نداء الناس مما اطرد في الوحي الخاتم ، وهو ما يعقبه في أحيان كثيرة : أمر ونهي ، فهو مما يسترعي الآذان والأذهان ، ونداؤهم في الكتاب العزيز كسائر مواضع النداء إذ يخاطب الخالق الأعلى ، عز وجل ، المخلوق الأدنى ، فحسن نداء البعيد فتلك دلالة "يا" ، فهي مئنة من البعد ، وهو جنس يستغرق ، فمنه بعد الذات ومنه بعد الوصف ، وكلاهما يراد في هذا الموضع ، فالرب ، جل وعلا ، بعيد بذاته ووصفه قد باين المخلوق فلا يخالطه ولا يحل فيه ولا يتحد به ، فله العلو ذاتا ووصفا ، فكان نداؤه نداء الأعلى الذي لا يضاهيه خلق ، فليس كمثله شيء في الذات والوصف ومنه العلو ، وهو كالبعد ، فمنه علو الذات ومنه علو الوصف ، الشأن والقهر ، فمعنى الجلال فيه أظهر ، وكلاهما مما يراد في هذا السياق ، وهو أليق بالتكليف فلا يكون إلا من سيد قد علا فتوجه أمره إلى العبد فهو أدنى في المكان والمكانة وإن كانت تلك ، لو تدبر الناظر ، أشرف رتبة ينالها المخلوق فإنه كلما خضع للرب المعبود ، جل وعلا ، وانقاد ، فصدق وآمن ، وَاتَّبَعَ الشرع أمرا ونهيا : كان أكمل في الوصف ، فكان من نداء البعيد ما توجه إلى الناس ، مؤمنهم وكافرهم ، فاستغرق كل إنسان ، فبعده كان الأمر في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) ، فذلك أول تكليف ، وهو مما عم الخطاب به كل إنسان ، فهو أصل لِمَا بعده ، وهو مما عم إذ أطلق ، فاستغرق أجناس العبادة كلها ، فعبادة الله ، جل وعلا ، اسم ذو شعب وأركان ، فثم أصل أول وهو التوحيد ، وثم فروع عنه تصدر ، منها الفرائض والأركان ، ومنها ما دونها من الواجبات ، ومنها المندوبات ، ومنها المحرمات والمكروهات ، والتكليف فيها تكليف ترك ، فيدخل في حد العمل ، فهو جنس يستغرق ، فمنه الفعل إيجابا ومنه الترك سلبا ، فاستغرق الأمر جميع أجناس التكليف ، بل ودخل فيه ، من وجه ، ما لا يظهر فيه وجه الإلزام والطلب ، بادي الرأي ، وهو المباح ، فهو واسطة القسمة بين طلب الفعل في الواجب والمندوب ، وطلب الترك في المحرم والمكروه ، وهو ، لو تدبر الناظر ، لا يخلو من معنى التكليف ولو اعتقادا لا سيما إن فشا الغلو في هجر المباح إرادة التنسك ، وهو ما يفشو في أعصار ينكب فيها الناس على اللذات فَتَسْفُلُ الهمة إذ لا جليل يشغلها ، ولا عظيم يرشدها ، فلا غاية ولا رائد ، بل قد أسلم الناس القياد طوعا ، أو أُسْلِمُوا كرها إلى رءوسِ دينٍ وسياسةٍ أفسدت عليهم دنياهم وأخراهم وإن كان لهم حظ من الذم ، فما علا السفلة وصاروا رءوسا إلا والناس في غفلة فأرسل عليهم الرب الجليل ، جل وعلا ، شياطين منهم قد ضلوا وأضلوا فصار الناس كالبهائم التي لا يشغلها إلا طلب اللذة وتعاطي أسباب البقاء التي تحفظ الأبدان ، فلا جنان يدرك معنى التكليف ، فكان من انكباب الناس على الشهوة ما قابله الغلاة بالجفوة ، فغلوا في الترك كما قد غلا الآخرون في تعاطي أسباب الشهوة ، والحق وسط بين طرفين ، غال وجاف .
وكان من ندائهم في موضع آخر ما استرعى النفوس لتنصت فثم خبر يبين ويفصح ، ولا يخلو من دلالة الإنشاء إذ ينهى ويأمر ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ، فهو يأمر بالتقوى وينهى عن الفجور ، وهو يأمر بالعدل والقسط وينهى عن الكبر والظلم ، فالناس جميعا من أصل واحد ولا معيار به يتفاوتون إلا تقوى ذي الجبروت ، جل وعلا ، فكان النداء الذي عم ، وذلك أليق بالسياق إذ يحسم مادة العجب والاستعلاء بالعنصر ، فلا يميز الإنسان إلا تقواه ، تقوى العقد والقول والعمل ، فهي ، أيضا ، جنس قد استغرق ما تحته من الأحوال الباطنة والظاهرة ، فالتقوى وإن كان مبدؤها في الجنان فهي مما تظهر آثاره نطقا باللسان وعملا بالأركان ، فعمت الأحوال والمحال جميعا ، فكان من نداء الناس ما استغرق كل إنسان ، بل إن دلالته قد تُجَاوِزُ فهي تستغرق كل من يصح تكليفه ، فتوجه إليه أمر العبادة ، وكان من نداء الناس في موضع ثالث ما أردف بأمر الإباحة ، فلا يتوجه به التكليف كما الأمر ، بادي الرأي ، فالأصل فيه الإيجاب أو الطلب على أدنى حال فهو يفيد الندب إذ لا يخلو من معنى الطلب وإن خلا من معنى الإلزام ، فكان من قرينة السياق ما صرف الأمر إلى الإباحة في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا) ، فالأكل فعل جبلة ، وهو مما يُبَاحُ في الجملة ، فبه قوام البدن ، فلا يظهر فيه وجه التكليف ، إلا أن يكون اعتقاد الإباحة وقبولا للمنة الكونية من رب البرية ، جل وعلا ، إذ خلق الحلال الطيب وجعله الأصل ، فتلك دلالة العموم المستغرق في "ما" الموصولة في "مما في الأرض" ، فضلا عن دلالة "أل" في "الأرض" فهي تستغرق ، فعمت المنة زمانا ومكانا وأعيانا ، فما من زمان إلا والطيب فيه مبذول ، وما من مكان إلا والطيب فيه غالب بالنظر في الأعيان إباحة وطهارة ، فالغالب من المطعوم والمشروب حلال ينفع ، فدلالة الأكل في الآية لا تَقْتَصِرُ ، لو تدبر الناظر ، على الفعل المتبادر من تَعَاطٍ ومضغ وبلع ، وإنما يستغرق المشروب والملبوس والمركوب وكل ما يُنْتَفَعُ به من المباحات ، فمعناه يُرْفَدُ إذ يستغرق جميع وجوه التعاطي للطيب النافع من الأعيان ، فالبدن به يلتذ وعليه يقتات وبه يستعين على ما أنيط به من التكليف ، وذلك وجه يدق في القصد ، فثم من يجاوز بالمباح حكم الجواز إلى الإيجاب أو الندب إذ يتوسل به إلى واجب أو مندوب ، فيثاب عليه ثواب الوسائل .

فكان من نداء الناس ما قد عم بدلالة "أل" في "الناس" ، فضلا عن دلالة الاسم ، اسم الجمع "ناس" ، فمفرده إنسان على قول ، إذ قد اختلف في اسم الإنسان أجامد هو أم مشتق ، وإذا كان مما اشتق : أشتقاقه من النسيان أَمِّنْ غيره ، فيكون اشتقاقه من النوس وهو الحركة ، وهو ما قيل في اسم الناس ، فَثَمَّ جنس عام صدرت عنه المشتقات ، المفردة والمجموعة ، فالنوس خاصة من خصائص الإنسان ، فهو كائن حي متحرك بالإرداة فيختار الفعل تارة والترك أخرى ما لم تكن ثم شبهة إكراه يلجئ فهو يسلب الإنسان فضيلة الاختيار بعد التدبر والتعقل فذلك مناط التكليف الملزِم ، فكان اشتقاق الاسم المفرد "إنسان" واسم الجمع "ناس" إذ لا واحد له من لفظه ، وإن كان ثَمَّ من المفرد ما يدل على واحده بالنظر في المعنى لا اللفظ ، كما يقال في لفظ امرأة فهو مفرد يحكي الواحد من النساء ، وإن لم يكن من لفظه أو مادة اشتقاقه ، وقد يَرِدُ على جنس الاشتقاق العام ، جنس النوس وهو الحركة ، كما تقدم ، قد يَرِدُ عليه أن الحركة ولازمها من الحياة ، فلا حركة اختيارية بلا حياة ، فهي أصل كل وصف وكل اختيار ، قد يَرِدُ عليه أن الجماد يتحرك ، ولكن حركته ، لو تدبر الناظر ، اضطرارٌ سواء أكانت بفعل فاعل من الأحياء يحركه أم بفعل سنن كوني كانحطاط الشيء من أعلى إلى أدنى ، فسنن الجذب سنن اضطرار فالشيء إذا تُرِكَ فإنه يسقط دون حاجة إلى إسقاطه ، فثم سقوط حر لا يحتاج إلى جهد ، كما يقال في هذه الأعصار في آداب السياسة والحرب ، فثم من الدول ما قد تهاوى أو كاد ، فهو هش قد تآكلت أركانه وأوشك بنيانه أن يسقط فلا يحتاج إلى من يسقطه فلو ترك لسقط وحده بلا عناء ، كما هي الحال في أمصار الشرق في هذه الأعصار وقد بَلَغَ بها سنن التكوين كل مَبْلَغٍ بما قد خالفت عن سنن التشريع فَضُرِبَتْ بالذل إذ عطلت الوحي ، فليس ثم ما يحمل العاقل أن يتعجل فسنن الرب ، جل وعلا ، في الدول والممالك كسننه في الحجر ، فلا يسقط الجبل ويندك دفعة إلا آية تكوين لا يقاس عليها فهي استثناء يخالف عن الأصل ، كما في قوله تعالى : (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) ، فكان من دك الجبال ما حدث دفعة آية تكوين تخالف عن سنن العادة .
فالحركة والنوس جنس عام ، فمنه نوس الاختيار وتحته نوس يدرك بالحس الظاهر كحركة الإنسان والحيوان ، وإن كان وجه الاختيار في نوس الإنسان أظهر منه في نوس الحيوان ، فإرادة الإنسان أكمل إذ تصدر عن علم أكمل ، فقوة التعقل في جنانه الباطن أكمل منها في جنان الحيوان ، فالإنسان يدرك من دقائق المعقولات ما لا يدرك الحيوان الأعجم ، فكان من حركته ما يصدر عن عقل كامل فهو مناط التكليف الذي فُضِّلَ به الإنسان على الحيوان الأعجم ، وَفُضِّلَ به على الجن ، وإن شاطره التكليف كما قد أبان عنه الذكر الحكيم في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، والعبادة أشرف أجناس الفعل الاختياري فلا يصدر إلا عن عقل كامل ، فكان من التفاوت في التكليف ما يصدر عن قوة التعقل ، فكلما زادت زاد التكليف ، فالحيوان الأعجم عنده من قوة التعقل ما يقتصر على مدارك الحس وشهواته فلا تنصرف همته إلا أن يشبع غرائزه ، فهو يأكل ويشرب وينكح وليس له غاية إلا سد الحاجة وإشباع النهمة وحفظ النوع ، وذلك ما يشاطره الإنسان فيه فَلَهُ من حاجات الحس ما لا يُجْحَدُ ، ولكنه يزيد حركة اختيار أشرف فثم حركة الجنان في المعقولات نظرا ، فهو يحسن يجمع الأدلة ، ويحسن التحليل ، ويحسن الاستنتاج والاستنباط ، وذلك تسلسل في المنطق ، فثم معطيات وهي ما يجمع من المعلومات ، فثم وسائل جمع ترجع إلى مدارك الحس سمعا وبصرا ..... إلخ ، ولذا اشترط في الإصلاح العام للدول والممالك أن تكون جهات الجمع والاستقراء صادقة أمينة ، فهي تخلص النية وتحسن القصد وتروم الخير فتنصح لغيرها ولا تغش ، فضلا أن يكون أمرها خوفا وخشية من رقيب السماء ، جل وعلا ، فهو الذي يعلم السر وأخفى ، فعلمه المحيط قد استغرق كل معلوم ، فيعلم الفعل الظاهر والقصد الباطن ، فإن أحسنَ القصد أخلصَ في النصح فاجتهد في الجمع والاستقراء وبلغ كما سمع ، فلم يكتم مما علم شيئا لئلا يقع تحت طائلة الوعيد في قول البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللهُ بلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ القِيَامَةِ" ، فإذا جمع ووعى وأدى كما سمع فقد أخلص القصد وأحسن العمل فاجتهد في الحفظ وتحرير الألفاظ والمباني وعلم من المعاني المفردة والمركبة ما يجعل روايته بالمعنى مأمونة ، وبعد الجمع يكون التحليل ، وهو فعل يزيد على الحفظ ، فالفهم يَلِي الحفظ ، وإلا فجمع الألفاظ دون فقه لا يجدي إلا في حفظ الأصول ، والحفظ ، لو تدبر الناظر ، غاية جليلة وهو ما اختصت به الأمة الخاتمة ، فأناجيلها في صدورها ، فالحفظ أول والفقه ثان ، فلا بد من إثبات اللفظ ونقشه قبل الشروع في التحليل والاستنباط ، فإن كان اللفظ خطأ ، سواء أقصد الناقل أم سها ، فذلك أول الوهن ، لا سيما إن اقترن ذلك بسوء القصد فصاحبه يكذب ويلفق ، أو يبدل في الألفاظ ، أو يحرف في المعاني ، فكان من الحض على الحفظ ما دعا النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم لصاحبه ، فـ : "نضَّرَ الله عبدًا سَمِع مقالتي فوعاها، فبَلَّغها مَن لَم يَسْمعها، فرُبَّ حامل فِقْه إلى مَن هو أفقه منه، ورُبَّ حامل فِقْه لا فِقْهَ له" ، فكان من الخبر ما أريد به الإنشاء أن اللهم نضر وجهه ، فكان من التحمل حفظا ثم الأداء والبلاغ على وجه يتحرى صاحبه صحة الألفاظ والمعاني فيدرك ما دق منها ويحسن النظر في المرادف والمشترك .... إلخ ، فتؤمن روايته بالمعنى وإن لم يصب عين المبنى ، وبعد ذلك يكون الفقه لما دق من المعاني ، فثم قدر من الفقه الضروري يجب في كل نقل خبري ، إذ لا بد أن يدرك الناقل المعاني الأولية لما يحكي من الخبر والرواية ، فلا يحكي أصواتا لا يفقه معانيها ، فيقلد الصوت ولا يدرك ما تحته من الدلالة ، فالكلام المنقول لفظ ومعنى ، والصوت لا يجزئ وحده في حد الكلام ، فكم من لفظ لا دلالة له في اللسان كما يضرب النحاة المثل بديز مقلوب زيد ، فذلك صوت مركب من أصوات لحروف من المعجم لا تفيد دلالة إلا بانضمامها على وجه يواطئ العهد الخاص في اللسان ، فإذا انضمت ولم يكن ثم عهد خاص في معجم اللسان فما استفاد السامع من هذا اللفظ المجموع إلا صوتا مجردا من الدلالة قد طرق أذنه فأزعج حاسته بل زاد من حيرته إذ لم يستفد منه معنى ، عربيا أو أعجميا ، فاللفظ قد يفيد في لسان معنى ولا يفيده في آخر ، فهو من معجم لغة دون أخرى ، فيكون مادة كلام يفهم في لسان ، إذ جمع اللفظ والمعنى ، والمعنى ، أيضا ، جنس عام ، فتحته المعنى المعجمي المفرد ، فيحكي اللفظ معنى مطلقا في الذهن يواطئ العهد الخاص ، وهذا المعنى ، لو تدبر الناظر ، لا يجزئ حتى ينضم إلى غيره في سياق مركب فيكون من دلالة التركيب ما يزيد المعنى المطلق قيدا زائدا به يكتمل حد الكلام ، فهو لفظ يفيد ، والفائدة فيه تجاوز حد الدلالة المعجمية المفردة فلا بد من دلالة مركبة تزيد السامع معنى يصح الوقوف عليه ، وذلك قيد آخر في حد الكلام قد اشتهر في كلام النحاة ، فالكلام هو اللفظ المفيد لمعنى يحسن الوقوف عليه إذ به تكتمل الفائدة فلا يقف على الشرط دون الجواب في نحو قولك : إن جاء زيد فأكرمه ، فإذا وقف على : إن جاء زيد ، لم يستفد السامع حكما ، فحكاية الشرط وإن مركبة من ألفاظ لا يصدق فيها حد الكلام وإن كانت كلما مجموعا فَلَمَّا يستوفِ بَعْدُ حَدَّ الكلام المفهِم الذي قد يحصل بكلمتين : فعلا وفاعلا ، مبتدأ وخبرا .... إلخ ، بل قد يحصل بلفظ واحد إذ يكون السياق فيه مقدرا كأن يكون جواب سؤال تقدم ، فيكون في السباق من القرينة ما يدل على المحذوف المتأخر جريا على المشهور في اللسان إذ يدل المتقدم المذكور على المتأخر المحذوف ، أو يكون أمرا توجه إلى واحد مذكر فيستتر فيه ضمير الخطاب إيجابا .
فالمعنى ، كما تقدم ، جنس عام تحته المعنى المعجمي المفرد ونظيره المركب المجموع إذ ثم من قرينة السياق ما يزيد اللفظ المفرد قيدا به يكون الإفهام الزائد لمعنى يحسن الوقوف عليه ، فقد يكون اللفظ مفهما في لسان فتحته من دلالة المعنى ما استفيد بالعهد الخاص في المعجم ، معجم الألفاظ والدلالات المفردة فضلا عما يزاد فيها من أخرى تستفاد بالنظر في السياق المركب الذي يتفاوت وضوحا أو إبهاما ، فقد يكون ظاهر الدلالة يستوي فيه العام والخاص ، وقد يدق فلا يفقهه إلا الخاصة من أهل الدراية ، وهو أمر يتفاوت إن بالنظر في اختلاف الصنائع فلكلٍّ منها عرفٌ خاص فيفقه أصحابها من دلالات ألفاظها ما لا يفقه غيرهم ، وإن كان اللفظ شائعا في اللسان ، فقد نقله العرف الخاص من دلالته اللغوية المطلقة إلى أخرى عرفية مقيدة كما اشتهر في كلام الأصوليين في استقراء الحقائق ، فمنها الحقيقة اللغوية المطلقة ، ومنها الحقيقة العرفية المقيدة ، وهي إما أن ترجع إلى عرف عام يستوي في دركه العام والخاص ، وإما أن ترجع إلى عرف خاص في صناعة بعينها سواء أكانت من صناعات الفكر والعقل أم من صناعات التجريب والحس ، فيكون التفاوت إن بالنظر في اختلاف الأعراف فلكلِّ صناعةٍ ، كما تقدم ، عرف يخصها ، أو بالنظر في تفاوت الأفهام وإن في صناعة واحدة فيدرك الماهر من المعاني والحقائق ما لا يدرك غيره ، فيكون التفاوت في درك المعاني تبعا للتفاوت في العقول ، كما يكون التفاوت في قبول الأخبار أو ردها تبعا للتفاوت في الحوافظ ، فَثَمَّ من يَعِي الألفاظ إذا سمعها فيحسن يضبط النصوص وإن لم يكن فقيها يدرك دقائقها ، فيدرك من المعاني الأولية ما يخرجه عن حد العجمة ، فلا يحكي أصواتا لا يفقه معانيها ، وإنما يحكي ما قد فَقِهَ معناه ، وإن معنى أوليا ظاهرا دون خوض في الدقائق التي لا تدرك إلا بنظر زائد ، فذلك يجري ، من وجه ، مجرى العلم الضروري الذي لا يفتقر إلى نظر ، في مقابل العلم النظري الذي يفتقر إلى استدلال ، فلا بد من حركة في الجنان تزيد على استظهار الألفاظ ، فهو يقلب الفكر في المعاني بالنظر في دلالة المعجم ، ويقلب الفكر في السياق لا سيما إن كان اللفظ مشتركا يحتمل أكثر من معنى بالنظر في دلالة المعجم ، فذلك إجمال يفتقر إلى البيان وهو ما يناله الناظر بتدبر قرائن السياق .

فالتسلسل في المنطق ، كما تقدم ، جمع الألفاظ واستقراؤها ، فيشرط من صحة النقل ما يورث اليقين الجازم أو الظن الراجح ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر يفتقر إلى صحة القصد فهو يروم الخير فلا يغش في النصيحة فلا يكتم ولا يبدل ولا يكذب ولا يخدع ، ويفتقر ، أيضا ، إلى جودة الحفظ فتسلم الحافظة من الآفات العارضة أو الدائمة ، فالسهو العارض لا يسلم منه أحد ، لا جَرَمَ كان الجمع والاستقراء قرينة بها يستبين الصواب من الخطأ فالباب إن لم تجمع طرقه لم يعلم صوابه من خطئه ، والاختلاط والتغير وسوء الحفظ جبلةً ..... إلخ كل أولئك من الآفات التي يتصل زمانها فكان من عناية النقاد للأخبار أن يستقرءوا تاريخ الرواة فدونت التراجم لا ترفا في القصص ، وإنما اعتبارا يجاوز حد الاعتبار في باب التأسي ، فهو اعتبار به تستبين حال الناقل قصدا هو الباعث على النقل ، فلا بد من سلامة الباعث من الهوى الذي يتحكم صاحبه فينقل ما يشهد له ويكتم ما يشهد عليه إن كان ذا هوى محدث ، فالاعتبار به يستبين القصد وبه يستبين الحفظ فقد يسلم الراوي من الأهواء ولا يسلم من كثرة الأخطاء في الرواية فحفظه سيئ أو هو قد ساء بعارض سواء أكان في رواية بعينها دلت القرائن على خطئها بما تقدم من جمع طرق الباب ، أم كان عارضا قد عم بتغير أو اختلاط .... إلخ فَيُحْتَرَزُ في الرواية عنه فما روى قبل التغير يُقْبَلُ إن كان ثقة في الأصل ، قد سلم من قوادح العدالة والنقل ، وما روى بعد التغير فالأصل فيه التوقف فلا يقبل ولا يرد حتى يستقرئ الناظر طرق الباب ويرى من شاركه من الرواة لا سيما الحفاظ المتقنين ، فيرى هل وافقهم أو خالفهم ، فإن تفرد حال تغيره فتفرده لا يحتمل ، وإن شاركه غيره فروايتهم ، لا سيما الحفاظ منهم ، هي المعيار الذي به يقاس الخبر ، فإن وافقهم في الرواية فروايته صحيحة استنادا إلى دليل من خارج فلا تجزئ بمفردها ، وإن خالفهم فالعبرة بروايتهم ، فكان من الجمع والاستقراء الأول ما يليه في التسلسل : تحليلُ الروايات والأخبار ، فلا بد من معيار آخر للفقه كما المعيار الأول للفظ ، فالخبر ألفاظ تُنْقَلُ ومعان تُفْهِمُ ، فلا بد من معيارِ فقهٍ ثان يجتهد صاحبه في درك القرائن التي تحتف بالخبر لا سيما فيما دق وغمض ، فلا بد من البحث في الدوافع والبواعث الباطنة ، ولا بد من البحث في الدلالات المفردة والمركبة ، فيكون من تحليل النص ما يفيد الباحث معنى صحيحا ناصحا يوصي به غيره ، إن في الفقه أو في السياسة أو في الحرب ، فالمستشار مؤتمن ، فإذا علم صحة الخبر واجتهد في تحليله فلا تبرأ الذمة إلا أن يوصي غيره بما يغلب على ظنه أنه الحق ، فباب الاجتهاد في هذه الحال باب واسع إذ في نوازل السياسة والحرب فسحة نظر يدخل فيها كل ناصح مجتهد فخرج الرويبضة التوافه فضلا عن الغاش الخائن الذي يُضِلُّ غيره على علم فلا شبهةَ خطإٍ بها يُعْذَرُ ، فكل أولئك من العقل الزائد الذي امتاز به الإنسان فَفُضِّلَ على سائر الأنواع ، فاختصه الرب ، جل وعلا ، بالتكليف ، إذ نوسه وحركته في الظاهر اختيار يصدر عن إرادة كاملة باعثها صورة علم كاملة لا تحصل إلا في جنان عاقل فهو مناط الوحي النازل ، فكان من نوسه : نوس التكليف وهو ما يشاطره فيه الجن ، فهو ، كما تقدم ، قبيل مأمور أن يعبد الخالق ، جل وعلا ، فكان الاشتراك في هذا الجنس العام ، جنس التكليف استنادا إلى الحركة الاختيارية ، النظرية والعملية ، كان منه ما استغرق القبيلين : الإنس والجن ، وإن كان حظ الإنسان منه أعظم فعقله أكمل فكانت خلافته المحكمة فلا تنسخ ، إذ نسخت ، في المقابل ، خلافة الجن لما أفسدوا وسفكوا ، فاستبدل الإنسان بهم ، وكان من كمال خلافته أن اختص بجنس النبوة ، فلم يكن من الجن إلا نذر ، فالرسالة أشرف وظائف الإنسان ، وهي مما اختص به فامتاز من بقية الأنواع إلا على معنى أعم ، وهو جنس الرسالة فهي ، أيضا ، جنس عام تندرج تحته آحاد ، فثم رسالة الملَك إن بكلم التكوين النافذ أو بكلم التشريع الحاكم ، وثم رسالة الإنسان بما قد تَحَمَّلَ الرسل عليهم السلام من الأخبار والأحكام ، فَبَلَّغُوا وَبَيَّنُوا الدين الذي به يكون التكليف فحفظه أعظم المقاصد فهو المخدوم لا الخادم خلافا لمن جفا في الدين قصدا أو جهلا ، فزعم أنه الخادم للإنسان فليس ذلك ، لو تدبر الناظر ، إلا شعبة اقتبسها القائل من المقال اللاديني في الأعصار المتأخرة إذ رام الفصل بين الوحي والحياة ، لا سيما السياسة والحرب ، فجعل مردها إلى العقل ، فصار العقل هو الأصل لا الوحي ، فغاية الوحي أن يكون نافلة من القول ! فالفريضة الواجبة هي النظر ، والنظر ، وإن كان فريضة ، إلا أنه لا يتقدم الوحي فهو أول الفرائض وأشرفها وهو رائد ناصح يرشد العقل فلا يضل في أودية الشبهات ، ويهذب الطبع فلا يضل في أودية الشهوات ، فصار العقل هو الأصل في هذا المقال اللاديني آنف الذكر ، وصار الوحي هو الفرع التابع ، فاستقل العقل بالدلالة فلا يفتقر إلى مرجع يجاوزه من خارج ، ولا يفتقر إلى دليل ناصح فقد بلغ الرشد واستقل بالنظر والتدبير ! ، وذلك يؤذن ، لو تدبر الناظر ، أن تختلف العقول فلكلٍّ عقلٌ ينظر فيحسن ويقبح استنادا إلى قواه النظرية وما يكتنفها من نقص في الجبلة فمدارك العقل قد حدت فلا يدرك الغيوب إلا إذا أوقفه الوحي عليها فلا بد من مرجع من خارج يجاوزه ، ولا يدرك من دقائق الحكمة في الأحكام التي لا يُعْقَلُ معناها ، وما عقل فهو عقل الجملة بما ركز فيه من الفطرة فيدرك من المقاصد الكلية ما يفتقر إلى الأدلة التفصيلية التي لا تنال إلا من مشكاة الرسالة السماوية ، فالوحي هو الرائد المتبوع فهو المقصد الأول المشروع وهو المخدوم فما سواه له تابع خادم على وجه لا يهدر حظوظ النفس في الطيبات ، فـ : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) ، بل تعاطيها على حد الاقتصاد فلا سرف ولا تقتير ، تعاطيها يحفظ مقاصد أخرى جليلة قد جاءت بها الشرعة القويمة من حفظ النفس والعقل والمال والنسل ، فجمع الوحي فضيلة الدين والدنيا معا ، فكان من النوس ، وهو محل الشاهد ، نوس التكليف اختيار وهو ما يعم القبيلين : الإنس والجن ، وثم نوس التعبد والتنسك فيدخل فيه الملَك وإن لم يكلف فقد نزعت منه قوة الشهوة ونزعت منه الحاجة إلى أسباب الحس ، فجبل على الطاعة فلا يعصي ، أبدا ، فوصف الملائكة في الكتاب المنزَّل أنهم : (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ، فنوسه يشاطر نوس الإنس والجن بالنظر في معنى العبادة الأعم ، ولا يشاطرهما بالنظر في معنى التكليف الأخص ، بل نوس التعبد بمعناه الأعم يستغرق ما عجم من الحيوان فهو يسبح ويحمد ، فـ : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) .
والنوس ، من وجه آخر ، منه الظاهر الذي يدرك بالحس كنوس الإنسان والحيوان في عالم الشهادة ، ومنه ما غاب عن الحس فلا يدرك إلا بخبر الغيب ، كنوس الجن والملَك ، فمدار الإيمان به على توقيف الوحي .
والنوس ، أيضا ، منه نوس الاختيار كحركات الجنان نظرا وإرادة ، وحركات اللسان نطقا ، وحركات الأركان فعلا وتركا على وجه استغرق محال التكليف جميعا ، فحقيقة الإيمان والدين قد استغرقتها جميعا ، تصديقا بالجنان ونطقا باللسان وعملا بالأركان ، ومنه نوس الاضطرار فلا يناط به تكليف ، سواء أكان اضطرارا عاما كحركة الأحشاء فلا يكلف بها الإنسان ، أم اضطرارا خاصا كعوارض الأهلية من النوم أو الإكراه ....... إلخ ، فكل أولئك مما بحثه أهل الشأن في باب مشهور في الأصول : باب عوارض الأهلية ، أهلية المحلِّ أن يكلف فقد يعرض له ما يرفع التكليف ، سواء أكان عارضا مؤقتا كالنوم أو الإكراه أم دائما كالجنون ، أم جمع الوصفين كالجنون المتقطع ، فهو يعرض ويدوم زمانا يُرْفَعُ فيه التكليف ثم يزول فيثبت التكليف إذ مناطه العقل وهو غريزة ووصف تصح إناطة الحكم به ، فالتكليف يدور مع العقل وجودا وعدما .

والنوس منه المحسوس في حركات الظاهر ، ومنه المعقول فتلك حركات الباطن نظرا وتدبرا .

والنوس يعم بالنظر في معنى التكليف في خطاب الناس آنف الذكر ، يعم المؤمن والكافر ، فيخاطب المؤمن أن يجدد تصديقه الأول فالخطاب في حقه توكيد فضلا عن امتثال ما يجد من التشريع ، ويخاطب الكافر أن يصدق بالأصل ، فالخطاب في حقه خطاب تأسيس وإن قيل بأنه مخاطب بالفروع فهو يخاطب بها وبما لا تصح به من الأصل الأول ، أصل التوحيد المحكم .
فكان من خطاب الناس ما استغرق ، وهو ما ورد أكثره في القرآن المكي إذ الغالب على الناس آنذاك الكفر فحسن خطابهم خطاب الجمع المستغرق ، وإن ورد في القرآن المدني ، فذلك وصف أغلبي ، فهو خطاب استغرق الجميع وإن تفاوت حظهم من التكليف ، واختلفت الجهة ، فجهة الخطاب في حق المؤمن تجديد للإيمان ومداومة على الطاعة وتكليف جديد يواطئ الأصل فهو يزيد في الإيمان بما يكون من امتثال ، وجهة الخطاب في حق الكافر تأسيس وإنشاء لمعنى جديد ، وهو الإيمان ، فبه يصح ما بعده من القول والعمل .

والله أعلى وأعلم .