انتفاء المشقة وحصول التخفيف في أحكام التكليف مما تَقَرَّرَ في نصوص التشريع إما نصا وإما استنباطا بالاستقراء لجمل من الأحكام تدور حول معنى واحد يَنْدَرِجُ في باب المقاصد والقواعد الكلية ، فالشارع ، جل وعلا ، لم يخلق العباد ليعذبهم أو يكلفهم ما لا يطيقون ، فلا حاجة له في عبادتهم ، وليس كسادة الدنيا وملوكهم إذ يُسَخِّرُونَ العامة وَيَمْتَصُّونَ جهدهم امتصاص الطفيل الذي لا يُحْسِنُ يصنع غذاءه فلا يَقْتَاتُ إلا على غذاء غيره الذي يجهد في مَضْغِ الطعام وهضمه فيمتصه الطفيل بلا جهد ، وذلك من أعظم الظلم ، وهو ما انْتَفَى في حق الخالق ، جل وعلا ، بداهة ، فهو الذي خلق الْعُمَّالَ وأعمالهم ، وهو الذي أمدهم بالأسباب وَهَيَّأَ فيهم المحال أن تَقْبَلَ آثارها ، وهو الحكيم الذي يعلم ما يصلحهم ، وهو المؤمن الناصح الذي لا يغش عباده بل قد رحمهم بلا سابقة فضل ، فكان الفضل منه أن بَعَثَ فيهم من يعلمهم الكتاب والحكمة فاستقامت الشرعة على سَنَنِ العدلِ فلا غلو ولا جفاء ، وإنما القصد القصد ، كَمَا أُثِرَ عن صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلم يخلق الله ، جل وعلا ، العباد ليعذبهم ويشق عليهم بما لا يطيقون من الأعمال والأحوال ، فخلقهم ، جل وعلا ، ليرحمهم ويجري عليهم آلاءه الدينية والدنيوية ، وَخَلَقَهُمْ لِيَعْبُدُوهُ بشرعة العدل والحكمة ، فَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ أن يُصَدِّقُوا بِمُحَالٍ لا يَتَصَوَّرُهُ العقل إلا فَرْضًا مجردا ، ولم يكلفهم أن يقوموا أبدا فلا نوم ، أو يصوموا أبدا فلا فطر ، فذلك ، وإن أطاقه المكلف ، إلا أنه يُوقِعُهُ في الحرج ، وهو مما رَفَعَ الشارع ، جل وعلا ، فلا مشقة تَزِيدُ عن حد العادة ، ولا تكليف بتعذيب النفس بالتجويع والسهر وسائر أجناس الرياضة الغالية التي أَحْدَثَهَا من أَحْدَثَهَا إما جهلا وإما رياء ، فلا حاجة لله ، جل وعلا ، أن يعذب العباد أنفسهم ، ولم يخلقهم ليعذبهم ، بل خلقهم على أنحاء تَتَدَافَعُ لِتَظْهَرَ فيهم آثار وصفه الكامل جمالا وجلالا ، لا يخلوان من العدل والحكمة فلا ظلم ولا هضم ، فثوابه فضل وعذابه عدل ، فـ : (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) ، فَثَمَّ استفهام إِنْكَارٍ وَإِبْطَالٍ فلا يخلو من دلالة الخبر إذ يَنْفِي ، فذلك من استعارة الإنشاء في موضع الخبر ، فلا يخلو الاستفهام من غَرَضٍ زَائِدٍ إذ أَفَادَ الإنكار ، ولا يخلو السياق من قَرِينَةٍ تُرَجِّحُ عَذَابَ الآخرة ، فهو يَمْتَنِعُ إن كَانَ ثَمَّ شُكْرٌ وَإِيمَانٌ ، فَيَجْرِي ذلك مجرى المانع ، فَيَلْزَمُ من وجوده عدم العذاب ، وَإِذَا انْتَفَى فالعذاب يقع ، ولا يخلو ذلك من نظر ، فإن العذاب جنس عام تندرج تحته أنواع ، فَثَمَّ عذاب مؤبد فلا يتخلف فإذا لم يكن ثم أصل شكر وإيمان به يخرج الإنسان من حد الجحود والكفران ، فذلك يُوجِبُ التَّأْبِيدَ فِي العذاب الشديد ، وَثَمَّ عذاب مُؤَقَّتٌ فصاحبه قد اسْتَوْفَى من الشكر والإيمان ما به يخرج من حد الجحود والكفران ، وإن لم يبلغ القدر الواجب فاستحق الوعيد بعذاب مؤقت وهو ، مع ذلك ، قد يَتَخَلَّفُ بمانع من موانع نفاذ الوعيد ، فصاحبه بين العدل أن يقع العذاب المؤقت ، والفضل أن يغفر الله ، جل وعلا ، ابتداء فلا يعذب العاصي الَّذِي لَمْ يقارف من العصيان ما يَنْقُضُ أصل الدين ، فلا يُعَذِّبُهُ ابتداء وذلك أعظم الفضل وقد يُعَذِّبُهُ ثم يَعْفُو بشفاعة فذلك فضل آخر ، فَثَمَّ شفاعة الملائكة وَالنَّبِيِّينَ وأعظمها شفاعة الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وشفاعة الصديقين والصالحين والشهداء والعلماء ...... إلخ ، فَلَهُمْ شفاعات مُثْبَتَةٌ لا تكون إلا لمؤمن ، ولا تكون إلا بإذن الرب المهيمِن ، جل وعلا ، وقد يعذبه حتى يكون التطهير من رجس الذنب ، فيمكث في نار العصاة آمادا تطول ، ثم تكون شفاعة الجبار ، جل وعلا ، أن يُخْرِجَ من امتحش في النار فاحترق وذهب فالامتحاش مئنة من الْغِيَابِ وَالذَّهَابِ الكاملِ ، فَقَدْ بلغت النار مِنْهُ كُلَّ مبلغ ثم كانت رحمة الرب ، جل وعلا ، بأعظم الشفاعات فاستنقذ بها من كان في قلبه أدنى مثقال من إيمان ، وذلك مما تَوَاتَرَ أصله في الكتاب العزيز فَثَبَتَ فيه من الشفاعة ما قد أُجْمِلَ وكان بَيَانُهُ في السنة بِتَفْصِيلِ الأنواع ، وذلك جار على القياس في باب الاستدلال ، فالقياس فيه أن يكون بَيَانُ الوحيِ المتواترِ في أخبار الآحاد إن لم يجده في مُتَوَاتِرٍ مثلِه ، فَأَوَّلُ مَا يَتَوَجَّهُ إليه النظر هو الكتاب فهو أصل البيان فإن وجد فيه ما يجزئ في درك الحقيقة والماهية فَبِهَا ونعمت ، وإن لم يجد فهو ينظر في الأخبار فهي الأصل الثاني من أصول الرسالة ، فَمِنْهَا الْمُتَوَاتِرُ وهو الأقل ، ومنها الآحاد وهو الأكثر ، وكلاهما حجة على تفاوت في الحجية يَسْتَفِيدُ منه الناظر حال التَّعَارُضِ وَتَعَذُّرِ الجمع فيكون التراجح بين الأدلة إذ يقدم الأقوى إسنادا أو الأدل على المطلوب ، فهو نص في محل النزاع يقدم على الظاهر ، أو جلي يقدم على الخفي ..... إلخ ، فصورة الاستدلال منها أصل مجمل في الكتاب ، وآخر مفصل في السنة ، وَبِهِمَا جميعا يكون البيان الكامل .
فكان من اسم الشفاعة ما أُجْمِلَ في الكتاب العزيز ، فقد جاء مرة في سياق الإثبات وأخرى في سياق النفي ، فكان من دلالة العهد الخاص ما استفيد من قرينة السياق ، فالشفاعة في نحو قوله تعالى : (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) ، فهي لله ، جل وعلا ، إذ لا تكون إلا بإذنه ، فـ : (لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) ، ولا تنفع إلا لمن ارتضى ، فـ : (لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) ، فدلالة اللام في "لله" في قوله تعالى : (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) ، دلالتها دلالة الملكية والاختصاص ، فكل شيء له ، جل وعلا ، خَلْقًا وَمِلْكًا وَتَدْبِيرًا ، فَلَهُ الشفاعة فهي من أمره النافذ في الكون ولا يخلو أن يناط بآخر في الشرع فلا تكون إلا لمن صدق وامتثل أمر الشرع الحاكم ، فَثَمَّ شفاعة مُثْبَتَةٌ في الكتاب وأخرى مَنْفِيَّةٌ ، فذلك نَوْعُ بَيَانٍ وتفصيل ، فالشفاعة منها الثابت كشفاعة الملائكة والأنبياء آنفة الذكر ، ومنها المنفي كشفاعة الآلهة الباطلة التي تذرع بها من تذرع من عبادها ، فلا يخلو أمرهم أن يكون قياسا فاسدا على حال المخلوق الناقص فالشفاعة تحصل عنده إذ لا يعلم كثيرا مما يحدث في سلطانه إن كان ذا ولاية فالشافعون بَيْنَ يديه يُعْلِمُونَهُ ما كان من حق لفلان أو فلان من المستشفِعين ، سواء أكان حقا يسترد أم آخر يستلب فهو باطل وإن ادعى المستشفِع أنه حقه ، فجهل الملِك أو ذي الولاية المشفوع عنده يجعل كثيرا من الشفاعات الباطلة تَنْفُذُ ، وكثيرا آخر من الشفاعات الصحيحة لا ينفذ ، وجهله يوجب إعلام الشافعين له بما لا يعلم من الحقوق ليردها إلى أصحابها بما يملك من قوة الإنفاذ ، وهذا الجهل مما تَنَزَّهَ عنه الخالق ، جل وعلا ، فلا يفتقر إلى شافعين يقربون المستشفِعين بهم إلى الله ، جل وعلا ، زلفى ، كما قد تذرع المشركون ، فـ : (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) ، فتلك دعوى ستروا بها الشرك فسموه بغير اسمه تلطفا ، فالشرك طلب شفاعة ، والغلو تعظيم لذوي الفضل والديانة ، فضلا أنها آلهة لا تكليف لها فلا تعلم ولا تأمر ولا تَنْهَى بل ولا حياة فيها ، فـ : (الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) ، فكان من وصفهم ما يجري مجرى الخبر الذي تَعَدَّدَ على القول بِتَعَدُّدِ الأخبار ، فكان الابتداء على حد الوصل المجموع مئنة من استغراق إذ أُنِيطَ الحكم وهو الخبر : (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) ، أُنِيطَ بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة مطلعَ الآية : (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، وهو دعاء غَيْرِ الله ، جل وعلا ، فاستغرق بالموصول كل معبود يُدْعَى من دونه ، جل وعلا ، ذكرا كان أو أنثى ، فدلالة الموصول المجموع الذي حُدَّ للمذكر "الذين" ، دلالته ، من هذا الوجه ، دلالة تَغْلِيبٍ فَثَمَّ من الآلهة ما قد أُنِّثَ لفظه أو معناه ، فتسميته تسمية الأنثى ، كما قد زعم من أشرك بالله ، جل وعلا ، ملائكتَه ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى) ، فكان الخبر الذي يبطل عبادتهم وشفاعتهم إذ : (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) ، فكان من النفي ما استغرق بدلالة النكرة "شيئا" في سياق النفي فضلا عن تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل "يَخْلُقُونَ" ، فلا يخلقون أي خلق ، ولا يخلقون أي شيء ، إذ قد سُلِبُوا أوصاف العلم والقدرة ، فالخلق يكون بالعلم تقديرا أولا ، وبالقدرة إيجادا ثَانِيًا فليس لهم من ذلك شيء ، وبعده كان الإطناب بخبر آخر ، ولا يخلو أن يكون من الإطناب بالعلة بعد المعلول ، فإن انْتِفَاءَ الخلق سَبَبُهُ الموت ، فالميت لا حياة فيه وهي أصل الأوصاف جميعا ، العلم والحكمة والقدرة ..... إلخ ، فثم حكم أول فلا يَخْلُقُونَ شيئا وهم يُخْلَقُونَ ، فلا يخلو السياق من إطناب على حد المقابلة أو طباق السلب نفيا "لا يَخْلُقُونَ" ، وإثباتا "وهم يُخْلَقُونَ" ، وزد عليه الإطناب في الخبر الثاني : (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ) ، فكان من الإطناب باللازم احترازا ، فضد الموت الحياةُ ، فأثبت الموت وأطنب بلازمه من انتفاء الحياة ، فَيَجْرِي ذلك مجرى ما تقدم من الإطناب في الأخبار وَبِهَا زيادة بَيَانٍ ، فذلك يجري على قول من يجيز تَعَدُّدَ الأخبار ، ومن يَمْنَعُ فَهُوَ يُقَدِّرُ مبتدأً لكل خبر ، وتقديره يكون من جنس المبتدأ الأول ، فتقدير الكلام على هذا الوجه : لا يَخْلُقُونَ شيئا وهم يُخْلَقُونَ فهم أموات غير أحياء ، وطباق الإيجاب بين الضدين : الموت والحياة مما يَزِيدُ المعنى ، أيضا ، تقريرا وتوكيدا إذ احترز بذكر اللازم فلازم الموت نَفْيُ الحياة ، فذلك وصف الآلهة التي يعبدها أولئك إما صراحة أو تذرعا بشفاعتها ، فلا تُؤَرِّقُ عُبَّادَهَا بواجب أو محرم يُقَيِّدُ صاحبَه بِأَمْرٍ وَنَهْيٍ تَنْفِرُ منه نفوس الفجرة إذ يخالف عن حظوظهم في الجاه والثروة والشهوة ، فكان التذرع بالشفاعة الباطلة سوءَ ظن بالله ، جل وعلا ، أنه لا يعلم ، وآخر أنه يداهن الشافعين فَيَقْضِي لهم بما أرادوا ولو خلاف الحق الناصح فَيَتَّقِي منهم تقاة ! ، كما يَتَّقِي ملوك الأرض من بطانتهم ! .

ومن الشفاعة ، في المقابل ، ما هو جائز كشفاعة ذَوِي الجاه في رَدِّ حقٍّ ، ومنها المحرم كشفاعة ذوي الجاه في سلب حق ! ، ومن الشفاعة المنفية ما قد يَتَوَهَّمُ الناظر إذ قاس القياس الباطل أن الله ، جل وعلا ، كملوك الدنيا يَقْبَلُ شفاعة البطانة فيخشى إِغْضَابَهَا إذ بها يحكم وَيُرَسِّخُ أركان الْمُلْكِ فَيَقْبَلُ منها ما يقبل كَرْهًا ، وذلك مما انْتَفَى في حق الرب ، جل وعلا ، إذ الإكراه مئنة من نقص في القدرة ، وحاجةُ الملكِ إلى بطانته مئنة من نقص في ملكه ، والرب ، جل وعلا ، قد تَنَزَّهَ عن ذلك ، بداهة ، فَلَهُ كمال الملك والقدرة ، وكمال التدبير والحكمة ، فانتفت هذه الشفاعة وَثَبَتَتْ أخرى ، ولكلٍّ عهد خاص يستفاد من السياق ، فتكون "أل" في كل موضع مئنة من عهد خاص فهي تشهد في موضع بالشفاعة المحمودة ، وفي آخر بضدها من الشفاعة المذمومة ، فتجري ، من هذا الوجه ، مجرى الأضداد ، إذ تدل على وجهين من المعنى يتعارضان ، فالسياق يحكم فَيُبِينُ عن الوجه المراد ، فحصل بَيَانٌ أول به فُصِّلَتِ الشفاعة فهي على ضربين : شفاعة صحيحة وأخرى باطلة ، ولا ينفك كلاهما يفتقر إلى بيان زائد فتحت كلٍّ من الأنواع ما قد أَبَانَتْ عنه السنَّةُ ، فكان الْبَيَانُ التام بما أُثِرَ عن خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فالأمر ، لو تدبر الناظر ، يجري مجرى الجنس العام والأجناس الخاصة فهي أنواع بالنظر في الجنس الأعم الذي يستغرقها جميعا ، وهي أجناس بالنظر في الأنواع التي تندرج تحتها ، فالشفاعة : جنس أعم يدل على مطلق الحقيقة والماهية فَثَمَّ جنس فيه يُضَمُّ واحد إلى آخر فيصير الوتر شَفْعًا فدعواه تعتضد بدعوى الشفيع الذي يُزَاوِجُهُ ، فذلك جنس مطلق فلا قَيْدَ ، فيجري مجرى العام الذي لا أعم منه ، فهو في أعلى درجات العموم إذ أُطْلِقَ في الذهن فعمت دلالته كل الأنواع التي تَنْدَرِجُ تحته ، إذ يصدق في جميعها اسمه مع ما يكون من قَيْدٍ خاصٍّ لكل نوع ، شفاعة صحيحة أو أخرى باطلة ، شفاعة مثبتة أو أخرى منفية ، شفاعة مخلوق وأخرى قد اخْتَصَّ بها الخالق ، جل وعلا ، نفسه ..... إلخ من الأنواع .
وتحت هذا الجنس العام الذي لا أعم منه ، تحته أجناس أخص ، فكان القيد بالصحيح تارة ، والباطل أخرى ، فَثَمَّ شفاعة صحيحة وأخرى باطلة ، وهما ، من وجه آخر ، جنسان يعمان بالنظر في الأنواع التي تندرج تحتهما ، فالشفاعة المثبتة منها شفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي ، أيضا ، جنس أخص بالنظر في الأنواع التي تندرج تحتها فثم شفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يبدأ الحساب ، وشفاعته أن يدخل أهل الجنةِ الجنةَ ، وشفاعتهم في أقوام قد استحقوا عذاب التطهير ألا يُعَذَّبُوا ابتداء ، وشفاعته في رفع بعض درجات أهل الجنة ، وشفاعته الأخص في عمه أبي طالب لتخفيف العذاب لا لرفعه ، وَشَفَاعَتُهُ في قوم قد دَخَلُوا وَعُذِّبُوا زمانا أن يخرجوا قبل تَمَامِهِ ، فكان من التقسيم أجناسا وأنواعا ما أبان الكتاب عن بعضه والسنة عن آخر على وجه حصل به البيان المفصَّلِ فلا يستفاد ، كما تقدم ، إلا بجمع أدلة البيان مُجْمَلِهَا وَمُفَصَّلِهَا ، من الكتاب ومن السنة ، فبعضها يُبَيِّنُ بَعْضًا ، وما أُجْمِلَ في موضع أُبِينَ عنه في آخر ، فكانت صورة الاستدلال المجموعة من أجزاء يَتَتَبَّعُهَا الناظر المحقِّق باستقراء نصوص الشرع المنزَّل .

فمن العذاب ، كما تقدم ، ما يكون مُؤَقَّتًا ، وهو ، مع ذلك ، قد يَتَخَلَّفُ بمانع ، فكان من نفي العذاب إذا حصل الشكر والإيمان في الآية محل الشاهد الأول ، آية النساء : (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) ، فَهُوَ الشرطُ الذي يَمْنَعُ نَفَاذَ العذاب ، فَحُدَّ حَدَّ الشرط على تقدير جواب محذوف قد دل عليه المذكور المتقدم ، فتقدير الكلام : إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ فما يفعل الله بعذابكم ؟! ، ولا يخلو الاستفهام من دلالة التعجب ، فإن من علم وصف الرب ، جل وعلا ، عدلا وغنى وإحسانا إلى عباده فلا يجول هذا الوسواس بِخَاطِرِهِ أَنَّ الله ، جل وعلا ، يظلم عباده ، أو يعذبهم بلا جناية أو يكلفهم ما لا يطيقون ، فكل أولئك مما رفعه ، جل وعلا ، إذ رفع الحرج عن العباد فجاء الشرع بالتخفيف بلا تفريط ، وإنما أحكم الأمر والنهي فمن سَنَّهُ قد أحاط بالناس علما فهو خالقهم وخالق جوارحهم ، وهي محال التكليف ، فلا يُحَمِّلُهَا ما لا تُطِيقُ فيكون الحرج وَتَعْظُمُ المشقةُ التي تُفْضِي إلى الضعف والوهن ، والسآمة والملل ، فلا يخلو ذكر العذاب ، وإن انصرف ، كما تقدم ، إلى عذاب الآخرة ، لا يخلو من دلالة عموم تستغرق عذاب الدنيا بما يكون من التكليف الشاق الذي يخرج عن حد العادة وإن أطاقه الإنسان فلا يطيقه إلا بحرج قد رفعه الشرع فجاء بالتخفيف إذا حصلت المشقة الزائدة ، وعليه حُمِلَتْ قراءةُ "يُطَيَّقُونَهُ" في قوله تعالى : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) ، فهم يتجشمون عناءه وإن أطاقوا صيامه فإطاقةَ المتكلِّف الذي يُحَمِّلُ بَدَنَهُ ما لا يطيق فَيَرُدُّ رخصة الرب الكريم ، جل وعلا ، على وجه قد يُذَمُّ فاعله ويأثم ، فَشُرِعَ من الفدية ما يَرْفَعُ هذا الحرج ، فالفطر جائز والفدية نائب ، فَانْتَفَى عذاب الله ، جل وعلا ، في الأولى وفي الآخرة إن كان ثم شكر وإيمان ، فلا عذاب في الأولى إذ التكليف عدل وحكمة ، قَدْ شرعه من يَعْلَمُ حال الإنسان وما يَعْرِضُ له من الضعف والمرض والسآمة والملل ، فَكَلَّفَ بما يطيق عموم الناس ، ومن عرض له من العجز أو الضعف أو المشقة الزائدة ما يجاوز حد العادة ، فَثَمَّ رخص حال الضرورة والحاجة وهو أصل قد علم باستقراء أبواب الأحكام ، فلا تخلو جميعا من رخص حال العجز عن العزائم بَلْ وفِيهَا من الرخص ما يكون في الحاجات فلا يَقْتَصِرُ على الضرورات ، فكان من المشقة الزائدة ما يجلب التيسير بالرخصة تَرْفِيهًا أو إِسْقَاطًا ، وكان منها ما يُسْقِطُ الفرض كله كفطر المريض مريضا لا يُرْجَى بُرْؤُهُ أو الشيخ الفاني الذي لا يطيق الصيام ، وما يُسْقِطُ بعضه كالقصر في الصلاة ، وذلك باب واسع يَتَفَاوَتُ الناس في دركه تَبَعًا لِتَفَاوُتِ استقرائهم لفروع الشريعة وَكُلَّمَا حَصَّلَ منها قدرا عَلِمَ من هذا الأصل ما تطمئن به النفس وَيَحْسُنُ به الظنُّ فِي الله ، جل وعلا ، فَقَدْ علم الناظر في أحكامه العدلَ والرحمةَ .
فالشكر والإيمان يَمْنَعَانِ العذابِ ، كما تقدم ، على حد الدوران وجودا وعدما ، ولا يخلو عطفهما قي قوله تعالى : (إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) ، لا يخلو من عطف العام على الخاص ، فالشكر خصلة من الإيمان ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، أن يكون من عطف المسبَّب على السبب ، فالشكر بَاعِثٌ أن يُؤْمِنَ العبدُ فَيَمْتَثِلَ الأمر والنهي فَيَبْلُغَ حد الإيمان الواجب ، فالإيمان آية الشكر حقيقة لا دعوى ، فلا يكون الشكر بكلمات تُنْطَقُ دون أفعال تُصَدِّقُ ، إذ الشكر يكون بالجوارح كلها ، باطنا وظاهرا ، فيشكر العبد بالجنان واللسان وسائر الأركان ، فـ : (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) ، وذكرهم يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام وهو كل عامل وإنما اختصوا بالذكر في الآية لقرينة السياق ولا يخلو ذلك من تَشْرِيفٍ بالتكليف فالأنبياء ، عليهم السلام ، أعظم الناس عملا وشكرا ، فكان العمل الذي أطلق فاستغرق عمل الباطن والظاهر ، عمل العبادة والحكم والسياسة والحرب والتجارة والزهد ..... إلخ ، وهو ، لَوْ تَدَبَّرَ الناظر ، مما يكافئ الإيمان في الحد والماهية ، فالإيمان ، أيضا ، اسم ذو شعب وأركان منها الباطن ومنها الظاهر ، منها العلم الباطن والقول الناطق والعمل الشاهد على صدق الدعوى فيجري ذلك مجرى الترادف بين الشكر والإيمان ، وبعدها كان الختام على حد الكينونة الماضية مئنة من ديمومة الاتصاف بوصف الكمال شكرا وعلما ، فـ : (كَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) ، ولا تخلو الكينونة الماضية أن تكون مِمَّا نُزِعَتْ دِلَالَتُهُ الزَّمَانِيَّةُ الماضوية فَثَبَتَ مِنْهَا دوام الوصف دون اعتبار لزمن ، فالرب ، جل وعلا ، قد اتصف بالكمال المطلق ، ذاتا ووصفا ، أزلا وأبدا ، فهو الأول وهو الآخر ، وزيادة الكينونة ، من وجه آخر ، تجري مجرى زيادة المبنى مئنة من أخرى تضاهيها في المعنى فَبِهَا توكيده وتقريره ، ولا يخلو السياق ، أيضا ، من دلالة الاسمية وهي مئنة من الثبوت والديمومة ، فَتَقْدِيرُ الكلامِ قبل دخول الناسخ : الله شاكرٌ عليمٌ ، فاستكن في الخبر وهو اسم وصف استكن فِيهِ ضمير يتحمله الاسم المشتق تحملا دون تحمل الفعل فهو الأقوى إذ هو أصل المشتقات ، فكان من تكرار الإسناد إذ تحمل اسم الفاعل "شاكر" ضميرا يرجع على المبتدأ وهو فاعل في المعنى ، فضلا أن اسم الفاعل يقارب مضارعه في الدلالة والعمل على تقديرِ : الله يشكر ، وإن كان اسم الفاعل دون المضارع في العمل ، فالمشتق أضعف من الأصل ، وبعده كان عطف المثال "عليما" وهو مثال مبالغة ، فيتحمل الضمير ، أيضا ، وإن تحملا دون تحمل اسم الفاعل والفعل من باب أولى ، فمثال المبالغة أضعف في العمل من اسم الفاعل ، فلا يخلو السياق من دلالة الترتيب استنادا إلى قوة العمل ، ولا يخلو من إطناب في الإخبار عن الله ، جل وعلا ، وذلك الأصل في باب الإثبات ، فالتفصيل فيه يحسن ، خلاف النفي لأوصاف النقص فالإجمال فيه يحسن ، فالأصل : نفي مجمل يُخْلَى به المحل من النقص وإثبات مفصل يُحَلَّى به المحل بعد الاحتزار بِنَفْيِ النقص وتطهير المحل ، فكان من تعدد الأخبار ما يُثْنِي على الله ، جل وعلا ، بالشكر والعلم ، وَوَصْفُ الشكر في مقابل شكر العبد في السباق المتقدم في قوله تعالى : (إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) ، وصف الشكر في مقابل شكر العبد يجري مجرى المشاكلة في اللفظ وأصل المعنى فالجزاء من جنس العمل مع الاختلاف ، بداهة ، في الحقيقة والقدر ، فشتان شكر الخالق ، جل وعلا ، وهو شكر الغني الكامل ، وشكر العبد فلا يخلو من نقص وإن اجتهد صاحبه ما اجتهد فلا يوفي الرب ، جل وعلا ، ولو شكر نعمة واحدة فكيف بِنِعَمَهِ وقد كَثُرَتْ فَاسْتَعْصَتْ عَلَى الْعَدِّ والإحصاءِ ، فحصل الاشتراك المعنوي في الأصل وهو جنس الشكر ، فالشكر ، من هذا الوجه ، جنس عام تندرج فيه أنواع ، فَثَمَّ شكر الخالق ، جل وعلا ، وهو شكر يليق به كمالا ، وشكر المخلوق ، وهو ، في المقابل ، شكر يليق به نقصا وَإِنِ اجتهد ما اجتهد ، فكان الاشتراك المعنوي في أصل المعنى والدلالة على وجه لا تشبيه فيه ولا تمثيل إذ الاشتراك في المطلقات في الأذهان لا يَقْتَضِي الاشتراك في الأعيان في الخارج ، بل لكلٍّ منها وصفه الذي يَلِيقُ به كمالا أو نقصا ، وذلك ، أيضا ، أصل آخر في هذا الباب الجليل ، فكثير من الأسماء والأوصاف ومنها الشكر والعلم في الآية ، كَثِيرٌ منها يقع فيه الاشتراك بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فذلك اشتراك في المعنى المطلق في الذهن فتصوره لا يمنع وقوع الشركة فيه خلاف ما يُتَصَوَّرُ من الحقائق والماهيات في الخارج فلا يتصور وقوع الشركة فيها ، وَوُقُوعُ الشركة فيه ، من وجه آخر ، لا يقتضي تشبيها ولا تمثيلا ، إذ الشركة فيه إنما تكون في الأذهان لا في الأعيان ، والشركة في الأذهان في المعاني المطلقة أمر جائز خلاف الاشتراك في الماهيات في الخارج فلكلِّ موصوفٍ ماهية تخصه لا يشترك فيها مع غيره ، فكان من الإطناب بالعطف في قول الرب جل وعلا : (وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) ، فهو ، عند التدبر والنظر ، عطف سبب على مسبَّب ، فلا يعذب من شكر وآمن إذ يشكر إيمان المؤمن فَيُوَفِّيهِ أجره ويزيد وهو يعلم الشاكر من الجاحد فلا يخفى عليه حال ، فكان من الإطناب على حد التكرار في الخبر على قول من يجيزه ، خلاف من يمنع فيقدر لكلِّ خبر مبتدأ ، فثم مبتدأ يقدر لخبر العلم يدل عليه مبتدأ الخبر الأول وهو الشكر ، فالموصوف بهما واحد وهو الرب الخالق ، جل وعلا ، فيقدر المبتدأ الذي يسند إليه حكم العلم ، يُقَدَّرُ بالرجوع إلى المتقدم المذكور من اسم الله المعبود ، تبارك وتعالى ، فكان من التكرار ما استوفى أجزاء السبب فمن عَلِمَ شكرَ الله ، جل وعلا ، فيزيد ويجزل في العطاء ويثيب على القليل بالكثير ، ومن علم أنه العليم فلا يضيع عنده عمل عامل ، من علم ذلك اطمئنت نفسه وحسن ظنه بربه ، جل وعلا ، فاجتهد في الشكر والإيمان ليفوز برضى الرحمن جل وعلا .

فكان من نفي العذاب في الأولى بالشاق من التكليف ، كان من هذا النَّفْيِ ما يُوَاطِئُ مقاصد الشرع إذ رَفَعَ الحرج عن عامة المكلفين وإن شَرَعَ من الجلال ما به يُعَاقِبُ أَقْوَامًا استحلوا المحارم فَعُوقِبُوا أَنْ حَرَّمَ عليهم الرب المهيمِن ، جل وعلا ، بعض الطيبات ، وكان من الجلال ما يجري مجرى العزيمة التي تُبْلَى بها النفوس ، فيكون من الحكمة أن يَتَرَاوَحَ التكليف بين جلال وجمال ، بين شدةٍ وَلِينٍ ، فالنفس لا بد لها من تهذيب ولا يكون ذلك بجنس واحد من التكليف بل أحوالها تختلف نَشَاطًا أو فَتْرَةً ، قوة أو ضعفا ، ولكلِّ حالٍ ما يلائمها فَتَارَةً يَحْسُنُ حملها على العزَائِمَ لِتَصْلُبَ وَتَشْتَدَّ ، وأخرى يَحْسُنُ حملها على الرخص لتستريح وتستجم فَتَنْشَطَ بَعْدَ راحةٍ إذ نَالَتْ من حظها الكفاية على وجه لا يستجاز به خرق ناموس الديانة كما قد يَتَوَهَّمُ بعضٌ أن الرخصة والاستجمام ذريعة إلى المخالفة عن الشرائع والأحكام ، فيكون من الشدة ما تُهَذَّبُ به النفوس عَزَائِمَ يَصْلُبُ بِهَا العود ، وإن لم تكن الشدة مقصود الشرع فهي مما طَرَأَ عارضا فليس أصلا ثَابِتًا في التشريع ، مع حصول الأجر إذا زادت المشقة في أحيان ، فالأجر على قدر المشقة ، وَإِنْ لم تكن المشقة غاية من غايات التكليف فهي عارض يطرأ لا غاية تُطْلَبُ ، فالرب ، جل وعلا ، غني عن تعذيب النفوس بصنوف الأعمال والرياضات التي لا تُطَاقُ ، فتخرج عن حد الاعتدال إلى التكلف وَالتَّنَطُّعِ ، فجاء الوحي بأواسط الاعتقادات والأقوال والأعمال ، فلا غلو ولا جفاء ، ولا تَنَطُّعَ ولا تَفَلُّتَ ، فجمال وجلال بهما كان الكمال الذي حسن به الختام ، ختام الوحي ، فلا يكون الجمال ذريعة أن يفرِّط المكلَّف في الأحكام فيتذرع بما وَهَى من العوارض أن يَحُلَّ عرى الدين ، فليست كل مشقة تعتبر في جلب التيسير ، فلا بد من قيد فارق ، فَثَمَّ من مشقة القيام في الصلاة ما لا يخرج عن حد العادة ، فلا يجلس المكلف فيصلي من قعود إلا أن تَزِيدَ المشقة عن حد العادة فَتُوقِعُ صَاحِبَهَا في الحرج ، فالحرج مما رفعه الشرع فضلا ولو شاء لوضعه عدلا ، وكذلك الشأن في الصيام ، فلا اعتبار بمشقة معتادة ، فلا يخلو تكليف منها ، فالمرض يجيز الفطر ، وهو مطلق في آي البقرة في قوله تعالى : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ، فالمرض في الآية مطلق قد حمله الجمهور على المقيَّد ، وهو المرض الشاق ، وإن لم يكن ثَمَّ نَصٌّ على القيد فذلك مما قد علم باستقراء فُرُوعِ الشريعةِ ، فباب الأعذار باب دقيق يضيع بين الغلو والجفاء ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أصل يطرد في مسائل الديانة كلها ، الخبرية والإنشائية ، فالشريعة عدل بَيْنَ الزيادة والنقص ، إن فِي التصور أو في الحكم ، فكان من قيد المشقة ما حَمَلَ الجمهورُ عليه مطلقَ المرض ، فَلَيْسَ أي مرض يجيز الفطر خلافا لمن عمل بالمطلق فأجاز الفطر من أي مرض ، وإن لم يشق ، فكان من أعذار المرض والسفر ما يجري مجرى العلة في الرخصة وهي الفطر ، وهي تَتَرَاوَحُ بين رخصة الترفيه كما في السفر ، ورخصة الإسقاط كما في المرض الشديد الذي يضر بالصائم وإن لم يَبْلُغْ به حد الهلكة ، فالضرر لا يقتصر على ذهاب النفس ، بل منه ذهاب عضو أو عضالُ داءٍ مُزْمِنٍ لا يطيق صاحبه الصوم بالنظر في المآل وإن أطاقه في الحال ، فالضرر فيه يَتَرَاكَمُ ، فيسقط الحكم في هذه الحال فلا إيجاب بل يثبت من الحكم ضده فيحرم على الصائم أن يصوم إن خاف على نفسه هلكة أو ضررا بَالِغًا وإن لم يَبْلُغْ حَدَّ القتل الذي نهى عنه الرب ، جل وعلا ، فـ : (لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ، فكان من النهي ما قد عم إذ تسلط على المصدر الكامن في الفعل "تقتلوا" ، فضلا عن دلالة الضمير المجموع ، فهو يستغرق جميع المكلفين إن بِالنَّصِّ أو بِالتَّغْلِيبِ ، وَزِدْ عليه دلالة العموم في الاسم المضاف "أنفسكم" ، فهو يستغرق نفس الإنسان ونفس غيره ، كما في قوله تعالى : (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) ، أي : على غيركم ، فكان من الدلالة ما يستغرق الضرر بقتل النفس والضرار بِقَتْلِ غيرها ، فيواطئ ، من هذا الوجه ، دلالة النَّفْيِ في الخبر أن : "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" ، فلا يخلو من إنشاء النهي أَنْ : لا تضروا أنفسكم ولا تضروا غيركم ، فهو عام يدخل فيه النهي آنف الذكر أَنْ : (لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) ، فهو يجري ، من هذا الوجه ، مجرى المثال الخاص لأصل عام ، إذ دائرة الضرر أوسع من دائرة القتل ، فكل قتل ضرر ولا عكس ، وقد يكون الضرر بالقتل أو القطع أو الأخذ حقا كَقَتْلِ مَنْ قَتَلَ قصاصا وقطع يد من سرق وأخذ زكاة من مَنَعَ ، فَبَيْنَ الضرر والقتل ، من هذا الوجه ، عموم وخصوص مطلق ، على وجه لا يخصِّص فِيهِ المثال ، وهو القتل ، العامَّ ، وهو الضر ، فذكر بعض أفراد العام في سياق التمثيل لا يخصصه ، وإنما يجري مجرى البيان بضرب المثل وهو من أعظم ما تُقَرَّبُ به الحقائق والمعاني إلى الأذهان ، وذلك ، أيضا ، عام يستغرق القتل العاجل بالانتحار أو إزهاقِ روحٍ أخرى ، والقتل الآجل بالنظر في المآل بما يكون من تَقَصُّدِ الخبائث ، فهي ما قد حرم الشارع ، جل وعلا ، في أصل آخر جامعٍ ، فهو عُنْوَانُ من عَنَاوِينِ الرسالة الخاتمة فصاحبها صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، وليس ذلك خاصا بِبَنِي إسرائيل كما يدل السياق بل ذلك يتوجه إلى أمته صلى الله عليه وعلى آله وسلم من باب أولى ، فتحرم الخبائث جميعا فلا تخلوا من ضرر يتفاوت فَثَمَّ ما يُبَاشِرُ ضرره ، وثم ما يَتَرَاكَمُ فيكون الضرر آجلا ، فالسم يقتل ، وَتَعَاطِي المسكر يذهب العقل ويضر البدن ويفضي إلى عضال داء يُزْهِقُ نُفُوسًا كثيرة ، واعتبار الأحكام اعتبار العلة المنضبطة ، فالإسكار وصف ظاهر ينضبط ويطرد وجودا وعدما ولا عبرة بالنادر ، فلا يقال إن فلانا لا يسكر وإن شرب ما شرب من المسكر فانتفت في حقه علة التحريم ! ، فذلك نادر لا يقاس عليه فلا يعارض الأصل الغالب فمبنى الأحكام على المجموع لا الجميع فلا يضر تخلف العلة في آحاد ، وإلا ما سلمت جمهرة عظيمة من الأحكام ، فلا يخلو أصلٌ من استثناء إلا ما شاء الله ، جل وعلا ، من العمومات المحفوظة ، ولا يصح احتجاج المخالف أنه يَتَعَاطَى المسكر ولا يمرض ، بل جسده يصح ويعتدل بقليل منه ! ، فلئن سُلِّمَ له بذلك فهو نفع يسير لا يقاوم الضرر العظيم ، فَيَجْرِي الأمر مجرى التراجح بَيْنَ مفسدة عظمى ومنفعة دونها ، كما قد مهد الوحي بين يدي التحريم الجازم في قول الرب الشارع جل وعلا : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) ، فلا تخلو الخمر من مَنْفَعَةٍ ، في الكسب والتجارة ، وقد يجد الشارب في أحيان نَشْوَةً فَيَنْشَطُ ، ولو عَرَضًا ، وقد يَتَدَاوَى بِهَا من علة فَيَجِدُ من نفسه خِفَّةً ، ولكن النظر المحكم في الحال الغالب والمآل يورث الناظر ترجيحا صحيحا فالمفسدة أعظم فلم يُجْعَلِ الشفاء في مُحَرَّمٍ ، كما في الخبر : "إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا" ، فما يعطب أكثر مما يصلح ، إن صح أنه يصلح ، ولو عَرَضًا ، ومقتضى الحكمة أن تستدفع المفسدة العظمى ، ولو آجلة لا تظهر آثارها في الحال ، أن تستدفع ولو بإهدار مصلحة صغرى عاجلة ، ولو صح أن ثم مصلحة في محرَّم قد وجدها آحاد ، فذلك بالاستقراء نادر ، والنادر لا حكم له ، فمبنى التشريع على الحال الغالبة ، وغاية النوادر أن تجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ، فتجري مجرى الرخصة في الميتة حال المخمَصة ، فلا يقال إنها مباحة إذ تجوز في هذه الحال ، فهي نادرة لا يُنَاطُ بها أصل التشريع المطرِد ، وإن كان لها فيه تخريج صحيح ، فالضرورات تبيح المحظورات ، فإذا لم تندفع الضرورة المهلكة إلا بِتَعَاطِي المحرم ، فتعاطيه يجوز بل ويجب في رخصة الإسقاط ، وفيها يجري التراجح ، أيضا ، فقد انْقَلَبَ معيار الحكم بِمَا طَرَأَ من العذر ، فصارت المصلحة الراجحة في تَعَاطِي المحرم ، كتعاطي المسكر حال العطش المهلِك ، فلا تخلو الحال من مخالفةِ حكمٍ صريحٍ قد جاء بالتحريم ولو للقليل سدا للذريعة ، ولا تخلو من ضرر ينال العقل والبدن من هذا المسكر ، بل قد يشرب فيغيب عقله إذ لا تَنْدَفِعُ الضرورة إلا بكثير ، فيجري الأمر مجرى التعارض بين المقاصد ، فَثَمَّ مقصد حفظ العقل بتحريم المسكر ، وهو مقصد محكم من مقاصد التشريع فلا يَرِدُ عليه النسخ ، وإنما عارضه مقصد أعظم وأولى بالاعتبار وهو حفظ النفس الذي لا يَتَحَقَّقُ حال الضرورة إلا بِتَعَاطِي المسكر ، فَقُدِّمَ حفظ النفس على حفظ العقل ، وجاز من المسكر ما يُقَدَّرُ بِقَدَرِهِ ، فلا يصار إلى الكثير إن اندفعت الضرورة بقليل ، فإن لم تندفع إلا بالكثير ، فحفظ العقل في مقابل النفس هَدَرٌ إذ هي الأولى بالاعتبار فهي أصل العقل إذ الحياة أصل كل وصف ، ومنه العقل ، فهو غَرِيزَةٌ رُكِزَتْ في النَّفْسِ ، فَلَا يَبْقَى مع فنائها ، وإن بقيت الروح بعد الموت فليس ذلك بَقَاءَ التكليف الذي يَنْقَطِعُ بمفارقة الروحِ الجسدَ ، وذلك ، كما تقدم ، نادر لا حكم له ، فهو حال طارئة تَعْرِضُ قد اتسع الشرع الحنيف فَاسْتَغْرَقَهَا بما سمح من أحكامه وَتَنَزَّلَ من رحماته التي ارتفع بها الحرج ، فذلك أصل يطرد في الصلاة والصوم وكل تكليف ، فالمشقة ، كما تقدم ، تجلب التيسير ، ولا يكون حرج في قضاء الشرع إن في العزيمة أو في الرخصة ، وإنما يُدْخِلُ من يُدْخِلُ من المتنطعين ، يدخل على نفسه وغيره من العنت ما به يعظم الحرج المفضي ضرورة ، إلى السآمة والملل ، فالمنبت مآله الانقطاع إلا نوادر لا يقاس عليها ، أيضا ، فمن أطاق من الرياضات ما لا يطيق العامة فليس ذلك مناط تشريع يطرد ، فغاية ما يقال إنه مما اجتهد صاحبه وإن أخطأ فلم يكن في الشرع ما يجيز زيادته ، بل قد يدخل بها في حد المحدِث الزائد بلا دليل شاهد ، فالدليل قد شهد لصاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم بجملة من الخصائص التي لا يشاركه فيها أحد ولا يطيقها غيره إلا آحادا نادرة لا يناط بها حكم ، فيصدق في الفعل أنه محدثة ، وإن عذر صاحبه في أحيان فَلَمْ يَتَقَصَّدِ المخالفة وإنما اجتهد في المتابعة فظن ذلك مما يُشْرَعُ فيه التأسي ، والصحيح أنه من الخصائص التي لا تَثْبُتُ إلا بدليل إذ تخالف ، أيضا ، عن الأصل المطرد في أحكام التكليف فالأصل فيها العموم الذي يستصحب حال النظر في كل أمر أو نهي إلا ما وَرَدَ الدليل أنه من الخصائص فلا يشرع فيه التأسي ، فذلك خلافُ الأصلِ والناقل عن الأصل لا بد له من دليل فإن أقامه وجب المصير إلى قوله ، فكان من خصائص النبوة في الصيام ما اصطلح أنه الوصال فلا يطيقه العامة ، لا جرم لم يشرع إلا في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن أطاقه بعض كابن الزبير ، رضي الله عنهما ، فكان يواصل ، لا مخالفة ، وإنما ظن الحكم مما تحسن فيه المتابعة ، فَلَهُ أجر ما اجتهد وإن أخطأ ، فالفعل في نفسه محدَث إذ لم يشرع في حق العامة فكان من الزيادة ما لا يُرْتَضَى ، وإن كان الفاعل مرضيا فليس بمحدِث في الدين فقد اطرد من حاله تعظيم الشرع وامتثاله ، بل ما كان هذا الفعل منه إلا ظنا أنه من كمال المتابعة ، فَأُجِرَ على نِيَّةِ الاجتهاد في الاقتداء ، ولم يؤجر إذ لم يصب وجه الحق في ذلك فَزَادَ ما لم يَزِدِ الشارع ، جل وعلا ، فكان من الحرج المرفوع ما رفعه الشرع إذ نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الوصال وأبان عن العلة ، فـ : "أَيّكُمْ مِثْلِي إنّي أَبِيتُ يُطْعِمنُي رَبّي وَيَسْقِينِي" ، وإن وقع الحرج في أحيان ، فذلك مما يكون قضاء تكوين نافذ لا قضاء تشريع حاكم ، فقد يكون من الزيادة ما يعذر صاحبه بالنظر في عامة أحواله فهو وَقَّافٌ على حدود الشرع معظِّم لكلم الوحي ، وقد يكون منها ما يذم صاحبه فقد زاد غلوا أو رياء ، فخالف قصدا أن ظَنَّ في فعله خيرا ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، من إساءة الظن بالوحي أنه لا يجزئ ، فلا مناص من زيادة ، وهو أمر قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة فجاوز حد الشعائر ونال من محكم الشرائع ، فظن من ظَنَّ أنها لا تجزئ فلا تحصل بها كفاية إلا أن يَزِيدَ فيها على وجه قد جاوز حد المصلحة التي يتذرع بها كل خصوم الوحي ، فلسان الحال والمقال : (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) ، فظنهم في الوحي قد ساء ، وصنيع من تأخر أن غلب عليه التقليد والجمود قد أعطى الخصم حجة أن يطعن في محكم الشرعة ، فخالف عنها لا معصية في قضاء باطل وإنما تعطيلا للمناط الحاكم إذ استبدل به آخر مُحْدَثًا ، فكانت المحدثة الكبرى التي تَنْقُضُ أصل الدين الجامع ، ولم يجد أحد في نفسه من الوحي حرجا ، إن في دقيق أو في جليل ، إلا خرج به ذلك عن جادة العدل فجفا أو غلا ، فكان من إحكام العلة في مناط الرخصة في قول رب العزة جل وعلا : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ) ، كان منها قصر العلة في الرخصة على المرض والسفر ، فالحكمة وهي المشقة مما لا ينضبط فأنيطت الرخصة بمظان المشقة وإن لم تحصل الحكمة في جميع الآحاد فلا يضر تخلفها في بعض الجزئيات ، وإن كان ثَمَّ من أناط الحكم بالحكمة ، لا على حد التلاعب بفتح الذرائع ، وإنما جعله ، أيضا ، من الضرورة التي تقدر بقدرها ، فمن شق عليه الصوم مشقة زائدة تخرج عن حد العادة فهي توقعه في الحرج وليس ممن به مرض أو على سفر ، فالواجب في حقه أن يعقد النية من الليل ، وأن يصبح صائما ما أطاق فإن عظم الحرج جاز له أن يفطر ضرورة تقدر بقدرها مع تَبْيِيتِ النية الجازمة أن يقضي ما فاته فلا يفطر ابتداء ، وإنما يفطر إذا وجد مشقة غير معتادة ، فهي مناط الرخصة ، والمسبَّب لا يسبق السبب ، فلا يصلي أحد قبل دخول الوقت ، ولا يُطْعِمُ أحد طعام الفدية قبل الفطر إذا لم يطق الصوم وكان مِمَّنْ لا يُرْجَى برؤه ، فكان من الشرط ما قد عم في قوله تعالى : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ، فاسم الشرط مما أُفْرِدَ في مَبْنَاهُ وَذُكِّرَ ، ولا يخلو من دلالة الجمع المستغرِق لكل مكلف ، ذكرا كان أو أُنْثَى ، فعموم التكليف قرينة تستصحب استصحاب البراءة الأصلية فلا يَنْتَقِلُ الناظر عنها إلا بدليل صحيح صريح يسلم من المعارضة ، فالتكليف مناط عام إلا في مواضع يَرِدُ فِيهَا المخصِّص الذي يقصر التكليف على نَوْعٍ أو قَبِيلٍ بل قد يقصره على واحد كما هي الحال في الخصائص ومنها ما تَقَدَّمَ من الوصال في الصيام فهو من خصائص خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا يخلو من دلالة عموم أخرى فهو يستغرق المؤمن والكافر جميعا ، فالأول يخاطب به خطاب المواجهة الأول ، والثاني يخاطب به تَبَعًا لخطاب الإسلام الأول فلئن صح تكليفه بفروع الشريعة فهو يخاطب بها وبما لا تصح إلا به من أصل الشريعة : توحيد رب الخليقة ، جل وعلا ، وذلك ما يجري ، أيضا ، بالنظر في دلالة الضمير المجموع في "منكم" ، فدلالة "مِنْ" دلالةُ بَيَانٍ لجنس خاص وآخر عام ، فالجنس الخاص هو أمة الإجابة والجنس العام هو أمة الدعوة على ما تَقَدَّمَ من خطابها ابتداء بخطاب التوحيد المصحِّح لما بعده من الأصول والفروع ، ولا تخلو دلالة "مِنْ" من دلالة التَّبْعِيضِ وابتداء الغاية ، على وجه يجري مجرى العموم في دلالة المشترك ، فاجتمع فيها من المعاني ما زاد السياق بَيَانًا ، وبعده كان النص على مواضع العلة الخاصة ، المرض والسفر ، وثم عطف يجري مجرى الإعراب المحلي ، فمحل الظرف "على سفر" : محل نصب لمعطوف على خبر الناسخ ، أو هو متعلق محذوف يقدر بالكون العام على تقدير : فمن كان منكم مريضا أو كائنا على سفر ، وبعده كان الجواب الذي صدر بالفاء الرابطة إيجابا في قوله تعالى : (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ، ولا تخلو من دلالة الفور والتعقيب إمعانا في تقرير الحكم وتوكيده ، فضلا عن دلالة السببية التي لا تُفَارِقُ الفاء العاطفة وإن لم تكن نصا فيها فإن الجزاء ، وهو العدة من أيام أخر ، سببه ما تقدم من المرض والسفر ، وَثَمَّ من أجرى السياق بلا حذف ، فذلك الأصل في الكلام ، فأوجب على المريض والمسافرِ الفطر وإلا أَثِمَ وَبَطَلَ صيامه فصيامه ليس في رمضان وإنما في أيام أخر كما قد نصت الآية ، وذلك قول أهل الظاهر إذ يُجْرُونَ النصوص على ظواهرها المتبادرة ، وقد يصح ذلك من وجه ، فمن كان يشق عليه الصوم في المرض أو السفر مشقة زائدة تَضُرُّهُ ، فالفطر في حقه واجب وإلا أَثِمَ إذ أدخل على نفسه الضرر فَرَدَّ رخصة الرب الرحيم ، جل وعلا ، تَنَطُّعًا إذ تَشَدَّدَ في موضع التيسير ، فصيامه عدة من أيام أخر ، وإن صام فصيامه صحيح يجزئ ، فيثاب عليه من هذا الوجه ، وهو مع ذلك يأثم من جهة أخرى ، إذ الجهة في هذه الحال قد انفكت ، فيأثم إذ خالف عن مقصد الشرع المحكم في حفظ النفس فأدخل عليها سببَ هلكةٍ أو مَرَضٍ ، والخلاف مشهور مبسوط في كتب الفروع في صيام المسافر أيأخذ بالرخصة وإن لم يجد مشقة أم الأولى أن يصوم في هذه الحال وإن حَلَّ له الصوم أبدا فهو يَتَرَاوَحُ بَيْنَ أولى وخلاف الأولى ، فالسفر ، في الجملة ، إما أن يكون مباحا فيستوي فيه طرفا العزيمة والرخصة إلا أن يغلب على ظنه تعذر القضاء بعد ذلك أو عُسْرُهُ فَيَرْجُحُ في حقه الصيام بل قد يجب ، وإما أن يغلب جانب الفطر إما إيجابا كمريض يخشى من صيامه الهلاك أو الضرر البالغ ، فإن صام فصيامه صحيح يجزئ وقد يلحقه الإثم من وجهين : إلحاق الضرر بالنفس والإعراض عن رخصة الرب ، جل وعلا ، فأقل أحواله الكراهة إذ الكريم يكره أن تُرَدَّ عطيته فكيف بأكرم الأكرمين ، جل وعلا ، وإما أن يغلب جانب الفطر مع الكراهة كأن يجد مشقة زائدة تخرج عن حد العادة ولكنها لا تَبْلُغُ به حد الهلاك أو الضرر البالغ فصومه صحيح وإن كُرِهَ ما تَجَشَّمَ من عناء زائد مع حصول الرخصة الرافعة للحرج ، وإما أن يغلب جانب الفطر ندبا كمن لا يجد مشقة ولكنه يؤثر قبول الرخصة فيثاب من هذا الوجه أن اتبع السنة فترخص في موضع الترخص وقبل عطية الرب المنعِم ، جل وعلا ، فضلا أن يكون ثم سبب زائد كحال من يقوى بالفطر حال السفر أن ينفع غيره ، كما في خبر : "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ" ، فقد ذهبوا بأخر الخدمة والسقاية فكان النَّفْعُ المتعدي في حقهم أفضل من النفع اللازم ، فالصيام يستدرك بالقضاء وَنَفْلُ الوقت من الخدمة لا يستدرك ، وأما المرض فالخلاف فيه أقوى فلا يفطر من وجد مرضا يسيرا لا يُجْهِدُ فذلك ، كما تقدم ، قول الجمهور ، وَثَمَّ من قَدَّرَ محذوفا قد دل عليه السياق دلالة الاقتضاء ، وهو فعل الفطر : فمن كان منكم مريضا أو على سفر "فأفطر" فعدة من أيام أخر ، ولا يخلو الجواب من تقدير آخر ، "فصيامه" عدة من أيام أخر ، فحذف المبتدأ واكتفى بالخبر "عدة من أيام أخر" ، فهو مناط الفائدة ، وذلك مما يجري مجرى الإيجاز بالحذف ، وهو مِمَّا اطرد في لسان العرب إذ ما قَدْ دل عليه السياق ابتداء فَذِكْرُهُ زيادة لا تحسن في كلام البلغاء من البشر فكيف بأبلغ الكلام الذي خرج من رب البشر ، جل وعلا ، فَانْتِفَاءُ العيب من الزيادة بلا طائل ، انْتِفَاؤُهُ في كلام الله ، جل وعلا ، يَثْبُتُ من باب أولى ، وذلك مما أدخله بعضٌ في باب المجاز فمنه مجاز الحذف ، ومن ينكر المجاز في اللسان والوحي فإنه يُجْرِي ذلك مجرى الحقيقة فهو مما اطرد في كلام العرب سَلِيقَةً .

والله أعلى وأعلم .