؤسسة الحكم في المركز فتكاد تكون هي المجموع الوظيفي الذي يحقق به يهود طموحهم السياسي ! .

    والمجموع الوظيفي الذي يحمل مشروع التغريب في الشرق لا بد أن يحظى ولو بحد أدنى من التأصيل فهو يحمل فكرة لا بد لها من صياغة يَتَوَلَّى كِبَرَهَا أرباب النظر ، عَلِمُوا أو جَهِلُوا ، وغالبا ما تكون هذه الصياغة ركيكة في معناها وإن كانت بديعة في مبناها ، فصاحبها قد اكتفى بقشور الحضارة في المركز ، فلم يُتْقِنْ من لسانه ما يجعله يَنْفُذُ إلى أغواره فضلا أن يكون له من رصيد الفكر ما يجعله أهلا لوظيفة النقد فلا يكون أخذه عن المركز أخذ المهزوم المستسلم ، فشرط الناقد قد فاته ، كما يضرب بعض المحققين المثل بالشيخ رفاعة الطهطاوي ، المجدد الفكري الناعم في مقابل محمد علي باشا المجدد العسكري الخشن ، فالشيخ رفاعة الطهطاوي قد قضى ثلاث سنوات يدرس اللسان الفرنسي وقضى ثلاثا أخرى يدرس آداب فرنسا ، فقرأ في كتب السياسة والفكر والاقتصاد والعلوم ..... إلخ ، فهل تكفي هذه السنوات الثلاث لتجعل من الشيخ رفاعة الطهطاوي مجددا في الأفكار ؟! ، ولو بمعيار المركز ، فما يعاب على المستشرق إذ ينقل أفكارا سطحية فلسانه الأعجمي ، وإن أتقن من العربية الألفاظ ، لسانه الأعجمي لا يستطيع النفاذ إلى روح الحضارة في الشرق فهي منطق باطن تراكم من قيم الوحي الحاكمة وآدابه الجامعة فالوافد من حضارة أخرى وافد بلسان آخر يغايرها في المنطق والفهم فلا يستطيع نَقْلَ روحها في المعاني وإن نقل ترجمة لألفاظها ، فما يعاب على المستشرق يعاب على الشيخ رفاعة فإنه لم ينقل إلا القشرة السطحية إذ ليس من أبناء الحضارة الفرنسية وإتقانه لسانها في نقل الألفاظ لا يجعله أصيلا فيها فضلا أنه قد نقلها نقل المهزوم فلم يكن ثم من روح النقد التي يأرز صاحبها إلى معيار محكم من الأفكار والقيم يجعله يحسن يختار فلا يكون حاطب ليل يجمع ما نفع وما ضر دون تمييز إذ المعيار غائب ، ومع ذلك كان من الفرض اللازم الذي لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ! ، أن تصنع هوية جديدة لهذا المشروع التغريبي ، ولو تلفيقا لا يخلو من القهر والتعسف ، إن في الفكرة أو في السياسة والحرب .

    وهو ما يَرَاهُ الناظر ، أيضا ، في كيان يهود فَهُوَ مثال قياسي على نظرية المجموع الوظيفي ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، أعراق ذات جذور راسخة في الشرق من العرب والكرد والفرس والأمازيغ والترك ، ولو تدبر الناظر لوجد أن سلك الوحي قد انْتَظَمَهَا جميعا في هوية جامعة فلم يكن الخلاف والشقاق بَيْنَهَا إلا بعد انقطاع هذا السلك الناظم فكان خروج الفرس بدعاية المذهب التي فرضتها الدولة الصفوية بحد السيف ، وكان خروج بقية الأعراق بسيف الاحتلال الذي قَطَّعَ الشرق أمصارا عقدها الاجتماعي والسياسي يخالف عن العقد الرسالي ، ولم يخل صنيعه من مكر كبار إذ راح يحرش بين الأعراق التي جمعها سلك الرسالة فكان من المظالم البينية ، التركية العربية ، العربية الأمازيغية ..... إلخ ، ما أحسن المحتل استثماره استنادا إلى نظرية حماية الأقليات وإحياء ما اندثر من الهويات التي نسختها هوية الرسالة الجامعة ، فنجح في التَّفْرِيقِ الفكري والعرقي وذلك ما سَهَّلَ بعد ذلك التفريق السياسي والجغرافي ، ولم يكن ذلك ليستتب بعد رحيل المحتل إلا بسيف الدولة العلمانية الصلبة ، فهي المجموع الوظيفي الذي فرض قيم التغريب على الشعوب ، فمثلها ، كما تقدم ، كمثل المجموع الوظيفي اليهودي الذي نجح في صياغة هوية حضارية ذات أبعاد صارمة ، فهي جامعة مانعة تحفظ الكيان من الذوبان في محيطه ، فهو محيط أعداء تاريخيين للحضارة المركزية التي أنشأت هذا الكيان في قلب الشرق ، كما صنعت في الأطراف إذ زرعت في الشرق من الكائنات الوظيفية ، الفكرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية ..... إلخ ، ما زرعت لِتَهْدِمَ شخصيته الحضارية المستقلة فتحوله إلى تابع خاضع ، فهي كائنات لا هوية لها ، وإن كان ظاهرها أنها تَنْتَمِي إلى مجتمعاتها ، وباطنها أنها تَنْتَمِي إلى المركز بما غذاها من قيمه ومبادئه ، فلم تحصل مع ذلك على حق المواطنة الكامل في حضارة المركز فثم حاجز ولو حاجز النشأة واللسان فلا يستوي أصحاب المنطق الأول ، وأصحاب المنطق الملقَّن ، فلا يدرك من دقائق الفكر ما يدركه صاحب اللسان الأول الذي يحسن يميز عباراته فيدرك ما بين المترادفات من اتفاق وافتراق ، ويحسن يضع كل مترادف في موضع من السياق يلائمه ، وذلك موضع ، لو تدبر الناظر ، يجاوز حد الكلمات في عبارات فهو يحكي طريقة العقل في صناعة الفكرة والمبدإ ، وذلك مناط مفاصلة في الهوية والانتماء ، فكل حضارة تصنع أفكارها الخاصة برصيد يتراكم من التجارب الفكرية والسياسية ، فهو رصيد القيم والمبادئ المركزية التي يدور المجتمع حول نواتها الصلبة ، وهي نواة شديدة الأنفة لا تقبل أي وافد من خارج من فضاء آخر ، فلا تقبل تكدير صفوها بقيم حضارة أخرى .
    فَلَمْ يقبل المركز مجموعات الوظيفة في الأطراف قَبُولَ المواطن كامل المواطنة وإن كانت تَبَعِيَّتُهَا تَبَعِيَّةً كاملة فلا تخرج أن تكون تبعية موظف عديم الانتماء فلا هوية له صريحة ، فهو خائن لحضارته ، لا يأمن عاقل أن يستعمله في صناعة فكرة أو مبدأ ، فغايته أن يستعمله أداةً بها يحطم الخصم ، فلا يستأمن العاقل خائنا ، فما يمنعه أن يكرر الخيانة لا سيما ومعياره في الحكم على الأشياء هو ما بيذل من نقد أو عاجل نفع في سياسة أو حرب ، فمنطقه منطق التاجر المحترف ! ، الذي لا يشغله إلا الكسب العاجل دون أن يشتغل ، بداهة ، بصناعة الإنسان الكامل ، إنسان القيمة والمبدإ الذي تستثمر فيه الأمم فهو عماد حضارتها الرئيس ، فلا حضارة تقوم إلا بإنسان ذي أخلاق ، ولا حضارة تقوم بلا عدل ، فهو أعظم قيم السياسة ، ولو أرضية محدثة ، ولا حضارة تقوم بلا حرية ، وإن اختلفت الأمم في حدها تبعا لاختلافها في مرجعية التشريع ، إلا أن ثم اتفاقا في الأصل ، فلا يمكن أن تقوم حضارة بإنسان لا حرية له في الاختيار لا سيما في الشأن العام الذي يترجم ، لو تدبر الناظر ، عن حال الأفراد ، فهو مجموع مركب يحكي حال أجزائه ، فَثَمَّ قِيَمٌ ضرورية في بناء الإنسان والأمة ، قد أجمع عليها العقلاء على اختلاف الملة ، وإن كان ثم اختلاف وتباين في حدها المفصَّل ، كما تقدم ، فالحرية خاصة الإنسان الكامل ، والعدل خاصة الملك الصالح ، والوحي ، وهو مرجع التصور والحكم في الشَّرْقِ ، قد أعطى هَاتَيْنِ القيمتين عناية عظمى ، فجاء بالطريقة المثلى ، فحرية التوحيد الذي يكسر قيد العبودية الأرضية ، وعدله في التصور والحكم الذي يَتَجَرَّدُ من الأغراض النَّفْسَانِيَّةِ ، كل أولئك مما تطمئن به النفس ألا تُضَامَ ولا تُسْتَبَاحَ ، ولو خالفت عن دين الوحي ، فإذا حصل للإنسان عدل وحرية فهو إنسان الحضارة الذي تَسْتَثْمِرُ فيه السلطة الراشدة ، وأما تاجر السياسة والحرب المحترف فلا عناية له بذلك ، بل هو يَسْتَثْمِرُ في تدمير هذا الإنسان ، فكرا وجسدا ، فهو أشد أعدائه بأسا إذ يحمل من معيار الحضارة والهوية ما يفضح خيانته الفكرية والسياسية والعسكرية .... إلخ فهو ، كما تقدم ، خائن بكل معيار رسالي أو أرضي ، فذلك محل إجماع بين العقلاء وإن كانوا بطانة سوء اصطنعها فهي دوائر وظيفية خادمة تكرس خيانته بل وتكسوها لحاء النصر الذي يستحق التهنئة ، فهل رأيت عاقلا يهنئ آخر أن فَرَّطَ في دينه أو أرضه .... إلخ من ركائز القيم الباعثة في صناعة السياسة والحرب ، فهذا الإنسان الوظيفي التاجر ، الذي لا معيار له يحكم إلا ما يكون من ربح عاجل ، وما يكون من سلطان كاذب ، فهو يشبع غريزة الطغيان التي لا يشبعها إلا تدمير الإنسان ، إنسان الحضارة آنف الذكر ، فهو وحده من يأبى الخضوع لسلطان إنسان الوظيفة ، فذلك صراع يَحْتَدِمُ بِمَا قد أُحْكِمَ من سنة التدافع ، فإنسان الوظيفة الفارغ الذي لا يملك أسباب الحضارة يضمر الشر لإنسان الحضارة الذي تضلع من القيم والمبادئ ، فهو يفضح حاله الفارغة إذ بضدها تَتَمَايَزُ الأشياء ، فهذا الإنسان الوظيفي يختاره المركز أو يصنعه على معيار محكم يجعله أبدا تابعا لا يستقل ، بل المركز يَتَقَصَّدُ في أحيان كثيرة إهانته وإذلاله وإظهار ضعفه وخيانته على وجه يقطع الوشائج بَيْنَهُ وبين أي حاضن فكري أو اجتماعي ، فلا يجد بدا إلا أن يُمْعِنَ في الالتحاق بِرَكْبِ المركزِ وإن لم يكن له فيه إلا المؤخرة ، فهو تاجر وضيع النشأة يضاهي صورة التاجر اليهودي في أدب المركز فَهُوَ محل احتقار وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من الثَّرَاءِ فلم يجاوز أن يكون مجموعا وظيفيا يهمشه المجتمع فدوره القذر يستنكفه كل حر ذي مروءة فلا يقبل أن يكون هذا العنصر القذر عاملا رئيسا في صناعة الحضارة ، فَغَايَتُهُ أن يكون عاملا يساعد في أداء الوظائف القذرة ، ومنها وظائف التَّشْوِيهِ والهدم للحضارات بما يقارف من جرائم في حق الأديان والأبدان ، وبما يُزَيِّفُ من القيم والمبادئ ، فقد صارت ، كما تقدم ، سلعة تُبَاعُ وتشترى وهو ما تظهر آثاره في أخلاق الأفراد ، فَثَمَّ ثقافة جديدة تَنْسَخُ ما اصطلح بعض المحققين أن يسميه الثقافة المتكاملة ، فقد نسخت بقشور زائفة من ثقافة أخرى ، فَانْتَقَلَ مركز الدرس والبحث والنظر من حضارة مركزها الوحي إلى أخرى مركزها الوضع ، بل قد اقتصر الناقل على قشور زائفة فاقتبس من شعب الحداثة اللادينية ما يزري بقيمه الحضارية رجاء ما ينتحل من دعوى التجديد ذات الطابع السياسي التجاري ! ، فليست إلا صفقة من جملة صفقات يعقدها التاجر الوظيفي آنف الذكر ، رجاء جاه أو رياسة مع ما تحمله من أسباب الرفاه والرياشة ، فذلك ثمن يُغْرِي أي تاجر وظيفي محترف لا قيمة مركزية في عقله إلا قيمة الربح ولو بذل لأجله الدين والعرض والأرض ..... إلخ من الجوامع الأخلاقية الرجعية ! ، فلا تلائم اقتصاد السوق ذا الأنياب والمخالب ، فهو شطر آخر من دعوى التجديد ، فثم نمط استهلاك لا يعرف إلا التَّرَفَ واللَّذَّةَ غايةً والمالَ وسيلةً ، فوظيفة المال أن يُجْمَعَ من حِلٍّ أو حرامٍ ، وأن ينفق في تحصيل اللذة ، حلت أو حرمت ، فمعيار الحكم بالحسن أو القبح ، بالحل أو الحرمة ، معيار تابع لا معيار حاكم ، فالحكم قد انْتَقَلَ مرجعه من السماء إلى الأرض ، من مركز المبادئ الرسالية والأخلاقية بل والإنسانية الجامعة إلى مركز المصالح التي لا تعرف رحمة ولا شفقة بل تعد ذلك ضعفا يزري بصاحبه فالقوة الغاشمة مئنة من فحولة كاملة ! ، ولو كان صاحبها مخنث الفكر والصورة ، فما أفرط في القوة إلا مئنة من ضعف النفس وخسة الطبع فالقوي إذا حصلت له أسباب القوة رَحِمَ بما يحمل من قيم الأخلاق الشريفة ، فهي القيم الصانعة لإنسان الحضارة الذي يظهر الخير على يديه ويعظم ، فلا يُفْرِطُ ولا يُفَرِّطُ ، وإنما يحسن يستعمل الرحمة في مواضعها والشدة في نظائرها كما تقدم من حال صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلم يسرف في العقوبة وقد صار الأمر إليه واستجمع أسباب القوة القاتلة فلم يقتل إلا آحادا لم يشملهم العفو العام فهو عفو حكيم يحسن يضع الشيء في موضعه فلا يعفو عمن عظمت جنايته وتكررت خيانته فصار مادة شر خالص لا يحسمه لا البتر العاجل ، فأولئك جزاؤهم القتل ولو تعلقوا بأستار الكعبة ، والعفو عنهم ، كما يقول بعض المحققين ، خيانة عظمى ! ، إذ ضررهم أعم فلو آنسوا فرصة لَرَاجَعُوا طريقتهم الأولى ، فخيانتهم أصل لا يحسمه إلا البتر ، ولكل حدث حديث ، فإن ذلك ، كما تقدم ، أمر يدق في الحكم والفتيا وإنما الشأن بيان أصل عام دون حكم خاص فذلك شأن أهل الفتيا ممن لهم في العلم دربة مع إحاطة بقرائن النوازل ، فلا يكون الحكم بأصل عام مطلق دون نظر في قَرَائِنَ تُخَصِّصُ وَتُبَيِّنُ ، والنفوس إذ شَكَتْ من الظلم ما فدح ، فأكثرها يجاوز حد العدل إذا حكم ، وإن كان لها من الفضل والسبق حظ ، فحظ النفس في الثأر قد يسبق ، وهو ما يؤذن بأمواجِ انْتِقَامٍ تتلاطم ، فتضطرب الحال إذ عظم الظلم ابتداء فكان رد الفعل يَثْأَرُ ، ولا يخلو الثأر من حظ نفس وإن اجتهد صاحبه ما اجتهد أن يلجم نفسه فلا تسرف في الحكم ، ولو تدبر الناظر لوجد أن النفس إذا سلكت هذه الجادة ، وهي جادة لا تخلو من رعاية الحظ الخاص ولو بإهدار الصالح العام ، فلا تصلح ، عند التدبر والنظر ، أن تَتَصَدَّرَ فلم تستجمع أسباب الصدارة التي استجمعها صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الفتح إذ عفا مع قدرة أن يعاقب ، وأحسن يحكم في المختلفين فلم يُمَاثِلْ ، بل قد استثنى من عظم جرمه وفحش قوله وعمله ، فكان من الحكمة في الرحمة والشدة أَنْ وُضِعَ كُلٌّ في موضعه الذي يلائمه ، ولم يكن من الإفراط في العقوبة حال الظهور على الخصم ما يحكي خسة طبع تَنَزَّهَ عنها ، بداهة ، صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَتَبَجَّحَ بها ضعاف النفوس وإن ظنوها آية اكتمال فهي خاصة الرجال الذين لا يعرفون رحمة ! ، كما أثر عن وزير عباسي فحل ! ، تبجح أنه لا يعرف الرحمة فلم يرحم أحدا في حياته فالرحمة ضعف فكان من العقاب ما هو من جنس العمل ! فقد أصلاه الخليفة نار الدنيا فحبسه في فُرْنٍ ! .
    فكان من كيد المركز العظيم أن نجح في اصطناع إنسان الوظيفة الذي جعل إنسان الحضارة عدوه الاستراتيجي الأول ، فهو الخطر الذي يَتَهَدَّدُ حضارة المركز بما يحمل من قيم ومبادئ تأرز إلى الوحي ، معدن الإرهاب والعنف الذي يجب استئصال مادته الخبيثة من الأرض ، ولا يكون ذلك إلا بتيار تجديد جارف يمحو أفكار التخلف والرجعية ولو بالقوة الجبرية ! ، كما يرى الناظر الآن من طرائق التجديد وليست لو تدبر الناظر إلا اجترارا لقديم كما يرى القارئ لتاريخ الشرق في تجربة الرائد المجدد محمد علي باشا ، فهو ، كما يصفه بعض المحققين ، ذكي داهية عريق المكر ، وهو ، مع ذلك ، شديد القسوة والجفاوة لم تهذب آداب الرسالة جفاوة طبعه فكان ، كما تقدم ، أعجميا لا يحسن العربية ، فلا يدرك ، بداهة ، من رسالة الوحي ما لفظه عربي على وجه يجاوز نطق الألفاظ ودلالاتها المعنوية وما يحتف بها من القرائن السياقية والعقلية ..... إلخ مما يعنى بحده أهل اللسان نحوا وبلاغة .... إلخ فتلك مظاهر تكشف عن منطوق أدق وألطف وهو منطوق العقل إذ يحد الأفكار ويضع المعيار الحاكم في باب القيم والمبادئ ، فذلك ما يحكيه لسان القول والحال فلا يحصل بداهة لمن لم يحسن لسان الحضارة التي يزعم الانتساب إليها ، فهويته تخالف عن هويتها الجامعة وإن حمل اسما من أسمائها الدارجة ، فما هدمت حضارة الشرق ولا زالت إلا بآحاد من أناسي الوظيفة التَّغْرِيبِيَّةِ أسماؤهم عربية بل ورسالية فهي على اسم صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى اسم عباد الله والرحمن وسائر الأسماء الحسنى ، ولو تدبر الناظر طريقتهم لوجدها تَنْقُضُ الطريقة المثلى نقضا إن في تَصَوُّرِ القيم والمبادئ أو في أحكام الأمر والنهي والحسن والقبح التي انتحل التجديد في القديم وفي الحاضر ! ، انْتَحَلَ معيارها من حضارة المركز بما استقدم من أفكارها وَتَرَفِهَا لهوا ولعبا بلا شرعة تحكم ولا غاية تُحْمَدُ ، فليس إلا التقليد الأعمى الذي يمارسه المفتون المهزوم ، وليس إلا التعجل في قطع أشواط من الحضارة قد تخلف عنها فهو يستدرك ما فاته ولو كَرْهًا بما يقارف من الجناية الفكرية والسياسية فيخالف عن معيار حضارته عمدا فذلك شرط التحاقه بحضارة الخصم فلا يرضى منه إلا أن يعطي الدنية في هويته وانتمائه إلى حضارته القديمة فهي الجنسية التي أسقطها اختيارا ليحظى بجنسية الحضارة الغالبة فلا تقبل إلا خِلًّا على دينها ، فالمرء على دين خليله ، فلا تقبل إلا من رضي حضارتها دينا ومنهاجا على وجه يجاوز ، كما تقدم مرارا ، مسمى الدين الساذج الذي اختزل في العقائد وجملة من الشعائر فذلك جزء رئيس من الماهية الدينية بل هو نواة صلبة ولكنها لا تستكمل التكوين إذا لم يدخل فيها التشريع الذي يسن طريقة الحياة ، ويضع معيار الأحكام الأخلاقية والسياسية والعسكرية والاقتصادية ...... إلخ ، فهو نظام حضارة وثقافة متكاملة لا يقبل ندا ولا نظيرا بل ولا يقبل خصما يُضَاهِي ، فلا ينتحل إنسان دينين إذ الغمد لا يحتمل سيفين ، فإما دين الحضارة السماوية وإما دين الحضارة الأرضية ، فاستقدمت من المركز قشور الحضارة التي ضمنت مادة تغريب تفسد الهوية وتضعف الانتماء إلى الرسالة ، بل وتحرض على حربها ، بل وتخوضها نيابة عن المركز بذريعة المناجزة المصيرية لقوى الفكر الظلامية ، فكلُّ وكيل وظيفي يَتَبَجَّحُ بقدر ما أنجز في هذه الحرب المقدسة ، فَثَمَّ من أنجز على الأرض ، وثم من أنجز في العقل وهو الأعظم بأسا لو تدبر الناظر ، فإن مناجزة الحضارات تكون ، بادي الرأي ، في ساحات الجدال فلا يكون الجلاد إلا فرعا عنها ، وثم ، أيضا ، مثال الريادة والحداثة ، مثال محمد علي باشا ، المثال القياسي لكل مجدد حداثي ، فإنه بعد أن نال الملك بالخديعة والمكر ، صار يَنْظُرُ في بَيْتِهِ السياسي من الداخل فرام تَرْتِيبَهُ قبل أن يشرع في وظيفته السياسية والعسكرية التي جاء لإنفاذها ، فبدأ غدره بالخصم الفكري الذي يمثل المرجع الرسالي ، فهو أعظم الخصوم بأسا بما يملك من قوة التوجيه وبما يحظى به من التوقير ، فلا بد من إضعافه إما بإقصائه ونسبة الجرائم الْمُخِلَّةِ بالشرف والأمانة إليه ، كما يذكر بعض الفضلاء من اتهام محمد علي الشريفَ عمر مكرم أنه يدخل في ديوان الأشراف من ليس منهم نظير أموال يَتَقَاضَاهَا فهو يَبِيعُ نَسَبَ النبوة لمن يدفع أكثر ! ، وتلك جناية تَخْدِشُ وتحدث من دعاية السوء ما يَرُومُ محمد علي باشا في إطار سعيه الحثيث لضرب مرجعية الأزهر ، فيتهم بالخيانة والرشوة رجل من أكبر رجالات الأزهر مكانة ودورا في الحياة السياسية والاجتماعية ، فكان من سعي محمد علي إلصاق التهم بالأزهر ، واستمالته طوعا أو إخضاعه كرها ، مع السعي في إفساده ونشر فضائحه وتلك طريقة ماكرة استعملها من استعملها ليحط من شأن الأزهر ويتخذها ذريعة لإبطال القضاء الشرعي بعد أن يحط من قدر أصحابه في أنظار العامة ، سواء أصح الخبر أم كان اختلاقا فَثَمَّ من يَتَرَصَّدُ أي قادح ، صادقا أو كاذبا ، ليطير به في الآفاق فيحط به من قدر ذوي الهيئات الفكرية التي تحمل قيم الحضارة الرسالية ، أَوْفَتْ أو قَصَّرَتْ ، فمهما كان من نقصها فصورتها ، ولو اسما بلا مسمى ، صورة الرمز الذي يُرَادُ محوه من الأذهان ونسخه برمز جديد لحضارة المركز الغالبة فَيُسَارِعُ وكلاؤه أن يجردوا آلة الحرب في ساحة الفكر والدعاية لتطعن في علماء الديانة فهم ، كما تقدم ، حملة الحضارة وإن قصروا فما تحملوا من مسائل الوحي هو ذخيرة الحضارة في الشرق وإن كانوا أعظم الناس مخالفة عنها كما قد عمت به البلوى في هذه الأعصار على وجه سَوَّغَ الطعن في الدين بما اطرد من طرائق الماكرين فإن الطعن في أولئك ليس مما يُرَادُ لذاته ، فالغاية الطعن فِيمَا تحملوا من علوم الوحي ، نواة الحضارة الصلبة في الشرق فلا سبيل إلى اجتياحها إلا بالطعن في رموزها ، وقد عظمت جنايتهم ، فِي المقابل ، أن أعطوا الذريعة بما كان من إعطائهم الدنية رجاء وظيفة أو عطية فتحولوا هم ، أيضا ، إِلَى مجموع وظيفة تخدم السلطة الظالمة فَتُبَرِّرُ ما تَقْتَرِفُ من الجنايات بل وتجعلها في أحيان مصالح عظمى لا تكتمل مقاصد الشرع إلا باستيفائها ، وهو ما يصادر كلمتها بل ويستعملها في ضد ما وضعت له ، فلم يوضع منصب الفتيا في الأرض أن يُبَرِّرَ ظلم الظالم فيخالف عن الميثاق الكامل بما يُكْتَمُ من الوحي النازل ، فتلك خيانة حضارية عظمى ، لا تَزَالُ نوائب السياسة والحرب تفضحها على وجه آل بكثير من الناس ، لا سيما الشباب وهم القوة الضاربة لأي حضارة ، آل بهم أن يَنْفِرُوا من الوحي ويخالفوا عن معيار الحضارة في الشرق بل ويكفروا به صراحة ، فازدهرت المقالات الإلحادية في بلاد تزعم أنها على الجادة الرسالية ، وكان من حركة التغريب ما ازدهر برعاية وكلاء الوظيفة السياسية سعيا في خلق هوية جديدة تَبَدَّلَ فيها معيار الانتماء ، وذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مما يفتقر إلى رمز صاعق يقارف الصدمة الحضارية بقسوة مفرِطة لا تعرف الرحمة فهي فظة غليظة لا تقيم وزنا ولو لأصحاب الوجاهة من حملة الرسالة سواء أكانوا من حزبها أم من حزبٍ يُعَادِيهَا ، فلا ترعى حرمة من يؤيد ويعضد فكيف بمن يعارض وينكر فَإِنْزَالُ العقاب به آكد ، فلا بد من توحش وعنف بهما يخضع الناس لهوية جديدة يكون الانتماء إليها فرضا حضاريا مُضَيَّقًا لا يقبل التأجيل ولو لم يخرج الوقت ! ، فهو من الواجب على الفور ، وإلا فالعقاب الشديد الذي يحمل الكافة على جادة التغريب ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مئنة من بطلان القول والمسلك ، فإن لجوء السلطة إلى القوة والعنف مئنة من الضعف فلا حجة تصمد فَتُقَارِعُ حجة الحضارة ، فلم يكن إلا العنف المفرط الذي يحرف الأديان ويقهر الأبدان بل ويفرط في ثوابت السياسة والحرب بما يكون من بَيْعِ الأرض والاحتفال بإنجاز صفقة سياسية واقتصادية تأباها الحرة فلا تأكل بثدييها ، فلا اعتبار بهذا المثل الدارج في حضارة الإنسان الكامل ، فهي الحضارة التي تُقِيمُ وزنا للقيم والمبادئ ، فيدرج فيها من الأمثال ما لا يدرج في أخرى لا تقيم وزنا إلا للمكاسب والأرباح فهي تَتَّجِرُ في أي سلعة رائجة ، وذلك ما تعظم بَلْوَاهُ بِتَقَادُمِ الأعصار فلا يَزَالُ قلم النسخ جاريا على كل فكرة ومبدإ ، وإن كانت من البدائه ، فصارت الداعرة ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء وهو يحكي قصصا وَقَعَ فليس خيالا يُضْرَبُ به المثل ، صارت تعتذر عن احترافها هذه الوظيفة الشائنة أن نفقات ما به تَتَجَمَّلُ أضعاف ما تَتَقَاضَى من أجر في وظيفة مرموقة ، فلا بد من رافد آخر يوفر لها النفقة ، ولو اتجارا في البضع ! ، فذلك اقتصاد السوق آنف الذكر الذي يمارس التجارة بأي سلعة ، فَانْتَقَلَتْ ثقافة السوق من وكلاء السياسة والاقتصاد إلى عامة الناس وإن في نخب وظيفة تقارف ما يَنْفِرُ منه المجموع بما استقر في وجدانه من طبع سليم وحس صحيح ، ولو في الجملة ، فَلَمَّا تعم بعد البلوى بالمخالفة عن بدائه وضرورات استقرت في النفوس وإن فاجرة ، فلا زالت صورة الرأسمالية الفجة تَقْتَصِرُ على النخب الوظيفية ، ولكنها ، من وجه آخر ، نخب تحظى بفضاء واسع ، فعندها من أدوات التأثير على الأغلبية المقموعة ما يجعل خطرها يعظم لا سيما إن غاب الناصح المخلص ، بل قد انقلبت الآية فمن ينصح الآن هو مجموع فكري جديد هو رائد التحديث والتجديد ، وذلك ، أيضا ، مما اقْتَفَى أصحابه آثار خالد الذكر ! ، محمد علي ، فقد سَنَّ من الوفود ما كانت غايته ابتداء ، كما يقول بعض المحققين ، أن يُنْشِئَ جيشا قويا وظيفته القمع في الداخل فهو يعيد ترتيب البيت بعد القضاء على مراكز التحكم والسيطرة الفكرية والعسكرية ، فكان ما تقدم من إضعاف الأزهر بالإيقاع بين رجالاته وإقصاء رموزه كالنقيب عمر مكرم والاستيلاء على أوقافه فهي من أعظم أسباب استقلاله بقوة ذاتية لا تخضع لسلطان الحاكم ، وكان ما اقْتَرَفَ من مذابح في حق المماليك ، أقوى المجاميع العسكرية بعد رحيل الحملة الفرنسية ، فَقَضَى على رءوسها في مذبحة مشهورة فانفرط عقد آحادها على الأرض وانصهرت كتلتها الرئيسة إما في المجتمع أو في الجيش الجديد فكانت من العناصر التي تم تدويرها وإعادة تشكيلها على معيار ولاء جديد فهو أداة التحديث التي بدأت بعد ذلك تُنَفِّذُ وظيفتها في الخارج بعد أن قمعت الثقافة المتكاملة في الداخل ، فكان دورها في وأد الصحوة في الجزيرة في حرب ضروس لا تقل ضراوتها عن الحرب التي شنها محمد علي في مصر ، فقضى ، كما يقول بعض المحققين ، على رافدي قوة ، في مصر والجزيرة ، كانا خطرا يَتَهَدَّدُ المركز لو أُعْطِيَ الفرصة لِيَتَبَلْوَرَ في طرح متكامل فلا بد من الإجهاز عليه وإخضاع البلدين لحكم السيف أداة التحديث كما يرى الناظر في حالهما اليوم فَثَمَّ من القمع ما لم يسبق به عهد ، فالحرب المصيرية ضد المرجع الحضاري في الشرق ، وهو معدن الشر ! ، هذه الحرب هي الاختيار الأمثل للقضاء على الإرهاب والتطرف ، وإن كان لكلٍّ منها شق فهما يجتمعان في الغاية وإن اختلفت الوسائل فثم من يشنها الآن بقوة نارية غاشمة وثم من يشنها بقوة فكرية وفنية راقصة ! ، وكلٌّ ، لو تدبر الناظر ، يقدم أوراق الاعتماد لدى المركز فهو وكيله في الشرق وخليفته في الحكم على سنة خالدِ الذكر محمد علي باشا ! ، فكلٌّ ينسج على منواله ، وليس ثم من يقيم حاجز مقاومة يدفع الصائل الذي حمل لواء التغريب ، فالقمع قد أرهب ، وثم ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء نقلا عن بعض رجالات المركز ، ثم عنوان رئيس في أعصار القمع وهو عنوان "المواطن المستقر" الذي يمارس الدين شعائر قد أُفْرِغَتْ من غاياتها الشريفة ، فصارت وظيفة من جملة الوظائف الآمنة ! ، إذ ينتحل صاحبها من الدين ما تَضَعُ السلطة إطاره فهي التي تكتب خطبة الجمعة وهي التي تَقْتَرِحُ موضوعاتها وهي التي تسطر الفتاوى وهي التي توجه الرأي العام أن يؤيد ويختار ما يوافق رغائب السلطة ، والمواطن المستقر مع ذلك التدين الرسمي ! يمارس وظيفة المعاش طلبا للرزق على وجه يُحْمَدُ ، في أصله ، وإنما دخله الذم أن صَارَ غايةً لأجلها يُهْدَرُ ما يُهْدَرُ من مقاصد الرسالة ، وهو يشتغل برياضة الكرة حصرا فهي من أعظم أدوات الإلهاء في الشرق فضلا أنها تَمْنَحُ صاحبها ما قد حُرمَ منه أن يكون ثم قانون صارم فالحكم في المباراة يتحرى قيمة العدل التي حرم منها الجمهور ! ، فكان من خلافة محمد علي ما اقْتَفَى خلفاؤه جادته المحكمة ، لا سيما في صناعة العقل الجديد الذي يَتَوَلَّى وظيفة التحديث ، فكان من بعثات محمد علي ما يُثِيرُ التأمل ، فقد بدأ ، كما تقدم ، بما يعضد آلة القمع الصلب ، فلما استقر الأمر بحد السيف ، كان القمع الناعم فكانت البعثات التالية أكبر عددا ، فأول بعثة ، كما يرصد بعض المحققين عددها ، فهو أربعة وأربعون مُبْتَعَثًا ، أول بعثة كانت نواة صلبة لنخبة جديدة صنعت على عين مسيو جومار الذي أحيى حزب نابليون الذي به تحكم فرنسا مصر ، فتولى مسيو جومار كِبَرَ ذلك بعد فشل الحملة بربع قرن ، فدرس أولئك سنوات قلائل ، وهو أمر ، كما يقول بعض الفضلاء ، يُثِيرُ التعجب فإن سنوات قلائل لا تجزئ في حصول ملكة علمية راسخة تُؤَهِّلُ صاحبها أن يَتَوَلَّى مناصب القيادة في الدولة الجديدة فلم يكن الأمر ، لو تدبر الناظر ، إلا صناعة مجموع وظيفة يَسْتَأْنِفُ حركة تغريب كُسِيَتْ لحاء التحديث فلم يَتَوَافَرْ لها ذلك إذ قد اشتغلت بقشور الحضارة في المركز ، فلم تحقق التحديث ، ولو على شرط المركز ، فضلا أنها لم ترسخ في لسان المركز وهو ، كما تقدم ، آلة الحضارة التي بها تفصح كل حضارة عن قيمها الحاكمة فلم يحمل أولئك إلا قشورا زائفة ، فلم تحظ بالمواطنة الكاملة في حضارة المركز وإن اجتهدت أن تخلص في التَّلَقِّي على قاعدة المغلوب المنهزم الذي بهرته أضواء الحضارة الجديدة فَنَقَلَ قشورها فَلُبُّهَا الفكري يعارض عن لب الرسالة ، جوهر الحضارة في الشرق ، فلم يحسن أولئك لسان المركز ليحملوا أفكاره كلها بل قد اقتصروا على أدوات التغريب في الأفكار وإن كُسِيَتْ لحاء التحديث في الصنائع فواقع الحال الآن يشهد ، فإن الصنائع لم تُنْقَلْ إلا تقنية المستهلك والمقلِّد في أحسن أحواله ! ، وإنما نُقِلَتِ الأفكار بل قد نُقِلَ منها الأسوأ فليتهم نَقَلُوا الحريات السياسية وإنما اقتصروا على الحريات الأخلاقية التي تخرج بصاحبها عن جادة الوحي فتجيز له الإلحاد والانحلال بذريعة الحرية الشخصية ولا تجيز له أي نقد سياسي فهامش الحريات العامة قد اقتصر على الفنون والآداب ولو خرج صاحبها عن الشرائع والأخلاق ، فَتَوَلَّى كِبَرَ ذلك بعثات لا زالت تَتْرَى فقد بلغت في بعض بلاد التحديث في نسخته الجديدة بقيادتها الشابة ! ، بلغت كما يرصد بعض الفضلاء مليونا عَبْرَ سنوات فكان الزرع على مهل وكانت رعايته وسقايته في المركز ، فَتَحَمَّلَ قِيَمَ التغريب لا طرائق التحديث فَعَادَ كثير منهم وقد هُزِمَ بما تَحَمَّلَ من زيف الحضارة وقشورها وصار أولئك الآن هم حزبَ التغريبِ في البلاد وصار لهم من الظهور والاستعلان بما أسبغت عليهم السلطة الشابة المنفتحة من رعاية وعناية ، وهي سلطة أصابها الغرور والصلف ، فكثرت عداواتها ، وضاق أفقها ، مع ما تَتَّسِمُ به من السذاجة الشديدة في اتخاذ القرار فهي ، كما يحكي بعض المنظرين في استقراء أوصاف الطغيان ، تحتكر لقب الصواب بل وتخلع عليه رداء الأخلاق على وجه يُبَسِّطُ الخلاف وَيُسَطِّحُ الأفكار فتصير صورة السياسة المركبة صورة بسيطة فليس إلا صواب مطلق تحتكره السلطة وخطأ مطلق هو وصف الخصم وإن في خلاف فكري أو سياسي يحتمل ، فَصَارَ ما تستحسنه دِينًا يصوغ الهوية الجديدة ، وكل قبيل من البشر ، لو تدبر الناظر ، لا بد لهم من دين يَنْتَحِلُونَهُ على وجه يجاوز حد الدين المتبادر ، فلا بد من فكرة وشرعة بها تمتاز الجماعة عن بقية الجماعات فهي حضارة تأبى الانصهار في غيرها فتحفظ للإنسان كيانا يستقل فهو يجاوز استقلال البدن في الخارج ، فكل إنسان له كيان يغاير غيره فلا يخالف في ذلك عاقل إلا من أصابته لوثة الحلول والاتحاد ، فثم استقلال العقل أن يخرج من ربقة الحضارة الغازية فلا يخرج منها إلا أن يعتصم بفكرته وَيُعَظِّمَ شرعته ، فيكون من انتماء العقل إلى الدين والثقافة ما يحرص عليه أي عاقل ، ولو كان بلا دين ، فلا يخلو من دين فكر وشرعة وعادة في الأخلاق والاجتماع والسياسة والحرب .... إلخ ، فتلك طريقة تنتظم في سلكها الإنسان كله ، روحه وبدنه ، فيكون من انتحال الشرعة والانتماء إلى الفكرة ، والرسالة ، لو تدبر الناظر ، تجاوز حد الفكرة فهي هوية عالمية تستغرق كل إنسان ، فقد جاءت تحرر النوع الإنساني من قيد الطاغوت السياسي ، وهي صورة في الجنان والأركان لا تقتصر على قَبِيلٍ بِعَيْنِهِ ، فإن الرسالة الخاتمة دين يستغرق ، والتوحيد الرسالي ، لو تدبر الناظر ، دين انتظم سلكه الأجيال كلها ، فهو دين الأنبياء ، عليهم السلام ، وإن اختلفت شرائع التحكيم ، فالحكمة قد أوجبت أن تَتَغَايَرَ الشرائع تَبَعًا لِتَغَايُرِ الأمم ، على وجه لا يجاوز حد التوقيف ، فإن الوحي هو الحاكم والعقل له تابع ، وإن كان له فسحة نظر واجتهاد ، فلا تجاوز حد النص ، فهو يجتهد في استنباط العلل والمعاني ، ويجتهد في تحرير المقاصد ، فلا يخرج عن سلطان الرسالة فهي سلك الحضارة الناظم الذي اتسعت دائرته فلم تخرج قبيلا من البشر اسْتِنَادًا إلى لَوْنٍ أو جنس ...... إلخ ، فالوحي قد حسم إشكال الهوية والانتماء ، فلم يعد ثم حاجة إلى عقد يغاير عقد الرسالة على وجه يضيق فلا يجاوز قبيلا أو جنسا بعينه ، فلا يكون ثم صراع هويات جزئية تقطع أوصال الانتماء إلى حضارة واحدة ، فقد صار الناس جيران مصر واحد ، فالأبدان تتجاور بل وتتلاصق من الزحام ، والعقول على أنحاء شتى ، فَكُلٌّ له نسبة خاصة تُغَايِرُ نسبة جاره وهو ما يفضي إلى تمزق النسيج الاجتماعي ، فغابت قيم التكافل إذ ليس الناس على قلب رجل واحد ، فلا بد من سلك محكم ينتظم هذه القبائل والأجناس المتناثرة التي تفتش عن هَوِيَّتِهَا فقد ضلت طريق الهوية الجامعة فاستبدلت بها هويات جزئية تُفَرِّقُ الجماعة الرسالية على أنحاء ، فكان تفتيت الهوية قبل تفتيت الأرض فذلك التدرج في الهدم ، فصار كيان الرسالة الجامع كيانات مفرقة تأرز إلى هويات صغرى تَتَنَاحَرُ ، وقد جاوز الأمر حد الانقسام السياسي ، فقد وقع ذلك في أدوارٍ من تاريخ الشرق ، فكان نشوء الدويلات التي استقلت عن المركز بعد ضعف السلطة في بغداد ، فمع انتهاء الدور الأول من أدوار الخلافة العباسية وتسلط الأتراك والديالمة ..... إلخ من مجموعات الوظيفة في السياسة والحرب ، كان اجتراء الأطراف أن تستقل سواء أكان استقلالها تاما كاستقلال الأمويين في الأندلس والأدارسة في المغرب ، أم ذاتيا باصطلاح السياسة المعاصر ، كما كانت حال مصر الطولونية ومصر الإخشيدية ومصر الأيوبية ، فكل هذه الدول وإن استقلت في السياسة إلا أنها لم تناجز خلافة بغداد مرجع الهوية والشرعة ، فكان الوحي هو صانع العقول وكان الشرع هو الحاكم الذي ينظم العلائق السياسية والاجتماعية ، وإن حدث الشرخ الغائر بظهور الدعوة الإسماعيلية فهي أول خروج مُؤَثِّرٍ طويل المدى يخالف الهوية الرسالية الجامعة ، ومع ذلك لم يستقر هذا الكيان الغريب ، فَلَمْ يَجِدْ بِيئَةً اجتماعية تحتضنه إلا قبائل من المغرب لا رصيد لها من الحضارة فهي تَتَّسِمُ بالبداوة المفرطة وغالبا ما يصاحب ذلك تَدَيُّنٌ مفرط فهو غلو وتعصب لا يَزْدَهِرُ إلا في بيئات جاهلة بعيدة عن مركز الرسالة ، وإن جاورتها في الزمان والمكان ، فإن بُعْدَهَا بُعْدُ العقل عن الفكرة والشرعة ، فاجتمع في تلك القبائل بعد الزمان والمكان وبعد العقل ، فالنبوة شمس تشرق ، وشعاعها يبلغ أنحاء فيعمرها ، ولا يبلغ أخرى فهي خربة ، وتقادم العهد وبعد المصر عن مركز النبوة مما يضعف آثارها وذلك ما يعلم باستقراء التاريخ ، فإن المقالات التي خرجت عن جادة الوحي لم تزدهر إلا بعد انقراض الجيل الأول ، وتقادم العهد بالرسالة فاجترأ المتأخر على الخوض في مسائل جَبُنَ عنها المتقدم ، فحرس الرسالة يقظ وجندها الذي يحمل أخبارها وأحكامها كثيف فهاب المحدِث أن يُحْدِثَ ، فَثَمَّ من يزجر ويردع فهو يناجزه بآي الرسالة ويحسم وسواسه بسيفها العادل ، فلم تظهر المقالات الباطنية التي اشتد غلوها وشططها فخالفت عن جادة الدين كله ولم يقتصر خلافها على مسائل تخرجها من دائرة السنة الأضيق إلى دائرة القبلة الأوسع ، فالمحدثات الأولى لم تُخْرِجْ أصحابها أن يكونوا من أهل القبلة ، وإن خالفوا عن معيار السنة ، فلما بعد العهد بالوحي ظهر مقال كالمقال الباطني ولم يجد مع ذلك رواجا إلا في البيئات البعيدة التي تغلب عليها البداوة ، فكان اليمن وهو مصر نَاءٍ عن قبضة المركز وليس فيه من مراكز الفكر والحضارة ما يضاهي الحواضر الرئيسة كبغداد ودمشق والقاهرة ، كان اليمن مركز دعوة ، وكانت قَبِيلَةُ كتامة حاضن الدعوة في المغرب ، ولم يخل ، مع ذلك ، من مدافعة المالكية ، رحمهم الله ، فهم حاضن الرسالة والسنة في تلك الأرض فلم تخل الساحة من مادة مناجزة تذب هذا العدو الصائل على هوية الشرق ، فهو غريب لا يجد ما يرسخ أركانه إلا القوة المسلحة استنادا إلى مجموع وظيفي بعينه وهو القبيل الكتامي ، فلم يقر ملكه وكان من الثورات المسلحة ما هدد وجوده ، ولم يكن في المغرب من موارد الثروة ما يحتاجه لترسيخ أركانه وبث دعواه ، فلم يخل تطلعه إلى مصر من حكمة في السياسة والحرب فهي كعادتها ! خزان أقوات وأموال ، مع اضطراب في السياسة والحكم ، فَانْتَقَلَتِ الدعوة الإسماعيلية إلى مصر ونجحت في إحكام السيطرة في ظل غياب العنصر الفاعل في المقاومة فلم يكن ثم إلا مناوشات مع بَقَايَا الحكم الإخشيدي ، فالمجتمع قد ضَعُفَ وَانْقَسَمَ بما كان من فساد في الدين والسياسة ، فسهل على الإسماعيلية تمهيد الأرض للفتح ! ، فكان من بث الدعوة وإثارة الفوضى عبر مجموعات وظيفية تسللت إلى مصر في ظل الضعف الذي أصاب الحكم وظهرت آثاره في المجتمع ، فهو في حال استثناء كسائر الأمم التي تمر بأدوار ضعف وانحلال فيسهل اختراقها ثم احتلالها ، الاحتلال المباشر أو الاحتلال بواسطة ، فذلك أمر يتراكم فلا تسقط الأمم فجأة ، وإنما يسبق ذلك أدوار من الإعداد والتهيئة عبر مجموعات وظيفية وافدة وأخرى خائنة فهي من داخل المجتمع إلا أنها لا تدين له بالولاء ، فَثَمَّ إشكال في الهوية والانتماء ، إذ نجح الخارج في استمالتها سواء آمنت بفكره الذي يخالف أو أجرت الأمر مجرى الصفقة فنظرها ينصرف إلى المكاسب ، فلا يمكن لاحتلال وافد يغاير البلاد الهوية والمبدأ ، لا يمكن له أن ينجح إلا وله أذرع وأدوات في الداخل فهي أدوات الإضعاف والتفتيت لجبهة الداخل ، وانقسام المجتمع على أنحاء يدل على هشاشة الهوية الجامعة لا سيما في ظل ما يحصل من أزمات الاقتصاد ، فيضعف الولاء والانتماء إلى الأرض ، وهو انتماء لا ينكره عاقل فهو مما جبلت عليه النفوس فهي تحب الأرض التي خرجت منها ونشأت في مهادها ، وَصِيَانَتُهَا فِعْلُ كُلِّ عاقل فهو يحفظ معاشه ، ولكنه ، مع ذلك ، لا يصلح معيارا أول فهو معيار انتفاع فإذا لم يجد الإنسان ما يَرُومُ من وجوه المنفعة والخدمة فلا يصبر إذ لا معيار يجاوز هذا المعيار الأرضي ، مع كونه من المقصد الضروري ، إن في الرسالة أو في سائر أنظمة الحكم والسياسة فهو محل إجماع بين كافة العقلاء ، فيشبه ذلك من وجه رجوع العقل إلى مرجع في الحكم من داخله في مقابل مرجع الوحي الذي يجاوزه من خارج ، فكذلك معيار الولاء والانتماء ، فهو معيار مركب منه معيار القيم والأخلاق ، ومنه معيار المعايش والأسباب التي بها صلاح الأبدان ، فإن لم يكن ثَمَّ معاش فإن الناس يرجعون إلى القيم فيظهر من التكافل والتراحم ما تستعين به الأمم أن تجاوز المحن ، فإن غابت القيم فتلك المصيبة العظمى التي ترجح المصيبة باختلال المعايش وذيوع الفوضى والجوع والخوف ، فالحال الكاملة : حال الدين الذي به تستصلح القلوب والأبدان ، وحال السعة التي بها تحصل الكفاية في القوت والأمن من الخوف ، وإذا تدبر الناظر أحداث التاريخ وَنَوَازِلَ الحاضر فإنه يجد ضيق العيش من رقة الدين والمخالفة عن أحكامه فَثَمَّ ارتباط مباشر ولو بالنظر في الأسباب المحسوسة بين فساد الدين والأخلاق وفساد المعاش ، فإن الوحي لم يأت بأخبار مجردة وإنما جاء بقيم حوكمة مفصلة بها يحصل الرشد في السياسة والإدارة ، فغايته أن يعبد الناس ربهم ، جل وعلا ، وأن يَنْعَمُوا بما أجرى من الأقوات وأنعم من الثروات والذخائر فلا يكون ثم فساد يستأثر أربابه بأسباب القوة والثروة ، فيحصل الاختلال الذي يؤدي إلى الفوضى والاصضراب فليس أعظم من الظلم هادما للملك ، ولو بَدَا محكمَ الأركان بما يمتلك من أسباب القمع والإرهاب ، فمآله أن يتآكل ، ولو تآكل الأركان فلا يحصل ذلك دفعة ، وإنما يَنْحَلُّ عقد الولاء والانتماء في القلوب شيئا فشيئا ، فالظلم من أعظم الأسباب التي تَزْرَعُ مادة البغض والكره في القلوب فَغَايَتُهَا أن تَثْأَرَ مِمَّنْ ظلمها ولو أضرت بنفسها فغشاوة الظلم قد حجبت عنها العاقبة فلا تَرُومُ إلا ثأرها وتلك حال تَزْدَهِرُ بازدهار الظلم فإذا صار هو الأصل في الحكومة ، فالسلطة الظالمة لا تستكثر من الناس إلا الأعداء ، فَتَتَّسِعُ دائرة الخصومة فلا تكون لقبيل بعينه ، وإنما صارت الرعية كلها عدوا للسلطة فَانْتَشَرَ بُغْضُهَا في القلوب انتشار الأفق لا انتشار الرأس فليس ظاهرة نخبة من المجتمع تناجز السلطة استنادا إلى فكرة رسالية أو مصلحة سياسية أو اقتصادية ، فليس صراع السلطة مع تنظيم فكري أو سياسي ، وليس صراع أجنحة فيها على مصالح سيادية ! ، وإنما جاوزت الخصومة هذا الحد الضيق فاتسع نطاقها وعم تأثيرها طبقة واسعة من المجتمع فانتشارها ، كما تقدم ، انتشار الأفق ، فدائرة الصراع تَتّسِعُ وهو ما يستنزف أي سلطة ، ولو على مكث ، فَتَتَآكَلُ شيئا فشيئا إذ لا تطيق صراعا دائما مع المجتمع كله ، فهو مما لا يحسم بضربة قاضية كالصراع مع أي تنظيم رأسي يسهل ضرب أركانه ومراكز التأثير والتحكم والسيطرة في بُنْيَانِهِ ، فضرب الناس جميعا بقبضة الحديد والنار يفضي إلى انهيار المجتمع واستنزاف السلطة وتآكلها فَقُدْرَتُهَا على القمع ليست مطلقة فليست ربا يقدر على كل شيء ! ، فسرعان ما تفقد السيطرة شيئا فشيئا لا سيما في الأطراف فهي أسرع الدوائر خروجا عن سلطانها ، فلا يبقى لها إلا دوائر ضيقة من النفوذ المباشر ، مع ما تجده من المشقة في ضبط الأمن وتوفير القوت ، فينحل العقد السياسي على الأرض وما ذلك إلا تأويل صحيح لانحلال آخر لعقد الولاء وَالانْتِمَاءِ في القلوب بما كان من المظالم التي تسلب فيها الحقوق ، فيقسو القلب ويغلظ الطبع ولا يحصل من التراحم ما قد أمر به الشارع ، جل وعلا ، فكلٌّ فد اشتغل بخاصته فالأثرة خلق يزدهر بازدهار الظلم الذي يبث الخوف في القلوب فكلٌّ يخشى الدوائر على نفسه وأهله ، ودائرةُ ولائه تَضِيقُ فلا تجاوز خاصة أحبابه ، فيحصل في الوطن الواحد أوطان جديدة فهي جزر قد اعتزل سكانها بقية الجزر وإن جمعتهم رقعة أرض واحدة فقد اختلفت القلوب على أنحاء ، ولم يعد ثَمَّ صف واحد في دين أو دنيا ، لا عجب أن أمر صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالاستواء ونهى عن المخالفة ، فـ : "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" ، فكان من النهي عن المخالفة في الظاهر ما اختص لفظه بجماعة الصلاة ومعناه ، لو تدبر الناظر يعم بالنظر في تسلط النهي على المصدر الكامن في الفعل ، فهو يجاوز جماعة الصلاة إلى سائر الجماعات ، فيستغرق جماعة الحكم والسياسة فلا تصير على أنحاء فلا بد من عقد يجمعها ، والتاريخ ، وهو الشاهد العدل في هذه الخصومات الفكرية والسياسية ، تاريخ الشرق يشهد أن عقد الرسالة هو الذي انتظم هذا القبيل مع اختلاف ألوانه وأجناسه ، فلم يَكُنْ ثم من الخلاف في العقد والهوية ما يَرَى الناظر في هذه الأمصار المحدثة التي اختلفت عقودها فاختلفت قلوبها فصار من العداوات والخصومات ما ردها إلى الجاهليات الأولى ، فكان النهي عن المخالفة في الظاهر ، كما في الخبر آنف الذكر ، وهو ما ينصرف إلى التحريم فهو أعظم ما يُفْسِدُ الود ويقطع العلائق فلا يكون ثم عقد جامع لهذه القلوب التي اختلفت ، فاختلاف باطنها من اختلاف ظاهرها وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، يغذي الآخر بمادته ، فاختلاف الظاهر يرسخ في القلوب الاختلاف فقد امتاز كُلٌّ بحال تغاير غيره ، كما يرى الناظر في تفاوت الطبقات في المعاش فلا يشعر من عَلَا بمن سَفُلَ إذ لا عقد يجمع إلا عقد المادة والحس فالغني لا يساكن إلا الغني بل إنه يأنف من رؤية الفقير فإذا جاوره فهو يسعى في طرده إذ يشوه الصورة المثلى التي يَرُومُ رؤيتها فلا يطيق ما يفسدها من قذر ! ، كما يرى الناظر الآن في مصر من تحسين الصورة في عيون الأغنياء بإزالة ما يجاور دورهم من مساكن الفقراء بذريعة التنظيم وإزالة العشوائيات التي قُدِّرَ لأهلها أن يجاوروا الأغنياء ! ، وقدر لهم أن يعيشوا في أرض جميلة تصلح منتجعا للأغنياء فالاستثمار فيها يحعل السلطة أن تطرد الفقراء وَتُلْقِي بهم في قارعة الطريق لمنح الأرض لمن يدفع أكثر في إطار ما تقدم من نظرية "حقيبة المكياج" ! فهي تحمل صاحبتها أن تحترف البغاء لكي توفر نفقاتها الخاصة التي بها تَتَجَمَّلُ ! ، فَتَتَجَمَّلُ بأقبح فعلة ! ، وكل شيء في إطار هذه النظرية يُبَاعُ وَيُشْتَرَى ، فلا حرمة لقيم أو مبادئ أخلاقية ، فضلا عن الأحكام والشرائع السماوية ، وهي نظرية من يبيع ليشتري أسباب الترف من الكماليات فَلَيْتَهُ يَبِيعُ لِيَشْتَرِيَ الضروريات والحاجيات ! ، ولكن قيم الرأسمالية ، وهي اقتصاد السوق الحر ، قِيَمٌ تجاوز حد الضرورة إلى الترف فلا تصبر عن رفاه العيش فقد صار الغاية العظمى والقيمة المركزية التي يَتَحَرَّكُ لأجلها الإنسان ، ولو تدبر الناظر في تاريخ الشرق لوجد لحظات فريدة استبان فيها القدر الفارق بين حضارة الإنسان الرسالي وحضارة الكسب الوظيفي ، فالحسين ، رضي الله عنه ، قد تأول فخرج ينافح عن قيمة الاختيار التي حاد عنها معاية رضي الله عنه لما تأول هو الآخر تأولا أَبْعَدَ من الحق فعهد بالأمر لابنه يزيد فكان ذلك انحرافا في بوصلة السياسة من شورى الرشد إلى الملك العضوض الذي لا بد أن يفرز في دور تال ملكَ الجبر الذي تُسْفَكَ لأجله الدماء ، فَوَضَعُ الأمر في أسرة أو قَبِيلٍ سواء أكان يأرز إلى عصبة الأسرة أم عصبة المهنة ، المدنية أو العسكرية ، هذا الوضع الشائه الذي يجعل الملك إرثا لا بد أن يفضي إلى الجبر بما يكون من صراع داخل الأسرة أو المؤسسة يتسم بالحسم السريع بما يملك القوي من أدوات السلطة ، فَضْلًا عن صراع آخر يَتَّسِمُ بالتراكم البطيء ، وهو صراع السلطة مع المجتمع الذي يُقْصَى في هذه الأحوال من معادلة التأثير ، فَيَعْظُمُ حقده على السلطة وَتَتَّسِعُ دوائر السخط التي تَنْتَظِرُ من يوظفها لهدم السلطة القائمة ، فكان خروج الحسين مع ما أَفْضَى إليه من مأساة لا زالت إلى اليوم سَبَبًا في الفرقة المذهبية التي تخفي من العصبية العرقية ما هو أعظم ، كان خروجه انتصارا لقيم حضارة في مقابل تأويل سياسة وذلك بمعيار نظرية "حقيبة المكياج" ! ، تهور لا جدوى منه لا سيما بعد أن خان أهل البيعة بيعتهم وانفضوا من حوله ، وكان من اجتهاده أن يرجع ولكنه لما خُيِّرَ أن ينزل على خطة خسف أو يقتل دون عرضه فلا ينزل على حكم وضيع ، اختار الموت الشريف ، وذلك أمر لا يكون إلا من شريف ينتسب إلى حضارة الإنسان الكامل ، فالمجموع الوظيفي الذي يبيع أي شيء يَرَى ذلك مثالية جوفاء إذ لا عائد له في الحس ، فقيمة الكسب المجردة لا تقيم وزنا لخلق أو مبدأ إلا إن جَلَبَ لصاحبه كسبا ! ، فتلك الحادثة مع ما اكْتَنَفَهَا من وجوه التأويل إلا أنها كانت آية تَمِيزُ وحجة تُقَامُ وبها استبان القدر الفارق بين مرجعية المبادئ ومرجعية المصالح ، وبها نَفَى الحسين ، رضي الله عنه ، عن حزب الرسالة ما يَزْعُمُ خصومه اليوم أنه يكرس الاستبداد ويكسوه لحاء الشرعية فلا يكون ذلك فِي شريعة الوحي إلا ضرورة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا لا أصلا راسخا فلا يصير أكل الميتة هو الأصل وقد أَحَلَّهُ الوحي ضرورة تقدر بقدرها ! ، فاستبان القدر الفارق بين مرجعية المبادئ ومرجعية المصالح ، ولو كان لها وجه من التأويل ، فكيف بمرجعية مصالح لا تأويل لها إلا التأويل الباطن ؟! ، كما قد عمت به البلوى في هذه الأعصار ، فصارت المادة قِيمَةً مَرْكَزِيَّةً بها امتاز الناس إلى غني وَفَقِيرٍ ، فحصل من التغاير في الظاهر ما تظهر آثاره في القلوب نفرة ، فلا تستوي الصفوف في دين أو دنيا ، فلكلٍّ وجهة هو موليها وإن كان ظاهر الصورة صفا واحدا فمن فَتَّشَ في أحواله وجد الفرج التي تَنْفُذُ منها الشياطين ، سواء أكانت من الجن أم من الإنس ، فالصف المنقطع الذي يخالف أفراده عن بعضهم ، فلا رحمة بها يتماسون ، وإنما بغضة بها يَتَنَافَرُونَ ، فَيَأْنَفُ الكبير أن يجاور الصغير ، ويأنف الغني أن يجاور الفقير فهو يروم الاعتزال في المطعم والمشرب والمسكن ...... إلخ ، فَيَرَى في نفسه نخبة عُلْيَا لا يصح أن تجاور السفلة ، فَيَقْتَبِسُ من طرائق الفكر والعيش الوافدة ما يجعله يفارق العامة ، فَلَئِنْ جمعتهم أرض واحدة فليسوا إلا فُتَاتًا لا يجمعه عقد واحد ينتظم القلوب ، فانحل عقد الولاء والانتماء ، وصار كلٌّ يُفَتِّشُ عن عقد يخصه ، لا يجاوز حده ، فالنخبة المستعلية إذ خالفت في العيش فاستقلت في المسكن وطرائق العيش فلا تشعر بما يجد الخلق من الضنك بل ذلك قد صار مَثَارَ تَنَدُّرِهَا فضلا أن تستجيز ذلك بل وتوجبه على الرعية التي لا يُؤَدِّبُهَا إلا القمع والفقر فَرَخَاوَةُ العيشِ دلال يفسدها فلا بد من القسوة في التربية التي لا تكون بداهة إلا للعامة ، فالخاصة قد استكملت الآداب فلا تحتاج من يؤدبها ! ، وتلك حال أي طريق في الفكر والسياسة لا تأرز إلى مرجع الرسالة الذي يسوي بين الناس في أسباب العيش فلا معيار به يتفاضلون إلا تقوى لو تدبرها الناظر لوجدها مادة الصلاح في الحال والمآل ، فإذا كانت التقوى حاكمة فإن الكسل والغش والسرقة والرشوة وسائر مظاهر الفساد تنحسر فيعظم الإنتاج وتحصل الوفرة في أسباب العيش ، وهي ، مع ذلك ، ذخر يدخره العاقل في مآله فالتقوى نافعة في الأولى والآخرة وهي تزيد على أي حوكمة عادلة في السياسة المحدثة فلا يقتصر نفعها على الدنيا وإنما تعظم بَرَكَتُهَا فيجد صاحبها من أسباب النجاة ما يسعفه في دار لا حساب فيها إلا بالحسنة والسيئة ، فكان من التقوى ما يجمع القلوب فلا تختلف ، فإذا اتفقت وأجمعت على كلمة سواء كان من ائتلاف الأبدان في الظاهر ما تحكم به صفوف الصلاة والسياسة والحرب ، فيصير رباط الاجتماع وثيقا فالهوية الجامعة سياج يحوط أي جماعة فيصعب على الخصم اختراقها وَتَفْتِيتُهَا فلا يكون ذلك إلا بطرائق من المكر الْكُبَّارِ تسعى في حل العقد الجامع للقلوب ، فإذا اختلفت اختلفت الصفوف وَتَنَافَرَتْ ، فالظواهر ، كما تقدم مرارا ، تحكي ما استقر في البواطن من الأفكار والقيم ، والظواهر مادة تُرَسِّخُ ما في البواطن ، فإذا تشابهت الهيئات الظاهرة فالنفوس تَتَقَارَبُ ، وإذا تقاربت النفوس ، في المقابل ، فالهيئات تَتَشَابَهُ ، فثم اتصال وثيق يعزز الهوية الجامعة ، فإذا انقطع ضَعُفَتِ الهوية فلا تحس النخب بآلام العامة ، ولا تجد العامة ما تناجز به النخبة إلا الغل والغيظ المكتوم ، فَتَتَنَافَرُ النفوس وَتَتَبَاغَضُ فذلك ، لو تدبر الناظر ، من شؤم ما قد نُسِيَ من الذكر ، فيجري عليهم من سنن الأمة النصرانية ما قد ذكر رب البرية ، جل وعلا ، في آي المائدة ، فـ : (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، فكان من اتصال النسبة بين الشطرين ، اختلاف الصفوف واختلاف القلوب ، كان من اتصالهما في الخبر آنف الذكر أَنْ : "لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ" ، ما حُدَّ حَدَّ السببية ، فالفاء في "فَتَخْتَلِفَ" نص فيها ، وهو ما يواطئ الدلالة العقلية إذ تَقْرِنُ بين العلة والمعلول على حد التلازم ، ولا يخلو السياق من دلالة تلازم آخر بين المنطوق والمفهوم ، فإن النهي عن الاختلاف يستلزم الأمر بضده من الائتلاف ، ولا يكون ذلك إلا على كلمة سواء تجمع فهي محكمة لا يقترحها العقل على وجه يضطرب ، فلا يحسن يحده كما يجد الناظر في هذه الأعصار من الهويات الضيقة التي لا تحسن تحد الجماعة إذ قصرتها على معنى يضيق ، فأشبهت بني إسرائيل إذ احتكرت البنوة والمحبة ، فذلك لسان حال الهويات الضيقة فهي تروم احتكار الفضائل الإنسانية ، الجسدية والروحية والسياسية ، فَتَرَى أنها الأعلى ، وأنها الأصلح أن تَسُوسَ الناس لا سياسة العدل والنصح ولكن سياسة الرق والقهر ، فَمَا سواها فليس إلا مجموعا وظيفته الخدمة ، وهو ما يزيد في الجفاء ، وذلك أمر يحصل على مستوى أعم ، فَثَمَّ أمة ترى أنها صاحبة الحضارة فهي سقف الفكر والنظر وما سواها همج همل كما هي الحال في خطاب الاستعمار الحديث الذي استند إلى تحقير الآخر والحط من حضارته فصار يحتاج إلى السيد الأعلى حضارة وفكرا فهو من يستنقذه من الجهل والرجعية بما يفيض عليه من النظم الحداثية وليته حدث بُنْيَانَهُ وإنما تذرع بهذا الاصطلاح الخداع أن يَنْتَزِعَهُ انْتِزَاعًا من هويته التي بها يُقَاوِمُ المستعمر الوافد ، فسهل على المحتل أن يطأ أرضه فقد وطأ عقله قبل ذلك ، فعمليات التفتيت للأرض والانتهاب للثروة لا بد أن تسبق بغزو في الفكرة يسعى في ضرب المعنى الجامع الذي يحكم الصفوف فلا تختلف ، فإذا اختلفت القلوب بما يبث المحتل من أفكار وافدة تغاير عن قيم الجماعة المتوارثة فهي إرث حضارة اتصلت نسبتها بمراجع تستمد منها تصورها للحياة وأحكامها في السياسة والحرب وسائر أحوال المعاش ، فكان التحديث ذريعة التقطيع لهذا الإسناد المتصل ، فإذا فقدت أي أمة تُرَاثَهَا فقد انقطعت نسبتها التاريخية وصارت كائنا بلا نسب فما أسهل أن يدعيه أي مُدَّعٍ فهو لقيط لا أب له في الحضارة والفكر ، فإذا اختلفت القلوب فما بعده أيسر ، فالقلوب آنذاك بلا عقال ، فكل قَبِيلٌ يفتش عن هوية جديدة ، فَيَزْدَادُ الشقاق وتظهر العداوات بين طبقات المجتمع الواحد ، ويحصل من عزلة الشعور ما تظهر آثاره في الخارج ، ولو بعد حين ، فذلك تمهيد لاستيلاء الخصم على الأرض ، أو لتقسيم جديد لها ، يزيدها ضعفا على ضعف فيسهل التحكم في الفتات الجديد فليس إلا فُتَاتًا من فُتَاتٍ تقدمه ، كما يرى الناظر الآن في الشرق ، فالهوية الوطنية المصطنعة لم تحسم مادة الاختلاف بين طبقات المجتمع سواء أكان اختلافها اختلاف السلطة والثروة ، فالناس في حكم الدولة الوطنية في الشرق أسياد ورقيق بَيْنَهُمَا من التباغض ما لا يخفى ، أم كان اختلافها اختلاف عرق وجنس ولون ولسان ، فلم تحسم هذه الهوية الوطنية المصطنعة في مصر الخصومة بين المركز في شق ، والعرب في سيناء وأهل النوبة والبربر وإن قَلَّ عددهم ..... إلخ من الأجناس ، فضلا عن اختلاف أعظم بين المسلمين والنصارى ، فالهوية الوطنية لم تجمع القبيلين ، بل كُلٌّ يُفَتِّشُ عن هوية بِهَا يناجز الآخر ، لا سيما الأقليات فهي تُفَتِّشُ عن الهويات ما لا يفتش غيرها لتحوط نفسها فلا تذوب في محيط تشعر فيه بالغربة والنفرة ، ولم تحسم هذه الهوية المصطنعة إشكال العرب والبربر في دول المغرب ، فلا زال كلٌّ يَرَى نفسه غير الآخر بل لا يَرَى في الآخر إلا خصم حضارة وفكر فهو ساع في مناجزته ما استطاع فيفتش في إرثه من الثقافة واللسان عما به يَسْتَقِلُّ وإن في إطار الدستور الوطني الجامع فَيَرُومُ نصا يشيد بهويته الأخص ويعطيه من الاعتبار ما يجعله هوية داخل الهوية ، ثم دولة داخل الدولة لها فكر ومنطق يغاير وإن في الصوت المسموع والحرف المكتوب ، فاللغة البربرية قد اختارت الأحرف الفرنسية بعد الاعتراف بها لغة رسمية كالعربية ، فاختارت حروفا تغاير العربية ، وهي الحروف الفرنسية ، لترسخ الانفصال الوجداني ، فإن اللسان من أعظم ما يجمع الناس فهو رصيد يتراكم من التاريخ والثقافة المشتركة ، فتعزيز الانفصال في النطق والكتب خطوة تدفع تجاه التقسيم السياسي ، ولو بعد حين ، فمبدؤه ، كما تقدم ، التقسيم الثقافي ، فمن عجب أن تختار حروف المحتل الفرنسي فَتِلْكَ رسالة لطيفة فحواها أن العرب ليسوا إلا وجه احتلال آخر رام القضاء على الهوية والثقافة البربرية ، فكان الترجيح يبن الاثنين ، فاختار البربر أهون الشرين وأدنى المفسدتين ! ، فصاروا أقرب إلى حضارة المحتل إذ اختاروا حرفه فلسان الحال أنهم جزء من هوية أخرى تَنْتَسِبُ إلى شمال المتوسط ما لا تَنْتَسِبُ إلى جنوبه ، فجنوبه الآن تحتله الحضارة الإسلامية بلسانها العربي ، والخطر يزيد بما يكون من حملات تَنْصِيرٍ يجد فيها أهل النوبة في مصر والبربر في المغرب أداة كفاح أخرى يناجزون بها الهوية الصائلة على هَوِيَّتِهِمْ ، فتكتمل أسباب الاختلاف والفرقة ، وَتَتَشَكَّلُ الهويات الجزئية وهي ، كما تقدم ، مبدأ التفتيت للأرض بعد تفتيت العقل والقلب .

    وإذا كانت الدعوة الإسماعيلية ، وهي محل شاهد تقدم ، قد نجحت أن تقيم دولة في المغرب ، فإنها لم تنجح في حسم مسألة الهوية ، فهي كيان غريب يشعر بالغربة والعزلة الثقافية ، فلم يجد مستقرا في المغرب ، وكان رحيله إلى مصر ضرورة سياسية واستراتيجية ، فمصر آنذاك تشكو ضعفا اجتماعيا واقتصاديا وتراجعا في دورها السياسي ، وهذا الضعف يجعل أي بلد عرضة للغزو والاختراق فلا تملك من الصلابة ما ترد به الصائل ، والفقر ، كما يقول بعض الفضلاء ، لا يقتصر ضرره على الأبدان وإنما يشكل الوعي والوجدان فَثَمَّ ثَقَافَةٌ للفقر وهي ثقافة تضعف الثقة وتلجئ صاحبها أن يخضع ويتنازل فيسكت في مواضع لا يجوز فيها السكوت ، فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فكان السكوت خوفا على القوت ، ثم كان السكوت مع ضياع القوت ، فقبضة البطش قد أصابت النفوس بالخوف فأفقدتها الثقة بالنفس ، فلا نفس تُفَكِّرُ وَتُبْدِعُ وتجاوز عتبة التقليد فتجتهد وتصنع من الأفكار والسياسات ما يصلح الأحوال والمآلات ، لا نفس تكتسب هذا الوصف الشريف وهي خائفة جائعة قد افتقدت أسباب الجنان من الأمن وأسباب الأبدان من الأكل والشرب ، فإذا كانت الحال كذلك فالاحتلال يسير ، فالمجتمع قد انقسم وظهرت فيه نزعة العنف والقسوة إذ ازدهرت أخلاق الشح والأثرة وهي الأخلاق التي تروج في النوازل لا سيما والوحي قد عُزِلَ فليس رائدا يهدي الناس في الفتن والمحن فَرُدَّ الناس إلى نفوسهم وهي ظالمة إلا أن يكون لها حظ من الوحي فوحده ما يهذب الطبع ، فإذا رد الناس إلى نفوسهم فليس إلا الجهل والشح ، فكان من انقسام مصر الاجتماعي والسياسي ما سهل احتلالها ، فزحفت جيوش الإسماعيلية ولم تجد مقاومة فالبلاد فد تعرضت لعملية تهيئة وتجهيز ، فكان دور المجموع الوظيفي في بث المقالة المذهبية ، وكان دوره الآخر في إذكاء الأزمات الاقتصادية ، ووفد الجيش الإسماعيلي فلم يجد مقاومة فالمجتمع قد استسلم ولم يعد ينتظر إلا من يحتل البلاد ! ، وانهيار السياسة والاقتصاد يلجئ الناس إلى تعاطي الأوهام الفكرية التي تَتَسَلَّى بها النفوس ، فَتَزْدَهِرُ مذاهب التصوف التي تُسَكِّنُ الروح ولو بمخدر ، فليس ثم رؤية فكر أو سياسة ، فلا تجد النفس إلا الغلو في التصوف ، أو آخر في التَّهَتُّكِ رجاء غيبوبة تخرجها من هذا الواقع البائس ، ومع ذلك لم تجد الدعوة الإسماعيلية بيئة تحتضنها فإن الهوية وإن زلزلت بما كان من اضطراب سياسي واقتصادي لم تَزُلْ ، فَبَقِيَ الإسماعيلية نخبة غريبة ، وهو ما تجلى في اتخاذهم عاصمة ملكية وهي القاهرة ، فأعرض المعز أن يدخل الفسطاط فهي عاصمة الحضارة الأصل التي تخالف عن المذهب الطارئ ، فشخصية مصر الإسلامية السنية تجسدها الفسطاط بأدوارها السياسية والثقافية ، فلئن تراجع دورها السياسي بعد انتقال العاصمة إلى العسكر والقطائع ثم القاهرة ، إلا أنها كانت نواة الهوية الصلبة التي حفظت مصر من التحريف ، فكانت هوية المجتمع في الجملة واحدة وإن أَصَابَتْهَا تصدعات فلم يسلم المجتمع من تأثير المذهب الوافد وإن لم يُلْجِئِ الناس على انتحال مذهبه ولعله تَعَلَّمَ من تجربة المغرب إذ وقع الصدام بَيْنَهُ وَبَيْنَ البيئة المالكية السنية حتى بلغ الأمر حد الصدام المسلح الذي كاد يعصف بالدولة ، فلم يكرر الإسماعيلية في مصر هذه التجربة ، وإن لم يخل الأمر من محاولات ناعمة لفرض المذهب ، بل وَبَلَغَ الأمر في أحيان حد الاستفزاز للهوية السنية كما وقع زمن الحاكم إذ نقش سب الصحابة ، رضي الله عنهم ، على جُدِرِ المساجد والبيوت والحوانيت ، مع ما كان من صدام في المناسبات الدينية الشيعية كعاشوراء فكان استفزاز المحتفلين لعامة الشعب السني بإهانة رموزه ، وَبِوُقُوعِ مصر في قبضة الإسماعيلية فإنها عمليا قد خرجت من سياق التاريخ إذ تحكمها نخبة تغايرها في الهوية ، وإخراج أي بلد من سياق الأحداث لا يكون إلا بقيادة ضعيفة لا تطيق النظر واتخاذ القرار أو أخرى خائنة سواء أكانت خيانتها خيانة فكرية أم سياسية ، وَيَزْدَادُ الطين بلة إذا اجتمع الاثنان ، فكانت الخيانة المركبة التي تخرج البلاد من هويتها فتصير مسخا ، وتخرجها من سياق الأحداث فتصير هملا تابعا ، فالدولة التابع دولة على الهامش تَحْضُرُ مشهدَ السياسة صورةً بلا حقيقة ، فغايتها أداء دور وظيفي خادم ، فتتحول إلى دابة تستأجر فهي لمن يدفع أكثر ، فصارت الأرض والقرار والقوة والثروة والموقع والتاريخ والحضارة ...... إلخ صار كل أولئك معروضا في مزاد السياسة ، ولا يكون ذلك إلا أن تغيب الهوية فيصير الناس في حيرة وانقسام فهم يُفَتِّشُونَ عن الذات فكرا وسياسة بل ووجودا في الحس ، فالأبدان مهددة بالفناء فضلا عن فساد الأديان والأفكار ، ولا ينكر أحد أن الدولة الفاطمية كانت مبدأ حكمها في مصر دولة قوية بلغت أوجها في ولاية المعز والعزيز ولكن ذلك لم يكن إلا حالا مصطنعة فقبضة القمع قوية مع غياب العدل وإقصاء المجموع الغالب من المجتمع أن يشارك في صنع القرار اختيارا وتأثيرا يستند إلى مُثُلٍ سياسية عليا لا تَنْفَكُّ تخرج من رحم الهوية الجامعة للشعب فهي التي تصنع قيمه وعقله الجمعي الذي به ينظر في الحال والمستقبل فيكون قرار السياسة تأويلا صحيحا لثقافة المجتمع وأصول حضارته ، فلم تجد الدولة بدا أن تلجأ إلى النظرية السياسية الكلاسيكية في أي حكومة للأقلية الغالبة ، فهي تستند إلى طاغية في قلب المشهد يعقد التحالفات الوظيفية مع الفئات المهمشة ذات الطموح الجارف ، فهي أقليات لا دور لها في السياسة إن كانت إرادة المجتمع حرة ، فلا يصمد هذا الحكم الطائفي ، المذهبي أو السياسي ، لا يصمد إلا حينا يكون للقائد فيه من القوة ما يجبر الكسر ويكون له من السلطة ما يسرف به في القمع والقتل فيكظم المجتمع غيظه حينا حتى ينحل هذا التحالف الهش بين المجموعات الوظيفية الحاكمة ، فانتهى الأمر فعليا بنهاية حكم العزيز إذ بَلَغَ المنحنى أعلى نقاطه ثم بدأ الانهيار زمن الحاكم وزادت الوتيرة بتصرفاته الغريبة ثم كانت نهاية العصر الأول بعد شدائد وَنَوَازِلَ ضربت مصر ، وأشهرها ذكرا في كتب التاريخ ، الشدة المستنصرية ، وبعدها كانت الفوضى السياسية إذ انحل الجيش وهو عصبة الدولة الرئيسة فلم ينجح نظام الحكم في فرض أفكاره على المجتمع ليصير له من الناس حاضنة يستند إليها فلم يكن ثم إلا القوة ، فلما انحلت وصارت أحزابا ، فكان طغيان جناح على بقية الأجنحة مما أثار السخط العام في قطاعات واسعة من الجيش لم تَرْضَ باستكثار أم المستنصر من الجند السوداني ، أبناء جلدتها ، فلم يرض الأتراك والمغاربة ، فكان من الصراع بين الأجنحة ما أفضى عمليا إلى تقسيم البلاد على ثلاثة أنحاء ، فاضطر المستنصر أن يستقدم عنصرا جديدا وهو العنصر الأرمني بقيادة الأمير بدر الجمالي الذي استلب صلاحيات الحكم من الخليفة فبدأ عهد الوزراء وضعف منصب الخلافة لا سيما بعد الانقسامات الفكرية بين نزارية ومستعلية ثم حافظية وَطَيِّبِيَّةٍ ، وفي غضون ذلك سقط البيت المقدس ، وسقوطه ، لو تدبر الناظر ، إعلان وفاة مبكر لهذه الدولة ، فاستغرقت الوفاة الرسمية زمانا وكان الحل أن ترجع مصر إلى هَوِيَّتِهَا فتستعيد دورها التاريخي في الشرق ، وهو ما نجح الملك العادل نور الدين ومن بعده الملك الناصر صلاح الدين في تحقيقه ، فلم يكن المصريون آنذاك يجتاجون من يُعَرِّفُهُم هويتهم وإنما احتاجوا إلى من يحررهم من المحتل ، وتلك قاعدة ، لو تدبر الناظر ، فالشعوب في حكم القمع تَتَخَبَّطُ بين الهويات فلا تحسن تحد نفسها الحد الصحيح فإذا حررت من قبضة الاحتلال سواء أكان أصيلا كالاحتلال الإسماعيلي فهو صاحب مشروع مستقل ، أم وكيلا وظيفيا فليس إلا تابعا لمشروع الخارج ، فإذا حررت فهي آنذاك تجد فسحة نظر أن تسترد هويتها فتلك عودة الروح إلى الجسد السياسي الميت ، فخرجت مصر من موتها السريري بانتهاء الحكم الفاطمي الذي لم يكن يوما يمثل هويتها وإن صادر قرارها السياسي والعسكري ، فلا تسأل أي شعب مقهور جائع عن مسائل الهوية الفكرية والسياسية قبل أن تَتَحَرَّرَ إرادته ، لا عجب كانت رسالة التوحيد ، عند التدبر والنظر ، رسالة تحرير للأمم رائدها ما قال ربعي رضي الله عنه : "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" ، فذلك عنوان رئيس لأي حضارة فاعلة في صناعة التاريخ فلا يصنعه الرقيق وإنما يصنعه الأحرار ، وأعظم أجناس الحرية أن يتخلص الناس من رق الأرض وتكون عبوديتهم خالصة لرب العرش ، جل وعلا ، فلا هوية بلا حرية ، إذ لا قول لِمُكْرَهٍ مقهور فالطاغوت يحتكر الخطاب نيابة عنه ويضع له من معيار الحسن والقبح ما يوافق هواه ويصنع له من النخب الوظيفية من يشوه ذاكرته ويقمع حركته ، ونخب الفقر لا تقتصر على نخب التجارة التي تحتكر الأقوات فَتُفْقِرُ الأبدان وإنما تجاوز فقر الأبدان إلى فقر الأديان والأفكار فهي تفسد العقل وتقزم الطموح وَتُزَيِّفُ الوعي وتضعف الثقة في النفس وإن كان لها من الملكات والمآثر والموارد ما يؤهلها أن تَتَصَدَّرَ فكان القمع الوظيفي الذي استغرق المادي والمعنوي فكيف يصنع مجتمع تلك حاله ، كيف يصنع حضارة أو يقيم عمرانا في الأرض فضلا أن يحمل رسالة قيم ومبادئ ؟! ، وكيف إن كانت رسالة الوحي التي لا تطيقها إلا النفس الشريفة ؟! ، فالقول الثقيل لا يطيقه إلا الرجال ، ودولة القمع والاستبداد لا رجال فيها يتصدرون فلا يظهر في مشهد السياسة والحرب فيها إلا الأقزام الذين يبذلون ثمن ولايتهم من ديانتهم ومروءتهم فضلا عن خيانتهم التي تجاوز حد السياسة فهي تدين بالولاء لمن مَهَّدَ لها سبيل الملك ومن حفظ لها صورة الحكم فتقدم ما يراه وإن أضر بالرعية فلا مِنَّةَ لهم عليه لِيَرْعَى فيهم إِلًّا أو ذمة ، ولو ذمة سياسة عقدها المصالح ، فضلا أن تكون ذمة ديانة عقدها المبادئ ، فلا هوية بلا حرية في النظر ، ولا حرية بلا هوية ، فإنها تحرر الأمة من التبعية لغيرها إذ تحسن تحد القيم والمبادئ وتضع من مناهج الحكم والسياسة والحرب والأخلاق ما به تمتاز الأمم ، فذلك قانون يستغرق كل أمة ، مسلمة كانت أو كافرة ، وأخطر ما تَمُرُّ به أي أمة في تاريخها أن تَفْقِدَ هَوِيَّتَهَا أو تحار في حدها ، فذلك يهدد وجودها إذ تَنْصَهِرُ في بوتقة الغالب فلا يكون لها من الشخصية الفكرية والسياسية المستقلة ما يجعلها فاعلا في صناعة الحضارة والتاريخ ، فالهوية تحدد القيم والمبادئ وتضع يد الساسة على نقاط القوة وتعين لهم أهداف الأمة التي اجتمعت على كلمة سواء ، فإذا تَفَتَّتَتِ الهوية تَفَتَّتَتِ الأرض ولم يعد ثم معيار به يحد العقد السياسي والاجتماعي الذي اختزل في شخص النظام الحاكم أو رأسه الفاشل ، فصارت البلاد لمن يدافع عنها ! ، وحقيقة الأمر أنها لمن يدافع عن نظام الحكم فهي لمجموعات الوظيفة الخادمة ، كما سمع الناس من خطاب معتوه ولي أمر الشام فجعل البلاد لمن يدافع عن النظام ، فلم يعد ثم هوية واحدة إذ من يدافعون عنه أخلاط كثر تختلف توجهاتهم وإن كان ظاهر أمرهم واحدا فعليهم يصدق الوصف الجامع في قول الرب الخالق جل وعلا : (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) .

    وفي حكم الطغيان لا يَتَعَلَّمُ الناس إلا الجهل ، كما يقول بعض الفضلاء ، فالجامعات والمعاهد أدوات تهدم العقول وإن أعطتها بعض العلوم فلا تصنع بها عقلا يبتكر فغايته أن يكون موظفا يمتثل ، فهي تَتَأَوَّلُ نظرية المستعمر في تعليم الأطراف ، فلا يجاوز حد الإجراء البيروقراطي الذي يبغض التجديد ويكره أي ثورة ولو كانت تروم التغيير إلى الأحسن ، فذلك عقل حكى التَّنْزِيلُ وصفه في قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) ، فهو عقل بليد غايته التقليد لما ورثه من قيم ومبادئ ونظم في السياسة والتعليم والإدارة ، وذلك ما يُرْضِي المستعمِر ، فقد وضع من سياسة التعليم والتثقيف ما يحقق أغراضه في الأطراف ، فلا يريد أطرافا قوية فاعلة ، وإنما يريدها خاضعة تابعة ولن يكون ذلك بداهة وثم عقل واع يدرك الحقائق فيحسن يحد الهوية والقيم العليا السياسية فَثَمَّ مقومات رئيسة هي الخطوط الحمراء التي تحفظ بُنْيَانَ المجتمع فلا ينهار ولا يذوب في غيره ، لا جرم كانت عناية النظار في العصر الحاضر أن يدرسوا صناعة القرار في أي كيان سياسي فهو تأويل لجملة من المؤثرات ، في الداخل وفي الخارج ، وكلما زاد المؤثر الخارجي كان القرار تابعا ، وكلما زاد صراع الأطراف في الداخل كان القرار مضطربا ، فهو يخضع لتوازنات قوى لا هوية لها إلا المصلحة وهي معيار مادي قد يصلح في إنشاء شركة ، فلا يقوم عليه بُنْيَانُ دولة إلا إذا تحولت إلى تاجر يحتكر الأقوات ، أو دولة وظيفية تستأجر فأجنحتها تختلف في اقتسام الثمن ! .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 55108

    الكنية أو اللقب : ماجدة العسال

    الجنس : أنثى

    البلد
    تن

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : أقل من جامعي

    التخصص : cairo

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل15/5/2019

    آخر نشاط:15-05-2019
    الساعة:09:02 AM

    المشاركات
    1

    شكراااااااااااااااااااااااا جدااااااااااااااااااااااا

    التعديل الأخير من قِبَل ماجدة العسال ; 15-05-2019 في 09:01 AM

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •