ومن الخبر : "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" ، فكان من تصدير الخبر بوصف السيادة وهو ما يشحذ الذهن فهو يَتَشَوَّفُ إذ يطلب ماهية من نال هذا الوصف الشريف ، فكان من الإخبار بعين لا تقبل الشركة وهي عين حمزة ، رضي الله عنه ، فذلك من علم الشخص فهو واحد في الخارج لا يقبل الشركة ، وقد حُدَّ حَدَّ القصر بتعريف الجزأين : "سيد الشهداء" و "حمزة" ، وهو ما يجري مجرى الحقيقة ولا يخلو ، مع ذلك ، من معنى الإضافة تَنْوِيهًا بشأن حمزة ، رضي الله عنه ، وبعده كان عطف الوصف الذي يصدق في أكثر من واحد ، فهو معنى عام قد أطلق في الذهن فيتحتمل الشركة ، فكان من التعاطف بين علم شخص واسم جنس عام ، كان من التعاطف ما يجري مجرى التغاير ، فعطف المتغايران : الذات المخصوصة في الخارج ، واسم الجنس العام الذي يصدق في كل من قام به المعنى الذي اشتق منه الوصف الذي قيد مطلق النكرة "قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله" ، فكان من العموم ما يجاوز حَدَّ الرجل بالنظر في الإطلاق الذي يَتَبَادَرُ إلى الذهن ، فليس ذلك مما يقتصر على الذكر ، وإنما يجري ذلك مجرى التغليب ، فهو يصدق في كل مكلف رجلا أو امرأة قام به الوصف الذي أطنب فيه الخبر فكان من القيد : "قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" ، فكان من القيام ما لا يقتصر على القيام المعهود ، فهو يستغرق كل أجناس الإنكار ولو بالكلمة فلا يشترط فيها المواجهة ، فقد يكتب إليه مُنْكِرًا ، وقد ينكر عليه في غيابه فيحذر الناس من ظلمه ، وَيَتَجَرَّدَ من حظ نفسه ، ويقتصد في هذا الباب فلا غلو ولا جفاء فهو ينظر بعين اعتبار ناصح في المصالح والمفاسد ، فلا يجعلها ذريعة أن يقعد فلا ينكر لا سيما إن كان من أهل العلم والجاه فَلَهُ في الناس كلمة تسمع ، فينفع الله ، جل وعلا ، بإنكاره ما لا ينفع بإنكار العامة ، ولا يجعل الإنكار ، في المقابل ، سببا في منكر أعظم لا سيما إن كان الخصم إماما جائرا لا يرعى في مؤمن إلا ولا ذمة ، فإن شهوة الملك إذ استبدت بصاحبها فهو يستجيز في سبيلها القتل والهتك فيغدر بعد أن يعطي الأمان ، ويستعمل الدين والأخلاق وكل الوسائل أن يُرَسِّخَ قاعدة الملك ولو على خلاف الوحي والعدل ، فَيَتَأَوَّلُ الأحكام والأخلاق على وجه يضاهي تأويل الباطنية ! لتشهد بِضِدِّ ما قد نَزَلَتْ لأجله ! ، فغاية الإنسان إذ يطغى أن يصير ربا أعلى وإن لم ينطق فهو يُنَازِعُ الله ، جل وعلا ، وصفا من أخص أوصافه ، وهو وصف الربوبية التي يُصَدَّرُ بها دعاء الثناء ، فهو يَرُومُ ربوبية التشريع فالملك نظام حكم يِنْتَظِمُ أمور الحياة كلها فهو دين الملك ، كما في قوله تعالى : (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ، فدينه شريعته ، فلم يكن له دين يأمر الناس أن يركعوا له ويسجدوا في الحس ! ، وإنما رَامَ معنى الركوع والسجود وهو الخضوع لحكمه ، فكان من شهوة الْمُلْكِ ما به انْتَقَلَ الأمر من خلافة الرشد إلى الملك العضوض ، فإن الصورة لا تَنْفَكُّ عن ثلاثة أنحاء : صورة الملك الراشد ، فثم حاكم عادل ولا يبلغ الغاية في العدل إلا أن يحكم بالوحي ، إذ لا ينفك الملك الأرضي ، وإن تحرى صاحبه ما تحرى من العدل ، لا ينفك عن ميل وهوى ، وإن لطف وخفي ، فإن الإنسان قد جبل على النقص فهو ساع أن يَرْفَعَهُ بما يَتَزَوَّدُ من أسباب الكمال ، فخلق جاهلا لا يعلم فهو ساع أن يتعلم ، سواء أتعلم ما ينفع أم تعلم ما يضر كما هي حال السحرة ، فـ : (يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ) ، فكان من شهوة الحكم ، فالساحر كالملك الظالم فكلاهما طاغوت جائر يجاوز الحد إذ يروم التحكم في الناس وإخضاعهم ولو بسبب محرم ، وهو فقير أن يُعَظَّمَ وَيُقَدَّسَ بل وَيُعْبَدَ وإن لم يُفْصِحْ ، فحاله إذ يريد إخضاع الناس حالُ المتأله الذي يَلْتَذُّ بِذُلِّ الناس وانكسارهم بين يديه ، كما يدخل طالب السحر على الساحر الذي يحيط ذاته بهالة من القداسة وَيَتَقَصَّدُ إبهار الداخل فهو يعلم ما في نفسه ! ، فكذلك السلطان إذ يختال في جنده فهو صورة مقدسة لا تُمْتَهَنُ باللمس أو النظر فلا يُحِدُّ أحد فيه البصر ! ، في مقابل انتهاك العامة فأجسادهم وحقوقهم مُنْتَهَكَةٌ من السلطان الإله ! .
فكان من ادعاء علم الغيب في حق الطاغوت الساحر ما يَنْقُضُ أصلَ التوحيد ، توحيد الاسم والوصف والربوبية ، فإن العلم بالبواطن والخفايا من أخص أوصاف الربوبية ، فكان من طغيان الساحر والكاهن أن نازع الرب الأعلى وصفا من أخص أوصافه وهو علم الغيب فلا يطلع عليه أحدا إلا من ارتضى من رسول ، فذلك رضى الشرع ، وقد يشاء بِقَدَرِ الكون أن يَسْتَرِقَ مُسْتَرِقٌ السمع فيخطف من كلمات التكوين ما يُلْقِيهِ إلى الكاهن الأثيم فلا يعلم الغيب مع ذلك تفصيلا ، وإنما خطف منه خطفة مجملة فَزَادَهَا من بيانه الكاذب ما زاد ! ، وزاد الساحرُ أنه يضر وينفع ، فذلك ، أيضا ، من أخص أوصاف الربوبية ، ولو تدبر الناظر ، لوجد أن الضر والنفع وسائر المقادير ترجع إلى العلم ، أيضا ، علم التقدير الأول وهو علم الغيب المطلق الذي اختص به الرب ، جل وعلا ، نفسه فلم يطلع عليه أحدا إلا استثناء لا يقاس عليه ، فالأصل انفراده ، جل وعلا ، بهذا الغيب ، وقد يطلع بعض العباد على أطراف منه إما آية نبوة أو كرامة ولاية تجاوز حد البصر فيكون من الإلهام ما يقذفه الرب ، جل وعلا ، في قلب وليه ، كما ألقى في روع الفاروق أن : "يا سارية الجبل، الجبل، من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم" ، فليس ذلك من علم الغيب المطلق ، وإنما هو من الكشف الذي يجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها فقد صار بعد ذلك ذريعة شر عظيم أن جعله مَنْ جعله سَبَبًا به استجاز الكهانة بل والزيادة في أحكام الديانة فصار الكشف والذوق والرؤى والمنامات .... إلخ ، صارت أصولا من أصول الاستدلال ! ، وَغَايَتُهَا أن تكون من المبشِّرات التي يستأنس به الإنسان فلا يَنْبَنِي عليها عمل أو تكليف ، لا بتصديق ولا بامتثال ، فرؤى الأنبياء ، عليهم السلام ، وحدها ما يكون حقا مطلقا ، فيتأولها الأنبياء في الشهادة كما تأول الخليل عليه السلام أن : (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) ، فتلك رأى الحلمية ، كما اصطلح أهل الشأن ، فهي الرؤيا لا الرؤية ، فهي مئنة من أمر عجيب يخرج عن حد العادة ، فليس منها أن يذبح الإنسان ابنه ، فكان من الرؤيا ما قد عُصِمَ من حلم الشيطان ، فهي رؤيا حق فوجب عليه أن يمتثل فتأولها أن تَلَّهُ للجبين ، وأعمل في عنقه السكين ، فكان من تصديق الرؤيا أن امتثل الأمر ، فتأويل الأمر والنهي أن يمتثله فعلا أو تَرْكًا ، فرؤى الأنبياء ، عليهم السلام ، وحدها هي الحق المطلق ، وما سواها فهو متشابه يحتمل فلا بد أن يُرَدَّ إلى محكم الشرع فلا يصلح دليل تشريع كما قد غلا من غلا من أرباب الطريق لا سيما من تأخر فقد جعلوا الرؤى والمنامات من أدلة الشرع المحكم ! ، وقد يكون من علم الغيب خطفة يخطفها الجني وَيُلْقِيهَا إلى الكاهن الأرضي ، فتكون تلك خارقة لا تدل على ولاية ، وإنما هي فتنة للكاهن ومن يَتَّبِعُهُ فَيُعَظِّمُهُ ويظن فيه النفع والضر فهو يعلم الغيب ! ، فكان من نقص الإنسان جبلة فلا يعلم ابتداء حتى يَتَعَلَّمَ ، ولا يقدر فهو عاجز حتى يستوي ويبلغ أشده ، فهذا العجز ما يجعل حكومته الأرضية المحدثة وإن تحرى فيها ما تحرى من أصول العدل ما يجعلها مظنة الصواب فلا تنفك عن نقص لما جُبِلَ عليه الإنسان من قصور المدارك فهو يحكم بالظاهر وينظر في الحال ما لا ينظر في المآل ، فلا يعلم منه إلا الظن أو الخرص فلا يقطع بعلم المصلحة في المآل إذ لا يعلم ما يَجِدُّ من الوقائع ، فَتَرَاهُ يضع الحكم ثم ينسخه فيضطرب حَالَ حَكَمَ وَحَالَ نَسَخَ ! ، فالحكومة الأرضية المحدثة ، وإن عادلة ، لا تَنْفَكُّ عن نقص وهوى ، ولو خَفِيًّا ، فالمشرِّع الأرضي ينطلق من قاعدة سد الحاجة فهو أبدا يفتقر إلى الأسباب فيجتهد أن يكسوها لحاء التشريع ، ويتأول لأجلها ما يتأول ، فيجعل الظلم عدلا ، وليس ذلك ، بداهة ، مما يَجُوزُ في حكم الوحي إذ صاحبه ، جل وعلا ، قد تجرد من الأهواء إذ قد بَلَغَ حد الكمال المطلق ، فأسماؤه : أعلام وأوصاف ، فهي أعلام على الذات القدسية التي تَنَزَّهَتْ عن كل نقص ، وهي أوصاف كمال مطلق فدلالتها الاشتقاقية ثابتة وليست ، مع ذلك ، بحادثة بعد عدم ، بل قد اتصف ، جل وعلا ، بالكمال المطلق أزلا وأبدا فهو الأول والآخر ، فكان من الفرقان بين الحكومتين : السماوية والأرضية ما يُرَدُّ إلى كمال الاسم والوصف في حق الخالق ، جل وعلا ، وَنَقْصِهِمَا ، في المقابل ، في حق المخلوق وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من الفضائل وتحري العدل ، فحكومة العدل لا تَبْلُغُ الغاية إلا إذا كان باعثها الوحي حكما وروحا ، فيكون من تحري العدل في تحرير المناط ، ويكون آخر في تحقيقه ، ويكون من رعاية الأحكام الجزئية والمقاصد الكلية ما به امتاز الوحي من بقية الشرائع ، فهو شرع محكم قد حُفِظَ لَفْظُهُ واستبان معناه ، فما تَشَابَهَ مِنْهُ رُدَّ إلى المحكم ، فذلك صنيع الراسخين كما في قول رب العالمين جل وعلا : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) ، فهو يعلمون تأويله إذ يَرُدُّونَهُ إلى المحكم ، فيعلمون المتشابه الجزئي الإضافي من المعاني ولا يعلمون المتشابه الكلي المطلق كحقائق الغيبيات وماهياتها إن في السمعيات كوقائع الدار الآخرة ، أو في الإلهيات كصفات رب البريات ، جل وعلا ، فلا يعلم ماهيتها في الخارج إلا الرب الخالق ، جل وعلا ، وإن علم الناظر معانيها فهي مما أُحْكِمَ بما استقر في الأذهان من أصول الدلالات على حد الضرورة العلمية الملجئة فهي مما تواتر بالنظر في عُرْفِ اللسان الذي نَزَلَ به الوحي فاستقرت معانيه واطردت فهي من المحكم الذي ينظر فيه حال التركيب ما لا ينظر حال الإفراد ، فإن الدلالة مجموع يستفاد من دلالة المعجم الإفرادية ودلالة السياق التركيبية أو ما يحتف بها من قرائن حالية فيكون من التأويل الصحيح المقبول ما يجري مجرى التفسير فَلَيْسَ صَرْفًا للفظ عن الراجح إلى المرجوح بلا دليل تحكما وشهوة ، وإنما يكون التأويل بدليل صارف معتبر إن قرينة سياق أو قرينة حال ولكلِّ موضع من القرائن ما يلائمه ، فيجوز من قرائن العقل في الأحكام التكليفية معقولة المعنى ما لا يجوز في الأخبار الغيبية التي يعقل الناظر معانيها الكلية المطلقة في الذهن دون حقائقها الجزئية المقيدة في الخارج ، فلا يَقِيسُهَا على شاهد فهي من الغائب ، وقياس الغائب على الشاهد قياس مع الفارق كما قرر أهل الأصول والنظر ، فضلا أنه قياس فاسد الاعتبار إذ قد خالف عن النص المحكم أن : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فليس كمثله ، جل وعلا ، شيء ، وهو ما ينصرف إلى الذات والاسم والوصف والفعل والحكم جميعا بالنظر في الحقائق والماهيات وإن كان ثم اشتراك في المعاني الكليات المطلقات في الذهن ، فكان من الإحكام ما يَنْصَرِفُ إلى المعاني التي يجردها العقل فهو يدرك دلالاتها درك الضرورة العلمية التي تفيد اليقين الجازم فلا يخالف فيها وقد تواترت واستقرت إلا جاحد أو مسفسط ينكر البدهيات فلا عبرة بخلافه ، فليس كل خلاف يعتبر إلا خلافا له من النظر حظ ، كما نظم أهل الشأن ، والجاحد والمسفسط كلاهما ينكر البدائه وإن اختلفت أحوالهما فالأول فاسد القصد قد علم الحق وحاد عن جادته لهوى وحظ نفس ، والثاني فاسد العقل فهو مريض يستحق العلاج .
وحكومة العدل ، كما تقدم ، جنس عام تندرج تحته أنواع ، فثم العدل السماوي المطلق وتلك حكومة الرشد الكامل ، وثم العدل الأضي فمهما بَلَغَ واضعه من تحري العدل فلا يخلو ، كما تقدم ، من حظ نفس ، ولا يخلو من تشابه يَزُولُ إذا رده إلى المحكم من النصوص والمقاصد ، ولو تدبر لعلم أن ما أصاب من حكومة العدل فقد سبقه إليه الوحي بل قد زاد عنه ففي عدله غُنْيَةٌ وكفاية عن أي عدل آخر ، فضلا أنه مأمون العاقبة فلا يَعْتَرِيهِ من النقص والهوى ما يَعْتَرِي الأول وهو تأويل العلم الأول المطلق ، علم التقدير الذي استغرق التكوين والتشريع جميعا ، فكان من إحاطته بكل شيء ما فارق به علم المخلوق ، وكان من عدله في التكوين إيجادا وإعدادا وإمدادا وإتقانا للخلق فأعطى كل شيء قدره وهداه هداية الإلهام بما ركز فيه من قوة بها يقبل آثار السبب ، فالمحل قد أعد أن يُمَدَّ بأسباب النفع فكان من إحكام الخلقة ما به تظهر آثار العدل والحكمة فلا زيادة ولا نقص ، فكل سبب قد وُضِعَ في المحل القابل لأسبابه فسبب الطعام الطيب الذي يواطئ الفطرة الأولى التي تميل إلى الطيب النافع وتعدل عن الخبيث والضار ، هذا السبب قد أُعِدَّ المحلُّ ، محل المضع والهضم والامتصاص ، أن يقبل آثاره ويلتذ به مضغا وَيَنْتَفِعَ به هضما وامتصاصا ، فكان من سنن العدل المحكم في الخلقة ما يضاهي سنن العدل في الشرعة ، فحكومة العدل هي ، أيضا ، من الجنس العام الذي تَنْقَسِمُ آحاده في الخارج ، فَثَمَّ العدل السماوي الكامل وثم نظيره الأرضي الذي لا ينفك عن نَقْصٍ به امتاز الأول فهو عدل الرب الخالق المدبر المهيمن الذي استغرق بِرُبُوبِيَّتِهِ الكونية كل مخلوق ، وَاسْتَغْرَقَ بِرُبُوبِيَّتِهِ التشريعية كل محكوم ، وَثَمَّ العدل في الخلقة وهو عدل التكوين في خلق المحال وإيجادها على أكمل حال ، فـ : (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) ، فأعطاها الخلقة الكاملة ثم هداها إلى الأسباب النافعة ، فكان من الخلق والإيجاد المحكم ، وكان من الإعداد فكلُّ محلٍّ قد رُكِزَتْ فيه من القوى ما به يَنْتَفِعُ بالسبب ، فأمد المحال بالأسباب النافعة ، فكان من عموم الربوبية التكوينية : خلق وإعداد وإمداد ، ثم كان التأويل الذي به تظهر آثار التكوين المعجِز ، فآلات الهضم تَتَأَوَّلُ ما ركز فيها من قوى فَتَهْضِمُ الطعام وتمتص ما ينفع وتطرد ما يضر على وجه محكم يحكي عدل التكوين ، وثم في المقابل ، عدل التشريع ، صدقا في النبوءة وعدلا في الحكومة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أكمل أحوال الفكر والسياسة والحرب ، فإن عدل الوحي ، كما تقدم ، عدل محكم لا يُتَّهَمُ ، فهو مجرد من الأهواء والحظوظ ، فيحكم من خارج ، فيما اختلف فيه المتخاصمون ، وهذا العدل هو الذي يأمن فيه الموافق والمخالف فلا يركن إلى الظالم لينال حقه ، كما اطرد في حكومات الجور ، فثم من يَتَأَوَّلُ روحا عجيبا في أمر معاشه ، فَيَرْكَنُ إلى ظالم يحميه أو هو يشتريه بالمال تذرعا بعموم الجور فلا يأمن ذو مال أو ملك إلا أن يدخل في كنف ظالم ! ، فيكون من جوارهم ما يَرْفَعُ به عن نفسه الضيم إذ لا يأمنُ خصومةَ فاجرٍ له من السلطان ما به يسفك ويهتك ويسلب فلا يقيم وزنا لدين أو مروءة ، فليس ثَمَّ ما يحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظلم فلا قرآن ولا سلطان ، فهو معطل للوحي وهو ساع في استجماع أسباب الجاه والقوة ، لا لِيُقِيمَ بها عدلا أو يَرْفَعَ بها ظلما أو يُعِينَ ذا حاجة ، أو يُعْطِي ذا فاقة أو يطبب مريضا أو يحمي ضعيفا أو يحمي ثَغْرًا أو يمنع محتكرا للأرزاق أو يفتح ذرائع الرفاه الطيب الذي أحله الشرع المحكم فحض على السعي في الأرض والضرب طلبا للرزق الحلال الطيب فلا يكون ذلك والسبل مغلقة وسالكها لا يأمن جور السلطان فضلا عن قطاع السبيل ! ، فقد اجتمع عليه الاثنان فكلاهما قاطع يستوقفه ليسلبه ما يملك أو بعضه ..... إلخ من وظائف السلطان ، فلا يقيم مما تَقَدَّمَ شيئا وإنما استجمع أسباب القوة ليقتل ويسفك ويهتك وينهب فتلك حكومة الجور التي تخالف عن حكومة الوحي وحكومة العقل ! ، فلم تَسْتَوْفِ حَدًّا أدنى من العدل الذي لا يستقيم الملك إلا به ، فقد تَبْقَى صورته في الخارج ، بلا حقيقة ، فيكون من يد البطش ما يكظم الغيظ ، ولكنه لا يصلح الأمر فَلَيْسَ إلا الفساد في الدين والدنيا ، فَلَيْسَ ثَمَّ إصلاح ولو في أمر الدنيا حفظا للنفس والمال والنسل والأمن ، فَجُمِعَتْ في هذه الحكومات الجائرة سَوْأَتَا الدين والدنيا ، فآل الحال إلى فساد عظيم لا يأمن معه السائر من قاطع طريق بمعناه الأعم ، فلا يقتصر على القاطع الذي يستلب الناس أموالهم ، فَثَمَّ قاطعٌ أعظم وهو ما يكون من سلطان الجور الذي يقطع الطريق في الدنيا ويصد عن سبيل الوحي والنبوة ، فهو ساع في مناجزة ذي الدين فخطره أعظم وإن لم يكن على الهدي الأكمل ، فاسم الدين وهو معدن العدل ، كما تقدم ، هو أعظم عدو لحكومات الجور ، فَهُوَ معدن المناجزة للظالم ، كما تقدم في الخبر : "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، و رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله" ، فكان من إعلاء شأن المنكرِ على الظالم ما أدخله وحمزة أسد الله في لقب أعم قد استغرق بدلالة الإضافة إلى المعرَّف "الشهداء" ، فاسم الدين يقض مضجع الظالم فلا أشد وطأة عليه من الوحي الذي يستلبه حظوظه في الحكم والرياسة والرفاه وما يستجلبه من زهرة الحياة الدنيا تَرَفًا وبذخا ، فلا ينفك من خلا من دين وأخلاق ، ومن استجمع أسباب السلطان ، من المال والقوة ، لا يَنْفَكُّ يَطْغَى بما استغنى به من أسباب الدنيا ، فـ : (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) ، والطغيان في الآية قد أطلق فاستغرق الطغيان المعقول ونظيره المحسوس ، الطغيان في الدين كما تقدم من حال الساحر والحاكم المبدِّل المعطلِّ للشرائع والحاكم الظالم الذي لا يعدل في الحكم ولا يُسَوِّي في القسم تسوية لا تخرج عن حد العدالة فلا تكون التسوية من كل وجه ، لا تكون ، أبدا ، هي العدل ، بل قد تكون ، في أحيان ، هي عين الظلم إن كانت التسوية بين مختلفين ، فذلك الظلم وأعظمه ، لو تدبر الناظر ، التسوية بين المخلوق والخالق ، جل وعلا ، فلا ينفك من يطغى إذا لم يجد من يَأْمُرُ وَيَنْهَى من سادة الشهداء ، لا ينفك يجاوز الحد في أمر السياسة والحرب وأمر الشريعة والحكم ، فيعطل الوحي ويستبدل به الوضعَ المحدث الذي لا يخرج عن رغائبه الذاتية ، وهي رغائب أرضية لا تَنْفَكُّ تَفْضَحُ نَقْصَهُ وافتقاره إلى الأسباب وإن جمعها لِيَسْتَغْنِيَ ، فجمعه لها لا يَنْفَكُّ يدل على ضد ما قصد ، فهو شاهد بِنَقْصِ الجامع الذي ظلم وسفك واستلب أسباب الدنيا فلم تَزِدْهُ إلا فَقْرًا وخوفا فلا يطمئن قلبه ، فهو ، أبدا ، يتوجس ، فلا يكاد ينعم بلذة وإن كانت الصورة صورة الأبهة والعظمة ، فمن دقق النظر فيها وجد من الذل ما لا تخطئه عينٌ بصيرة ، ولا يَزَالُ الله ، جل وعلا ، يعامله بضد ما أراد من العزة بالإثم فَتَرَاهُ في حضرة من يعلوه في الجاه أو السلطان تجده ذليلا حقيرا يَتَنَدَّرُ العامة بصورته المزرِية وإن زعم أنه المخلص الملهِم الذي جاوز عَصْرَهُ بفكره وسياسته ، فلا يفقه الغوغاء ما يفقه ، وإن لم يكن يحسن ينطق أو يكتب ! ، فتلك حال الظالم الذي يقض مضجعَه ذكرُ العدل ولو أرضيا فضلا أن يكون عدل الوحي المحكم ، فلا يقيم هذا الحاكم دينا ولا دنيا ، ولا يفقه سياسة ولا حربا فالحال معه في نقصان وهو ما يحمل بعض من تأول ، كما تقدم ، أن يدخل في كنف ذي سلطان يستعين به على رد عدوان آخر ، فأصحاب السلطان في حكومات الجور كثير ! ، وثم من يحسن يضرب بعضهم ببعض ، وَثَمَّ من يجاوز الحد في هذا الباب الدقيق فهو من أشد الضرورات التي تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، ثَمَّ من يجاوز فيستشفع بِبَعْضِ الظالمين على بعض ! ليستلب ما ليس له من حق ، أو يستظهر به أن يظلم الناس مثلَه فيصير طاغوتا من جملة طواغيت فهم يَتَنَاسَلُونَ كما تَتَنَاسَلُ الشياطين ! ، فَلَئِنْ صح ذلك فضرورة تقدر بقدرها يستدفع بها ظلما لا يطيقه ، ولا يكون ذلك إلا في أعصار النقص في السياسة والحكم ، فلا يأمن أحد إلا أن يكون ذا نسب أو سبب إلى ذي سلطان ! ، فذلك آخر الدواء إن صح أنه دواء ، فالأصل أن يفر المرء فلا يركن إلى الظالم ، فهو في فسحة تَتَرَاوَحُ بَيْنَ العزيمة فيكون من سادة الشهداء والرخصة فلا يركن إلى الظالم بل يعتزله وما يظلم إن لم يطق أن يدفع الظلم وينكر ، وبينهما من الدرجات ، من اليد إلى اللسان إلى الجنان ، بينهما ما يستغرق جميع المكلفين كلٌّ بما يطيق على وجه لا يخلو من السعة والرحمة ، والعدل والحكمة ، أن يكون لكلِّ حال من الحكم ما يلائمها ، فلا يخلو الناظر في هذه الحال من تكليف ولو إنكارا بالجنان وَتَمَعُّرًا في الوجه أن تُنْتَهَكَ حرمات الرب ، جل وعلا ، بما يقارف الظالم من نقض لأحكام الوحي والعدل جميعا ، فالأصل أن يفر العاقل والفاضل ، أن يفرا من الظالم فرارهما من الأسد ، لئلا ينالهما من شؤمه ما يفسد الدين والدنيا معا ، فذلك ما يدخل في عموم النهي في قوله تعالى : (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ، فكان من النهي ما قد عم من وجوه ، فتسلط النهي على المصدر الكامن في الفعل "تركنوا "مئنة من عموم أول فلا تركنوا إليهم أي ركون فضلا أن تجالسوهم وتخالطوهم بل وترضوا بما يَقْتَرِفُونَ من المظالم ، فقد يلحقكم الشؤم وإن لم تجالسوهم ، فالرضى بما يُقَارِفُونَ من الظلم يطال شؤمه مَنْ بَعُدَ كَمَنْ قَرُبَ ، فمن رضي بالظلم والقتل فهو شريك في الجرم فلا يخلو من كفلٍ من الإثم ، صَغُرَ أو كَبُرَ ، فلكلٍّ حظه من الشؤم بقدر ما يَرْضَى فضلا أن يحض ويحرض بل ويباشر بالفعل من القتل والسفك والهتك ما يجعله أهلا للقصاص في الأولى والعذاب في الآخرة إن لم يتب ويراجع ، وليست توبته كتوبة من اقتصرت جنايته على نفسه من المعاصي والآثام التي لا تجاوزه ، فلا تكمل تَوْبَتُهُ إلا أن يَرُدَّ الحق إلى أهله إن لم يفت المحل بهلاك أو نحوه ، فإن فات فالعوض ، فذلك يشبه ما يقال في رد المغصوب مِثْلًا فإن لم يكن له مثل فالقيمة ، فالأموال والأعيان منها المثلي ومنها القيمي ، كما يقرر أهل الشأن ، والمثلي قد يَصِيرُ قيميا إن نَدَرَ أو انْقَطَعَ فلم يجده .
فإن لم يطق الظالم رد المظالم فهو يجتهد في التحري والبحث ، فجنايته عظمى وإن جازت فيها التوبة ، فليست كتوبة آحاد المذنبين فقد عمت جنايته خلقا من العالمين ، قَلُّوا أو كَثُرُوا ، فضلا أن تكون الجناية سفكا ، فذلك من أعظم الذنوب وهو ما لأجله زوال الدنيا يهون ، فـ : "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق" ، فكان الوعيد بالخلد في حق القاتل ، فـ : (مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) ، وهو ما يُحْمَلُ على المكث الطويل إذ القتل ليس من نواقض الدين إلا أن يكون استباحة لما قد عُلِمَ ضرورةً تحريمُه فلا يكون ثم تأويل ، سواء أرفع الحكم والإثم جميعا ، كما في قتال الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، أم رفع الحكم لا الإثم ، كما في قتال الخوارج لأهل الملة واستباحتهم الدم والمال ، فالتأويل في الدماء أمر يضيق فلا يَتَّسِعُ ما يَتَّسِعُ في غيره إذ الجرم أعظم ، فباب التأويل أضيق ، وإن اعتبر في محال ، فلا يكون القتل ناقضا من نواقض الدين إلا إذا استباحه القاتل بلا تأويل أو شبهة ، أو كان القتل بغضا للمقتول أن كان من أهل الدين ، ولو في الظاهر ، فالقاتل إنما أبغضه لما يُظْهِرُ من سمت الدين ، ولو زورا ! ، فحقيقة الأمر أنه يُبْغِضُ الدين لا المقتول فَلَوْ لم يكن ذا سمت يحكي التدين ما تقصده بالقتل فهو خارج دائرة الاستهداف المباشر إن لم يكن من أهل الدين ، سواء أكان من القبيل المناجز أم المهادن ، فلا ينفك القاتل والظالم في هذه الحال يَتَقَصَّدُهُ بالإضرار وإن تفاوف فحظ المناجز أعظم ، بداهة ، من حظ المهادن ، فلا يخلو قلب القاتل في هذه الحال من غل لا يقتصر على الأعيان في الخارج ، وإنما يجري ذلك مجرى الْعَلَمِ ، عَلَمِ الجنس لا عَلَمِ الشخص ، فهو يُبْغِضُ الدين والوحي فكرةً في الباطن ، وَيُبْغِضُ كلَّ من يتخذه دينا ونحلة في الخارج ، وباب التوبة قد أُشْرِعَ في الدنيا فهو يستغرق الكافر والظالم والمشرك والقاتل ..... إلخ ، وإن كانت عادة الرب ، جل وعلا ، وهو الحكم العدل ، ألا يسدد من عظم ظلمه لا سيما إن كان من أعداء الوحي ، فلا يَهْدِيهِ أن يَتُوبَ ، وذلك دعاء المظلوم ألا يُوَفَّقَ الظالمُ إلى توبة فلا يقتص منه في الآخرة إن عجز عن القصاص في الأولى وهو ما يَتَأَوَّلُ به دعاء الكليم عليه السلام أن : (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) ، فكان من تصدير الدعاء بالتوسل باسم الرب ، جل وعلا ، ما يواطئ تصديره في قوله تعالى : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) ، فذلك من أعظم ما يتوسل به الداعي ، فاسم الربوبية يستغرق الجلال والجمال جميعا ، فكان من استحضار معنى الجمال في قوله تعالى : (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) ، و : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) ، وكان من استحضار معنى الجلال في الدعاء على الظالمين أن : (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) ، فكان الفتح ، فتح التكوين ، أن أنجى الله ، جل وعلا ، المؤمنين فضلا ، وأهلك الظالمين عدلا ، وكذلك الشأن في دعاء الكليم عليه السلام أَنْ : (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) ، فدعا عليهم بما يفسد الدنيا من هلاك الأموال بالطمس ، ويفسد الدين بالشد على القلب ، وكان من عموم الدعاء ما استغرق بدلالة الإضافة إلى الضمير في "أموالهم" و "قلوبهم" ، فذلك من العموم القياسي كما قرر أهل الشأن في اللسان والأصول ، فهو دعاء قد استغرق الجميع أبدانا وأموالا ، فَخَصَّ المال بالذكر إذ هو أعظم ما تَتَعَلَّقُ بِهِ النفوس من الأعيان ، فهو سبب يستجلب كل لذة معقولة أو محسوسة ، فالمال يشتري أسباب اللذة المحسوسة ، والمال به يُشْتَرَى النفوذُ سواء أَحْسَنَ صاحبه فجعله ذريعة بها يَتَّقِي الظالم ويصون عرضه ومروءته وذلك ، لو تدبر الناظر ، هو النادر ، أو أساء فجعله سببا أن يظلم ويطغى وذلك هو الغالب على أصحاب المال إن لم يُشْفَعْ ذلك بدين يلجم صاحبه ، فيكون المال وبالا على صاحبه إذ جُبِلَ على حبه وهو ما يجعله يظلم وينهب ويغش .... إلخ ، فهو يقارف ما عظم من الجنايات والكبائر توسلا إلى الثروة وما تستجلبه من جاه وحظوة ، فيكون من اللذة المعقولة ، لذة الوهم أن يُعَظَّمَ وَيُوَقَّرَ ، ولو زورا ، فلا يستحق ذلك ، ولا يُعَظِّمُهُ مَنْ عَظَّمَهُ إلا طمعا في ماله أو تَزَلُّفًا إليه لِيَنْتَفِعَ بجاهه فإذا زَالَ زَالَ ما كان يجد من التعظيم والحظوة فما كان لسبب في ذاته وإنما كان لسبب من خارج ، فلما زال لم يكن في الذات ما يُسْتَحْسَنُ فهي قبيحة ثقيلة وإنما احتملها من احتملها مكرها لينال حظه منها ثم يكيل لها السب واللعن بعد زوال ملكها فَيَبْرَأَ إلى العالم منها ! ، وإن أظهر لها التعظيم والود ، وَخَصَّ الكليم ، عليه السلام ، القلوب بالشد أَنِ : (اشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) ، إذ هي معدن النفوس فالإنسان جنان يتحمل الفكرة ولسان يحكيها لفظة ، فهي مناط الهداية والضلال ، والتصور والإرادة فمبدأ الإرادة في القلب وَمُنْتَهَاهَا في الخارج في القول والعمل على وجه استجمع محال التكليف جميعا كما اطرد في حَدِّ الإيمان في مقال السنة أنه الاعتقاد والقول والعمل ، فاستغرق حركات الاختيار جميعا ، تصورا وحكما ، إرادة وعملا ، نطقا وصمتا ، فعلا وَتَرْكًا ، فدعا الكليم عليه السلام ألا يسددوا إلى توبة بما يشد على قلوبهم : (فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) ، فذلك يجري مجرى التلازم بين العلة والمعلول ، فالفاء في هذا السياق نص في السببية إذ نصب المضارع بعدها "فلا يؤمنوا" في سياقٍ صُدِّرَ بالدعاء وهو من الإنشاء ، فصيغته صيغة النهي ولكنه توجه من المخلوق إلى الخالق فتلك قرينة أكسبته معنى آخر ، وهو معنى الدعاء وما يتضمنه من الخضوع والرجاء ، فلا يخلو من توسل بأسماء الله ، جل وعلا ، وصفاته ، جلالا وجمالا ، ولكل سياقٍ ما يلائمه فذلك ، أيضا ، مما يحكي بلاغة الوحي وحكمته أن كَانَ لكلِّ معنًى لفظٌ يُوَاطِئُهُ بالنظر في الدلالة المعجمية المفردة ، وَسِيَاقٌ يلائمه بالنظر في الدلالة المركبة ، فَثَمَّ في هذا السياق جلال في الدعاء ، فكان من التلازم بين العلة والمعلول ، فما بعد الفاء مسبَّبٌ عما قبلها فلا يؤمنوا بما يكون من الشد على قلوبهم ، فجاء النفي في "فلا يؤمنوا" ولا عمل له في اللفظ فهو منصوب بالفاء ، وإنما العمل في المعنى ، فدعا أن يَنْتَفِيَ الإيمان عنهم ، فلا يؤمنوا وذلك عموم آخر استفيد من واو الجمع فضلا عن دلالة التغليب فهي تستغرق الجميع رجالا ونساء ، وكان من العموم ، أيضا ، ما استفيد من إطلاق الفعل "يؤمنوا" ، فلا يؤمنوا أي إيمان يجزئ حتى يروا العذاب الأليم فلا تنفعهم التوبة فكان من الاستجابة ما حُدَّ حَدَّ التحقيق بدخول "قد" على العامل الماضي في قوله تعالى : (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) ، وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، وكان تأويل الدعاء أن آمن فرعون إذ عَايَنَ العذاب ، فـ : (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) ، وذلك ما يَتَأسَّى به الناس في أعصار الظالمين ، فثم من الدعاء أن يصيروا عبرة وأن تصير أجسادهم ذكرى ، فتحكي الأجيال خَوَاتِيمَ السوء ولا يَبْقَى من الأحاديث إلا اللعن والسب ! ، فلا يركن إليهم عاقل ، إلا ضرورة قصوى لا يجاوز بها ما أطاق استخلاصه من حقه فلا يزيد ولا يستأنس بمخالطة الظالمين فيصير منهم ، فذلك يشبه ، من وجه ، ما قرر أهل الشأن في باب قد عمت به البلوى في هذه الأعصار ، فَقَدْ عُطِّلَتْ شرائع الوحي وَأُنْفِذَتْ شرائع الوضع المحدَث على وجه ناجز به الطواغيت رب العالمين ، جل وعلا ، فكان من طغيان الشرع والسياسة ما قد عمت به البلوى ، فإن اضطر أحدٌ فَابْتُلِيَ أن يُؤْخَذَ منه حَقٌّ ، ولم يجد ذريعة لاستخلاصه إلا أن يَتَحَاكَمَ إلى الوضع المحدَثِ : فضرورة تقدر بقدرها حتى يستخلص حقه وهو مع ذلك يُنْكِرُ بقلبه ما استطاع أن عُطِّلَ وحي السماء ، فما لجأ إلى الوضع إلا لجوء المضطر في المخمصة فيطعم من الميتة ما يقيم الأود ويحصل به الشبع المجزئ لبلوغ غاية الحلال لا الشبع الذي يحكي الامتلاء والالتذاذ ، فكذلك من ابْتُلِيَ أن يَرْكَنَ إلى ظالم لا ركون الاختيار وإنما الاضطرار ، فَثَمَّ ضرورة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا وثم حق قد اغتصب فهو يطلبه بشفاعة عند ظالم لا رضى بظلمه وإنما انتفاعا بجاهه في طلب حق وصيانة حرمة ، مع ما يستحضره صاحب الحق من بغض للظالم وصيانة لماء الوجه حال الطلب فلا يذل ولا يَتَزَلَّفُ ، فضلا عن استحضار آخر للنهي الذي عم ، كما تقدم ، فـ : (لَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ، فهو تكليف محكم لا يُنْسَخُ فَلَا يُرْفَعُ حكمُ الأصل عزيمةً وإنما قد يُعَلَّقُ رخصةً تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا فلا تكون إلا حال الضرورة أو الحاجة الملجئة على تفصيل أبان عنه أهل المقاصد والأصول في عوارض الأهلية في التكليفات الشرعية ، فكان من النهي ما قد عم أَنْ : (لَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ، فكان ما تقدم من تسلط النهي على المصدر الكامن في الفعل "تَرْكَنُوا" ، فهو مئنة من العموم فلا تَرْكَنُوا أي ركون ، على التفصيل المتقدم ، وثم عموم آخر استفيد بما تقرر مرارا من دلالة التغليب فضمير الجمع المذكر قد استغرق الرجال نصا واستغرق النساء تغليبا ، وثم انتهاء غاية فتلك دلالة "إلى" ، وثم عموم آخر استفيد من الموصول المذكر المجموع في "الذين ظلموا" فدلالة التغليب فيه ، أيضا ، تظهر ، فضلا عن دلالة التلازم بين العلة والمعلول ، فلا يخلو المعنى الذي اشتقت منه الصلة ، لا يخلو من دلالة التعليل ، إذ الظلم علة النهي عن الركون إلى الظالم ، وهو ما قد أطلق ، أيضا ، فَعَمَّ الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، والظلم الأصغر الناقض لكماله الواجب ، والآي ، لو تدبر الناظر ، مكية ، وذلك ما يُرَجِّحُ دلالة اللفظ على معنى الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين ، إذ مكة آنذاك دار شرك وحرب ، فالمؤمنون فيها قِلَّةٌ نادرة ، والكافرون كَثْرَةٌ غالبة ، ولا يلزم من ذلك قصر الدلالة على الظلم الأكبر بل العموم يستغرق كل ظالم ، فيكون من مس النار لمن ركن إلى الظالم ما يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لِتَفَاوُتِ الظلم ، أكبر هو أو أصغر ، فمن ركن إلى الظالم الظلمَ الأكبر رضى بكفره فقد نَقَضَ أصل الدين إذ الرضى بالكفر يُخْرِجُ صاحبه من الإيمان وإن صدق واعتقد فقد صحح دين الظلم الأكبر أو شك في بطلانه وذلك من نواقض الدين كما قرر أهل الشأن في هذا الباب من الأسماء والأحكام ، فمن ركن إليه فالنار العظمى ، نار الخلد التي أعدها الله ، جل وعلا ، للكافر والمشرك والمرتد والمنافق ..... إلخ ، النار العظمى تمسه ، فكان من التلازم ما دلت عليه الفاء ، فاء السببية في "فتمسكم" ، وهي نص في الباب ، فَثَمَّ تلازم يجري مجرى الطرد والعكس ، فمن ركن إليه مسته النار ، ومن لم يَرْكَنْ لم تمسه النار ، ولا يخلو ذلك من إنشاء نهي دل عليه السياق نطقا ، ولازمه أمر بضده دَلَّ عليه فهما ، فَارْكَنُوا إلى الذين يعدلون وأعظم العدل التوحيد إذ به الفرقان المبين بين أعظم مختلفين : الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، ولا تَرْكَنُوا إلى الذين يظلمون وأعظم الظلم التشريك إذ به التسوية بين أعظم مختلفين ، وذلك ما يخالف عن قياس العقل الناصح فضلا عن تكليف الشرع النازل ، فمن لم يركن إلى الظالم الظلم الأكبر فالنار العظمى لا تمسه ، ولا يلزم من ذلك ألا تمسه النار أبدا ، فثم وعيد آخر استفيد من عموم اللفظ ، وإن كان جائزا لا نافذا كوعيد الظالم الظلم الأكبر فوعيده حتم لازم خلافا لوعيد الظالم الظلمَ الأصغر فهو جائز تحت المشيئة ، إن شاء ، جل وعلا ، أَنْفَذَ الوعيد فَعَذَّبَهُ وإن لم يشأ لم يُنْفِذْهُ فلا يَمَسُّهُ العذاب ، فَتُوُعِّدَ مَنْ رَكَنَ إلى الظالم الظلمَ الأصغر بالنار الصغرى ، نار العصاة التي تَفْنَى بعد خروج أهلها فيخرج منها مَنْ في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، فكان من دلالة "أل" في "النار" ما يجري مجرى الاشتراك العام ، فذلك مما يستأنس به من جوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فَثَمَّ عهد خاص فإذا كان الركون إلى الظالم الظلم الأكبر رضى بظلمه وإعانة له على أهل الإيمان ، ولو لم يعتقد صحة دينه وبطلان دينهم ، فمظاهرته ، ولو بكلمة ، تَنْقُضُ أصل الملة ، بل ومظاهرته بالقلب رضى بما يَصْنَعُ أن يُنَكِّلَ بأتباع الدين لما يظهرون من شعاره ، فيفرح إذا ظهر أهل الكفر ويحزن إذا ظهر أهل الحق ، فكان من نواقض الإيمان ما حَدَّهُ أهل الشأن أن يفرح الناظر بِعُلُوِّ الكفر وأهله وانحطاط الإيمان وحزبه ، فضلا أن يباشر القتل والسفك والهتك بيده ، فَكُلُّ أولئك مما ينقض أصل الدين الجامع فَيُودِي بصاحبه إلى النار الكبرى ، فتلك دلالة العهد في "أل" في "النار" على هذا الوجه فهي مئنة من النار الكبرى التي يخلد أصحابها فيها أبدا ، وإذا كان الركون إلى الظالم الظلم الأصغر فذلك ما يَنْقُضُ كمال الدين الواجب دون أصله الجامع إلا حال الاستباحة فذلك ناقض في أي معصية ، ولو صغيرة ، فإذا كان الركون إلى الظالم الظلم الأصغر فذلك ما يَنْقُضُ كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع فصاحبه يُتَوَعَّدُ وعيدا غير واجب فهو من الجائز ، فهو الوعيد بالنار الصغرى ، نار العصاة التي تفنى ، فدلالة "أل" في هذه الحال دلالة عهد خاص وهو النار الصغرى ، فجاز حمل السياق على كلا الوجهين وهو مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك .

فكان من الركون إلى الظالم ما يخالف عن جادة السادة من الشهداء في الخبر محل الشاهد ، فلا يسلك صاحبه ، بداهة ، جادة تجمعه وحمزة ، رضي الله عنه ، فإن لم يطق الناظر الإنكار باليد فلينكر باللسان فإن لم يطق فلينكر بالجنان وليعتزل أهل الظلم فيهاجر إما هجرة الأبدان فإن عجز فليهاجر هجرة الجنان فلا يخالطهم ولا يشهد مجالسهم ولا ينظر في وجوههم نظرة رضى أو فضول فقد يلحقه من الشؤم ما لا يخلو منه ناظر في وجوه الظالمين فلا ينظر العاقل في وجوههم إلا نظرة العبوس أو نظرة الْبِشْرِ مداراة لا مداهنة ، فيدخلهم في عموم قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ" .

والهجرة إما أن تكون إلى أطراف نائية فهي ملاذ آمن من بطش الظالم ، وإما أن تكون إلى مصر آخر ، وإما أن يكون منها سكنى في أهل فضل ومروءة يشد بعضهم بعضا كما يرى الناظر في القرى فهي ، وإن أصابها ما أصابها من لوثة المدنية الزائفة ، إلا أن لها بقايا من المروءة والنجدة حال النازلة خلاف ما يرى الناظر في المدن والحواضر فلا يكاد ذو الحاجة يجد من يعضده إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، من بقايا أهل النخوة والنجدة فلا يخلو منهم زمان أو مكان فهو من الخير الذي اتصل إسناده في هذه الأمة بشرَى صاحب الملة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاتصل إسناد الخير فيها وإن قل في أعصار وأمصار لا سيما في أعصار الجور والاستبداد فَيَشْتَغِلُ كلٌّ بخاصته وَتَزْدَهِرُ أخلاق الجبن والبخل والنذالة فضلا عن أخلاق التجسس والتحسس والوشاية ، فيصير الناس على شيع تَتَخَالَفُ فكلٌّ يَتَوَجَّسُ من جاره وشريكه بل ويخشى ذَوِي قُرْبَاهُ من الأصهار وربما الآباء والأبناء في أحيان ! .
فحكومة السياسة المحدثة قد بثت هذه الخلائق الدنيا في العامة على وجه صارت الحكمة كلُّ الحكمةِ أن يعتزل العاقلُ الناسَ إلا في مواضع الخير من الجمع والجماعات ..... إلخ ، لا سيما مواضع النفع المتعدي الذي ينال الصالحين والفضلاء بالخير فيتحرى صاحبه أن يصنع المعروف في أهله .
والحكومة ، كما تقدم ، على أنحاء ، فثم حكومة العدل المطلق وهي حكومة الرشد التي أعقبت النبوة ، فكان الحاكم والمحكوم جميعا على حال من الدين غالبة وإن ظهرت الفتن آخرها كما هي الحال في أي أمة فَبَعْدَ الكمالِ النقصُ ، وهو ما يكون شيئا فشيئا ، فكان الانتقال من حكومة الرشد المثلى إلى حكومة جمعت الملك والرحمة وآل بها الأمر ، ولو تأويلا اجتهد صاحبه أن يسد ذريعة فتنة فضلا عن هنة ولو خفية فهي شهوة دقيقة المأخذ لا يسلم منها أهل التقوى والصدق فحب الرياسة والوراثة آخر ما يغادر قلوب الصديقين كما أُثِرَ عن بعض المحققين ، فآل بها الأمر إلى ملك عضوض ، فكان فيه من السياسة المحدثة ما لم تأت به الشريعة المحكمة وإن ظلت هي السلطان الحاكم ، ولو في الجملة ، فكان من التَّنَازُعِ والتقاتل والغدر والخيانة والغيلة ما لم يسلم منه تاريخ الأمة الخاتمة وإن كانت ، في الجملة ، خيرا من غيرها باستقراء تاريخ الصراع السياسي في السياق الإنساني العام ، فكل شر في هذه الأمة فَفِي غَيْرِهَا منه ما هو أعظم ، كما قَرَّرَ بَعْضُ المحققين ، وتاريخ الحروب يشهد بخسائره ويشهد بما جاوز أصحابه من حدود الأديان والأخلاق ، فَلَئِنْ كان ذلك في هذه الأمة فهو لا يُنْكَرُ ولا يُجْحَدُ إلا أن حظ غيرها منه كان أعظم وأفحش فكانت في الجملة أقربَ الأمم إلى الحق وإن لم تخل من النقص ، فضلا أن كل نَقْصٍ فيها فهو رد ، فهو يدخل في عموم قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ، فكان من الشريعة المحفوظة معيارُ قبول ورد محكم وإن خالف عنه من خالف فلم يَبْلُغِ الأمر بها ما قد بَلَغَ بِغَيْرِهَا من تَبْدِيلِ الأصل وتحريفه ، وفي طياتها لم يخل الأمر من ومضات تجديد وإن لم يطل زمانها فكانت حكومة كحكومة ابن عبد العزيز ، رحمه الله ، فهي دليل محكم على التجديد حقيقة لا دعوى فأحيى ما اندثر من شرائع العدل وأبطل المظالم فلم يصبر عليه الظلمة من آل بيته فضلا عن غيرهم ! ، فقتله أصحاب السلطان والجاه إذ نال من حظوظهم وَعَزَمَ على رد الحقوق المغتصبة وذلك ما لا يرضى به ، في الغالب ، أهل الجاه والثروة ، ثم كان ملك الجبر الذي آلت إليه الحال في الأعصار المتأخرة فَبَغَى المركز على أرض النبوات والنبوءات بما قارف أهلها من الظلامات : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، وكان تعطيل الوحي والعدل ، والحكم بالوضع والجور ، وكان من ظلم الحكام والولاة ما طال أصل الدين الجامع ، بالنظر في باب الحكم المطلق على وضع شرعي وسياسي محدث لا عهد لأمة الوحي والرسالة به ، كان من ذلك ما تَفَاضَلَ به سادة الشهداء ، فلا يستوي الإنكار على حاكم جائر لم يعطل الشرع ، وآخر قد جاوز الحد فجمع إلى الجور تعطيل الشرع ، فالإنكار عليه أعظم درجة ، فأمره ونهيه بالعدل يسخطه فكيف بأمره بالوحي وما بَلَغَ الولاية إلا بما عطل من الديانة وحارب من أهلها فسفك وأسر وهتك وشرد وضيق وتقصد كل ما يضر بهم ، فكان من التعاطف بين الأمر والنهي في الخبر : "فأمره و نهاه" ، ما يجري مجرى الطباق إيجابا فهو يستغرق شطري القسمة مئنة من العموم الذي استفرغ صاحبه الوسع فبذل ما يطيق من الأمر والنهي ، وكان من التعاطف بينهما وبين القتل بالفاء في : "فأمره و نهاه فقتله" ما لا يخلو من دلالة السببية ، فكان قتله أن أمر ونهى الحاكم الجائر ، فنال في الشهادة منزلة السيادة إذا استوفى الشرائط وَانْتَفَتْ في حقه الموانع فذلك أصل جامع في كل نصوص الوعيد والوعيد كما قرر أهل التحقيق في باب الأسماء والأحكام .
وقتله قد يكون صراحة وقد يكون غيلة فيدس له ما يقتله كما قال من قال في قتل أبي حنيفة ، رحمه الله ، إذ تقصده المنصور بالحبس والتضييق والتعذيب ، وقيل إنه قد دس له ما يقتله فلما شارف الهلكة أمر بإخراجه من الجبس لئلا يموت في أسره فتكون سبة في حقه الدهر كله فمات الإمام في بَيْتِهِ بعد أيام وهو ما عظمت به الظنون في أبي جعفر المنصور ، والله ، جل وعلا ، أعلم بما خفي من الحقائق .

وقد يكون الاضطهاد لمن أَنْكَرَ على الحاكم الظالم ، قد يكون الاضطهاد أسرا أو ضربا أو سلبا أو تَعَدٍّ على حرمة أو عرض أو إلجاء له أن يَفِرَّ بِتَضْيِيقِ السبل عليه إخافة وَمَنْعًا من أسباب الحياة تجارةً وكسبًا بل ولو استطاع لمنعه أسباب الحياة أكلا وشربا ! ، فيكون له من الأجر ما يزيد في دلالة المعنى في الخبر ، محل الشاهد : (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) ، فالقتل هو الغاية ، وبه يَنَالُ المقتول الشهادةَ حقيقة ، وقد يَبْلُغُ غيره درجةً أعلى وإن لم ينل الشهادة حقيقة فقد أُوذِيَ فَصَبَرَ ، وكان من صدعه بالحق أمام الظالم ما قد صيره أسوة يَقْتِدِي بها كل منكرٍ ، كما يضرب المثل إلى يوم الناس هذا بأحمد ، رحمه الله ، فلم يسعه من السكوت ما وسع العامة فالعزيمة في حقه واجبة خلافا للعامة فقد يسعهم من الرخصة ما لا يسعه ، فتلك أمانة الوحي ، وذلك ميثاق العلم : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) ، فثم ظرف الماضي "إذ" الذي يحكي ميثاقا تقدم ، وكان من أخذ الميثاق ما يجري مجرى الوصف ، وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة النافذة ، فالأخذ فعل ، وهو كسائر أفراد هذا الباب ، مما اتصف الرب ، جل وعلا ، بنوعه أزلا وأبدا ، وأحدث من آحاده بالمشيئة ما واطأ الحكمة البالغة ، فكان الأخذ للظالم عين الحكمة إذ أُنِيطَ الحكم بالوصف الجالب له وهو الظلم .
والأخذ ، لو تدبر الناظر ، على أنحاء فثم أخذ التكوين جلالا ، كما في قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ، فكان من إضافة الأخذ إلى اسم الرب ، جل وعلا ، في "ربك" مَا يجري مجرى الإضافة إلى الفاعل على وجه يحكي سبب الفعل فهو وصف الربوبية الذي اشتق منه اسم الرب ، وهي ، في هذا الموضع ، ربوبية جلال فذلك من فعل العذاب ولا تخلو من ربوبية الجمال ، ربوبية الحكمة ، إذ وُضِعَ العقاب في المحل الذي يستحق ، وكان من أخذ الظالم ما به تعظم المنة على المظلوم أَنْ أَهْلَكَ ، جل وعلا ، خصمه وشفى صدره ، ولا يكون ذلك إلا أن يكون المظلوم على جادة الحق فيبذل من الأسباب وأولها تحرير التوحيد : أصل كل خير في الأولى والآخرة ، فهو عنوان الفطرة التي توافق الحق في الكون والشرع جميعا ، فكان من الإضافة إلى اسم الرب ، جل وعلا ، ما عظم به الثناء والمدح في موضع الجلال ، وكان من التقييد بالحال : (وَهِيَ ظَالِمَةٌ) ، كان من التقييد بالحال ما يُحْتَرَزُ به من وصف الظلم فلم يظلمهم الرب ، جل وعلا ، شيئا ، وإنما أنفسهم كانوا يظلمون ، وكان من نسبة الظلم إلى القرى ما ينصرف إلى أهلها ، فَالْقَرْيُ ، كما تقدم في مواضع ، مئنة من الجمع ، وذلك ، أيضا ، اسم جنس يستغرق ، فهو يستغرق قري الإنسان فهو ساكن القرى فيؤول اللفظ إلى تقدير مضاف : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ أهل القرى وهم ظالمون ، ويستغرق ، من وجه آخر ، قَرْيَ البنيان فهي المساكن ، فكان من الأخذ ما استغرق الجميع ، فأهلك ، جل وعلا ، الإنسان ، وهدم البنيان إلا آثارا يعتبر بها من يمر عليها ، فـ : (إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، وكان من إطلاق الظلم في الحال : (وَهِيَ ظَالِمَةٌ) ، ما ينصرف ، كما تقدم ، إلى الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، فذلك هو الأصل باب في الأسماء والأحكام إلا أن تكون ثَمَّ قرينة صارفة إلى النوع الأصغر الناقض لكمال الحقيقة الواجب ، والآي ، أيضا ، من المكي ، وهو ما يرجح دلالة الظلم الأكبر ، وإن كان إطلاق اللقب مئنة من العموم المستغرق فيدخل فيه النوعان ، الأكبر والأصغر كلاهما ، ويكون من الأخذ لكلا القبيلين ما يلائم الجرم ، فلا يستوي أخذ الرب الجليل ، تبارك وتعالى ، لمن ظلم الظلمَ الأكبر ، وأخذه ، في المقابل ، لمن ظلم الظلمَ الأصغر ، كما لا يستوي العقاب على الجناية ، فوعيد الشرك الأكبر وعقابه أعظم ، وهو وعيد واجب خلافا لوعيد الظلم الأصغر الجائز وعقابه إن نَفَذَ فهو دون الأول في القدر والوصف والمحل ، فَوَطْأَتُهُ أخف وإن كان عظيما ، وهو مما يَنْقَطِعُ فلا يَتَّصِلُ زمانه أبدا وإن طال خلدا يحمل على المكث الطويل كما تقدم من وعيد القاتل ، ومحله نار العصاة التي تَفْنَى إذ يخرج منها بشفاعة الجبار ، جل وعلا ، ما بقلبه أدنى مثقال من الإيمان ، وكان من الإجمال صدر الآية ما قد شحذ الذهن أن يدرك وصف الأخذ ، فكان من الاستئناف بالمؤكد الناسخ فضلا عن اسمية الجملة في قوله تعالى : (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ، والإظهار في موضع الإضمار ، فالأخذ قد تقدم ذكره فأظهر لفظه وإن أضمر الفاعل ، وهو ما أضيف إليه الأخذ في الشطر الثاني من ضمير الغائب فمرجعه اسم الرب ، جل وعلا ، الذي تقدم ذكره ، وكان من الإطناب في الخبر : (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ، ما به تقرير المعنى وتوكيده ، سواء أكان ذلك على قول من جوز تعدد الأخبار ، أم كان على قول من منعه فقدر لكل خبر تال للخبر الأول مبتدأً من جنس المبتدأ الأول ، فكان الإطناب بالخبرين : (أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ، وهو مما يحفز الناظر أن يفارق الظلم فهو سبب الأخذ الشديد ، فلا يخلو الخبر في هذا الموضع من إنشاء نهي أن لا تظلموا فيكون من الأخذ الشديد ما يؤلم ، فضلا عن أمر بضده أن اعدلوا فيكون من الإنجاء وإهلاك الظالم في المقابل ما به تَقَرُّ عين المؤمن الصابر ، وذلك أصل يطرد في نصوص الوعد والوعيد ، فإن ثم دلالة إنشاء بالأمر والنهي ، فَثَمَّ تلازم إذ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده ، والنهي عن الشيء يستلزم ، في المقابل ، الأمر بضده ، فيكون من الوصف المحمود ما به الحافز أن يعمل العامل ، فوعد الخير بالنجاة والأجر يحمل العامل أن يباشر العمل ويدوام عليه ، وأن يهجر ضده لئلا يحرم الأجر الموعود ، ويكون من الوصف المذموم ما به الحافز أن يهجر التارك العمل لئلا يناله الوعيد والعذاب ، فكل أولئك من وصف الأخذ الذي انقسمت مَوَارِدُهُ في الخارج ، فكان منه أخذ الجلال بالعذاب الأليم ، وكان منه أخذ الجمال ، وهو أخذ التشريع ، فالوحي ، لو تدبر الناظر ، أعظم رحمات الخالق ، جل وعلا ، لا سيما الوحي الخاتم فهو رحمة للعالمين جميعا ، فكان من أخذ الميثاق ، ميثاق الذين أوتوا الكتاب ، ما يجري مجرى القسم ، فلا يخلو الميثاق من معنى العهد ، والعهد مئنة من القسم ، وإن لم يكن نصا فيه فهو يقاربه في المعنى ، فكان من البيان بعد الإجمال ، فلا يخلو الميثاق من تكليف ، فَثَمَّ تَشَوُّفٌ أن يدرك الناظر كُنْهَ هذا الميثاق ، وكان من اختصاص أهل الكتاب ما به تقام الحجة ، وما به يعظم ذم من أوتي الكتاب فنبذه وراء ظهره فالحجة في حقه تَثْبُتُ ما لا تَثْبُتُ في حق الجاهل ، فلا يُعْذَرُ الأول ما يُعْذَرُ الثاني ، على تفصيل في ذلك ، فالجاهل لا يُعْذَرُ مطلقا لا سيما إن كان أهلا أن يَتَعَلَّمَ فأعرض أو تكاسل ، فلا يَتَعَلَّمُ من الوحي ما يَنْفَعُهُ ولا يعمل به إن علمه ، فإذا كان أمر دنيا فهو أعظم العالمين وأبرع العاملين ! ، فكان من الوصل العام الذي دل عليه الموصول "الذين" في قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) ، ولا يخلو من دلالة التغليب بالنظر في قرينة العموم في خطاب التكليف ، فميثاق العلم ، توحيدا وتشريعا ، وما يستوجبانه من التصور والحكم ، هذا الميثاق مما يعم التكليف به كل أحد ، رجلا أو امرأة ، فكان من عموم الموصول المجموع على حد التذكير ما استغرق بدلالة الأصل الأول في المعجم كما قرر أهل الشأن من أرباب الأصول واللسان ، وكان من التغليب ما استغرق كل مكلف ، وكان من إجمال الموصول ما قد أبانت عنه الصلة على حد التعليل فإن المعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو إيتاء الكتاب ، هذا المعنى هو العلة في أخذ الميثاق الشرعي الثاني الذي يصدق الميثاق الكوني الأول ، ميثاق : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) ، فكان من إيتاء الكتاب ما به قامت الحجة واستبانت المحجة ، فلا يعذر من أوتي الكتاب عذر الجاهل ، وذلك ما به تَتَّسِعُ دلالة المعنى فدلالة "أل" في "الكتاب" مئنة من عهد خاص ، وهو كتاب بني إسرائيل من التوراة والإنجيل حتى صار لقب أهل الكتاب علما على هذا القبيل من بني آدم ، وهو ما يشهد له سياق الآيات وسبب نزولها ، فالعبرة ، من وجه آخر ، بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فدلالة "أل" ، من هذا الوجه ، دلالة عموم يستغرق كل كتاب نَزَلَ من السماء ، فيكون من العموم ما استفيد بالإضافة إلى الاسم المعرَّف "الكتاب" فهو يستغرق كل من نَزَلَ عليه كتاب فأوتي فيه الميثاق ، ميثاق التوحيد والنبوة والشرع ، فكان من بشرى الرسالة الخاتمة ما ورد في الكتب الأولى فلا يَزَالُ إلى يوم الناس هذا مسطورا في بعض نسخها حجة باقية على أهلها ، كان من هذه البشرى ما به أخذ ميثاق ثان أخص ، فـ : (إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) ، فثم ظرف آخر ماض يجري على وزان ما تقدم إذ يحكي واحدا من آحاد الفعل الإلهي أخذا لميثاق أخص على النبيين ، عليهم السلام ، وهو ما يستغرق أممهم من ورائهم ، فخطاب المواجهة يخصهم وعموم المعنى في خطاب التكليف يستغرق من وراءهم ، وذلك أصل في خطاب الوحي إلا ما استثني من الخصائص فهي من النادر الذي لا حكم له ، فيجري مجرى الضرورة في الاستدلال فهي مما يقدر بقدره فلا بد من دليل صارف فتجري مجرى التأويل إذ يصرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى نظيره المرجوح فلا بد من قرينة صحيحة صارفة وإلا وجب استصحاب الأصل فلا يلزم صاحبه الدليل ما يَلْزَمُ الناقل ، فإن أتى الناقل بالدليل فمعه زيادة علم توجب الانتقال عن الأصل في هذا الموضع بعينه لما ورد من قرائن صارفة ، فلا يقاس عليه غيره ، إذ ليس أصلا يطرد ، وإنما هو استثناء قد طرأ ، فخطاب النبي على أنحاء : فَثَمَّ خطاب التبليغ والتبيين الأول ، وَثَمَّ خطاب التكليف الأول أن يصدق ويمتثل فهو أول مكلف بالتوحيد والتكليف في أمته ، وخطاب غيره ، أيضا ، على أنحاء ، فَثَمَّ خطاب تبليغ وتبيين ثان فلا يستقل صاحبه بالبلاغ والبيان كما النبيُّ الذي يكلم فَيَنْزِلُ عليه الوحي المحكم ، فَبَيَانُهُ هو البيان المحكم وكل مَا سواه من بَيَانٍ فهو له تَبَعٌ فإن وافقه قُبِلَ وإن خالفه رُدَّ ، فيجري ، من وجه ، مجرى المتشابه الذي لا يُحْسَمُ النِّزَاعُ في دلالته إلا بِرَدِّهِ إلى محكمه ، وثم خطاب تكليف ثان وهو ، أيضا ، تَبَعٌ لتكليف النبي الأول الذي يُبِينُ عن الحقائق والماهيات الشرعية التي لا تُنَالُ إلا من المشكاة الرسالية فهي محل توقيف لا سيما في مواضع التعبد المحض كالصلاة والزكاة والصيام والحج ، فثم حقيقة في اللسان مطلقة بها يحصل درك المعنى المجمل فلا بد من بَيَانِ الشرع المحكم الذي يزيد في الحقيقة اللسانية قيودا أخص فَيَنْتَقِلُ بها إلى دائرة استدلال أخرى وهي دائرة الاستدلال بالحقيقة الشرعية الاصطلاحية الأخص .
فكان ميثاق الكتاب والحكمة ، فهو ميثاق الآي المحكم والأثر المصدق ، فكان من الميثاق ما يوافق دلالة الحكمة فإذا جاء مَنْ يصدق ما بَيْنَ أيديهم فذلك شاهد بصدق رسالته فهو يواطئ ما وجدوه في كتبهم مسطورا من وصف النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) ، فكان الميثاق إيمانا ولازمه من النصرة ، كما في بيعة العقبة الثانية ، بيعة الحرب ، فكانت على الإيمان ، وكانت على الحرب والقتال كما أُثِرَ عن البراء بن معرور رضي الله عنه : "لَنَمْنَعنَّكَ ممّا نَمنَعُ منه أزُرَنَا" ، وكان من قول أبي أمامة أسعد بن زرارة ، رضي الله عنه ، ما قد اشتهر فصار نصا في هذا الباب ، فبيعة الإيمان بيعة الحرب للأسود والأبيض والأحمر لا سيما الملوك فهم أعظم من يُبْغِضُ الرسالات إذ تستلبهم حظوظهم من الرياسات والشهوات ، فيجتمع الملوك على اختلاف المشارب واختلاف القلوب وإن اتفقت الأبدان في الظاهر فلم تجتمع إلا على حرب الحق فهي ترميه عن قوس واحدة وتعض بسيوفها أهله ، فكان من هذا الميثاق ما تأويله في كل جيل : صِرَاعُ الرسالة وَقَبِيلُهَا في شق مع خصومها في آخر يقف فيه الملوك وعلماء السوء وأصحاب الأهواء والحظوظ على اختلاف أجناسهم وتفاوت عداواتهم فلا يجمعهم إلا بغض الحق المنزَّل الذي يستلبهم بعض ما اكتسبوا من الأسباب واللذات .
فكان من ميثاق التكوين الأول إشهاد على الربوبية ، كما تقدم في قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) ، وكان من ميثاق التوحيد والتشريع الأعم ، وكان من ميثاق البشرى بالرسالة الخاتمة وهو الميثاق الأخص الذي يصدق الميثاق الأعم ، فإن بشرى النبوة الخاتمة بشرى بخلاصة التوحيد وزبدة التشريع الذي جاءت به النبوات الأولى ، فجاءت النبوة الخاتمة تُصَدِّقُهَا وَتَزِيدُ عليها بَيَانَ ما قد أُجْمِلَ ، فكانت الشريعة الخاتمة محكما يرد إليه ما تشابه من منسوخ الشرائع السابقة ، فلا تكون شرعا لنا إن خالفت عن شرعنا ، ولا تكون شرعا لنا إن نص شرعنا على نسخها أو كان من القرينة ما يقوم مقام النسخ كأن يرد شرعنا بخلافها ، كما تقدم ، كما يضرب المثل بتحريم الصور وقد كانت مباحة في شريعة سليمان ، عليه السلام ، فكان مِنَ الجن مَنْ : (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) ، ولا تكون شرعا لنا إن لم ترد في شرعنا فلا تحكى نصوص الكتاب الأول في هذه الحال إلا استئناسا في مُلَحِ القصصِ مما لا يُبْنَى عليه عمل ، كما يضرب المثل في كتب التفسير بأسماء أهل الكهف واسم الملك الذي قاموا بين يديه بشهادة التوحيد : (فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) ، فهم ، من هذا الوجه ، يدخلون في عموم الخبر محل الشاهد الرئيس ، وإن نجوا من القتل فلم يَنْجُوا من الاضطهاد والتضييق الذي ألجأهم إلى اعتزال ما يعبد أولئك فكانوا على سنة الخليل عليه السلام : (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّ) ، فتلك العزلة النافعة أن يفارق صاحبها الباطل ويهاجر سواء أكان من الناقض الأكبر أم الناقض الأصغر ، وكلما عظم الفحش وزادت الجناية كان الاعتزال آكد وأعم ، وإن تفاوت في القدر ، فَقَدْ يكون بالقلب وقد يكون بالبدن مع تَعَلُّقِ القلب بشوب منه ، وقد يكون بهما معا وتلك أكمل أحواله ، وقد يقتصر على حد الاعتزال في ذات المحلة فيعتزل إلا في مواضع الحق ، وقد يبلغ ما قد بلغ الفتية من الفرار والإيواء إلى الكهف .
فكان من الاستئناس ببعض مأثور الكتب الأولى مما ليس له أصل في كتابنا ما يذكر مُلَحًا في العلم دون أن يجزم الناقل بصدق أو كذب ، فلا يؤمن التبديل والتحريف إذ وعد الحفظ قد اقتصر على الذكر الخاتم ، وإنما يكون الخلاف فيما حكاه شرعنا وسكت عنه فَثَمَّ من يَتَنَسَّكُ به إذ السكوت في موضع البيان بَيَانٌ يستفاد منه مطلق الجواز ، وبعده يكون النظر في الدليل على ما يزيد من التكليف إيجابا أو ندبا .
فكان من الميثاق ما قد عم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، في قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) ، وأهل الكتاب من أصحاب الرسالات جميعا فيدخل فيهم ، من باب أولى ، الأمة الخاتمة فهي صاحبة الرسالة الخالدة والكتاب المحفوظ من التبديل والتحريف ، فكان من أخذ الميثاق : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) ، فثم إجمال وبعده البيان ، فالميثاق ميثاق التبيين الذي أكد بلام جواب لقسم مقدر بما تَقَدَّمَ من تضمين الميثاق ، أيضا ، معنى القسم ، فكان التوكيد بلام الجواب الدالة ، من وجه آخر ، على القسم المحذوف ، أو هي مما دخل على جواب الميثاق "لَتُبَيِّنُنَّهُ" بعد تأويله بالقسم على وجه يجري مجرى التأويل الصحيح فَثَمَّ قَرِينَةٌ قد دلت على ذلك إذ اللام ، لام جواب لقسم ، فضلا عن التوكيد بالنون المثقلة فكل أولئك مما يدخل على جواب القسم إما مقدرا فهو محذوف ، وإما مؤولا ، فالميثاق قد آل معناه إلى القسم ، وقد يَرْجُحُ هذا الوجه إذ لا تقدير فيه لمحذوف وهو الأصل ، وإنما تأويل لمذكور وهو الميثاق : تأويلا صحيحا إذ القرينة ، كما تقدم ، شاهدة له ، فليس تأويلا بلا دليل فهو من مسلك أهل الباطن ! ، وليس تأويلا مرجوحا بحمل اللفظ على معنى بعيد ، وإن احتمله اللفظ ، بلا قرينة توجب هذا الصرف ، وكان من إطلاق البيان ما يعم ، فهو يستغرق الأخبار والأحكام جميعا ، ويستغرق وجوه البيان بالقول والعمل والسكوت على قول من جعله بَيَانًا إن كان في موضع البيان على الخلاف المشهور بين أهل الأصول ، وثم عموم دل عليه لفظ "الناس" فدلالة "أل" مئنة من عموم يستغرق آحاد المدخول وهو في نفسه اسم جنس يعم ، فكان الميثاق أن يُبَيِّنُوهُ للناس ، ودلالة اللام في "للناس" لا تخلو من دلالة التبليغ ، فهي جارة في عملها ، مبلِّغة في معناها ، فاصطلح أنها لام التبليغ ومحلها في القياس أن تأتي بعد قول صريح كما في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) ، فيلحق به ما كان في معناه من التبيين ، كما في هذا الموضع ، فالتبيين نَوْعُ بلاغٍ وإن كان للمعاني ، فالتبليغ ، من هذا الوجه ، جنس عام يستغرق : تبليغ الألفاظ المنطوقة ، وتبليغ المعاني المفهومة ، كما أن التبيين ، أيضا ، مما يجري مجرى الجنس العام الذي يستغرق : تَبْيِينَ الألفاظ فَيُبِينُ عن مخارج الحروف في النطق وَيُبِينُ عن الغريب من دلالتها المعجمية الأولى ، وَتَبْيِينَ المعاني بالنظر في قرائن السياق المركب فيكون من المعنى المجموع الذي يفيد ما يحسن عليه السكوت إذ به تحصل الغاية من العبارة ، فهما ، التبليغ والتبيين ، هما ، من هذا الوجه ، مترادفان في الدلالة ، فكل منهما يواطئ الآخر في أنواعه لفظا ومعنى ، وقد يجريان ، من وجه آخر ، مجرى الافتراق والاقتران ، فإذا افْتَرَقَا تَرَادَفَا واتَّحَدَا في المعنى فدل كل منهما على نفسه أصالة وعن الآخر نيابة ، وإذا افترقا دل كلٌّ على وجه فالتبليغ للألفاظ والتبيين للمعاني ، كما يضرب المثل في هذا الباب بالإسلام والإيمان ، فإذا افترقا اتحدا في الدلالة على باطن العقد وظاهر الشرع ، فالمسلم في هذه الحال هو المؤمن والمؤمن هو المسلم ، وإذا افترقا استقل كلٌّ بوجه ، فاستقل الإيمان بباطن العقد واستقل الإسلام بظاهر الشرع ، وكذلك الشأن في الفقير والمسكين ، فإذا افترقا اتحدا في الدلالة على من لا يجد كفايته مطلقا ، وإذا اقترنا دل الفقير على من لا يجد القوت مطلقا فلا يجد أَيَّ قوت أو يجد منه ما قَلَّ فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةِ العدم ، ودل المسكين ، في المقابل ، على من يجد بعضه فهو أحسن حالا من الفقير وإن جمعهما معنى واحد جالب لحكم الزكاة جلبَ العلة للمعلول وهو عدم الكفاية في القوت ...... إلخ .
ولا تخلو اللام في "لِلنَّاسِ" ، أيضا ، من دلالة الاختصاص فَضْلًا من الرب ، جل وعلا ، فلا استحقاق للمخلوق على الخالق وإنما امتن ، جل وعلا ، أن بعث الرسل ، عليهم السلام ، وأنزل الكتب وأخذ مواثيق التبليغ والتبيين لتحصل الهداية العامة ، هداية البيان والإرشاد ، فَيَصْطَفِي ، جل وعلا ، بالهداية الأخص ، هداية التوفيق والإلهام يصطفي بها أهل الإيمان والإسلام ، فإن هدى فذلك الفضل وإن أضل فذلك العدل ولم يخرج في كلا الوجهين عن فضل التبيين العام : (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) ، وحكمة الفعل أَنْ هدى من يَقْبَلُ محله آثار الهدى وأضل ، في المقابل ، من يقبل محله آثار الضلال ، فَيَسَّرَ كُلًّا لما قد خلق له وأمده بما يلائمه من الأسباب ، فـ : (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) .

فكان من غلظ الميثاق ما تَقَدَّمَ إذ قد عمت به البلوى الناسَ جميعا فمن كَتَمَهُ فقد عظمت جنايته بما كَتَمَ من الحق الذي تَعُمُّ به البلوى ، فالحاجة إليه أعظم حاجة فلا يجوز تأخير البيان عن وقته فهو وقت الحاجة الأعظم أن يَسْتَبِينَ الناس طريق الحق المسدد فلا يضلوا ولا يهلكوا ، وبعده كان النفي على حد التلازم في قوله تعالى : (وَلَا تَكْتُمُونَهُ) ، فكان أخذ الميثاق أمرا بالبيان ونهيا عن ضده وهو الكتمان ، فكان من عظم الجناية أن نبذوه وراء ظهورهم ، فـ : (نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) ، وتلك كناية تحتمل الوجهين ، فنبذوه أن عطلوه فكتموا أخباره وعطلوا أحكامه ، ونبذوه أن أخروه ومنه تأخيره وراء الظهر حسا كما أخروه وراء القلب والعقل معنى ، وكان من العطف ما به تقرير الجناية إذ أبان عن السبب الذي يدل على خسة نفوسهم ، فـ : (اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) ، فكان من تنكير الثمن ما يدل على التحقير ، فالتنكير يحتمل الضدين : التعظيم والتحقير معا ، والسياق قرينة من جملة قرائن ترجح أحدهما فقرينة الذم في هذا السياق ترجح دلالة التحقير فضلا عن تقييده بالوصف "قليلا" وهو نص في محل النزاع يحسم الخصومة بين المختلفين في دلالة التنكير ، وبعده كان ذم قياسي : (فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) ، وذلك ، أيضا ، مما يعم بلفظه ومعناه فدائرتهما تجاوز دائرة السبب ، فهو يستغرق كل من كتم الحق فَنَبَذَهُ وراء ظهره رجاء ثمن بخس من دنيا ، فلا يُعْذَرُ ما يُعْذَرُ الجاهل ، بل الجهل في هذه الحال فضيلة تحمد ، فهو أفضل من العلم بلا عمل ، فكيف بمن علم وعمل بضد ما قد علم ، فتعلم العلم رياء أو سببا به يتوسل إلى جاه ظاهر أو خفي فكان من استدراج الرب ، جل وعلا ، له أن أملى له فَنَالَ من العلم مسائل وراح يَتَشَدَّقُ بِهَا في كل مجلس رجاء الجاه والشهرة والثروة فضلا أن يَبِيعَ العلم لمن يدفع أكثر ! ، كحال من ابْتُلِيَ بالدخول على حُكَّامِ الجور فَتَزَلَّفَ وأعطى الدنية رجاء كسب أو عطية ، فخالف وصفه وصف السادة من الشهداء فلا يدخل ، بداهة ، في عموم : "ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" ، فقد دخل عليه ليداهن ويتكسب فتات الظالم بأشرف الأثمان ، فاشترى الخسيس بالنفيس مئنة من خسة نفس قد ألحقته بالكلب مثلا يُضْرَبُ في التَّنْزِيلِ المحكَمِ ، فـ : (إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) ، فلا يكف عن اللهاث رجاء ثمن بخس ، فكان من سكوته عن الإنكار مع ما قد أوتي من العلم ، أو انتحله زورا فحفظ جملة مسائل أو مواعظ ليتكسب بها تكسب القصاص في الموالد ! ، وتشبع بما لم يعط من العلم فلبس ثَوْبَيِ الزور ، فحاله أفحش وأنقص ، فحشفا وسوء كيلة ! ، فلا قصد صحيح ولا علم عند التحقيق ! ، فذلك الميثاق الذي أُخِذَ على أحمد ابن حنبل وإن قيده المأمون وضربه المعتصم وحبسه فكان من إنكاره على الحاكم الجائر ما يدخله في عموم المعنى ، معنى الشهادة ، وإن لم يَنَلْهَا قتلا ، فقد يبلغ من الدرجة ما يزيد فقد حفظ به الرب ، جل وعلا ، الدين كما قد حفظه يوم الردة بالصديق ، رضي الله عنه ، وهو الميثاق الذي أخذ على ابن نصر الخزاعي ، رحمه الله ، فنال الشهادة قَتْلًا على يد الواثق فكان هو الحاكم الجائر الذي طاله شؤم الجناية فكان ما كان من التعجيل بهلكته ولا يظلم ربك ، جل وعلا ، أحدا ، بل كان الإحداث في الدين زمن المأمون والمعتصم والواثق مِمَّا عمت به البلوى وعظم به الشؤم فَلَوْ تَدَبَّرَ الناظر لجعله سببا من أسباب زوال الملك العباسي ، وإن استغرق ذلك بعدهم أجيالا ، فكان ما صنعوا سببا في التعجيل بانتهاء العصر الأول ، عصر القوة الذي استغرق قرنا وبعده صارت الخلافة ألعوبة فلم يَبْقَ لها إلا الاسم والصورة دون المسمى والحقيقة إلا في فترات صحوة لم تطل ، كخلافة المعتضد ، فضلا أنها كانت صحوات سياسة لا تجديد ديانة كما كان زمن الخليفة العادل ابن عبد العزير رحمه الله .

فذلك الميثاق الذي أخذ على من أوتي الكتاب ، فكان من عموم المعنى ، كما تقدم ، ما استغرق الأمة الخاتمة ، من باب أولى ، فهي أمة الشهادة العامة على بقية الأمم بما امتازت به من العدالة وهي شرط رئيس في الشهادة ، فكان من إجماعها ما قد عُصِمَ فلا تجمع على خلاف الحق ، فالحق فيها باق وإن خفي في أعصار أو أمصار ، ولو قام به واحد كما يقوم المنكر على الحاكم الجائر سواء أكان جوره تبديلا للدين أم ظلما للعالمين في حكومة دنيا كحق مال أو سكنى ..... إلخ ، فكان من عموم المعنى ما استغرق الأمة الخاتمة ، كما أن عموم المعنى في الخبر : "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" ، يستغرق كل من أنكر وإن لم تبلغ به الحال القتل ، فالأجر على درجات لا يحصيها إلا رب البريات ، جل وعلا ، وأعلى الأوصاف وأشرفها وصف الشهادة ، وإن كان ثم معنى أدق ، وهو ما تقدم من الصدع بالحق والثبات على ذلك وإن نال صاحبه ما ناله من الترهيب مع ما يُسْتَمَالُ به من الترغيب ، فإن صبر فبلاؤه أعظم من بلاء من قتل ومضى إلى ربه ، جل وعلا ، شهيدا ، فإن في الموت في أحيان كثيرة راحة كبيرة من الفتنة والألم فلا تقوم الساعة حتى يمر الحي على الميت فيقول لَيْتَنِي كنت مكانك ، فالأجر في أحيان على قدر المشقة ، وفي أخرى على وصف العمل ، فالشهادة ، من وجه آخر ، اسم علم على جنس من الفعل لا يضاهيه غيره فهو مئنة من صدق الدعوى فكان من دليل القتل ما أبان عن صحة القصد ، فلم يكن إيمانه دعوى بلا دليل بل كان من الدليل ما سُطِرَ بمداد الدم الذي أريق في سبيل الحق ، ورحمة الرب ، جل وعلا ، واسعة تستغرق الشهيد وغيره من أهل الخير والصلاح ومنصب الإمامة في الدين لا يضعه رب العالمين ، جل وعلا ، إلا في نفوس الأولياء ، فمنهم الأنبياء ومنهم الشهداء ومنهم العلماء ومنهم العباد ومنهم الصالحون ، فكان من سبل الحق ما اسْتَغْرَقَ كُلَّ فَرْدٍ فلا يستوي الناس في القدرة ، ومناط التكليف الاستطاعة فَلَوْ كَانَتِ الدرجة لا تُنَالُ إلا من طريق واحد إذن لعظم الحرج فالنفوس ليست على حد سواء في القدرة والعلم ، فكلٌّ يدرك من الأصل ما لا يسع الجهلُ به أحدا ، فالتوحيد أصل كل شهادة في الخارج سواء أكانت شهادة القتل الأخص ، أم شهادة الأركان بما يصدق دعوى التوحيد في الجنان ، وكل يطيق من أعمال الدين ما لا يطيق غيره ، فتفاوت الدرجات ينشأ من تفاوت الإرادات وتفاوت الأعمال ، وإن كانت الإرادات هي الأصل ، فقد يبلغ بها صاحبها بعمل قليل ما لا يبلغه غيره بعمل كثير ، فيكون من علم الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، ما أحاط بمكنون الصدور فعلم ، جل وعلا ، في قلب مريد من الخير ما يعظم غيره وإن كان عمله دونه ، على وجه لا يصير ذريعة إلى هجر الأعمال وتحقيرها والإزراء بأصحابها فهم من العامة أهل التقليد وأما الخاصة أهل التحقيق فَلَهُمْ من الدرجات ما جاوز حد العمل فلا يضرهم تَرْكُهُ ، بل قد صار تَرْكُهُ مئنةَ ولاية عظمى استجاز صاحبها أن يخالف عن أمر الشريعة المثلى ، فكان من تَفَاوُتِ الدرجاتِ تَبَعًا لتفاوت الإرادات في الباطن والأعمال في الخارج ، بل وكان من تفاوت الدرجات في العمل الواحد فصورته في الخارج واحدة ، فهذا شَهِيدٌ قَتِيلٌ وذاك مثله ، فصورة القتل واحدة إذ فارقت الروح إلى بارئها في ميدان حرب أو صدعا بالحق عند سلطان جائر ، أو ذبا عن الدين والنفس والمال والعرض ، أو صبرا على المرض كما وَرَدَ في المبطون ، أو جزاء على ضرر فادح شاءه الرب الخالق ، جل وعلا ، كالغرق والحرق ، وإن كان أولئك دون شهيد المعركة الأخص ، وشهيد القتل الأعم ، من جهر بالحق فَقُتِلَ لأجله ، فالصورة واحدة والحقيقة تتفاوت فَلَئِنْ كان اسم الشهادة يستغرق الجميع فهو ، من هذا الوجه ، اسم جنس عام تندرج تحته آحاد وأنواع فيكون من الفرقان بينها في الخارج ما به يمتاز الشهداء فليسوا سواء في الدرجة وإن جمعهم عموم المعنى ، بل وليس الاثنان من جنس واحد ، كقتيل وآخر ، ليسا على حد سواء بل ثم تفاوت ، أي تفاوت ، بين درجات العاملين وإن كانت صورة العمل واحدة ، وهو ما استدل به بعض المحققين على تفاوت الإيمان فهو يتراوح بين الزيادة والنقصان ، فإذا كان التفاوت يثبت في صورة العمل الواحد فكيف بحقيقة الإيمان الأعم التي تَسْتَغْرِقُ العقد والقول والعمل ، فالتفاوت فيها يثبت من باب أولى ، وكذلك الحال في اسم الشهادة ، فهو مما يتفاوت ، فثم شهادة القتل في الميدان ، وثم شهادة الجهر بالحق في حضرة إمام جائر إن مشافهة أو ما يقوم مقامها من المكاتبة ونحوه ، وإن كانت المواجهة بالمشافهة ، بداهة ، أعظم في عين الناظر ، فدليل الصدق فيها أظهر ، فاستغرقت دلالة المعنى كل ما قد يَنَالُ المنكِر من أذى وإن اقتصر السياق على القتل فهو أعظم درجات الشهادة في هذا الباب ، فالجهاد بكلمة الحق في حضرة الإمام الجائر أفضل الجهاد كما في الخبر المرفوع إلى المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ" ، فكان من التفضيل ما قد يحمل على الحقيقة فهو أفضل الجهاد لعظم المخاطرة ، أو الإضافة فيجري مجرى المبالغة في تقرير المعنى وتوكيده ، فذلك من أفضل أجناس الجهاد في سبيل الله ، وثم إطلاق في الخبر "كلمة عدل" ، فهو يصدق في كل كلمة عدل تُنْكِرُ على الظالم ، سواء أكانت في توحيد أم في تشريع ، فيدخل فيها كلمة أحمد عند المعتصم فهي من مسائل التوحيد ، ويدخل فيها كلمة العز إذ أنكر على الصالح إسماعيل صاحب دمشق أن ظاهر الصليبيين على المسلمين في مصر ، والأمثلة كثيرة على وجه يَنْفِي عن الديانة والشريعة ما قد ألصقه بها الخصوم وأعانهم المتخاذلون ، فصار دين الوحي الذي جاء يحرر الإنسان من كل عبودية أرضية لِيَشْرُفَ بوصف العبودية المثلى ، عبودية الرب الأعلى ، صار هذا الدين هو دين الخضوع للظالم والرضى بحكم الجائر الذي عَطَّلَ الوحي والعدل معا وليس ذلك من دين النبوات في شيء ، لا سيما النبوة الخاتمة التي جمعت ما تقدمها من الصدق والعدل وزادت عليه ما زادت من بَيَانِ الأخبار وإحكام الأحكام .

والله أعلى وأعلم .