من مشهور النصوص اللِّينِينِيَّةِ ، نسبة إلى فلاديمير لينين أول رئيس للاتحاد السوفييتي بعد نجاح الثورة الشيوعية في روسيا ، ونصوصه نصوص بلشفية حادة تُمَارِسُ أقصى درجات التطهير الثوري ضد المخالف ، من مشهورها ما تَضَمَّنَ عَدَاءً مستحكما للطبقة البرجوازية وَرَغْبَةً في اسْتِئْصَالِهَا ، فخطأ الثورة الفرنسية ، كما يقول لينين ، أنها قضت على الإقطاع ولم تَقْضِ على البرجوازية فجاء لينين ليقضي على جميع أعداء الشيوعية ! ، وهم الْمُلَّاكُ مُطْلَقًا ، ومنهم الطبقة البرجوازية ، وهي طبقة صغار الملاك أو الطبقة الوسطى التي تملك أصولا دون أصول الإقطاع ، فهي وسط بين الإقطاع الرأسمالي الزراعي والبروليتاريا العمالية الكادحة ، وهي ، أي البرجوازية ، ما تَطَوَّرَ بعد ذلك فَوَرِثَتْ الإقطاع الزراعي ، فصارت هي النخبة الرأسمالية الجديدة فهي صورة أخرى من صور الإقطاع الذي استثمر فيه المال اليهودي فكانت ثورة الصناعة التي تَلَتْ حقبة الزراعة ، كانت ثورة اقتصادية يهودية ! ، فَنَمَتْ هذه الطبقة التي حركت الجمهور لِيَثُورَ على الطبقة الكلاسيكية ، السياسية والاقتصادية ، ثم تستولي هي على الحصة الأكبر ، فالبرجوازية انطلاقا من هذه النظرية التآمرية ! التي تجعل الصراع الطبقي هو الأصل ، لا رغبة في الإصلاح فليس ذلك من التدافع المحمود وإنما هو الصراع المحموم طمعا في الجاه والثروة ورغبة في التحكم والسيطرة ، فكان تآمر رءوس الأموال الصناعية الناشئة ، وهي أصول منتجة ، على رءوس الأموال الزراعية الكلاسيكية وهي أصول ريعية أساء أصحابها الإدارة إذ فسدت الإرادة التي انْبَعَثَتْ من روح دينية سياسية طاغية استبدت حتى صار استبدادها مضرب المثل وكان ذريعة إلى الطعن في الدين وتشكيك المجتمع في أصوله وتحريضهم على رجالاته الذين كانوا في حقيقة أمرهم ، رجالات إقطاع ، وإن اصطبغ بصبغة الدين ، فكانوا جزءا من منظومة الحكم الإقطاعي ، فالإقطاع لم يكن أحادي العنصر وإنما اشتركت فيه عناصر ثلاثة : الملوك ورجال الدين وملاك الأرض ، ولم تخل إدارتهم من روح رأسمالية غايتها الحصول على المال ، فالتحالف بَيْنَهَا تحالف بَرَاجْمَاتِيٌّ ، وهي ، في الجملة ، تَكْرَهُ الثورة ، فالسلطة ضِدَّ الثورة ، بل الثورة تَفْشَلُ إذا احْتَوَتْهَا مؤسسات الدولة البيروقراطية ، فَمِنْهَا المؤسسات الدينية ، فَلَقَبُ المؤسسة الدينية الرسمية أو هيئة كبار العلماء أو المفتين ...... إلخ من الهيئات الدينية الرسمية ! ، هذا اللقب ، لو تدبر الناظر ، إفراز من إفرازات الدولة المدنية الحديثة ! ، التي خرجت من رحم ثورة لادينية ، ولكنها مارست من الاستبداد شديد المركزية ما يضاهي استبداد الكنيسة بل قد زادت بما امتلكت من أدوات السلطة الحديثة وآلياتها المحكمة ، فصار الدين جزءا من الدولة العميقة ، وهو ما يجعله ، أيضا ، جزءا من أي ثورة مضادة تروم استعادة الجاه والسطوة إذا ثارت الجماهير فَثَوْرَتُهَا ، كما يقول بعض المفكرين ، مئنة من حياة الروح ، فلا يخلو حراكها من التَّدَيُّنِ إذ تُقَدِّمُ التضحيات الكبيرة وهو ما يخالف عن أي نظرية سياسية براجماتية تجعل المصلحة رائدَها الأول ، فالتضحية في المعيار البراجماتي عبث وتهور ، فصاحبه يعرض حياته ورخاءه للخطر ، فإن لم يكن ثَمَّ رخاء ، فالحياة ، وإن دَنِيَّةً ، غاية من الغايات البراجماتية فأصحابها ممن يدخلون في عموم : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) ، لا جَرَمَ كان هذا الطرح ذا أصول يهودية ، ولو نسبة غير مباشرة ، فالمذاهب المادية المعاصرة لم تخل من تأصيل يهودي ، سواء أكان في جانب الدولة ، فكان اليهود من المجموعات الوظيفية الخادمة للدولة القديمة ، دولة الإقطاع الزراعي ، فكانت جباية الأرض وظيفة يهود الأرندا ، وهم طبقة يُبْغِضُهَا الفلاحون البسطاء إذ تُمَارِسُ ضدهم من الظلم المدعوم بِقُوَّةِ السلطة ما يُورِثُ الجمهورَ الضَّغَائِنَ ، وإن نجح يهود ، على الجانب الآخر ! ، أن يستثمروا هذا الغضب المكتوم فكان إِنْشَابُهُمُ الثورة انْتِقَامًا من الدولة التي خدم في أجهزتها قطاع كبير منهم ! ، فكانوا من مجموعاتها الوظيفية وكانت رءوس أموالهم وسيلة من وسائل التحكم والسيطرة فسياسة الإقراض الربوي قد لعبت دورا كبيرا في هندسة المجتمع ، فكان ثم طبقة مقرِضة تُؤَثِّرُ في القرار السياسي بشكل غير مباشر ، فَفَوَائِدُ دُيُونِهَا تُحَمِّلُ السلطة أن تَفْرِضَ الضرائب المجحفة بالطبقات الدنيا ، طبقات الأقنان والعبيد ، فالملك أو الإمبراطور يضغط على كبار الملاك من طبقة الإقطاع ، فيضغطون على من تحتهم من صغار الفلاحين ، ويستخدمون في الجباية مجموعات الوظيفة اليهودية ! ، فاليهود يقرضون ، واليهود يباشرون الجباية بقسوة شديدة تورث الضغينة التي استخدمها يهود بعد ذلك ! ، في تحريك الجماهير ضد السلطة السياسية الدينية المركبة ، فكان من الظلم ما أثار روح الثورة وفيها تعظم معان إنسانية لا تَخْلُوا من بَوَاعِثَ دينية ، فالمجتمع العاجز عن التدين ، كما يقول بعض المفكرين ، هو مجتمع عاجز عن الثورة ضد الظلم والاستبداد ، فروح التدين روح تَغْيِيرٍ وثورة على الظلم ، لا روحٌ تُكَرِّسُ الاستبداد والجور ، كما قد عظمت جناية السلطة الدينية إن في الدولة الأتوقراطية أو الثيوقراطية ، أو في الدولة المدنية الحديثة ، منتج الثورة العلمانية ، فلم تفلح في علاج الداء ، بل كان من سيطرتها على الدين ما صيره أداة وظيفية بِيَدِ سلطة جديدة ، فهي إله جديد نسخت شريعتُه شريعةَ الكنيسة والإمبراطورية القديمة ، فصار الدين أداة تكرس الاستبداد الجديد ، الاستبداد الديمقراطي العلماني ! ، فلم يكن تطرف السلطة الجديدة دون تطرف السلطة القديمة ، وكانت المؤسسة الدينية في النظام العلماني ! ، كانت ، بداهة ، خصما لأي ثورة تهدد النظام الذي تَنْتَمِي إليه ، فالدين الرسمي الذي يَتَّسِمُ بنظام إداري هرمي شديد المركزية يَنْتَهِي إلى رأس بشري يحكم نيابة عن الإله فالإكليروس نائب عن الله جل وعلا في الأرض بل له من حق النقض والنسخ ما يجعل إجماعه أصلا وحكم السماء له تَبَعًا فَمَا حَلَّهُ فلا يُرْبَطُ في السماء وما عقده لا يُحَلُّ فِيهَا ، هذا الدين يحاكي السلطة ، وإن في دوائره الخاصة ، فَرَأْسُ الكنيسة أو المؤسسة الدينية كرأس الدولة المدنية الحديثة ! ، فَثَمَّ نظام محكم هدفه الرئيس السيطرة على الجمهور ، سواء أكان ذلك باسم السياسة أم باسم الدين أم بهما جميعا ! ، فخطاب الدين قد تَحَوَّلَ من خطاب تحرير للنفوس من قيد الرق ، رق الشرك ، إلى خطاب تَرْكِيعٍ يكرس العبودية تَبَعِيَّةً دينية وسياسية تجعل الخضوع للسلطة الجائرة عزيمة لا رخصة ! ، فتفرط في تقديس الأنظمة السياسية العلمانية ! ، وَتُسِيئُ إلى الدين إذ تصمه بالعمالة السياسية ، فهو خادم للسلطة كأي مجموع وظيفي مُرْتَزَقٍ ، فلا غاية لكهنته إلا تَثْبِيطُ الجمهور أن يمارس حقه في التدين السياسي ، سواء أكان إصلاحيا أم ثوريا ، مع ما في الاصطلاح من توسع فمناط الوصف مناط عام ينظر في حقيقة الإنسان الثائر على الظلم فلا تخلو ثورته من معنى ديني ، فالثورة على الظلم هي من رِكْزِ الفطرة الأولى ، فالنفس قد جُبِلَتْ على التوحيد ، وهو أشرف أجناس العدل ، إذ يكفر صاحبه بكل طاغوت ظالم ، وأعظم الظلم الشرك ، فالثورة عليه ثَوْرَةُ التوحيدِ مقصد الرسالة الأول ، فَهَدْمُ بُنْيَانِ الظلم واستئصال مادته الخبيثة وتطهير الجنان والأركان من أدرانه ، كل أولئك لا يكون إلا بفعل تَغْيِيرٍ جذري يَنْتَظِمُ بِنْيَةَ الإنسان باطنا وظاهرا ، وَبِنْيَةَ المجتمع إذ يُعَادُ تشكيل وجدانه على مثال التوحيد الناصح الذي يحرر الإنسان من العبوديات الأرضية ، الدينية والسياسية والاقتصادية ، فالوحي طريق ثالث يغاير طريق الإقطاع الرأسمالي ، وطريق الثورة العلمانية التي اشتغلت بالعرض عن المرض ، فَانْتَقَلَتْ بالجمهور من عبادة طاغوت إلى عبادة آخر ، فمن عبادة دولة الإقطاع الزراعي ، وطبقة كبار الملاك فهم سادة فَوْقَهُمُ الإمبراطورُ والكنيسةُ التي شاركت الإقطاع ، أيضا ، فَلَهَا حصة كبيرة في الأرض تجعلها من كبار الملاك وإن دعت الناس إلى الزهد والتجرد من علائق الدنيا ! ، فكان خطابها رياءً نَفَّرَ الناس من دينها لا سيما والفساد في أَرْوِقَتِهَا قد اسْتَشْرَى ، إن فساد السياسة أو فساد المال أو فساد الأخلاق .... إلخ ، فمن عبادة هذا النظام الهرمي المركزي إلى عبادة آخر هرمي مركزي ، أيضا ، وإن كان علمانيا لادينيا ، فلم يخرج الدين في سلطانه أن يكرر الدور نفسه ، دور المجموع الوظيفي الخادم للسلطة ، فهو في هذه المرة خادم للسلطة العلمانية اللادينية ! ، فصار الدين في خدمة اللادين ! ، إذ اقتصر دوره على الطقوس والشعائر بلا حرارة إيمانية تُوقِدُ الروح الثورية : روح التغيير والإصلاح الذي ينتظم الحياة كلها فَيُعِيدُ هندسة الفرد والجماعة ، فَفِعْلُ الثورة ، كما تَقَدَّمَ ، يَنْتَظِمُ الْبِنَى جميعا ، الفردية والجماعية ، الفكرية والسياسة والاقتصادية والأخلاقية ...... إلخ ، فلا يهادن النظام القديم ، فكذلك الوحي ، مع القدر الفارق ، بَدَاهَةً ! ، فهو منهاج تَغْيِيرٍ إلهي ، فلا تهادن رسالة التوحيد نظام التشريك ، فـ : (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) ، فكان من الحسم ما امتاز به القبيلان فلا هدنة في الفكرة والشرعة ولا مداهنة يَتَقَاسَمُ فيها الفريقان السلطة ! ، فاعبد ربنا عاما ونعبد ربك آخر ! ، فجاء الوحي يفاصل فلا مساومة في الأصول ، فـ : (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) ، و : (لَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) ، فَدِينُ الرسالة المنزَلة يفاصل دين السياسة المحدثة فَعِنْدَهُ من السياسة الرسالية ما يَنْسَخُ السياسة البراجماتية التي تجعل المصلحة رائدها ، فالتضحية في دين الرسالة هي الرائد فلا مساومة في القيم والمبادئ مع احتفاظها بهامش تفاوض لا يمس ، بداهة ، الأصول والشرائع ، فهو تفاوض إجرائي في حراك سياسي أو عسكري ، وباب الاجتهاد فيه يَتَّسِعُ ما لا يَتَّسِعُ في الأصول والأحكام ، فذلك دين لا يقبل ، بداهة ، التدجين والدخول في طاعة السلطة المستبدة ، فلا تُمَجِّدُ الرسالةُ الظلمَ بل العدل رائدها والحرية غايتها ، حرية الإنسان والمجتمع ، فلا يخضع لأهواء أرضية تَزْعُمُ التَّحْرِيرَ فَتَثُورُ لِتَنْقِلَ الناس من رق إلى آخر ، فالثورة العلمانية وإن أطلقت شعارات جذابة إلا أنها أخفت وراءها طغيانا واستبدادا أشد مركزية ، فكان انطلاقها من الأرض لا من السماء ، فلا تخلو من حظوظ النَّفْسِ الأرضية التي تَأْبَى الانقياد لأي مرجع يجاوزها من خارج ، فمرجع الرسالة السماوية مُعَطَّلٌ ، وهو ، وحده ، ما قد سَلِمَ من الحظوظ وَتَجَرَّدَ ، فإذا كان ثَمَّ دين تُوَظِّفُهُ السلطة المستبدة ، سواء أكانت تَنْتَحِلُ الدين فهي ثِيُوقْرَاطِيَّةٌ تحكم باسم الله ، جل وعلا ، لا بِوَحْيِهِ الذي لا سلطان عليه من الأرض فَهُوَ السلطان على كل أحد ، فَرْدًا أو سلطة ، أم كانت علمانية لادينية أو ضد دينية ، فإذا كان ثَمَّ دِينٌ تُوَظِّفُهُ السلطة آنفة الذكر ، فهو ، بداهة ، دين يخاصم الجمهور طموحَه في الحرية ، سواء أكانت راشدة أم خارجة عن منهاج العدل فهي رَدُّ فِعْلٍ ، إن لم يُحْكَمْ بِلِجَامِ منهاجٍ راشد فهو لا بد خارج عن جادة الرشاد وهو ما يجعله مطية لأي طامح يَتَّجِرُ بِبِضَاعَةِ الحرية والثورة وهي بضاعة رائجة في سوق الفكر والسياسة ، وما أكثر ما تَوَسَّلَ بِهَا مَنْ تَوَسَّلَ إلى الباطل مع أنها في جوهرها حق شريف بل منه معدن توحيد وتشريع به يتحرر الإنسان من آلهة الأرض وشرائع الوضع ، فدين السلطة دين بِيرُوقْرَاطِيٌّ ! ، وهو ، كما يقول بعض المفكرين ، حليف لأي ثورة زائفة يتم احتواؤها وتحويلها سَرِيعًا إِلَى دولة وَمُؤَسَّسَةٍ دون أن تستكمل تَطْهِيرَ الفرد والجماعة من أقذارِ الدولة العميقة ! ، دولة الاستبداد التي كان الدين المدجَّنُ مؤسسة من مؤسساتها ، فكانت الثورة على هذه المرجعية الدينية الوظيفية حَتْمًا لازما ، فالثورة ، كما تقدم ، تَنْتَظِمُ بِنَى المجتمع كلها ، ومنها الْبِنْيَةُ الدينية والفكرية والتشريعية ، وهنا يُنْصَبُ الفَخُّ ، أيضا ، لا سيما ودليل صاحبه ظاهر ، فكان من رجالات الباطل من انتسب إلى الحق ، فصار علما على حق مُزَيَّفٍ أساء الاستدلال بما قارف من تأويل وتحريف ، فاعتبر من الوحي ما يُوَاطِئُ دوره الوظيفي في احتواء الجمهور الغاضب لئلا يبلغ حد الثائر ، وأهدر في المقابل ما يخالف عن هذا الدور ، فالوحي الذي يزعم انتحاله لم يأت لِيُهَادِنَ الظلم ، بل جاء يُقَوِّضُ أركان الشرك ، وهو أعظم الظلم ، فاستغرق بفعله التطهيري بِنْيَةَ الظلم الفكري والتشريعي والسياسي ..... إلخ ، فاستغرق ، لو تدبر الناظر ، بِنْيَةَ المجتمع كلها ، أفرادا ومؤسسات ، تصورات وأحكاما ، سياسات وأخلاقا .....إلخ ، فهو فِعْلُ تَغْيِيرٍ جذري يَنْقِلُ مركز السلطة من الأرض إلى السماء ، فمرجع التصور والحكم من خارج ، ويمارس من عمل التجديد الديني ما يُضَاهِي الفعل الثوري السياسي بل ويزيد ، فمرجعه ، كما تقدم ، من خارج ، فسلم من الهوى والحظ العاجل الذي لا تسلم منه نفس ثَائِرٍ ، فلا يحسم هذه الأثرة الذاتية إلا رسالة سماوية تجردت من الأهواء والحظوظ ، فلا تكون الثورة فعلا على الأرض إلا وصاحبها ، شاء أو أبى ، قد تشبع بقيمة التضحية ، وهي ، كما يقول بعض المفكرين ، قِيمَةٌ دِينِيَّةٌ إذ تخالف عن القيم الأرضية التي تجعل المصلحة هي الغاية ، فلا حيوان يُضَحِّي إذ لا يجاوز في مداركه المحسوساتِ ، خلافا للإنسان فَقِيَمُ التضحية والفداء وبذل المصلحة نظير المبدأ ، هذه القيم قِيَمٌ دينية بها امتاز الإنسان على سائر الأنواع الحيوانية ، فهو كائن ذو دين ومنطق ، فَثَمَّ منطق الباطن إذ يَتَصَوَّرُ الفكرة ، وثم منطق الظاهر إذ يحكيها لفظة تُفْهَمُ ، ولا يخرج منطقه الباطن والظاهر أن يكون دينا يَنْتَظِمُ أمرَه كلَّه فعنوانه الرئيس : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) .
فالثورة الفرنسية ، وهي محل شاهد في صراع الطبقات داخل المجتمع ، قد نجحت في القضاء على طبقة الإقطاع ، إقطاع كبار الملاك الزراعيين ، ولكنها لم تَقْضِ على الطبقة البرجوازية ، بل كان من هذه الطبقة من تآمر على الثورة ، فكان ثم خصومة أيديولوجية بين اليهود وبين الكاثوليكية التي استنفدت رصيدها في قلوب العامة وأعطت خصومها كل الذرائع الأخلاقية للثورة عليها وتقليم أظفارها فتحولت من مؤسسة سيادية إلى مؤسسة وظيفية تابعة ، وصارت جزءا من الدولة الجديدة ، وكان ثَمَّ خصومة اقتصادية بين طبقة الصناعة الناشئة وطبقة الزراعة الكلاسيكية ، فَرُءُوسُ الأموال اليهودية ، كما يرصد بعض الباحثين ، قد دَشَّنَتِ المصانع واجتذبت عمال المزارع بعد تخفيف قيود الإقطاع القديم ، فكانت حرية العمل والحركة من جملة الشعارات الصحيحة التي وَظَّفَتْهَا الطبقة البرجوازية الناشئة لاجتذاب العمالة من المزرعة إلى المصنع ، فانتقل مركز الاقتصاد من طبقة الإقطاع القديمة إلى طبقة الصناعة الجديدة التي أعادت إِنْتَاجَ الرق فانتقلت به من رق الأرض إلى رق المصنع ، فَأَغْرَتِ الْبُرُولِيتَارْيَا أن تَثُورُ ثم نجحت في توظيفها في مصانعها ! ، فكان من تفطن الشيوعية لهذه الطبقة الماكرة التي أعادت هندسة المجتمع ، فلم تقض عليها الثورة الفرنسية فكان من الهجمة الشيوعية الشرسة على الطبقة البرجوازية ما استدركت به الثورة البلشفية على الثورة الفرنسية ! ، وإن آلت بها الحال أن تَتَرَكَّزَ السلطة فِيهَا فِي يَدِ نخبة حاكمة ، كما الحال في الأنظمة الرأسمالية التي تَتَرَكَّزُ السلطة فيها فِي يد نخبة المال ، فكلا الطرحين باعثه من الأرض ، ولا يسلم أهلها ، كما تقدم ، من حظ النفس التي جُبِلَتْ على الشح والأثرة وحب السلطة ، سواء أكانت سلطة شيوعية ذات مَرْكَزِيَّةٍ خشنة أم رأسمالية ذات مركزية ناعمة ، فجماعات الضعط السياسي في الدول الرأسمالية ، وهي نخب المال والأعمال ، تضاهي اللجنة المركزية في الأحزاب الشيوعية ، فجنس الاستبداد واحد وإن اختلفت أنواعه ، إذ الجميع يصدر عن مرجع أرضي محدَث لا يحسم مادة الاستبداد وإن ثار عليها فَسُرْعَانَ ما يعيد إنتاجها بعد تَرَاكُمِ السلطة وأدوات القوة في يد النخبة الجديدة ، وإن كانت ثورية ، فَشَيْئًا فَشَيْئًا تَنْدَمِجُ في السلطة ، فتصير من مؤسسات الدولة ! ، فتتحول ، كما يقول بعض المفكرين ، من الرومانسية الثورية إلى التكنوقراطية الْبِيرُوقْرَاطِيَّةِ التي تمثل إنتاج الحضارة المادية فَأَدَاؤُهَا الثقافي هَزِيلٌ ، وهو ما يظهر في عدم انحيازها الأخلاقي ، فهي بلا أخلاق إذ تحولت إلى أداة صماء لا تعقل فهي مجموع وظيفي يُنَفِّذُ .

والطبقة البرجوازية طبقة مركبة تَفْتَقِرُ في دراستها إلى التحليل الدقيق ، فمنها الثوري ومنها الثوري المضاد ! ، ومنها المخلِص الذي يُرِيدُ التغيير الذي يَعُمُّ نَفْعُهُ ، سواء أصاب الحق أم لم يصب ، ومنها المخادع الَّذِي ينتحل الثورة رياء فغايته أن يحل محل النظام القديم ! ، كما صنعت برجوازية الثورة الفرنسية فقد رامت نقل المجتمع من إقطاع الزراعة الكلاسيكي إلى إقطاع الصناعة الثوري .
وهي ، أي البرجوازية ، طبقة تَتَفَاوَتُ قُرْبًا أو بُعْدًا عن الطبقة العليا ، طبقة الإقطاع القديم أو ما ناب عنها في الدولة المدنية الحديثة من نخب المال والأعمال لا سيما إن زاوجت بين السياسة والاقتصاد فاستجمعت أسباب القوة ، وكذلك الشأن في تَفَاوُتِ البرجوازية قُرْبًا أو بُعْدًا عن طبقة البروليتاريا الكادحة ، فثم طبقة برجوازية عليا تكاد تلامس طبقة المال والأعمال ، بل ثَمَّ مِنْهَا من يَلْتَحِقُ بالنخبة سواء أكان وصوله طبيعيا أم طفيليا انتهازيا ، فحركة الإنسان داخل طبقات المجتمع حركة نشطة تَتَرَاوَحُ بَيْنَ المد والجزر ، فَتَحْكُمُهَا قواعد رسالية تارة ، وقواعد بِرَاجْمَاتِيَّةٌ أخرى ، فَثَمَّ من التضحية ما يهدي أصحاب القيم والمبادئ ، وَثَمَّ من المصلحة ما يهدي أصحاب المتاجر والمصانع وَلِكُلٍّ وجهة هو مُوَلِّيهَا ، وَلِكُلٍّ بَاعِثٌ من الفكرة ، فالحكم فَرْعٌ عَنِ التَّصَوُّرِ ، فَفِكْرَةُ الرسالة المنزلة باعث الأمة الخاتمة إذا سلكت جادة الخيرية ، وفكرة السياسة المحدثة إذ سلكت جادة المصلحة المادية باعث أَيِّ أمة تسلك جادة البراجماتية الانتهازية .

وَثَمَّ طبقة برجوازية دنيا ، فصغار الملاك هم السواد الأعظم في أي مجتمع مستقر ، ومنها طبقة بيروقراطية تَنْتَظِمُهَا أجهزة الدولة فموظفوها من صغار البرجوازية ، ومنها طبقة مستقلة تَمْتَلِكُ مشاريع صغيرة أو أخرى مُتَنَاهِيَة الصغر ، وهي ، في الجملة ، كتلة شديدة التأثير في إحداث التغيير إيجابا أو سلبا ، ومنها طبقة برجوازية مُثَقَّفَةٌ ، وهي عماد التغيير الإصلاحي أو الثوري ، فعندها من العمق الفكري والسياسي ما يجعلها قاطرة أي حراك ، وعندها من التواصل مع كافة الطبقات ما يجعل صوتها أعلى لا سيما إن كان المجتمع مستقرا مُتَوَازِنًا في تَرْكِيبَتِهِ الاقتصادية ، فكانت الطبقة البرجوازية المثقفة قطاعا عَرِيضًا من المجتمع ، فهي قاطرة البروليتاريا ، الطبقة الأقوى حراكا على الأرض فعندها من الحمية الثورية ما يجعلها تضحي ، والتضحية فعل المشاعر وهو ، كما تقدم ، خاصة الإنسان الكامل الذي لا تخلو تضحيته من معنى دين وغيب فالتضحية بالشاهد طلبا لغيب آت ولو في الدنيا ، هذه التضحية دِينٌ وإيمان بالغيب وهو ما يَمِيزُ الإنسان من الحيوان الذي لا يعقل إلا الشهادة ، فالثائر في الحاضر يريد مستقبلا أفضل لجيله والأجيال القادمة ، مؤمن بالغيب وإن في الدنيا ! ، والمستقبل غيب ، وإن وقع تأويله في الدنيا ، فلا بد من معنى غيب في أي تضحية إذ تخالف عن معيار الحضارة المادية التي لا تَعْتَبِرُ إلا الشاهد ، فالنظر في الغيب عبث فمن ذا يَعْقِلُ فَيُضَحِّي بالشاهد رجاء وعد بغيب ! ، فقيمة التضحية قيمة دينية ، وإن كان صاحبها ثائرا ملحدا ! ، فالتضحية بقية من فطرة التوحيد التي فطر عليها وإن أنكر وجحد فلا يزال الله ، جل وعلا ، يقيم عليه شاهدا من نفسه ، من قوله وعمله ، فهو يؤمن بالغيب فَيُضَحِّي ولو في سَبِيلِ غَيْبٍ يَقَعُ تأويله في الدنيا ، وهذه التضحية لا بد لها من رأس يفكر ، فالعاطفة بلا عقل تضحية بلا ثمن ، وقد تعظم فيها الجناية أن يخون العقلُ العاطفةَ ، فتخون النخبةُ القائدةُ الجمهورَ إذ تستثمر في تضحياته في سوق السياسة البراجماتية .
فكان من البرجوازية أطياف منها الإصلاحي ومنها الثوري ومنها الثوري المضاد ، فإن صغار البرجوازية من الموظفين البيروقراطيين لا سيما من علت درجته في الجهاز الوظيفي دون أن يبلغ حد الحظوة التي تلحقه بالنخبة فلا يحظى بامتيازاتها ولكنه استثمر من عمره وجهده في هذه الدولة وإن فاشلة مترهلة ، فلا يرى فيها إلا شرا نعلمه فهو خير مما لا نعلم وإن كان فيه خير أعظم ! ، على وزان : من نعرفه أحسن ممن لا نعرفه كما يقال في المثل الدارج في مصر ! ، فالناس أعداء ما جهلوا ، فكان من التقليد ما يحاكي تقليد الأولين ، فـ : (إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) ، فجنس التقليد واحد وإن اختلفت أنواعه ، فقد استثمر أولئك كما استثمر شيوخ اسكتلندا ، كما يضرب بعض الفضلاء بهم المثل ، فقد عُرِضَ عليهم أن يَسْتَقِلُّوا سلما وهم أصحاب تاريخ من النضال والتضحية في سبيل الاستقلال عن التاج البريطاني فما بذلوا فيه الدم أنهارا قد جاءهم سلما بلا حرب غنيمةً باردة ، فَرَفَضَ الشعب الاسكتلندي الْهَرِمُ ، رفض الاستقلال فأكثره من الشيوخ البيروقراطيين الذين استثمروا في التاج البريطاني فيعرفونه ويعرفهم فما يحملهم أن يخاطروا بواقع مستقر نظير مستقبل مبهم ، وإن كان مآله أفضل ، فما يدرك في اليد خير مما يقبع فوق الشجرة ، وذلك ، بداهة ، ما يُخَالِفُ عن طموح الشباب غير المؤطر في إطار البيروقراطية المحكم ، فَثَمَّ تأطير وتنميط ، إن صح الاصطلاح ، فحياة البرجوازي البيروقراطي كحياة العسكري الوظيفي ، فكلاهما خال من الإبداع والابتكار ، مُقَدِّسٌ للروتين ، رافض لأي تغيير ، ولو فكرة فضلا أن يكون خطوة على الأرض ، وكلاهما قد جرى تأطيره عبر أجهزة الدولة التي تخرج أجيالا من الكوادر الوظيفية بلا أي ميول ثورية ! ، فالثورة إبداع ، ولا يكره النظام المركزي البيروقراطي ، المدني أو العسكري ، لا يكره شيئا كَرَاهِيَتَهُ للتَّغْيِيرِ ، إصلاحيا كان أو ثوريا ، بل تجده سَاعٍ في وأده ، مضيق على أهله ، فهم يهددون وجود المنظومة التي يَنْتَمِي إليها ، فالثورة وإن لم تهدد أعيان البرجوازيين البيروقراطيين من صغار الموظفين وكبارهم ، إلا أنها تهدد الكيان الوظيفي الذي يستغرقهم ، فهم لَبِنَاتُهُ الأولية ، فالسعي في أي تغيير يضرهم لا سيما إن كانوا أصحاب مصالح خاصة ، ولو ضيقة صغيرة ، فالعنصر الوظيفي في الجهاز الإداري الفاسد عنصر فاعل في إيجاد مصادر الدخل المكمِّلَةِ ! ، استنادا إلى نظرية : اخدم نفسك بنفسك ، واستكمل نفقاتك من جيوب المواطنين بما تُحَصِّلُ من إكراميات وعطايا خارج الصندوق الرسمي فذلك الإبداع في ابْتِكَارِ أفكارٍ من خارج الصندوق لزيادة الدخل المحدود ! ، وهو ، لو تدبر ، قدح في الدولة التي يَنْتَمِي إليها ويدافع عنها فهو يدافع عن دولةٍ أَفْقَرَتْهُ وألجأته أن يسرق وَيَرْتَشِي ويختلس ...... إلخ ليستكمل نفقاته ، فذلك وجه التبرير الذي يبلغ في أحيان باطن التأويل ! ، إذ النفس راغبة إذا رغبتها ، وهو ما جعل بعض الموظفين البيروقراطيين من صغار البرجوازية ينتقل فجأة ! ، إلى برجوازية أعلى رتبة ، فَتَمَلَّكَ الأرضَ والعقارَ ، ولو في الخفاء ، فتحول الموظف من عنصر برجوازي بيروقراطي كاره للتغيير لأنه يحدث اضطرابا في حياته المؤطرة تأطيرا روتينيا يلخصه بعض المفكرين في عبارة : النوم ووسائل المواصلات والعمل الآلي ، فهو يستيقظ من النوم ليركب وسيلة المواصلات ويتوجه إلى العمل الذي يؤديه بآلية لا روح فيها ولا تجديد ولا ابتكار ، فروح الموظف البيروقراطي روح تقليد لا ابتكار ولا إبداع فيها فضلا أنها رافضة لذلك بما يكون من تحريض السلطة على أي فكرة جديدة وإن لم تهدد وجودها فهي تدعو إلى إصلاح جزئي وهو ما قد يفتح الباب ! إلى الإصلاح الكلي فضلا عن الفعل الثوري الحاد الذي يتنظم بنية المجتمع كله ، سلطة وشعبا ، فأي بنية تنظيمية صلبة تَرْفُضُ هذا التغيير سواء أكانت من السلطة أم من المعارضة ، فالمعارضة المترهلة التي شاخت رءوسها قد تَرَاكَمَ فِيهَا الإرث البيروقراطي فضلا عن الفساد ، فَتَصِيرُ نسخة من النظام ! ، وإن كانت على دكة الاحتياط ، فهي لا تَرُومُ تَغْيِيرَ قواعد اللعبة وإنما تَرَى النظام وهو اللاعب الأساسي ، تَرَاهُ ، كما يتندر بعض الفضلاء ! ، لاعبا سيئا لا يلتزم بخطة اللعب ، فالاحتياطي يروم المشاركة طبقا لنفس الخطة وتحت نفس القيادة الفنية ، فلا يروم التغيير الثوري الذي يُقْصِي الجهاز الفني بل واتحاد اللعبة ! ، وإنما غايته أن يشارك في المباراة ، فالمعارضة الكلاسيكية جزء من النظام ، سواء أكانت توافقه في الأيديولوجيا أم تخالفه ، وذلك فخ العمل الحزبي بمعيار التنظيم المركزي الصلب الذي يُبَالِغُ في تقديس العمل الْمُؤَطَّرِ دون روح تجديد ، وهو ما ظهرت آثاره في الحراك الإسلامي الذي اشتغل بالجانب التنظيمي على حساب الجانب التأصيلي ، وانخفض سقف السياسة فلا يَرُومُ الحراكَ التغيير إلا من داخل المنظومة السياسية المخاصمة له أيديولوجيا ، فيروم التغيير الإسلامي بآليات الحكم العلماني ! ، بل وَيَتَأَوَّلُ المداراة حتى يَبْلُغَ بها حد المداهنة ، فهو يُثْنِي على النظام حتى يُشْرَبَ في قلبه ولاءَه ، ولو نسبيا ، لا سيما في قطاع النخبة الَّتِي أَصَابَتْهَا الشيخوخة ، فتكاد تشكو من متلازمة استكهولم التي تُحِبُّ فِيهَا الضحية جلادها ! بل وتدافع عنه إن سَابَّه أحد أو شاتمه ! ، فَتَكَادُ تكون سلطوية أكثر من السلطة ! ، إن أحسنت الظن فلم تَتَّهِمْهَا بالتخابر مع النظام ولو من طريق غير مباشر ، فهي تسهم في تَبْرِيدِ أي مشاعر معادية فتحتفظ بحد معقول جدا من العلائق غير المباشرة أو المباشرة مع السلطة ، فقد صارت عَيْنًا لها في التنظيم ، فذلك اختراق استخباراتي ناعم ، لا يشترط فيه التواصل المباشر فتكون العمالة فجة ظاهرة ، فَثَمَّ اختراق أشد مكرا يسيطر فيه الخصم على خصمه من طريق غير مباشرة إذ يضع قواعد اللعب وَيُبَادِرُ بالفعل فلا يكون حراك الخصم إلا رد فعل يسهل التحكم فيه بل وتوظيفه في تحقيق أغراض السلطة ، فَثَمَّ فارق في القوة والكثرة ، فالسلطة أقوى وأكثر عددا ، والتنظيم تحت السيطرة لا سيما بَعْدَ تدجينه واختراقه .

والشاهد أن الموظف البرجوازي يَتَحَوَّلُ من بِيرُوقْرَاطِيٍّ صالح إلى آخر فاسد إذ السلطة لا تمنحه ما يكفيه المؤنة ، وربما تقصدت ذلك لإفساده حتى تسهل السيطرة عليه ، وكلما عظم فساده عظمت خصومته لأي حراك إصلاحي أو ثوري ، فلا يخشى الفاسد شيئا ما يخشى أي حراك يُعَرِّضُهُ للمساءَلَةِ ، فيكون دفاعه عن النظام لا أنه جزء منه فقط ، بل هو جزء فاسد في نظام فاسد ، فوجوده مُرْتَبِطٌ بوجود النظام ، فضلا أن أرباحه تَزِيدُ كلما ارْتَقَى درجة في سلم الفساد الوظيفي ، فلكلِّ درجة ما يلائمها من الرشوة أو الإكرامية ، وكلما ارتقى الموظف درجة توثقت علاقته بالنظام سواء أكان عنصرا مدنيا أم عسكريا ، وهو أمر يظهر في السلك العسكري ما لا يظهر في السلك المدني ، فَبِنْيَةُ السلطة العسكرية أقوى وأشد مركزية ، وارتباط العنصر الوظيفي بها ارتباط محكم فلا يملك من حرية الاستقالة ما يملكه العنصر الوظيفي المدني ، وكلما ارتقى العنصر العسكري في سلم الترقيات التي يحكمها الولاء للسلطة والرتبة الأعلى ، كلما ارتقى في هذا السلم كان ارتباطه بالسلطة المركزية أقوى مع ما يحظى به من امتيازات رسمية وأخرى غير رسمية سواء أكانت مجاملات عابرة أم نشاطا مؤطرا يدخل فيه العنصر الوظيفي دائرة النفوذ والتحكم في المنظومة فضلا عما يصاحب ذلك من استحداث أنشطة أخرى ! ، لا سيما الأنشطة الاقتصادية ، بيضاء كانت أو سوداء ، فتعظم المكاسب ويضاف إلى روح البيروقراطية الروتينية روح أخرى اقتصادية تجعل ارتباط العنصر بالمنظومة أقوى ، فضلا أن يتحول من برجوازي صغير إلى آخر كبير ! ، يملك أصولا عقارية وإنتاجية ، فيضرب بسهم وافر في الاستثمار الذي تحميه السلطة فهو جزء منها ، فيجمع إلى فساد السياسة والإدارة فسادَ المال والأعمال ، وقد يزيد في الطموح فينتقل من الطبقة البرجوازية العليا إلى طبقة النخبة الحاكمة ، وكلما ارتقى كان فكاكه من المنظومة أصعب لما فِيهَا من قيود تَنْظِيمِيَّةٍ تَفْرِضُهَا التَّرَاتُبِيَّةُ الصارمة ، فضلا عما تقدم من فساد المال والأعمال ، فهو حظ نفس ينافح عنه صاحبه تأول له أم لم يَتَأَوَّلْ ، وهو ، من وجه آخر ، ملف فساد جاهز تحتفظ به السلطة فقد تحتاجه يوما إن رامت التخلص منه أو رام الخروج عنها سواء أكان خروجه يقظة ضمير أم صراع أجنحة داخل المؤسسة وهو ما لا تخلو منه أي منظومة بيروقراطية فاسدة ، بل ذلك وَصْفٌ ينتظم الدول في شيخوختها فيكون من مركزية الفساد وتأطيره ، ويكون من صراع الأجنحة الذي يشتد كلما شارفت الدولة على النهاية ، فكلٌّ يروم حظه من التَّرِكَةِ قَبْلَ أن يغرق المركب ، وَبَعْضٌ يروم إنقاذه لا لإصلاحه وإنما لامتلاكه ! ، فَثَمَّ جناح خائن يروم الإغراق ، وثم آخر فاسد يروم الإنقاذ ! ، لا للإصلاح وإنما رجوعا إلى قاعدة اللعبة الأولى : قاعدة الاستقرار الذي يدير به النظامُ الدولةَ استعانة بالطبقات التي نجح في صناعتها ، ومنها ، كما تقدم ، الطبقة البرجوازية ، المدنية أو العسكرية ، طبقة الموظفين ، صغارا وكبارا ، فهم من أدوات السلطة إذا كانت في الحكم ، ومن أدواتها إذا ثارت الجماهير ، فهي أداة ثورية مضادة تملك من مفاتيح الإدارة والتنفيذ المباشر ما يُؤَثِّرُ في حياة الناس ، فهي صانعة الأزمات الحياتية التي تستثمرها الثورة المضادة في تَهْيِيجِ الرأي العام على حركة التغيير ، وإن إصلاحية هادئة ، فالسلطة المركزية تحيط نفسها بحواضن بيروقراطية تَتَّقِي بها شر الثورة التي يُنْشِبُهَا الشباب الغاضب ، سواء أكان غضبه اقتصاديا وهو ما يتبادر إلى الذهن في الدول الفقيرة المتخلفة اقتصاديا ، أم فكريا وهو ما يتبادر إلى الذهن في الدول الغنية المتخلفة ثقافيا ، فلئن أصابت من الحضارة نصيبا فلم تصب من الثقافة والفكر ما به تطمئن النفس بل ما زادتها الحضارة المادية إلا تعاسة ، فكان من الإعراض عن الذكر ما أفسد الحال والمآل جميعا ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، فالثورة الشبابية في 1968 في أمريكا وفرنسا ، كما يضرب بعض المفكرين المثل ، هذه الثورة لم تكن ثورة سياسية أو اقتصادية ، فالشباب في البلدين يحظون بامتيازات كبيرة في التعليم والعمل ..... إلخ ، ولكنها كانت ثورة أخلاقية تقاوم قيم الاستهلاك المادي في المجتمع الصناعي بل قد زاد بعض المنظرين الأمريكيين فأدخل فيها الريف كما المدينة وإن لم يكن للريف حظ من النشاط الصناعي يضاهي المدينة ، فهي إشكال أخلاقي بما كان من العهر التكنولوجي ، إن صح الاصطلاح ، فالتكنولوجيا لا تُمْدَحُ في نفسها ولا تُذَمُّ ، فهي وسيلة لا غاية ، وإنما أساءت الحضارة المادية استخدامها فاندثرت قيم الإنسان الروحية تحت وطأة الآلة ، وتأمل ما يُثَارُ اليوم عن إشكال رئيس في العوالم الافتراضية أو مواقع التواصل الاجتماعية ، فقد أخرجت الإنسان من الواقع الحقيقي إلى آخر افتراضي فضعف تواصل الإنسان المباشر مع أدوات الثقافة كالكتاب والمحاضرة والندوة ..... إلخ ، فصار المرء ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الفضلاء ، صار يستقل أي وسيلة مواصلات عامة فَيَرَى الناس وقد أمسك كُلٌّ بهاتفه ليتصفح مواقع التواصل فلا يمسك كِتَابًا كما كانت الحال قديما ، فالكتاب قد تحول من خير جليس إلى ضيف ثقيل فمادته العلمية صعبة الهضم وإن كانت نافعة مريئة ، خلافا لمادة التصفح الإلكتروني فهي خفيفة لذيذة وإن كانت ضارة وبيئة ، فقد حالت بين الإنسان ومصادر الثقافة الأصلية فضلا عن ضعف يعتري علائقه الاجتماعية ، فقدرته على التواصل مع غيره ، وإن خاصةَ أهله ، تَقِلُّ بما يقضي من ساعات طويلة يُبَدِّدُهَا في التواصل عن بُعْدٍ في عالم افتراضي يقطع صلاته مع الواقع فيدخله في نوبات من العزلة والاكتئاب فقيم الروح قد تضاءلت في مقابل قيم المادة التي تُمَثِّلُهَا التكنولوجيا الحديثة التي ثار عليها الشباب في أوروبا وأمريكا ، وهي ، من وجه آخر ، ثورة على الدولة العميقة أو المؤسسة الحاكمة وهي ، لو تدبر الناظر ، كيان مركب ، نواته الأصلب هي نواة الصف الثاني وما وراءه من كبار الموظفين في الدولة ولهم دور كبير في رسم السياسات العامة والتخطيط متوسط المدى وبعيده ، فهم الفاعل الأقوى في السياسة العامة ، تخطيطا ومشورة وصناعةَ قرارٍ هادئة بعيدا عن الأضواء الإعلامية الكاشفة ، فالنخبة الحاكمة وهي الرئيس ومن يُعَيِّنُهُمْ ليسوا إلا واجهة السياسة فيتخذون من القرار ما تُوصِي به هذه الدوائر البيروقراطية العميقة ، وكثيرٌ من موظفيها يَنْتَمُونَ إلى الطبقة البرجوازية فضلا عن صلات كثير منهم بجماعات الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي فلا تسلم مشورتهم من حظ نفس ! ، وظاهر الأمر أن الشعب هو الحاكم إذ اختار الرئيس ، وحقيقة الأمر أنه اختار الواجهة السياسية التي تُنَفِّذُ ما تمليه دوائر التأثير الفاعلة ، مع ما للإعلام من دور رئيس في تهيئة العقل الجمعي للجمهور أن يختار مندوب جماعات الضغظ في قصر الحكم ! ، فلا تخلو الصورة في الأنظمة الديمقراطية ونظائرها الديكتاتورية ، لا تخلو من وجه اشتراك ، فمن جاء بالحاكم سواء أجاء به بطريقة ديمقراطية ناعمة أم ديكتاتورية خشنة ، من جاء به في الحالين هو من يحكم من وراء الستار بواسطة الطبقة البرجوازية ، أو قطاع منها إن شئت الدقة ، قطاع الموظفين الذين يشكلون هيكل التنظيم والإدارة ، فهم النواة الصلبة ، كما تقدم ، والسيطرة عليهم سيطرة على الحكم ، لا جرم كانوا عامل ترجيح مُؤَثِّرٍ إن في الخير أو في الشر ، فالثورة المضادة تحظى بولاء معظمهم لا سيما إذا فشل الحراك الثوري أو الإصلاحي أن يَتَأَلَّفَهُمْ وذلك الحد الأدنى ، أو يستأصلهم وذلك الحد الأقصى ، أو يتوسط بَيْنَ هذا وذاك فَيُحَيِّدَهُمْ فلا يكونوا في صف الثورة المضادة ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، أمر يكذبه الواقع في مشاهد كثيرة ، فالثورة المضادة ثورة معيارية يَنْسِجُ على منوالها كل نظام عاد لِيَنْتَقِمَ ، وتأمل ثورة 1851 في فرنسا ، وهي الثورة المضادة التي أرجعت الملكية في شخص لويس نابليون بونابرت ، فكان من طبقاتها الفاعلة : صغار البرجوازية من الموظفين والقيادات الوسطى في الجيش ورجال الدين ..... إلخ ، فضلا عن كبار البرجوازية فإنهم إن استشعروا خطرا على مصالحهم الاقتصادية لا سيما مع ما تُحْدِثُهُ الثورة في دورها الأول من اضطرابات قد تَبْلُغُ حَدَّ الفوضى ، فذلك ما يجعل هذه الطبقة المالكة وإن لم تكن من النخبة الحاكمة بل ولعلها لم تسلم من اضطهادها بما تفرضه من ضرائب ومغارم ، ولكنها إِذْ رأت الفوضى والاضطراب ورأس المال ، كما يقال ، جبان ، فهي تختار الانحياز إلى الدولة القديمة فَتَتَحَالَفُ معها ضد برجوازية أخرى ، وهي البرجوازية المثقفة التي تقود البروليتاريا الكادحة باصطلاحات الشيوعية الدارجة ! ، فثم برجوازية مثقفة تقود البروليتاريا الكادحة فتلك مادة التغيير الثوري أو الإصلاحي ، وَثَمَّ ، في المقابل ، نخبة إقطاع زراعي قديم أو صناعي حديث قد تحالفت مع نخب السيادة ! الناعمة والصلبة ، فهي تَتَحَالَفُ مع قطاع من البرجوازية منه : البرجوازية الوظيفية ، حاضنتها في أروقة الدولة وأدواتها في مباشرة الإدارة والسلطة ، ومنه البرجوازية الخائفة ! ، إن صح الاصطلاح ، من أصحاب المشاريع المتوسطة والصغيرة فخوفهم من أي اضطراب وإن أفضى إلى إصلاح واستقرار على المدى المتوسط أو الطويل ، خوفهم يدفعهم أن يتحالفوا مع الدولة القديمة أملا في الرجوع إلى الحال الأولى وإن كانوا من جملة ضحاياها ، بل غالبا ما يَعَضُّ أولئك أصابع الندم فَتَحَالُفُهُم مع النظام القديم يجعلهم في قبضة الثورة المضادة التي عادت لِتَنْتَقِمَ وتمارس الاستبداد بصورة أشد قسوة فَتَقْطَعَ الطريق على أي ثورة أخرى ، ولذلك كان من فقه الإصلاح ألا يَسْتَفِزَّ هذه الطبقة فَيَتَأَلَّفَ قلبها بِتَقْلِيلِ خسائرها ما أمكن والشروع في الإصلاح أملا في تجاوز فترة الاضطراب سريعا ، فكلما زادت زاد نفور هذه الطبقة من الثورة وهو ما تدركه الثورة المضادة جيدا لا جرم كانت حريصة على إثارة الرأي العام باصطناع الأزمات ما أمكن لِتَطُولَ فترة الاضطراب فيكره المجتمع التغيير ويحن إلى العهد القديم وهي الخدعة ، كما تقدم ، فلن يرجع النظام القديم بالمجتمع إلى نقطة الصفر : نقطة انطلاق الثورة ، بل سيرجع به إلى ما تحت الصفر فَيَبْلُغَ به درجة التجمد السياسي والاجتماعي ، فرجوعه في العادة أشرس كما هي السُّنَّةُ في أي ثورة مضادة تحمل روح الانتقام من وجه وروح الاحتراز من آخر ، الاحتراز من أي كَرَّةٍ جديدة ، فهي صفحة وانطوت فَلَنْ يسمح النظام بفتحها مرة أخرى كما يَتَوَعَّدُ في كل مناسبة ! ، والسلطة تستعين ، أيضا ، بقطاع كبير من البروليتاريا ، مع أنهم أعظم ضحاياها ، فقد نجحت في الاستثمار في قطاع منهم ليس باليسير وهم ، كما يسميهم منظر شيوعي شهير ، هم حثالة البروليتاريا ، فقد جمعوا إلى الفقر ، وليس عيبا يذم به المرء وإن كان نقصا يسعى كل عاقل في زواله ، قد جمعوا إليه خسة النفس ودناءة الأصل وهو ما يجعل سيطرة السلطة عليهم أيسر ، مع أنهم دائما ! ، أول من تضحي بهم السلطة بعد انتهاء المهمة فهم عبء يُثْقِلُ كاهلها وقطاع لا تَشْرُفُ أن يقف بجوارها فتستعمله في المواسم وحال النوازل ثم تَتَخَلَّصُ منه سريعا كما المنديل بعد مسح العرق به ، وهي ، في مفارقة تُثِيرُ التأمل ، تقع دوما في نفس الغلطة ، فَتُسْتَدْعَى لتشارك في القمع المباشر على الأرض ، وَتُعْطَى فسحة من السرقة والسلب والنهب ، ثم تُقْمَعُ لا قمع الاستئصال وإنما يُجَمَّدُ عملها دون أن يُحَلَّ نظامها ، فإذا كان ثَمَّ نازلة أخرى استدعيت فَلَمْ تَرْفُضْ تَعَلُّمًا من الدرس السابق فلا تملك من أمرها شيئا لِمَا للسلطة عليها من نفوذ كبير ، فهي خارجة عن القانون ، وهو ما يجعل السيطرة عليها أيسر فإن لم يكن تَرْغِيبًا فَتَرْهِيبًا بمخالفاتها الجنائية ، فَتُسْتَدْعَى في كل نازلة ثم يكون مصيرها الضرب والإهانة كالعادة ! ، وَبَعْضُهَا يَتَطَوَّعُ ابتداء فَيَتَمَلَّقُ سلطةً تكاد تجرده من ثيابه فَعَلَامَ يَنْصُرُ جَلَّادَهُ إلا أنه شديد الضعة قد استمرأ الذلة والصغار فلا يمكن إصلاح من تلك حاله ، فَتَعْلِيمُ الجاهل ، كما يقول بعض المفكرين ، أيسر بكثير من تلقين الذليل مبادئ العزة والاستعلاء بقيم الوحي والأخلاق .

والناظر يجد نفسه أمام دولة ذات نواة صلبة من نخب السيادة والحكم ، وحولها نخب وظيفية منها البرجوازية ، برجوازية السلطة ، إن صح الاصطلاح ، وهي تَتَكَوَّنُ من صغار الموظفين وكبارهم فثم جهاز وظيفي بيروقراطي يمثل القانون ، فضلا عن حثالة البروليتاريا آنفة الذكر فهي جهاز وظيفي آخر ولكنه خارج عن القانون ! ، فالدولة التي تُنَفِّذُ القانون ، أو هكذا تَزْعُمُ ! ، تحتفظ بعلائق وثيقة مع المجموعات الخارجة عن القانون فتحسن تستعملها في معاركها الميدانية مع الثورة أو الإصلاح التي تقوده شريحة أخرى من البرجوازية وهي البرجوازية المثقفة التي تَتَقَدَّمُ البروليتاريا الكادحة من العمال والفلاحين ، فبرجوازية السلطة تَقْمَعُ برجوازية الثورة ، فإذا نجحت الثورة المضادة فلا بد من الضرب بِيَدٍ من حديد ولا بد من مذبحة ، كما يقرر بعض الفضلاء مستشهدا بمذبحة النخبة الباريسية بعد نجاح الثورة المضادة في 1851 فَقُتِلَ نحو ثلاثة آلاف من النخبة وَنُفِيَ نحو خمسة عشر أَلْفًا خارج باريس فكانت ضربة قوية للثورة وإن لم تَقْتُلْهَا أو تستأصل شأفتها فذلك ما يعسر على الثورة المضادة مهما أوتيت من قوة ، إذ الأفكار لا تموت بل القمع يَزِيدُهَا رسوخا في النفوس وإن ضعفت أن تخرجها من القوة النظرية إلى الفعل الميداني فاستجمعتها الصدور حتى يأتي الله ، جل وعلا ، بِمَنْ يَتَأَوَّلُهَا واقعا على الأرض ، فغاية ما تحقق الثورة المضادة أن تُرْهِبَ المجتمع مؤقتا إذ تَفْتَتِحُ حكمها بمذبحة متعمدة ، وتأمل ما وقع في أغسطس 2013 في مصر تجد الثورة المضادة سَنَنًا محكما يسلك جَادَّتَهُ كُلُّ نِظَامٍ عاد بعد غياب ! ، فلا يستقر أمره ، ولو مؤقتا ، إلا بمقتلة عظيمة تصيب المجتمع بالشلل طبقا لنظرية الصدمة ، وهو ما يبرر استسلام المجتمع بعد نجاح الثورة المضادة في صناعة المذبحة التي يَعْتَبِرُ بها من يعقل ! ، فهي مذبحة النخبة التي كانت تُثِيرُ الشارع عليه وهي محل اعتبار من البقية ، فذهاب النخبة قتلا وأسرا وطردا يجعل المجتمع يمر بحال من التيه تطول أو تقصر تَبَعًا لظروف كل مجتمع ومقدار ما قد أوقعت به الثورة المضادة من نكاية وما يحيط بها من الظرف الإقليمي والدولي الداعم أو المعارض ..... إلخ ، والسنة جارية أن أي مجتمع بعد نجاح الثورة المضادة واستئصال قطاع كبير من نخبته الفكرية والسياسة ، السنة جارية أنه يكون في أضعف أحواله فلا يطيق دفعا للسلطة التي تستغل الفرصة فَتَتَغَوَّلُ وَتَتَّخِذُ ما تُرِيدُ من قرارات على عجل قبل أن يستفيق المجتمع من الصدمة فَيُعَاوِدَ الكرة ، فَتَتَّخِذُ ما تريد من قرارات ، ولو صعبة ما كانت تجرؤ أن تَتَّخِذَهَا في الظروف المعتادة فقد أحسنت استثمار الظرف الثوري المضاد فهو ظرف ضعف شديد يَنْتَابُ المجتمع فتضرب السلطة والحديد ساخن فلم تخطئ خطأ بعض الهبات إذ ضربت ضربة مؤثرة ثُمَّ قعدت فَلَمْ تُبَادِرْ بالطرق على الحديد وهو ساخن فاستجمع الخصم قوته ثم عاود الكرة فَضَرَبَ هو هذه المرة على الحديد وهو ساخن فكانت ضرباته التي أصابت المجتمع بالصدمة وتلك سُنَّةٌ تَعُمُّ كُلَّ شعبٍ لا الشعب المصري الآن فهو متهم بالخنوع والاستسلام ... إلخ دون نظر فيما مَرَّ به من أحداث جسام أريق فيها الدم بِإِسْرَافٍ متعمد ، فلا بد أن يصاب أي مجتمع ، سواء أكان المصري أم غيره ، لا بد أن يصاب بالصدمة التي تشل أركانه وتصيبه بالسكتة وإن لم تَفِضْ روحه فهو يمر بحال ضعف شديدة قد تطول أو تقصر وفيها تُمَرِّرُ السلطة ما شاءت من القرارات وهي في مأمن ، ولو نسبيا ، من غضبة الجماهير المصدومة فقد كانت بالأمس قوية فاعلة على الأرض ولم يَتَغَيَّرْ شيء إلا المذبحة : عنوان أي ثورة مضادة ، فلم يكن الشعب المصري بدعا من الشعوب فقد وقع ذلك للشعب الباريسي في ثورة 1851 المضادة ، فَالسُّنَّةُ واحدة تَتَكَرَّرُ ، فقد ذبحت برجوازية الثورة على يد قطاعات برجوازية أخرى وهي برجوازية السلطة التي نجحت ثورتها المضادة ، والناظر يجد ، أيضا ، قطاعات أخرى من حثالة البروليتاريا التي تستعملها السلطة في اقتراف الجرائم ضد البرجوازية الثورية وضد نظيرتها من البروليتاريا الكادحة من صغار العمال والفلاحين فالحثالة تَتَجَسَّسُ عليها وَتَتَحَسَّسُ أخبارها لِتَنْقِلَهَا إلى السلطة فضلا أنها تشتبك معها في الميدان حال المواجهة ، ولو مواجهة غير متكافئة يكون كعب السلطة فيها أعلى وإن لم تكن الأشجع أو الأكثر عددا ، وإنما هي الأكثر عدة فقد امتلكت أدوات السلطة الناعمة والخشنة فضلا أنها تحظى بالدعم الإقليمي والدولي الكاره لأجواء الثورة فلا تحبها الأنظمة السياسية المستقرة سواء أكانت عادلة أم ظالمة ، وإن كانت العادلة ذات مروءة فإنها تَتَعَاطَفُ مع الثورة على الظلم دون أن ترغب بداهة أن تصير مثلها في حال صراع واضطراب فالدول كعناصر الجدول الدوري ، فهي تميل إلى مَلْإِ مداراتها الخارجية بالإلكترونات وفقا لقاعدة هوند الثمانية لتصل إلى حال الاستقرار .

ولا يُجْدِي تعاطف بقية طبقات المجتمع مع الطائفة البرجوازية المذبوحة ، فهي لا تطيق المعاونة بأكثر من التعاطف المحايد فلا ترغب في مواجهة السلطة لا سيما وهي ترى من صنائعها ما يَزْجُرُ ، فَتُؤْثِرُ السلامة فلا تجد منها النخبة المذبوحة إلا مَصْمَصَةِ الشفاهِ كما يقال في مصر ! ، وذلك أمر لا يستغرب كما تقدم من استسلام أي شعب بعد الثورة المضادة فيكون في أضعف حالاته فليس ذلك حكرا على الشعب المصري بعد أغسطس 2013 كما يقول من يقول ممن يمارس جلد الذات فيبالغ في النقد دون نظر في سنن الكون ، فسنن الرب ، جل وعلا ، في السياسة والحرب كما سننه في الخلق والرزق .

وهو ما يوجب التَّرَيُّثَ في الحكم فلئن كان للمرء طاقة بالعزيمة فليس كل أحد يطيقها لا سيما وفي الرخصة سعة وإن لم يكن ذلك ذريعة إلى التَّفْرِيطِ في الحق أو الرضى بالظلم وإنما الحق وسط بين طرفين ، غال مُفْرِط وجاف مُفَرِّط .

وقد يكون في المشهد نَوْعُ تَعَجُّلٍ وعاطفة ، وسنن الكون لا تجامل أحدا ، وإن كان المشهد مركبا فَفِيهِ من الحق ما لا يُجْحَدُ وفيه من الخطأ ما لا يُنْكَرُ ، ولكنه ، ولو على المستوى الْفَرْدِيِّ ، لا يخلو من باعث أخلاقي قد يشفع للأفراد أَنِ اعتذروا إلى رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، خلاف من تَرَأَّسَ هذا الأمر والله أعلم بما استكن في النفس ، فكان ثَمَّ الْمُخْلِصُ الذي يَرُومُ الخير وإن غَلَبَتْهُ العاطفة فخاض نِزَالًا غير متكافئ ، فلم يأخذ بسنن الكون والشرع وفيه من رخصة الانحياز ما يجوز لا سيما إن عظمت الأخطار وكانت التضحية عامة بِخِيرَةِ الناس الذين تَقَحَّمَ بهم من تَقَحَّمَ أمرا لا قِبَلَ لهم به ، وإن كانت الباعث الأخلاقي ، كما تقدم ، حاضرا بقوة ، لا سيما على مستوى الأفراد ، فعاطفة التضحية فيهم أشد حرارة ، وقد يُغْتَفَرُ من ذلك في حق الفرد ما لا يُغْتَفَرُ في حق القادة الذين يَتَحَمَّلُونَ من المسئولية العامة ما لا يَتَحَمَّلُهُ آحاد الناس فَوَجَبَ في حق القادة من التَّرَيُّثِ وإعمال العقل وعدم الانسياق وراء العاطفة ، ولو عاطفة الجماهير الصادقة ، فالعاطفة في حق الأفراد تغتفر ، ولكنها في حق القادة محل نظر ، لا سيما إن تداخلت المشاهد فاختلط فيها الحق بشوب من حظ النفس ، وكان من الاستثمار السياسي للحراك الجماهيري ما يوجب التوقف والله ، جل وعلا ، أعلم بالسرائر لا سيما إن اختلطت فيها البواعث فكان من باعث الخير شيء كثير وكان من حظ النفس قَدْرٌ ولو يَسِيرًا .

ولو تدبرت لوجدت الحثالة : ومنها حثالة البروليتاريا آنفة الذكر ، لوجدتها جنسا يَسْتَغْرِقُ أنواعا فثم حثالة بروليتاريا فقيرة معدمة كما في الدول الفقيرة وثم حثالة أخرى في دول غنية قد يصدق أنها تشتري السلم الاجتماعي بجمل من العطايا ولكنها تسوم الشعب في المقابل خطة الخسف ، ولو معنوية بإهدار حقه في أي مشاركة فاعلة ، سياسية أو إدارية ... إلخ ، فهي تسلبه حقه كما الأولى تسلب حق الحثالة من البروليتاريا حق الأكل والشرب ، فالجميع مهضوم ، على خلاف في نوع الهضم ودرجته ، وهو مع ذلك يصفق للسلطة التي تهضم حقه وينافح عنها أكثر مما تنافح عن نفسها ، و : (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) .
و :
مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيهِ ******* ما لجُرْحٍ بمَيّتٍ إيلامُ .

فجنس الحثالة لا يشترط فيه غنى أو فقر ، وإن كان في الفقر أظهر ، فثم فقراء قد استعلوا ، وثم ، في المقابل ، أغنياء قد انحطوا فهم حثالة كحثالة البروليتاريا في الدول الفقيرة بل هم أضل سبيلا إذ عندهم من كفاية الرزق ما يكفيهم المؤنة ويجعل نفوسهم تطمح إلى ما بعد الأكل والشرب والنكاح ... إلخ من حاجات الحس فأبوا إلا الانغماس فيها والرضى بها ، فـ : (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) ، وفيهم يصدق الإنكار في قول رب الأرض والسماء جل وعلا : (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) ، ولله ، جل وعلا ، في خلقه شئون إذ خلقهم على أنحاء وقدر بَيْنَهُمْ مَا قَدَّرَ من الصراع والتدافع ، فـ : (لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) .

والحثالة هم استثمار الدولة المدنية الحديثة ! ، دولة ما بعد الرجعية والتخلف التي فتحت آفاق الفكر رحبة ! فَأَنْتَجَتْ هذه الحثالة التي لما تَزَلْ أنظمة الاستبداد تَرْعَاهَا وَتَسْتَثْمِرُ فِيهَا فهي ذخيرتها الحية في أي مواجهة فكرية أو ميدانية مع قوى الإصلاح الرسالي ، كما أن هذه الدولة العلمانية ضد الدينية أو اللادينية في أحسن أحوالها ! ، كما أن هذه الدولة العلمانية في الأطراف هي بدورها استثمار طويل المدى استثمر فيه المركز ليلعب دور الحثالة الرسمية فهي ، أيضا ، عدو أي طريقة رسالية في التغيير سواء أكانت ثورية أم إصلاحية .

والعجب لا يَنْقَضِي مرارا من أولئك الذين يظنون أن التغيير ممكن عبر قنوات هذه الدولة فمثلهم كمثل من يغسل النجسَ بالبول رجاء أن يطهر فلا يزداد إلا خَبَثًا وَقَذَرًا .


والله أعلى وأعلم .