اعرض النتائج 1 من 3 إلى 3

الموضوع: التخييل

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:08:36 AM

    المشاركات
    4,775
    العمر
    40

    التخييل

    مما يفسد التصور والحكم ، إن في المعقولات أو في المحسوسات ، ما يكون من سكرة تطرأ ، سواء أكانت شبهة تفسد التصور ، أم شهوة تفسد الحكم ، فيكون من التخييل في هذه الحال ما يفسد التصور وهو مبدأ الحكم ، فما انتحل ذو دين أو فكرة إلا وقد استحسن ما ينتحل ، سواء أكان استحسانه رغبة في حق يظنه أم كان ذا هوى ، بادي الرأي ، فهو يعلم بطلان ما ينتحل ولكنه يجد فيه من حظ النفس من جاه أو رياسة أو ثروة ما يجعله يختار الباطل إما تصريحا فهو يتبجح إذ لم يجد من يزجر ، وإما تأويلا فيجد من الحرج ما يحيك بالصدر فيستعين عليه بالتأويل ليتجرع الباطل المر ، فلا بد من تحسينه حتى تقبله النفس فلا تخلو من فطرة أولى ، ولو آثارا باهتة ، فلا تزال تلح بمعيارها الصادق العادل ، في الخبر والحكم ، فالتأويل قد يسكن آلامها فتباشر الكذب والظلم وهي مطمئنة ! ، فقد صَكَّ لها التأويل صَكَّ الغفران فهي في حِلٍّ من وزر ما تصنع ، بل هي تؤجر على ما تصنع فهي تحفظ الدين وتصلح الدنيا ، فتؤجر أجر الدين والدنيا ! ، فرياسة في الدنيا مع جاه وثروة تبذل في رفاه العيش وفضول الترف فضلا عن الحرام الصريح فالنفس طالبة لكل لذة إذا رُغِّبَتْ ، فلا تشبع إن لم تهذب فتحكم حركتها بحكمة الوحي ، معدن الصدق والعدل ، فرياسة في الدنيا مطلقة وهي في الآخرة سعيدة مقرَّبة ! ، فلا يكون ذلك إلا بالتأويل الذي يُجَمِّلُ هذه الحال القبيحة ، ولا بد من سحرة يخيلون ، فثم من أوتي من مسائل العلم حظا ولم يؤت من الدين مثله ، فهو يمتلك ناصية التأويل والفتيا ، فيخرج الكبائر على أصول الشرائع ! ، فيتأول للظالم ظلمه أن يزيد ولا يرحم فلا تستقيم حال الناس إلا بذلك ، ويتأول للمظلوم أن يصبر فهذا قدره ، فلا يقامر عاقل بمآله الآخر فيخرج عن حكم السلطان العادل فتكون ميتة السوء إذ نَقَضَ البيعة ، ولو بيعة لمن ينقض أصول الدين وفروعه ! ، وذلك ما نفر النفوس من الحق أن صار من يزعم حمله ، صار أداة سحر وتخييل تسوغ الظلم والعدوان ، بل وتجعله من الدين ، فهي تُعْظِمُ الجناية إذ تَنْسِبُ النقص إلى الوحي ، فلا يكون ذلك إلا بقوة التأويل التي تبلغ حد التخييل ، ، فقد كُسِيَ الخبيث لحاء لذيذا يقربه إلى النفوس فانخدع به من انخدع من الأغرار الطالبين للذة وإن أعقبها الألم والحسرة ، فثم غيم كثيف قد حجب شمس الفطرة والدين ، فاختارت النفس من المعقول الباطل والمحسوس الفاسد ما يصدق فيه جميعا لقب الخبيث الذي جاء الوحي الخاتم يحظره ، فوصف صاحبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه : (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، فثم مقابلة بين شطرين ، وطباق إيجاب بين جنسين : الطيبات والخبائث ، فدلالة "أل" في كلا الشطرين ، دلالة بيان للجنس ، من وجه ، ودلالة عموم يستغرق فذلك أصل محكم ، فثم الطيب المباح ، وهو ما يجاوز حد الطهارة فثم من الأعيان الطاهرة ما يضر ، فهو خبيث لا أن العين نجسة وإنما حرمت لضررها ، وهو ما قد جاء الخبر ينهى عنه ، نهي الخبر النافي ، فـ : "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" ، فهو مما استعير يحكي إنشاء النهي وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده لما يدل عليه الخبر من دلالة الثبوت والاستمرار ، فذلك أمر يتصل زمانه ، فالحكم محكم لم يُنْسَخْ ، وهو ما يوافق غريزة العقل الصريح ، فإن تحريم الضار ، طاهرا أو نجسا ، والحكم عليه بالخبث ، كل أولئك مما يدل عليه العقل ضرورة لا يماري فيها إلا جاحد أو مسفسط أو صاحب هوى قد تبدلت فطرته ولم تجد من وازع النبوة ما يردها إلى جادة الصدق والعدل ، فهي جادة الحق المحكم فلا يرد بمتشابه هوى أو ذوق ، فيكون فساد الصورة بما يفتري الكاذب سواء أكان كذبه زيادة في الألفاظ ، أم زيادة في المعاني بما يقارف سحرة التخييل من أجناس التأويل ، ويكون فساد الحكم بما يقارف من الفحش والظلم ، فيصدق فيه ، أيضا ، لقب الخبث ، فهو جنس يستغرق : الخبث الباطن من صور العلم الباطل ، والخبث الظاهر من القول والفعل الفاحش ، فكان من دلالة العهد في قوله تعالى : (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ) ، كان منها ما يجري مجرى الخاص لقرينة السياق ، فكان من الخبائث التي قارفها القوم : فاحشة لم يسبقوا إليها فكانوا أول من سن هذه السنة القبيحة فعليهم كفل من أوزار من يقارفها ، وقطع طريق وخيانة ، فتلك دلالة عهد خاص ، ولا تخلو أن تدل على العام في قوله تعالى : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، فهي ، من هذا الوجه ، تجري مجرى الخاص الذي يراد به عام ، فالقانون ، كما تقدم ، محكم يطرد وينعكس ، بدلالة المقابلة بين الشطرين ، وطباق الألفاظ إيجابا ، إن الحكم : التحليل والتحريم ، أو المحكوم : الطيب والخبيث ، على وجه استغرق بدلالة "أل" ، فعم الطيبات كلها ، ولا تكون إلا طاهرة ، فلا طيب نجس العين ، ولا عكس ، فقد يكون الخبيث طاهر العين وإنما خبث لما يكون من ضرره ، ولا يخلو العموم ، كما تقدم ، أن يستغرق الخبيث المعقول ونظيره المحسوس ، من المطعوم والمشروب والمنكوح .... إلخ ، فثم خبث في الفكرة والشرعة ، بما يكون من الكذب والظلم ، وهو ما يستعين به الكاذب الظالم بسحرة التأويل وهم أرباب التخييل والخداع في الرأي ، ولا يكون إلا بزينة من القول وزخرف ، فـ : (كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) ، فالقبيح لا تقبله النفس إلا أن يكسى لحاء من الزينة يخدع ، أو تكون النفس قد فسدت فاعتادت الخبيث فإذا صادفت الطيب أعرضت عنه ونكصت ! ، فكان من أجناس التخييل في المعاني ما يحسن فهو يقربها إلى النفوس بصياغة كصياغة الحلي ، وذلك أمر لا يقتصر على المعنى الخسيس الذي يجتهد أصحابه أن يزخرفوا من ألفاظه ما يسحر السامع ، فالمعنى النفيس ، أيضا ، لا يظهر ويروج إلا إن صِيغَ على حد من الكلام المركب فلا يقتصر الحسن فيه على اختيار الألفاظ بل ثم من السياق ما يزيد السامع قرينة تبلغ به الغاية من البيان ، فالكلام لا يراد لذاته ألفاظا بلا معان ، بل لا بد من سياق ينتظم الألفاظ فتبلغ بالسامع بر الإفهام ، فالكلام ، محل تخييل ، ومنه ما يحسن وما يقبح ، فثم من البيان ما يسحر ، إن على المعنى المحمود ، فيصاغ الحق في قالب بليغ فيكون وقعه في النفوس آكد ، أو على المعنى المذموم ، كما في زخرف الغرور آنف الذكر ، فاحتمل سياق الخبر : "إن من البيان لسحرا" ، احتمل الوجهين ، الخير والشر ، على وجه يستأنس به من يجوز دلالة العموم في المشترك ، وكان من التوكيد بالناسخ "إِنَّ" ما اطرد في الأخبار ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير فهو محل الفائدة ، وكان من دلالة "مِنْ" ما احتمل ، أيضا ، وجوها من المعنى ، فهو مئنة من بيان الجنس ، وذلك أول ما يتبادر إلى الذهن بالنظر في دلالة "أل" في "البيان" فلا تخلو من الدلالة الجنسية ، سواء أكانت مجردة أم شُفِعَتْ بالدلالة الاستغراقية لآحاد المدخول من جنس البيان المطلق ، فذلك مِمَّا يجوز في دلالة "مِنْ" دلالة التبعيض ، فيكون بعض البيان سحرا ، فثم تفاوت في البيان فمنه ما يتحرى معيار الصدق فلا يكون فيه من التخييل ما يسحر ، وإن على وجه يُحْمَدُ إذ لا يخالف عن الحق ولا ينافح عن باطل ، كما قد غلا من غلا من أصحاب النظرية النفعية ، فقد سرت إلى الأجناس الأدبية ، فجعل من جعل من أرباب هذا القول ، جعل آية البيان أن يصاغ الحق في قالب الباطل ، وأن يصاغ الباطل في قالب الحق ! ، فذلك مئنة من تفنن القائل إذ يحسن يسحر السامع حتى يخيل له ما ليس بحق حقا ، فيقلب الحقائق في ذهن السامع فما انقلبت في الخارج ، كما قد حكى الرب الخالق ، جل وعلا ، من حال السحرة : (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) ، فكان من دلالة المفاجأة في "إذا" ما تستحضر به الصورة ، وكان من العموم ما استغرق الحبال والعصي إذ أضيفت إلى ضمير السحرة المجموع ، فاكتسب اللفظ التعريف والعموم ، وكان من المضارعة في "يخيل" ما به ، أيضا ، استحضار الصورة المهيبة التي أوجس منها الكليم ، عليه السلام ، في نفسه خيفة ، وكان من تقديم السبب وهو السحر ، فدلالة "مِنْ" في هذا السياق دلالة السببية ، ولا تخلو من ابتداء الغاية ، فابتداء غاية السبب الذي خيل الحبال والعصي ساعيةً ، ابتداء الغاية من السحر ، فهو الذي قَلَبَ الصورة في العين ، فَقُدِّمَ السبب وحقه التأخير في اللفظ ، قُدِّمَ تنويها لا تنويه التعظيم فهو باطل لا حقيقة له في الخارج فضلا أن يُعَظَّمَ وَيُعْلَى من شأنه ! ، فالتنويه في هذا السياق يكشف عن بطلانه فهو يحقره ويقلل من شأنه ، فلم تنقلب الأعيان وإنما كان من التخييل في الأنظار ما يضاهيه التخييل في الأسماع فيكون من البيان ما يسحر ، سواء أكان سحرا حلالا يقرب الحق إلى النفوس ، أم آخر حراما ينفر الناس من الحق ويغرهم بزخرف قول يكسو به الباطل فيقربه إلى النفوس إذ خدعها المنطق الظاهر وإن استبطن صاحبه من الشر ما استبطن ، كما يرى الناظر في هذه الأعصار من خطاب الساسة إذ احترفوا الكذب فجعلوه آية من آيات السياسي الماهر فهو يناور ويخادع ويعد الناس بمعسول من الكلام لا حقيقة وراءه بل وراؤه من الباطل والشر ما يفجع ، فتكسى المعاني الباطلة من سحر الدعاية ما يضاهي سحر السحرة بين يدي فرعون فقد كسوا الحبال والعصي من صورة الحركة والسعي ما هو تخييل لا حقيقة له في الخارج .
    فمن البيان ما يَتَحَرَّى الصدق وإن ضعف به أن يتصدر أجناس الأدب ، فأعذب الشعر أكذبه ، كما في المثل السائر ، فما تحرى معيار الصدق في الصورة فهو أقرب إلى الحقيقة وأبعد من الخيال فلا يظهر فيه من السحر ما يستميل النفوس وإن إلى الحق ، فقد يكون المعنى حقا والمعيار صدقا فيكون البيان المباشر ، وقد يكون المعنى حقا والمعيار تخييلا فيكون البيان الساحر الذي يستميل النفوس إلى الحق ، فهو يحمد ، من هذا الوجه ، إذ المخالفة عن الصدق فيه ليست مخالفة عن الحق ، فالصدق في هذه الحال يقابل الخيال لا الكذب ، وهو ما استحسنه المتقدمون كما قد أُثِرَ عن عمر ، رضي الله عنه ، مادحا زهيرا أنه : "لا يمدح الرجل إلا بما فيه" ، فوافق مدحه عيار الأخلاق التي لا يجاوز صاحبها حد الصدق والعدل طمعا في عطية فلا تحمله أن يعطي الدنية ، فيتكلف من الكذب والغلو ما يرجو به عطيه الممدوح ، فتحرى الصدق في باب الأصل فيه المبالغة .
    فدلالة "مِنْ" ، من هذا الوجه ، في خبر : "إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا" ، دلالتها دلالة تبعيض ، فالبيان منه ما يسحر ، ومنه ما يخاطب العقل بلا زينة ، والسحر ، في المقابل ، منه ما يمدح ومنه ما يذم ، فثم سحر حلال يقرب النفوس إلى الحق بما يختار من القول الحسن فهو يسلك جادة : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ، فيتأول نص الجمال بما يتحرى من حسن البيان ، فكانت الدعوة بالحكمة وهي مادة الحق ، سواء أكانت من الآي أو من الآثار فدلالة "أل" في "الحكمة" ، من هذا الوجه ، دلالة عموم يستغرق ، فثم حكمة الفكرة التي تحصل بالخبر الصادق ، وثم حكمة الشرعة التي تحصل بالحكم العادل ، فالحكمة اسم يستغرق معادن الحق ، من الصدق والعدل ، فهي تستغرق مصادر الحكمة جميعا ، الآي والآثار ، وهي تستغرق مادة الحكمة جميعا ، أخبارا وأحكاما ، على وجه يستغرق جميع المحال والأحوال ، فيستغرق المحل الباطن بالخبر الصادق ، فهو يصحح صورة العلم الباعث الأول للإرادة وما يكون من آثارها في الباطن من حب وبغض ، وفي الظاهر ، من قول وعمل ، من فعل وترك ، فالحب والبغض : أصلان لكل حركة اختيارية في الكون ، فتتحرك النفوس والأبدان طلبا للمحبوب ودفعا للمكروه ، سواء أصح تصورها فطلبت من المحبوب ما ينفع ودفعت من المكروه ما يضر ، أم فسد بعارض الشبهة والشهوة ، وهما قوابل السحر والتخييل ، فلئن كان ثَمَّ سحر في الخارج يُخَيِّلُ فما ارتضته النفس وركنت إليه إلا أن وجد فيها ما يقبله من شبهة أو شهوة ، فكان من فساد المحل ما حال بينه وبين قبول الحق ، وجعله إلى الباطل أقرب فهو يرضى به ويقبل ، فالحكمة ، آنفة الذكر ، تستغرق المحل الباطن بالخبر الصادق وإرادة الخير ، والمحل الظاهر بالحكم العادل في القول والعمل فهما يصدقان ما يقوم بالجنان من العلم والتصور ، ولا تخلو دلالة "أل" في "الحكمة" ، من وجه آخر ، من دلالة العهد الخاص ، فالحكمة هي النبوة ، فدلالة "أل" في هذه الحال لا تخلو من دلالة الاستغراق لوجوه المعنى ، معنى الحكمة ، فهي أعظم أجناس الحكمة التي تلجم الأهواء والأذواق بلجام الصدق والعدل ، فيكون من توحيد العلم والعمل ما يصحح الباعث الباطن قصدا وإخلاصا ، والقول والعمل الظاهر متابعة للوحي النازل ، فالتوحيد ، في هذه القسمة ، توحيد القصد الباطن وتوحيد المتابعة الظاهرة ، فتوحيد القصد الباطن إخلاصا في النية والباعث ، فلا يبغي صاحبه إلا وجه الرب الخالق ، جل وعلا ، فلا يشرك به شيئا في إرادة أو حب أو بغض ..... إلخ ، من حركات الجنان الباطن ، وتوحيد المتابعة الظاهر ، فلا يتلقى خبرا أو حكما إلا من مشكاة الوحي ، فهو الذي يخبر بالصدق ويحكم بالعدل إن بالنص أو بالقياس أو بمقاصد العدل والخير ، فتكون الدعوة بالحكمة ، فلا تخلو الباء من دلالة الاستعانة ، فاستعن بما أوتيت من حكمة الوحي أن تدعو الناس إلى الحق ، ولا تخلو ، من وجه آخر ، من دلالة السببية ، فسبب الدعوة العامة ما قد كُلِّفَ به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم تكليف النبوة وهي الحكمة ، كما تقدم ، فكانت الدعوة بالحكمة وهي المعنى والفحوى ، والموعظة الحسنة ، فهي صورة توضع فيها مادة الحق فيكون من حسن الصياغة ما يقربها إلى النفوس ، فذلك زخرف قول يحمد ، فيجوز بل ويجب في أحيان ، فبيان الحق واجب لا سيما إن كان في وقت الحاجة ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فإن لم يحصل بيان الحق إلا بفنون من اللسان تحببه إلى النفوس لا أن تزيف وتوهم فتتكلف في تأويل الحق أن تقربه إلى نفس السامع ، فالبيان يحمد إن قرب السامع إلى الحق لا أن يقرب الحق إلى هوى السامع وذوقه فيجتهد المتكلم أن يتأول أحكام الشرع على وفاق ما يهوى السامع ويجد لعله يؤمن ! ، فالرب ، جل وعلا ، غني عن إيمانه وإيمان أهل الأرض جميعا ، ولو إيمانا صحيحا يواطئ الوحي ، فكيف بآخر ليس إلا الزيف والوهم ؟! ، فإن لم يحصل بيان الحق إلا بفنون اللسان فَتَعَلُّمُهَا في هذه الحال واجب ، وإن كان من جنس الوسائل والذرائع ، فذلك زخرف من القول يحمد في مقابل آخر يحرم وهو زخرف القول الذي ذمه الوحي في قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) .
    ولا تخلو "مِنْ" في الخبر آنف الذكر : "إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا" ، لا تخلو ، أيضا ، من دلالة ابتداء للغاية ، فابتداء غاية الحكم بالسحر هي البيان فهو ، كما تقدم ، جنس عام ، منه ما يباشر العقل بلا زينة ، ومنه ما يسحر بزينة من اللفظ تحسن تارة وتقبح أخرى ، ومعيار الحكم هو إصابة الحق لا تزيين الباطل ، وثم من المؤكدات في الخبر زيادة على الناسخ "إن" ، ثَمَّ لام ابتداء محلها التقديم فتأخرت ، رعاية للناسخ فهو أم الباب فلا يزاحمه الصدارة آحاد تَتْبَعُهُ ، فالغمد لا يتسع لسيفين ، والمحل لا يتسع لمؤكدين ، فقياس العقل أن يقدم الأقوى ويؤخر الأضعف ، فَأُخِّرَتِ اللام وزحلقت فاكتسبت من الوصف ما يزيد ، فهي لام ابتداء وإن أخرت ، وهي لام مزحلقة اتصلت بالمبتدأ "سحرا" الذي أُخِّرَ ، لعلة في اللفظ إذ لا يجوز الابتداء بالنكرة ، ولأخرى في المعنى إذ قُدِّمَ ما حقه التأخير تنويها به فهو محل الفائدة ، فضلا عما اطرد في كلام البلاغيين في هذا الموضع فتقديم ما حقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد ، ولا تخلو دلالة التنكير في لفظ السحر ، لا تخلو من دلالة النوعية ، وقرينة السياق في هذا الخبر ترجح معنى التعظيم ، سواء أكان حلالا أم حراما ، فلا يخلو من احتمال لكلا النوعين على وجه يستأنس به ، أيضا ، من يجوز دلالة العموم في المشترك ، فالسحر الحلال منه ما يعظم خيره ، كما أثر عن عمر ، رضي الله عنه ، وقد جاءه سائل فأحسن في عَرْضِ مسألته ، فـ : "هذا والله السحر الحلال" ، وكان من سحر المحبوب في أحدوثته ما تتمنى النفس إعادته فلا تمل من تكراره ، فصاحبته :
    من الخفرات البيض ود جليسها ******* إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها .
    والسحر الحرام منه ، أيضا ، ما يعظم شره ، فـ : "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ قِطْعَةً، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ" .
    فكان من العناية بالتخييل لا سيما في فن الشعر ما قد جاوز بعض المتأخرين بِهِ الحدَّ إذ اقتبسوا من مقال الحداثة شعبة ، فقصروا الشعر أنه كل كلام فيه تخييل به تحصل المتعة ! ، ولم ينظروا في الوزن والقافية ، وهي من خصائص الشعر العربي ، فهو جامع بين التخييل وما يحصل به من صورة ، والوزن وما يحصل به من خفة في اللفظ تستحسنها النفس ، فجمع الحسنيين ، فلا يقتصر على الوزن المجرد من الصورة كما في منظومات العلم فهي تحكي مسائل فن من الفنون بلا جمال في الصورة فغايتها الدلالة على المعنى مجردا من الزينة ، ولا يقتصر الشعر ، في المقابل ، على التخييل بلا وزن ، فيكون الكلام المرسل شعرا ، وذلك من الخلط إذ جاوز الناظم أو الناطق بابا إلى آخر فاضطرب كلامه تذرعا بما اصطلح أنه الكتابة عبر النوعية فهو يتنقل بين أنواع الكلام بلا معيار محكم ، فضلا أن يخرج عن جادة العقل فيصير نطقه كلاما بلا معنى ، بل ويصير ذلك مما يحمد في الشعر ، فَثَمَّ تأجيل للمعاني على وجه تعظم فيه قيمة النسبية فلا مطلق في الحقائق وإنما الاحتمال يدخل كل كلام وإن كان قطعي الدلالة يفيد اليقين ، فلا زال العقل في تجريب مستمر ! ، فهو يخوض تجربة التأويل استنادا إلى معياره الخاص دون خضوع لأي مرجع يجاوزه من خارج ، فمدرسة التفكيك تأبى أن يكون قانون اللسان حكما في الدلالة فليس طريقا يمهد للحقيقة في نفس الأمر ، إذ الحقيقة نسبية تتفاوت فهي تخضع لمعيار التجربة الذاتية ، فلكلٍّ هوى وذوق ومعيار في الاستدلال يأرز إلى جملة روافد فلكلٍّ مستمدُّ فكرٍ وحضارة قد نشأ في مهادها ، فثم من نشأ في حضارة لا تؤمن إلا بالمحسوس ، وإن انتحلت المعنى المعقول من دين أو مذهب فهو رافد يصب في قناة الحس ، فليس الدين في هذه الحال إلا باعثا اضطرت إليه النفس الكثيفة إذ لم تجد ما يحرض الجند على الحرب إلا تخييل الدين وما به يَعِدُ من نعيم آخر فهو من الخرافة التي تنفع في أحيان ! ، فمذاهب النفعية تحسن التوسل بالمعاني الدينية والأخلاقية ، فتخاطب كُلًّا بما يُعَظِّمُ ، فمن يُعَظِّمُ الدين فهو في سبيله يموت ، ومن يعظم الوطن فهو في سبيله يموت ، ومن يعظمهما معا فهو في سبيلهما معا يموت ! ، وحد البلاغة كما قال أهل الشأن : مراعاة الحال ومقتضى الخطاب ، فيخاطب كل امرئ بما يفقه ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، محل إجمال ، فالبلاغة تحسن إذ تخاطب كلا بما يفهم ، ولو جنسا من الكلام مبتذلا ، فلا يحسن خطاب العامة بخطاب الخاصة وما فيه من اصطلاح لا تبلغه أفهام كثيرة فصاحبه يظن في مقاله بلاغة أن ضمنه من الاصطلاح ما يدق ، وذلك إنما يصح لو خاطب به من يفقه حدوده وإلا صار فتنة للسامع كما في الأثر الدارج ، والحكمة بذا تقضي فهي ، كما حدها أصحابها ، وضع الشيء في موضعه الذي يلائم ، فيوضع اللفظ المبتذل في موضعه إذ يخاطب من لا يفقه سواه ، ويوضع اللفظ الجزل في موضعه فيخاطب به أهل الشأن ممن لهم عناية بالاصطلاح والفن ، فمقالة البيان الناصح تروم الإفهام والإيضاح لا الإلغاز والخداع كما يكون من تخييل يُكْسَى به الباطل لحاء الحق بل يصير ذلك آية البيان ! ، فصارت مراعاة الحال ذريعة يستجيز بها أصحاب المقالات المحدثة ، في الدين والسياسة والحرب وسائر ما تعظم به البلوى من الأحكام والأخلاق ، صارت ذريعة يستجيز بها أولئك خداع الأتباع ، فالبلاغة ما يبلغ بصاحبه المنفعة لا ما يبلغ به الحق في نفس الأمر فيكون من البيان سحر مجمل منه ما يحل فهو يكسو الحق لحاء يحببه إلى النفوس ، ومنه ما يحرم إذ يتوسل به المبطِل أن يزين باطله ويزخرف بدعوى حق لا تخلو من شبهة تخدع الناظر ، فلا شبهة يخلص فيها الباطل بل لا ينفك ، كما يقول المحققون ، لا ينفك يمازج حقا ، وإن غلب الباطل فكان الحق نادرا لا حكم له ، فهو مادة زخرف بها تستغوى النفوس الغافلة عن الحق الشاغرة من الخير ، فما استحسنت الشبهة إلا وقد خلت من المحكم الذي يبطلها ، فكان من العقاب الناجز أن اشتغلت بالباطل فقد أعرضت عن واجب وقتها أن تنظر في الحق فتجمع ألفاظه وتفقه معانيه وتنتحل قِيَمَهُ وأحكامه ولو كرها فتأطر الجنان واللسان والأركان عليها أطرا ، فلا يحسم مادة التخييل الباطل إلا الحق المحكم الذي يحسم مادة الشبهة والشهوة .
    وَثَمَّ ، في المقابل ، من نشأ في حضارة روح فهي تُعَظِّمُ الدين ، سماويا أو أرضيا ، صحيحا أو مبدلا ، فهو يعظم الغيب وإن أفرط في أحيان فبلغ حد الخرافة والوهم لا سيما إذا كان الغلو دينه ، فهو يفسد التصور والحكم معا ، وهو يعمي ويصم فيجعل ذا اللُّبِّ النابهَ ينخرط في أحوال تخالف أدنى مسكة من عقل ، وكم نشأ فعل وسياسة وحرب استنادا إلى خرافة ، وكم بذل له من بذل من الرجال العقلاء والأشداء ، كم بذلوا له من الوقت والجهد والمال والدم ، فالروح تهون إذا كانت الغاية دينا وفكرة ، وتأمل ما يحدث الآن في الشرق فثم حركة سياسة وحرب وافدة من فارس تحمل من روح الثأر والحقد ما كسته لحاء الدين والمذهب ، وجعلته ثورة المستضعفين على المتجبرين وأذنابهم ، فأحسن رءوسها صياغة الباطل في صورة خيال تخدع ، وكان ذلك باعث فعل سياسي وعسكري توسعي يروم الآن استعادة المجد الساساني الغابر الذي بَشَّرَ النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بزواله فأبى من يزعم الانتساب إليه إلا أن يُحْيِيَ ما اندثر من آثاره استنادا إلى روح من الأحقاد جمعت العرق والعنصر ، وكسته لحاء الدين والمذهب ، فكان من بواعث الكره ما استوفى ، فمن لم يبعثه العرق والعنصر فباعثه الدين والمذهب ، فجمع العرب والعجم جميعا ، وإن تباغضا وتصارعا وكان بينهما من الإحن والعداوات ما بينهما لاختلاف المرجعيات فكل يروم الاستئثار بتركة الدين الصحيح والنسبة الشريفة إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهي نسبة تثري صاحبها فله من الجاه والرياسة والثروة ما يزيده لسان الثورة ! ، ثورة المستضعفين على المستكبرين والتي تصب في قناة السادة من آل البيت ! ، فبرع القوم أن توسلوا بعاطفة الحب المجردة من العقل والحكمة ، ولا يكون ذلك إلا بخطاب تخييل يخدع من لا حظ له من النظر والاعتبار فقد أسلم القياد ورضي بالتقليد فلا حظ له من إعمال العقل ، آلة الاجتهاد والفهم التي فُضِّلَ بها ابن آدم ، فَأُنِيطَ بها التكليف الشريف بالتوحيد والتشريع ، فتلك آلة قد فُطِرَتْ على الصدق والعدل ، فجاء خطاب الوهم والتخييل يحجب شمس التوحيد والعدل ، بل ومعيار العقل الضروري ، فصاحبه ينكر البدائه تعصبا لإرث من الحقد تجرعه كرها ، فلو كان حقا ما احتاج إلى التخييل إلا ما به سحر حلال يحسن صاحبه فنون اللسان بيانا للحق ، فيزيده بهاء على بهائه لا ما يتكلف من السحر المحرم إذ يخيل الباطل في أعين الناس حقا ، فكان من التخييل في الأفكار والأحكام ما تذرع به الفرس من شق ، وخصومهم من آخر ، فكان الفرس دعاة البدعة ، وكان من خصومهم من أساء الفعلة فجعل السنة دثاره في الظاهر وهو يتذرع بها كما الفرس ، فغايته السياسة والحرب ، والدين باعث يُجَمِّلُ به أغراضه ، فيتوسل به وإن خالف عن مقاله وحكمه ، فهو ذريعة تُسْتَعْمَلُ لا غاية تُعَظَّمُ ، وذلك ما اقتبس منه الرجل الأبيض شعبة أخرى ، فكان من الذرائع الدينية التي خلط بها رجالات السياسة والحرب في المركز ذارئع العنصر واللون ، فارتد به القوم إلى خطاب العصر الوسيط إذ صار الدين باعثا رئيسا لفعل السياسة والحرب وإن لم يخرج أن يكون حَافِزَ قتلٍ وهتك ! ، فهو يسكن الضمائر فصاحبها بطل يدافع أهل الشر ، وَكُلٌّ يخلع على صاحبه وصف الشرير ، وليس ثم حكم من خارج ، فلكلٍّ من مقال التخييل ما يحتكر به الحق والعدل ، وينبز خصمه بالضد ، ولا مرجع يجاوز فيحكم بالحق والعدل في نفس الأمر ، فخطاب التخييل في فارس ، كما يستقرئ بعض المحققين ، قد استعمل من مقال الإمامة والولاية ، ما به يحتكر قرار السياسة والحرب ، فثم معصوم لا يجوز الخروج عن حكمه ، وثم نائب لصاحب الزمان فهو ولي يفقه ومرشد ينصح وسيد يأمر وينهى ، وله من الجاه والثروة والجند ما به يتأول خيال فارس أن تعيد سيرتها الأولى مُلْكًا قد اتسعت أرجاؤه فحاز الأمصار مصرا بعد آخر ، والبيت الحرام غايته ليصدر عنه صدور الحاكم باسم الدين ، فقد صار البيت أداة سياسة وحرب وسبب غنى وثروة ، وصار كما خشي مالك ، رحمه الله ، فقد جعله المتأخرون لعبة في يد الملوك وذريعة يتوسلون بها إلى رياسة باعثها الرياء ، وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر له بذاكا ، وكان من استعمال فارس ، أيضا ، ما خُيِّلَ به مقال البراءة ركنا من أركان الديانة فلا ولاء للأئمة إلا بالبراءة من خصومهم ، كما لا إيمان بالله ، جل وعلا ، إلا بكفران بالطاغوت ، فلا يسلم مقال الإمامة ، وهو ركن من أركان الديانة إذ يضاهي النبوة والرسالة ، لا يسلم مقال الإمامة إلا بالولاء للأئمة والبراءة من خصومهم الذين اتسعت دائرتهم فاستغرقت الصدر الأول كله إلا آحادا تحكموا في اختيارهم كما هي حال من تعصب وغلا فلا رائد له من عقل وإنما الوجدان الباطن رائده بلا مرجع من خارج يسدده ، فلا وحي ولا عقل ! ، فصار الحب والبغض هوى هو الرائد فما أعظم ما يضطرب فيحب ويبغض ، ويوالي ويبرأ ، ويحسن ويقبح ، وهو في كل واد يسلك فما أحكمه فِي موضع نقضه في آخر ، ومن أحبه فَقَدْ أبغض من يشاطره الوصف والنسبة فقانون الحكمة يستوجب حب الاثنين معا ، أو بغضهما معا لا التحكم بحب واحد وبغض آخر بلا دليل يفرق إلا الغلو والتعصب وما نبز به بغيضه من الكفر والفسوق فهو يلزم حبيبه لو اطرد قياسه وذلك ما عظمت به الشبهة فصار كثير من أتباع المذهب يتشككون وكان ذلك ذريعة لأهل الباطن فأكثرهم قد انتحل هذا المذهب الباطل إذ يسهل نقضه وإخراج أهله من البدعة إلى الإلحاد والمروق .
    فتبرأ التابع من أعداء الرسالة والإمامة وكان من جذوة التعصب ما تاق صاحبه أن يشفع البراءة بالثأر ذبحا وهتكا فهو مما يُعْظِمُ الأجر ويرفع الدرجة ! .

    وكان من مقال التعظيم للمشاهد والمراقد ما اخْتُلِقَتْ منه جملة ففي كل مصر يفتحه الفرس ضريح لإمام ! ، فرقعة الأرض المفتوحة تستغرق المراقد فلا بد من تحريرها من أيدي الخصوم كما البيت المعمور ومراقد الآل في مَهْجَرِ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
    وكان من مقال الكره للمخالف ما فارق به الكاره جادة العدل فاستباح الكذب تقية والأذى قصاصا من خصوم الأئمة فهو ، كما يقول أهل الشأن ، يدور بين الجواز والإيجاب ، فأذى المخالف ، ولو ظلما بغير حق ، جائز بل قد يصير واجبا لا يسع المكلف تركه ! .

    وكان من مقال التمهيد ما به تستباح المظالم فهي مما يعجل بخروج الغائب فصار القتل والهتك فضيلة فهو يمهد لصاحب الشريعة أن يخرج فيحكم بالعدل ! ، وذلك مذهب في القياس عجيب أن يكون الظلم ذريعة لذيوع العدل وصلاح الأمر .

    وكان من شعار الثأر ما خيل صاحبه فكذب في القص واختلق ، وزاد ونقص ، فكان الثأر باعث الثورة التي يحسن رءوس الأمر ريادتها فهي جادة يسلكها طالب الجاه والرياسة ، فلا بد من تخييل يجمل الغاية النفعية فَيُخَرِّجَهَا على الأصول الأخلاقية .
    فكان من التخييل ، وهو محل الشاهد ، كان منه تجريب يتصل زمانه فلم ينل صاحبه الحقيقة المطلقة ، فالحقائق جميعا نسبية ، ولكلٍّ عقل يدرك منها وجها فهو يخوض التجربة الذاتية بمعزل عن المحكمات الدينية واللسانية فما استحسن من معنى ، ولو خيالا ووهما ، فهو الحق ، فصار القطعي ظنيا يشتبه ، وصار الحق حقوقا تفترق فلكلٍّ جادتها وليس ثم مرجع محكم ترد إليه ، بل قد صار الخروج عن المألوف مئنة من روح وَثَّابَةٍ تروم التجديد وتأبى التقليد ، فلا تزال في تجريب يستمر خروجا عن كل ثابت قد تكلس ! ، والمعنى ، كما تقدم ، قد تأجل فصار اللفظ شعرا ونثرا وإن كان بلا معنى وغاية ، وصار الخلط بين أجناس الأدب روحَ الثورة الجديدة على المناهج العتيقة ، فجاوز الأمر حد استعارة بها يكسر الملل ، فثم اقتباس من النثر قد ضُمِّنَ الشعر لا على وجه يخرج به عن جادة النظم ، فجاوز الأمر ذلك أن صار الكلام بلا وزن ولا معنى ، وصاحبه يزعم أن له من الشعر حظا ، وقد خالف عن معيار الشعر وزنا بل ومعيار العقل معنى ، فصار في أحيان كثيرة لفظا بلا معنى ينضبط فصاحبه يحكي حيرة واضطرابا ، ويفتح الباب للتأويل والتلفيق ، ويجعل الهذيان ضربا من التجديد

    فلا يقين في هذا المذهب إذ لا يعول على قانون اللسان في حصول صورة المعنى في الذهن ، وإنما يباشر كل عقل تجربة التفسير بمعزل عن قانون اللسان فله ، ولو لازم مذهب ، أن يحدث ما شاء في معجم اللغة ، فيبتكر معجما جديدا لا أصل له في إرث اللسان ، فالحداثة قد بَتَّتْ صلة القائل أو الكاتب به وجعلت ذلك من فضائل التجديد ألا يكون له أصل في الاستدلال إليه يأرز ، فيضطرب في الاستدلال ويزيد وينقص بلا ضابط إلا ما يهوى ويجد ، فذوقه حاكم وإن خالف عن العلم الضروري الذي تحمله من إرث اللسان الأول ، وذلك ما قد فتح الباب ولا زال لتيار جارف من التأويل الباطن يزعم أصحابه التجديد ولقب التخريب بهم أليق إذ يحدثون من المعاني والدلالات ما يأرز إلى الهوى والذوق فقد صار مرجع الحكم المطلق إذ أبى الانقياد لأي مرجع يجاوزه من خارج ، إن مرجع الوحي في العلوم الدينية ، أو مصدر التراث في الأجناس الأدبية ، فمنشأ الانحراف واحد ، فثم تعظيم للعقل على وجه يجاوز الحد فهو حاكم مطلق ، يحسن ويقبح ، على وجه لا يخلو من الاضطراب والتناقض ، وإن في العقل الواحد فكيف بالعقول إذا اختلفت وتعارضت ! ، فما يحسم الخلاف بينها إن لم تُرَدَّ إلى مرجع يجاوزها من خارج فهو يقضي فيها القضاء العادل ، فكان من مدرسة الصدق ما تقدم إذ اقتصدت في التخييل ما استطاعت ، وجعلت الفقه قيدا يحكم في الشعر ، فكان من رد الفعل ما انتحله بعض النقاد ، إذ أخرجوا الشعر من سلطان الحلال والحرام ، فانصرفوا إلى دراسة الصورة دون نظر في المحتوى الأخلاقي ، وذلك قد ينفع بما يستفيد الناظر من دلالات اللسان فهو يستعين بها في تفسير النصوص الرسالية أو التراثية فلا تخلو من نفع ، وكتب التفسير والشروح عامرة بالشواهد التي لا تخلو من خروج عن آداب الشرع والعرف ففيها من فحش الفعل ما صورته في اللفظ بليغة فثم من صور التخييل ما ينتفع به الناظر لا سيما وقانون اللسان واحد إن في الكتاب والآثار ، أو في النثر والأشعار فيستفاد من صورة الشعر ما يُبِينُ عن متشابه اللفظ والمعنى في بعض آي الكتاب ففيها من فنون التشبيه والاستعارة .... إلخ ما استعملته العرب في كلامها فكان ذلك آكد في إقامة الحجة فإن الكتاب ما تَحَدَّاهُمْ بلسان لا يفقهون قانونه ، فكيف يكون التحدي بلفظ أعجمي لا يفقهه السامع فلا تقام به حجة فضلا أن يكون به تحد وإعجاز ! ، فما تحداهم بلسان أعجمي ، فـ : (لَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) ، فما تحداهم بلسان غريب ، بل قد برعوا فيه فهم أساطينه فكان الكتاب لهم معجزا بجنس ما برعوا فيه فلم يصرفوا عن الإتيان بمثله كما قد زعم بعض أرباب الكلام إذ جعلوا الإعجاز في الصرفة لا في العجز عن الإتيان بمثله مع كمال القدرة ومن قال بالصرفة في مواضع فقد قصد عجزهم عن الإتيان بمثله مع صحة الآلة وسلامة العبارة فكان ذلك صرفا من وجه فهو مئنة من العجز ، لا صرفا كصرف المتكلمة إذ لازم قولهم القدرة على معارضة الوحي بمثله ، ولو بالقوة المركوزة في النفس وإن لم يطيقوها بالفعل ، والصحيح أنهم وإن كان لهم من فنون اللسان حظ عظيم إلا أنهم لا يطيقون مضاهاة الكتاب العزيز لا بالقوة ولا بالفعل فجنسه الأخص يغاير ما اعتادوا من كلام ، وإن كانا جميعا يندرجان في الجنس الأعم جنس اللسان العربي .

    فثم فوائد لا ينكرها عاقل من النظر في شعر العرب وإن تضمن معان فاحشة فلم يكن ثم معيار أخلاق ولم يكن ثم حشمة في الخطاب ، فضلا أن يكون الخبر كذبا قد اختلقه ماجن فجمع الكذب والخلق الفاحش ! ، فإن النظر في هذه الحال يقتصر على صورته الشعرية وما استعان به فيها من فنون البيان فهي مطلب الناظر ذي الجنان الذي يروم الانتفاع بذخيرة اللسان ولا يعنيه فحش اللفظ ، فالحكمة ضالته وأنى وجدها فهو أحق بها وأجدر ، فيحسن يختار ما ينفع ، ويحسن يترك ما يضر ، وذلك قانون الحكمة إذ تقضي أن يوضع في كل محل من الأحكام ما يلائمه ، فيوضع حكم القبول فيما ينفع ، ويوضع حكم الترك فيما يضر ، وإن وجب الاحتراز حال تعاطيه من هذا الوجه ، فلا يُسَلِّمُ الناظر بما فيه من معنى باطل أَنْ صيغ في قالب جميل ، فكان من حسن التخييل ما تستلذ به النفس ، فهو من زينة القول التي تُنْعِشُ الروح ، سواء أكانت اللذة حقيقة أم وهما ، فإن الحق لا بد له من زينة تكسوه فالحق قد يعتريه سوء التعبير ، فتنفر منه النفوس ، والباطل ، في المقابل ، قد تعظم به الفتنة فيكون صاحبه ذا منطق يخدع فله من زخرف القول حظ ، فيكسو الباطل لحاء الحق ، ويخفي القبح بزينة تخدع ، بادي الرأي ، فلا يفطن لها إلا من أوتي حظا من العلم والفقه ، وكان ذا بصيرة فأحسن القصد فلا غاية له إلا درك الحق بأدلته المحكمة ، فإذا عرض له من زخرف القول ما يتشابه فهو يرده إلى محكم الوحي ، فلئن ثقل ، بادي الرأي ، فهو مريء ، ولئن خف الباطل فاستحسنته النفوس الدنية التي لا تطيق تبعة الحق فلا تجهد في البحث ، ولا تقصد إلى جمع الأدلة ألفاظا محررة ، ولا إلى الاستنباط معان محققة ، فلئن استحسنته النفوس الدنية فهو وبيء يمرض ، كما في الأثر المشهور : "الْحَقُّ ثَقِيلٌ مَرِيءٌ، وَالْبَاطِلُ خَفِيفٌ وَبِيءٌ، وَرُبَّ شَهْوَةِ سَاعَةٍ، تُورْثُ حُزْنًا طَوِيلًا" ، فكان من المقابلة بين الشطرين ، وطباق الإيجاب بين الألفاظ : "الحق" و "الباطل" ، و "ثقيل" و "خفيف" ، و "مريء" و "وبيء" ، وهو الذي به استوفى السياق القسمة في باب الأخبار والأحكام ، فإن الحق جنس عام تحته الصدق في الخبر والعدل في الحكم ، وكذلك الباطل ، فتحته الكذب في الخبر والظلم في الحكم ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مما يعم ، فدلالة "أل" في "الحق" ، دلالة بيان للجنس ، من وجه ، ودلالة استغراق لآحاد المدخول فهو يعم الحق في الخبر والحق في الحكم ، كما تقدم ، ويعم من الحق ما به أصل الدين يَثْبُتُ مِنْ خبر الربوبية وما تستوجبه من أحكام الألوهية فلا يصح دين إلا بها ، ولا يجزئ اعتقاد حتى يشفع بالشرع الحاكم فذلك ، أيضا ، يدخل في حد الحق المجزئ ، فلا اعتقاد ينفع بلا شرع ، ولا شرع يثبت إلا بوحي ، ولا وحي يبلغ الناس إلا برسالة فكان من توحيد العبادة ، توحيد القصد فلا يعبد إلا الرب الحق ، تبارك وتعالى ، وتوحيد المتابعة فلا عقد ينتحل إلا التوحيد الذي جاءت به الرسالة ، ولا شرع يمتثل إلا الأمر والنهي الذي جاء به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا يتلقى شرع إلا من مشكاة الوحي ، فهو الحق المحكم الذي به يُرَدُّ متشابه القول والعمل ، فالوحي يحسم مادة الهوى التي تفسد التصور ، ومادة الذوق التي تفسد الحكم ، فالعلم والإرادة لا يبلغان حد الكمال إلا إذا كان مرجعهما غَايَةً في الإحكام فلا باطل ولا متشابه ، فالحق يذهب الأول ، والمحكم يذهب الثاني ، فإن من ألفاظ الحق ما قد صرح فهو يحسم الباطل دفعة ، ومنه ما قد أجمل فهو يحتمل ، فلا يخلو من تشابه في معناه ، وإن كان صحيحا في نقله سواء أتواتر تَوَاتُرَ القطع الجازم أم كان آحادا تفيد الظن الغالب ، فثم تشابه في اللفظ إذ تختلف الأنظار فيه صحة أو ضعفا ، وثم تشابه في المعنى إذ تختلف الأنظار في دلالته ، فالتشابه ، أيضا ، من الجنس العام المستغرق ، فتحته آحاد فثم تشابه يعظم وهو ما يكون في الأصول ، ولو تدبر الناظر لعلم أنها محكمة إذ الحاجة إليها حاجةُ ضرورةٍ فلا يجوز تأخير بيانها عن وقت الحاجة ، وإنما قد يعرض التشابه في جمل يسيرة من الأصول ، لا سيما على مذهب من يقصر لقب الأصول على المسائل الخبرية ، فإن منها ما لا يقدح تأويله أو جحده في أصل الدين الجامع ، وإن قدح في كماله الواجب ، فضلا أن يكون صاحبه ممن تأول تأولا يسوغ ، أو أخطأ في موضع فلم يَطَّرِدِ التأويل في كلامه فيصير أصلا وإنما زل في موضع فجهل النص الدال أو حمل اللفظ على معنى بعيد فوقع في التأويل زلة تغتفر لا جادة تُنْتَهَجُ ، فمن مسائل الخبر ما قد عُدَّ من الأصول ، على القسمة آنفة الذكر ، وإن لم يقدح تأويله أو إنكاره في أصل الدين الجامع ، فهو ، من هذا الوجه ، كالفرع في باب الأحكام ، وإنما حَمَلَ لَقَبَ الأصول على قسمة الأصول والفروع في علم الكلام ، فقد قصر المتكلمون لقب الأصل على كل مسألة علمية ، جَلَّتْ أو دَقَّتْ ، وقصروا ، في المقابل ، لقب الفرع على كل مسألة عملية ، جَلَّتْ أو دَقَّتْ ، فإن اختار الناظر قسمة الكلام فالأصول فيها ما قد يدخله التشابه في اللفظ فمنها أخبار آحاد ، وهي تحتمل الصحة والضعف ، فإن صحت بمعيار النقد الصحيح ، نقد السند والمتن ، نقد الرجال جرحا وتعديلا ، ونقد الألفاظ فلا تعارض ما هو أرجح تعارضا يعتبر لا وهما يسارع صاحبه فيرد الخبر إذ يظن فيه معارضة لآية أو خبر أقوى ، فقد يؤتى من قِبَلِ الجهل بالدلالة ، فيعارض بعض الوحي ببعض ، ولو تدبر لوجد الجمع بينها سائغا ، فإما أن يكون التشابه في اللفظ ، ولو مرجوحا ، فإن خبر الآحاد وإن صح الاستدلال به بل ووجب فإذا صح الحديث فهو المذهب إلا أنه لا يخلو من احتمال الخطأ ولو وهما مرجوحا فلا يجزئ ، بداهة ، في رد الحديث وإلا ساغ رد كل خبر أن احتمل الخطأ ، فلا بد من دليل يزيد على الاحتمال المحض ، فهو دليل مرجح من خارج ينقل عن الأصل الراجح وهو الاستدلال بخبر الآحاد ، فيستدل به إذ ظاهره الصحة حتى يرد من الدليل الصارف ما يُبِينُ عن خطأ فيه أو ضعف ، فذلك ما يدخل في حد العلة فهي سبب يخفى فلا يظهر ، بادي الرأي ، فإن ظهر ظهورا معتبرا فهو ناقل عن الأصل وهو دليل صحيح في الباب يجزئ في ترك العمل بالحديث وإن كان ظاهره الصحة فالعلة سبب يخفى يقدح في سند ظاهره الصحة ، فإما أن يكون التشابه في اللفظ وإما أن يكون في المعنى فيدخله الاحتمال ، أيضا ، إما دخولا مرجوحا في مقابل ظاهر راجح يجب العمل به حتى يرد الدليل الصارف ، وإما دخولا يوجب التوقف لاستواء الطرفين كما اللفظ المشترك فلا بد من قرينة سياق أو حال ترجح وجها من وجوهه ، أو تجوز العمل بأكثر من واحد ، أو تجوز العمل بها جميعا على قول من يجوز دلالة العموم في المشترك .
    والشاهد أن الناظر قد يؤتى من جهة الجهل بصحة اللفظ أو دلالة المعنى ، ففعله من هذا الوجه باطل ، وذلك ما يدخل في عموم الدلالة في الشطر الثاني من الأثر آنف الذكر ، فـ : "الْبَاطِلُ خَفِيفٌ وَبِيءٌ" ، فدلالة "أل" في "الباطل" مما أبان ، أيضا ، عن ماهية المدخول فدلالتها دلالة البيان للجنس ، واستغرق وجوه الباطل جميعا ما كان صريحا ، وما كان دقيقا يروج بالتأويل المرجوح الذي يخالف عن صريح المعقول إذ يفتش في المعنى البعيد المهجور ويتكلف من وجوه التأويل ما يرجحه على المعنى المتبادر .
    ويستغرق من الباطل ما يقدح في أصل الدين الجامع ، وإن بدا خفيفا لطيفا بما يُزَيَّنُ به من زخرف القول فيكون من التخييل ما يباعد به عن القبح ويدخله في حد الْحَسَنِ ، فلم يشرك مشرك إلا وقد استعمل من المقاييس الباطلة والأذواق الفاسدة ما يزين به الشرك فيجعله على وفاق العقل بل ويزيد فهو يوافق الوحي ! ، فاتخاذ الآلهة شفاعة تحمد ، والحكم بالوضع المحدث اجتهاد آخر يحمد ! ، فكان من الشبهة في الناقض العلمي ونظيره العملي ما به رُدَّ محكم العقد فقدحت الشبهة في أصل الدين ، ويستغرق الباطل ، أيضا ، ما يقدح في كمال الإيمان الواجب سواء أكان مقال علم أم شريعة عمل ، فالبطلان منه ما يكون في العلم ومنه ما يضاهيه في العمل ، ومنه ما يقدح في الأصول ومنه ما يقدح في الفروع ، ومنه ما يكون قدحه في أصل الدين الجامع وما يكون قدحه في كمال الدين الواجب على الخلاف آنف الذكر ، هل الأصول تقتصر على المسائل العلمية وإن فرعية لا يقدح إنكارها في أصل الدين الجامع ، على تفصيل في هذا الإنكار فقد يبلغ بآحاد حد الإنكار للعلم الضروري الذي لا يعذر فيه بالجهل فعندهم من آلة الاجتهاد وعندهم من طرق الأخبار وعندهم من طرائق الاستنباط ما يجعل المظنون في حقهم مقطوعا ، فيبلغ في حقهم درجة العلم الضروري وإن كان في حق غيرهم من العلم الظني فلا يقدح رده في كمال الدين الواجب ، فكان من التفاوت في إقامة الحجة ما يجعل الخبر أو الحكم الواحد قطعيا في حق آحاد ، ظنيا في حق غيرهم ، فيعذر الآخرون ما لا يعذر الأولون ، فكان ثم من الخلاف ما اشتهر في قسمة الأصول والفروع ، فثم من قصر الأولى على مسائل العلم وإن فرعية دقيقة ، وقصر الأخرى على مسائل العمل وإن أصلية جليلة ، وثم من جعل وصف المسألة جليلة أو دقيقة ، ثم من جعله مناط الأصل والفرع ، فالأصل ما جَلَّ من المسائل ، علمية كانت أو عملية ، فالصلاة أصل جليل وركن ركين من أركان الدين وإن كانت من الأعمال ، والفرع ما دق ، فتأويل صفة خبرية قد ثبتت ثبوت الآحاد الظني ، تأويلها لا يقدح في أصل الدين وإن كانت المسألة علمية فهي علمية دقيقة لا أخرى جليلة كالعلم بثبوت الذات القدسية أو اتصافها بالكمال المطلق أو إيجاب توحيدها في العلم والخبر ، والقصد والطلب ..... إلخ من أصول الدين العلمية .
    فالحق يستغرق الجميع ، فثم حق علمي وآخر عملي ، وثم حق أصلي وآخر فرعي ، وثم حق يقدح إنكاره في أصل الدين الجامع وآخر يقدح إنكاره في كمال الدين الواجب ، والباطل ، كما تقدم ، يقابله في القسمة فيستغرق من المسائل العلمية والعملية ، الأصلية والفرعية ، ما يستغرقه الحق ، فحق التوحيد يقابله باطل التشريك ، وحق التشريع المنزل يقابله حق التشريع المحدث ، وحق العدل في الحكومة يقابله حق الظلم فيها .... إلخ ، فالأول قد استغرق استغراق المعنى ، فدلالة "أل" قد استغرقت أوصاف الحق كلها ، واستغرق استغراق الآحاد فدلالته تعم الحق العلمي والحق العملي ، وكذلك الباطل فدلالة "أل" فيه قد استغرقت الاستغراق المجازي لمعاني الباطل ، والاستغراق الحقيقي لآحاده في الخارج ، فالأول : ثقيل مريء ، فكان من الإطناب في الخبر "ثقيل مريء" ما يجري مجرى الحكم ، وهو ما يجريه بعض النحاة مجرى التعدد في الأخبار فهو تعدد في الأحكام إذ المحكوم ذو أوصاف تستوجب أحكاما لا حكما واحدا ، وثم من منع تعدد الأخبار فهو يقدر للحكم الثاني محكوما وهو مبتدأ من جنس المبتدأ الأول ، فيجري ذلك مجرى الحذف لقرينة السباق ، فالمذكور المتقدم قد دل على المحذوف المتأخر ، فالضمير إذا قدر فآل اللفظ إلى : الحق ثقيل ، هو مريء ، فمرجع الضمير المقدر "هو" ، مرجعه إلى المذكور الأول صدر الكلام ، فلئن قدر محكوم ثان فلا خلاف في المعنى ، فالمحكوم آخر الأمر واحد في المعنى وإن كرر في اللفظ ، فيجري ذلك مجرى الإطناب توكيدا ، إذ زيادة المبنى مئنة من أخرى تضاهيها في المعنى كما اطرد في كلام أهل الشأن ، فذلك وجه يرجح الزيادة إذ لم تخل من فائدة ، فتكرارها مئنة من التوكيد ، كما تقدم ، والمخالف يجيب أن الأصل في الكلام عدم الحذف فمتى صح حمله على الحقيقة فلا وجه يسوغ المجاز بالحذف ، فالأصل عدمه والأصل عدم التقدير فلا يقدر محذوف إلا إذا تعذر حمل الكلام على السياق المنطوق أو المكتوب ، فكان من الإطناب في الوصف ، حكمان : حكم الثقل ، وحكم الصحة والعافية فهو مريء ، والثقل مِمَّا تَنْفِرُ منه النفس ، بادي الرأي ، لا سيما إن استفلت الهمة ورامت الراحة فلا تجهد في غاية تشرف ، ولكنها إن نظرت في العاقبة إذ نالت العافية فكان من الغذاء المريء ما ينفعها وإن احتملت لأجله ثقلا تنفر منه بما جبلت عليه من حب الراحة والدعة ، فإن استسلمت لداعي الطبع أصابها النقص وإن آجلا ، فالثقيل يؤلمها عاجلا وإن نفعها آجلا فلا تنظر النفوس الدنية إلا في عاجل اللذة وإن أورثت حزنا طويلا كما في ختام الأثر ، فـ : "رُبَّ شَهْوَةِ سَاعَةٍ، تُورْثُ حُزْنًا طَوِيلًا" ، فكان من دلالة "رب" دلالة التكثير ، فإن الشهوة مما اختلفت أجناسه وتعددت آحاده ، فهي شهوات كثيرة تفجأ محل الإرادة والعمل فتفسده ، ولو تدبر الناظر لوجد السياق يستغرق الشبهات إذ تفجأ هي الأخرى محل العلم والتصور فتفسده ، فالأول تفسده الشهوة والثاني تفسده الشبهة ، فيجري ذكر الشهوة ، من هذا الوجه ، مجرى الخاص الذي يراد به عام وهو جنس الباطل المطلق ، فمنه الشهوة العملية ومنه الشبهة العلمية ، فثم اتساع في دائرة المعنى تَجَاوَزَ المنصوص المنطوق من الشهوة إلى المحذوف المسكوت عنه من الشبهة ، وذلك مما يستأنس به من يثبت المجاز في اللسان والوحي ، فثم مجاز يذكر فيه الخاص ويراد به العام ، ومن ينكر المجاز فهو يجري ذلك مجرى المطرد المشهور في كلام العرب فقد اطرد فيه ذكر الفرد مثالا لعام ، وذكر بعض أفراد العام في سياق التمثيل لا يخصصه ، كما يذكر أهل الأصول والنظر ، فساعة الشهوة العملية التي تفسد الإرادة والحس تورث الحزن بالنظر في المآل وإن كان ثم لذة وخفة في الحال ، وكذلك ساعة الشبهة العلمية ، فَقَدْ تُعْجِبُ الناظر فتوافق ما يهوى فَيَلْتَذُّ بها لذة باطلة ، فهي وبيئة تمرض وإن كانت خفيفة تلتذ بها النفس ، بادي الرأي ، فالشبهة تجتذب العقل السفيه فنسجه في العلم خفيف يشف إذ لم يتضلع من العلم وإن جمع بعض مسائله انتقاءً لا يخلو من التحكم والتشهي فيختار منها ما يوافق هواه وذوقه إذ صيره حاكما في النصوص لا محكوما فأبى أن ينقاد لمرجع الوحي الذي يجاوزه من خارج ، بل فحشت جنايته إذ صَيَّرَ المفضول الناقص من العقل حاكما في الفاضل الكامل من الوحي ، فالشبهة خفيفة لطيفة المأخذ في المسائل العلمية ، وهي خفيفة في المسائل العملية فالشهوات مما تلتذ به الحواس بما ركز فيها من قوى ، وذلك ما تغتر به النفوس إذ تذهب سكرة الشهوة فكرتها ، فلا تنظر في المآل فهي وبيئة تمرض العقل والبدن ، وتضر بصاحبها في الأولى والآخرة ، فالعقل يقضي بالترجيح ، فلئن كان فيها وجه نفع لا ينكر ، فاللذة عارض يجده كل من يباشر الشهوة ، طيبة كانت أو خبيثة ، وإن لم تَسْتَوِيَا في المآل ، فلا يجحد عاقل هذه اللذة ، ولكنه يحسن يقيس إذ ينظر في المآل من الوباء والآلام الآجلة فهي تَرْجُحُ اللذةَ العاجلة ، فقياس العقل أن تُرَدَّ المفسدة العظمى الآجلة باحتمال أخرى عاجلة فلا يخلو فوات اللذة من ألم فذلك وجه فساد ، ولكنه لا يَرْجُحُ الفسادَ الأعظم بما يكون من الوباء والألم الآجل ، فقياس العقل احتمال الألم الأول إذ فاتت الشهوة العاجلة ، فذلك أهون من ألم ثان آجل يعظم الأول وينسي صاحبه اللذة الطارئة فسرعان ما تنقضي فهي ساعة ، ودلالة الساعة في هذا السياق دلالة تصغير فلا يطول زمانها فضلا أن يدوم فسرعان ما تنقضي فيعقبها من الألم والحزن ما يفدح ، ولا يخلو الخبر من دلالة إنشاء أن الزموا الحق لتنتفعوا بآجله وفارقوا الباطل ولا تغتروا بعاجله ، فكان من لازم الخبر أمر ونهي على وجه يحصل فيه من المقابلة والطباق ما يحصل في الأصل ، وهو الخبر ، فالمقابلة في الإنشاء اللازم فرع عن المقابلة في ملزومه من الخبر المادح للحق الذام للباطل ، ولا يخلو الحكم في كلا الشطرين من دلالة تخييل لطيف ، وهو من التخييل النافع فلا يدخل في حد الكذب ، فبه تقريب المعنى الصحيح ، فاستعير المحسوس في الطعوم ، لتقريب المعقول في الفهوم ، فالمريء والوبيء من أوصاف الطعام بالنظر في مآله ، والثقيل والخفيف من أوصافه بالنظر في مذاقه وهو أول ما تجد النفس منه ، فقد تجد من الدواء مرارة تثقل ولكنها مريئة تنفع ، وقد تجد من الضار حلاوة تخف ولكنها وبيئة تضر ، فذلك تخييل حسن لا يدخل في حد الباطل ، فهو ، أيضا ، يستغرق من وجوه التخييل ما يقبح لا سيما على مذهب من تقدم ممن جعل معيار الصدق والأخلاق هو المعيار الحاكم في نظر الناقد واجتهاده ، فذلك يقصر به في باب التشبيه والاستعارة ... إلخ من فنون البيان ، ويقصر به عن أغراض من الشعر كثيرة فغايته الحكمة والزهد وسائر المعاني الشريفة فلا عناية له بالغزل فضلا عن التشبيب بألفاظ تفحش ، فالتخييل فيها نَابٍ ، وإن نفع ، كما تقدم ، بالنظر في الصورة نظر المجتهد الذي يأخذ من الحكمة ما ينفعه في درك الدلالات اللفظية ، ويدع ما يضره من المعاني الباطلة سواء أكانت علمية أم عملية ، فثم شعر يبلغ بصاحبه حد الكفر والمروق ، وثم آخر يبلغ به حد الفجر والمجون ، ومع ذلك يستشهد به المحققون لا إقرارا لمعناه الباطل وإنما استئناسا ببيانه الوافر ، فوجب الاقتصاد في هذا الباب ، باب التخييل ، فثم من ضيق الواسع ، فمعيار الصدق عنده يَضِيقُ إذ يَحُدُّ من وجوهٍ من البيان صحيحة ، تشبيها أو استعارة .... إلخ وإن لم يهدرها بالكلية ، فضلا عن اقتصاره على المعنى الأخلاقي القياسي فيفوته من لطائف الاستدلال ما قد يرد في شعر مارق أو ماجن ، وهو ما ألجأ المخالف أن يفصل بين الدين والأخلاق من وجه ، والأدب والشعر من آخر ، لا إقرارا لمقال العلمانية أو الحداثة المتأخر ، ففصله فَصْلٌ في النقد لا فَصْلٌ في الحقيقة ، وإن وجب الاحتراز في مقاله فهو مجمل إذ قد يتذرع به من رام الفصل بين الدين والآداب ، بل والدين وسائر الحياة في المقال اللاديني المحدَث ، وكذلك الشأن في اقتصاره على تجربة الشاعر في نظمه وما جمع من فنون التخييل ، فذلك ما قد قابل به أصحاب الرأي الأول ، فالمعيار الأخلاقي يتوجه أصالة إلى بواعث الشاعر الذاتية ، فالاقتصار على تجربة الشاعر دون نظر في بواعثه قد صار ذريعة إلى بت الصلة بين النص والقرائن المحتفة به زمن نزوله إن كان وحيا ، أو زمن حدوثه إن كان نثرا أو نظما ، وهو ما اصطلح أنه موت المؤلف ، فَتَرَكَ نصا مفتوحا يقبل التأويل المطلق وكان من تجربة كل عقل أن يخوض في التأويل بمعزل عن قانون اللسان فلا يجزئ في حصول صورة صحيحة من الإفهام وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يفضي إلى اضطراب عظيم في الاستدلال ، لا سيما إن رزق صاحبه من سحر البيان ما به يزين مقاله ، فلكلٍّ هوى وذوق ، ولكلٍّ حظ من البيان ، فإذا تعارضت الأهواء والأذواق ، وزين كُلٌّ مقاله بفنون من التخييل ، فمن يحكم فيهم بالحق إلا مرجع يجاوزهم من خارج ، فلا بد من معيار محكم يقضي في متشابه أهوائهم وأذواقهم وليس ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلا حكم الوحي المنزل فهو قاض في كل اختلاف حادث في قول أو عمل أو حكم .

    فالتخييل ، وهو محل الشاهد ، حتم لازم ، فيحسن بصاحب الحق أن يتعلم منه ما يبين به عن حجته وإن كان على الحق نور ، كما أُثِرَ عن بعض السلف ، فهو كاشف عن جوهره النفيس بأي لفظ قيل وإن حسن بيانه بلفظ فصيح وسياق بليغ وذلك رافد من روافده وإلا فهو في أصله كاشف عن فضله ، وصاحب الباطل ، في المقابل ، لا غنى له عنه فهو أصل في مقاله إذ لو صرح ولم يزين لعلم كلُّ عاقل قبح مقاله فلا بد له من زينة ، فالتخييل ، من هذا الوجه ، مما دخله الاشتراك فينتفع به صاحب الحق زيادة في التبيين ويستعمله صاحب الباطل في الخداع والتدليس ، والعبرة بالغاية والمقصد فما التخييل والبيان إلا وسيلة ، والوسائل لها أحكام المقاصد كما قرر أهل الشأن من الأصوليين والنظار .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل هدى عبد العزيز ; 08-07-2018 في 12:13 AM السبب: تصويب حرف

  2. #2
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 20367

    الجنس : أنثى

    البلد
    أرض الله الواسعة

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : آخر

    التخصص : دراسات أدبية ونقدية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 2

    التقويم : 102

    الوسام: ★★★
    تاريخ التسجيل5/12/2008

    آخر نشاط:19-09-2018
    الساعة:11:42 AM

    المشاركات
    3,488

    من خصائص الشعر العربي: فهو جامع بين التخييل وما يحصل به من صورة، والوزن وما يحصل به من خفة في اللفظ تستحسنها النفس، فجمع الحسنيين
    لا فض فوك أستاذنا المهاجر.
    لأول مرة أرى التخييل من هذه الزاوية النقدية التاريخية.

    تحيتي وتقديري

    في الزحام نبحث عن الصفو

  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:08:36 AM

    المشاركات
    4,775
    العمر
    40

    جزاكم الله خيرا على المرور والتعليق وتصويب الأخطاء في المقال ، ونفعكم ونفع بكم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •