مما اشتهر من الآثار : النهي عن الربا في الخبر المروي عن علي ، رضي الله عنه ، وفيه : "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا" ، فذلك من الربا المحرم إذ حصلت فيه الزيادة ، ولو لم تكن نَقْدًا أَعْيَانُهُ تُدْرَكُ بالحس الظاهر ، فيصدق فيه أنه قرض ولكنه لا يحسن فيجوز أو يُنْدَبُ بل يقبح ويحرم ، وقبحه مما يدرك بالعقل فضلا عن النقل فهو العمدة في تشريع الأحكام ، فدليل العقل معه نافلة تَزِيدُهُ بَيَانًا وتقريرا فإن القياس الناصح يوجب العدل في التعاطي فما زاد بلا مقابل معتبر يخرج عن حد الحيلة ، فما زاد بلا مقابل معتبر فهو ظلم و، الظلم مما قد حَرُمَ ، بداهة ، فدلالة النقل والعقل عليه دلالة قطع جازم ، فلا تدخل هذه الصورة في حَدِّ القرض الحسن في قوله تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ، إذ فِيهَا من الزيادة ما يَقْبُحُ في النَّقْلِ والعقلِ فهي فضل خالٍ من العوض المعتبر فبأي حق استجاز آخِذُهَا أن يَأْكُلَهَا ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، مِنْ أَكْلِ المال بالباطل ، وهو ما قد نَهَى عنه الوحي في مواضع ، فـ : (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ، فكان من النهي ما أفاد التحريم فتلك دلالته في الوضع الأول في اللِّسَانِ ، فضلا عن دلالة العموم الذي استفيد من تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل "تأكلوا" ، ودلالة العموم الذي استفيد ، أيضا ، من ضمير الجمع المذكَّرِ بالنظر في معنى التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف ، وكذلك الشأن في "أَمْوَالَكُمْ" ، فهو مئنة من العموم الذي يستغرق أجناس المال كلها ، ولو نفعا لا جِرْمَ له في الخارج ، كما في الخبر المشهور : "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا" ، وقد رواه الحارث في مسنده بهذا اللفظ ، ورواه البيهقي في "السنن الصغير" بلفظ : "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا" ، فلا يخلو من دلالة عموم قياسي ، ولا يخلو من إجمال ، فإن لَفْظَ "كل" مبهم يَزُولُ إبهامه بالإضافة ، فيستفيد من المضاف إليه بَيَانًا يفيد المخاطِب مُرَادَ المتكلم ، فإن نُوِّنَ وقطع عن الإضافة ، فالمضاف إليه يُقَدَّرُ ، وذلك مما اصطلح أنه تَنْوِينُ العوضِ عن المضاف إليه ، كما قد قُدِّرَ فِي قوله تعالى : (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) ، فَثَمَّ عموم يَسْتَغْرِقُ ، ولو تدبر الناظر لوجد العموم هنا مجزئا في الدلالة بلا تقدير للمضاف إليه فهو عموم محفوظ لا يدخله التخصيص ، إذ مَوْقِفُ الحشرِ عام يستغرق المكلف وغيره فتحشر العجماوات للقصاص كما في خبر القود ، فـ : "لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ" ، وقد زِيدِ فِي عموم "كل" في قوله تعالى : (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) ، زِيدَ فيه التَّقْيِيدُ بالحال "داخرين" ، فلا يخرج عنه أحد إلا بدلالة تخصيص عقلي يخرج الله ، جل وعلا ، بداهة ، فهو الذي يأتي الخلق إليه ، فدلالة الضمير الغائب في "أَتَوْهُ" هو الله ، جل وعلا ، فحصلت القسمة الثنائية ابتداء بلا حاجة إلى تخصيص العموم بدلالة العقل ، فالقسمة لا تخرج في العقل عن آتٍ وهم جميع الخلق وَمَأْتِيٍّ إليه وهو الخالق ، جل وعلا ، كما يقال أيضا في شطري القسمة في الخلق في قوله تعالى : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، فذكر اسم الله ، جل وعلا ، صدر الكلام قد أخرجه من العموم آخره ، إذ القسمة ثنائية لا تحتمل شطرا ثالثا فليس في الوجود إلا الخالق الأول ، جل وعلا ، في حَدٍّ وما حَدَثَ مِنَ المخلوقات في آخر فلا تشاطره وصف الأولية المطلقة وإن ثَبَتَتْ لَهَا أولية فهي مقيدة كأولية آدم ، عليه السلام ، للنوع الإنساني فهو أول البشر خلقا لا أول موجود مطلقا ، فأول الموجودات مطلقا هو الله ، جل وعلا ، فلا شيء قبله ، كما في الثناء المشهور في دعاء المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ" .
وتلك أولية استغرقت الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، وإن حدث من آحاد الصفات الفعلية ما يُنَاطُ بالمشيئة النافذة ، فالصفات الفعلية مما يدخل في حد الأولية المطلقة بالنظر في أَنْوَاعِهَا فهي قديمة قِدَمَ الذات القدسية وإن شاء ، جل وعلا ، أن تظهر آثارها شيئا فشيئا على وجه يُنَاطُ بالقدرة والحكمة فيكون من الثناء ما يَتَجَدَّدُ بحدوثها ، إذ ظهور آثار الوصف في الكون مما يَزِيدُ في الثناء على الله ، جل وعلا ، فاستحق الثناء ابتداء بالنوع القديم ، ولم يَزَلِ الثناء عليه ، تبارك وتعالى ، يَتَجَدَّدُ بما من آحاد الفعل في الخارج يحدث ، إذ لا يَنْفَكُّ يَقْتَرِنُ بجملة مَعَانٍ جليلة كالقدرة والحكمة فلا فعل يكون إلا بهما .

وقد يقال إنه ، تبارك وتعالى ، لم يدخل ابتداء في حد العموم ليخرج بالتخصيص ولو تخصيصا عقليا يخرج اللفظ من حد الحقيقة إلى المجاز ، فهو ، من هذا الوجه ، يجري مجرى العام الذي يُرَادُ به خاص ، وهو جنس المخلوقين فلا يدخل فيه ، بداهة ، الخالق ، جل وعلا ، بل قد يخرج منه ، أيضا ، من خَلَقَ ، جل وعلا ، من الأعيان في الجنة ، من الحور والولدان ومن اسْتُثْنِيَ من الصَّعْقِ ، ويجاب عن ذلك أن حصول هذه الكائنات واستثناءها من مَعْنَى الفزع لا يخرجها عن حد الذل والصغار وإن لم يذموا ذَمَّ الكافر فليس صغارهم وذلهم أنهم كفروا أو عصوا وإنما الذل والصغار بالنظر في حالهم بَيْنَ يدي الجبار تبارك وتعالى .
والعام الذي يُرَادُ به خاص مِمَّا عده من جَوَّزَ المجاز في الوحي واللسان ، مما عَدَّهُ من المجاز ، فيقدر المحذوف على هذا التأويل ، يقدر بِمَا يواطئ هذا التخصيص فيكون من قَبِيلِ : وكل أحد من الخلق إلا من اسْتُثْنِيَ من الصعق ، كل أحد من أولئك قد أتاه داخرا ، ولا يخلو الإخبار بالجملة "أتوه" ، لا يخلو من الإطناب في المبنى فذلك ، أيضا ، مما يَزِيدُ في المعنى ، فالإخبار بالجملة آكد في تَقْرِيرِ الْمَعْنَى وَتَوْكِيدِهِ من الإخبارِ بالمفرد ، فهو آكد في الدِّلَالَةِ من القول في غير التَّنْزِيلِ : وكلٌ آتيه داخرا ، وذلك ما قَدْ وَرَدَ في موضع آخر من آي الذكر في قوله تعالى : (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) ، والخلاف يَهُونُ إذ اسم الفاعل يَنُوبُ عَنْ عَامِلِهِ المضارع ، فَيَعْمَلُ عمله وإن كان أَضْعَفَ فِي الدلالةِ والأثَرِ ، إِذِ الفرع ، بداهة ، أضعف من الأصل ، فَتَعَدَّى اسم الفاعل "آتيه" من عامل الإتيان "أتى" ، تَعَدَّى بنفسه إلى المفعول ، وهو الضمير في "آتيه" ، ولم يخل ، أَيْضًا ، من دلالة المضارع في المعنى إذ يُنْبِئُ عن استقبالٍ لِمَّا يَأْتِ بَعْدُ ، فضلا عن استحضار الصورة بالنظر في الدلالة الحالية للمضارع الذي نَابَ عنه اسم الفاعل ، وكان من التَّقْيِيدِ فِي هذا الموضع بالحال "فَرْدًا" ما يواطئ لفظ "كل" ، فهو مفرد في لفظه جمع في معناه ، وكان من الإخبار في الآية الأولى : (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) ، كان من الإخبار بالعامل الماضي ما قد زاد في الدلالة من وجهين ، فالإخبار بالجملة آكد في الدلالة من الإخبار بالمفرد ، فضلا أن الإخبار بالماضوية يجري مجرى استعارة أخرى إذ نَابَ الماضي عن المضارع ، فتقدير الكلام بالنظر في تأويل الخبر أن يقع فهو مستقبل لما يَأْتِ تأويله بَعْدُ ، تقدير الكلام على هذا الوجه : وكل سيأتونه داخرين ، فَحُدَّ حَدَّ الماضي إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده فكأنه قد وقع وانقضى فهو من المحقَّق المتيقَّن وإن لم يقع تأويله في الشهادة بَعْدُ فقد عُلِمَ أزلا في الغيب علم التقدير النافذ وسطر كسائر المقادير في لوح التقدير الجامع ، فيجري ، من هذا الوجه ، مجرى الماضي صدر النحل في قول الرب جل وعلا : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) .
ولا يخلو الإضمار في العامل في قوله تعالى : (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) ، وهو إضمار الواو : واو الجمع في "أَتَوْهُ" ، لا يخلو من دلالة التغليب ، فكلُّ أحدٍ آتيه ، ذَكَرًا أو أُنْثَى ، بل وكل مخلوق سيأتيه كما تَقَدَّمَ من استيفاء القود بَيْنَ العجماوات ، وثم قَيْدٌ الحال "دَاخِرِينَ" ، وهو مما واطأ معنى "كل" لا لفظها ، فالمعنى جمع فكان من حد الحال ما واطأ المعنى في هذا الموضع .
والشاهد أن من عموم "كل" ما يَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ يحصل تارة بالتَّنْوِينِ الذي يُتَصَيَّدُ المعوَضُّ عنه به من سياق الكلام ، ويحصل أخرى بالإضافة إما إلى الضمير كما في قوله تعالى : (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) ، أو إلى الاسم البارز كما في الأثر محل الشاهد ، فـ : "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا" ، فَعَمَّ اللفظ كل قَرْضٍ سواء أكان جليلا أم حقيرا ، وسواء أكان مالا أم عينا على تفصيل في اقتراض الأعيان فَتَجْرِي ، من وجه ، مجرى العرايا ، فالعارية لا تُضْمَنُ إلا إذا فَرَّطَ المقترِض أو اشترط صاحبها ، كما في الخبر المشهور من رواية صفوان ، رضي الله عنه ، مرفوعا وفيه : "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَارَ مِنْهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَدْرَاعًا فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ : بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ" ، فَكُلُّ قرضٍ جَرَّ نَفْعًا فهو ربا ، وإطلاق النفع الذي اشتق منه لفظ المنفعة في الخبر يَسْتَغْرِقُ ، أيضا ، كل نَفْعٍ سواء أكان عينا أم عرضا لا جرم له في الخارج كأن يقرضه مالا وَيَنْتَفِعَ بِرُكُوبِ دَابَّتِهِ فَرُكُوبُ الدابةِ لَيْسَ بِمَالٍ فِي الخارج ، وَإِنْ كَانَ مالا بالنظر في القيمة فهو مما يُتَقَوَّمُ بالأجر ، فكان من إطلاق النفع ما استغرق ، وكان من دلالة "كل" ما يواطئ دلالة الشرط ، فإن الإخبار يجري ، من وجه ، مَجْرَى الجوابِ فِي الشَّرْطِ ، فالخبر حكم يسند إلى المبتدأ وهو المسند إليه ، كما أن الجواب يَتَفَرَّعُ عن الشرط فهو كالحكم الذي يدور مع الشرط أو السبب وجودا وعدما ، فدلالة الاقتران بين الشطرين في كلا الوجهين : الابتداء والإخبار ، فَثَمَّ معنى قد تضمنه المبتدأ ، ولو اسما جامدا فلا يخلو من معنى تصح إناطة الخبر به فهو حكم لا بد له من مناط ، فلا بد من عين يقوم بها ولا بد من معنى فيها ولو دق فهو مناط التعليل ، وإن كان ذلك أدنى في الدلالة من الموصول فَوَجْهُ التَّعْلِيلِ فيه أظهر إذ يُنَاطُ الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة ، وأدنى في الدلالة من الشرط فدلالة التعليل فيه أظهر إذ يدور الجواب وهو الحكم يدور مع الشرط وهو العلة ، يدور معه وجودا وعدما ، فكل من دلالة العموم في "كل" ما قَارَبَ دلالة الشرط أو الموصول ، وذلك ما جوز ، من وجه ، دخول الفاء على الخبر "فَهُوَ رِبًا" فهي كالفاء الرابطة بَيْنَ الشرطِ والجوابِ ، ولا تخلو من دلالة الفور والتعقيب وذلك آكد في المسارعة بالحكم في موضع ذَمٍّ وهو مما يحض المخاطب على الإقلاع إن قارف أو الاحتراز إن لم يقارف ، فالدفع أولى من الرفع ، كما يقول أهل الشأن ، ولا تخلو الفاء ، أيضا ، من دلالة السببِيَّةِ ، فإن صورة القرض الذي يجلب النفع سبب في الحكم أَنَّهُ ربا محرم ، فدخلت الفاء على الخبر الذي حُدَّ حَدَّ الجملة "هو ربا" ، وذلك آكد في تقرير المعنى من القول في غير هذا الموضع : كل قرض جر منفعة ربا ، أو : كل قرض جر منفعة هو ربا ، فَكَانَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الْخَبَرِ أَوَّلًا أَنْ حُدَّ حَدَّ الجملة الاسمية "هو ربا" ، وَكَانَ من زيادة الفاء ما أَشْرَبَ السياق دلالة التعليل وذلك آكد في تقرير الحكم إذ يواطئ دلالة القياس أن يدور وصف الربا مع معنى القرض الذي قُيِّدَ بالنعت "جَرَّ مَنْفَعَةً" ، فذلك من الإطناب بالوصف جملة بعد النكرة فَيُفِيدُ التخصيص ، فالجمل بعد النكرات صفات ، ولا يخلو تَقْيِيدُهَا بالوصف أو الإضافة إلى نكرة مِثْلِهَا لا يخلو من تَخْصِيصٍ يَزِيدُ في بَيَانِهَا وإن لم يَبْلُغْ بِهَا حد التعريف التام ، فكان من الإخبار على حد التعليل ما لا يخلو من دلالة مفهوم ، فكل قرض لم يجر نفعا فليس بربا ، وهو ما يستلزم في الدلالة : إنشاء ينهى ولازما له يأمر بضده إما أمر الندب في حق المقرِض أو أمر الإباحة في حق المقترِض ، فلا تُقْرِضُوا ولا تَقْتَرِضُوا بما يجر المنفعة فَتَقَعُوا في الربا المحرم ، وَأَقْرِضُوا وَاقْتَرِضُوا القرض الحسن طلبا للأجر المضاعف في قوله تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ، ولا يكون ذلك إلا بالقرض الحسن ، وهو ما يكون بلا عوض يُؤْكَلُ فيه المال بالباطل سواء أكان عينا أم منفعة ، فكل أولئك مما يدخل في حد الأكل بالباطل في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ، فيدخل فيه ما كان إكراها كالحرابة والانتهاب ، ويدخل فيه ما كان خلسة كالسرقة ، ويدخل فيه ما كان اختيارا كالربا فَيَشْتَرِطُهُ صاحب المال وَيَرْضَى المقترِض ، فذلك من المحرم لذاته فلا يجوز إلا لضرورة تجاوز حد الحاجة ، فالضرورة في هذه الحال مما يَنْفِي معنى الرضى الباطن وإن كانت صورة العقد في الظاهر صورةَ الرضى فلا اعتبار به من هذا الوجه إذ يجري مجرى الإكراه ، فالإكراه المجلئ والضرورة المعتبرة ، كلاهما مما يسلب الإرادة المختارة فيدخل في عوارض الأهلية ، وإن جَرَيَا ، من وجه آخر ، مجرًى يُقَدَّرُ فيه الأمر بقدره فهو محظور لم تَجُزِ استباحته إلا لمعنى صحيح ملجئ استدعى الرخصة تَيْسِيرًا ، فَيَجْرِي مَجْرَى المشقة الظاهرة المعتبرة التي تجاوز حد العادة والطبع فهي مما يستجلب التيسير تَخْفِيفًا جاءت به الشريعة الْحَنِيفِيَّةُ السمحة ، فجاءت تَرْفَعُ الحرج المعتبر لا المتوهم ، فكان من تخفيفها في مواضعَ : العدولُ عن العزائم إلى الرخص المنصوص عليها ، وكان من تخفيفها ، أيضا ، استباحة المحرم لغيره إذا كان ثَمَّ حاجة ، كما قال من قال من المحقِّقِينَ في استباحة العرايا بخرصها تمرا فلا تخلو من ربا فضل وهو مما حرم لغيره إذ هو الذريعة إلى ربا النسيئة ، وهو الأصل والغاية في هذا الباب وإن لم يكن وحده صورةَ التحريم ، فالقصر في خبر أسامة بن زيد ، رضي الله عنهما ، مرفوعا : "لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ" ، قصر إضافي يُفِيدُ المبالغة والتَّوْكِيدَ ، فإنما الربا بالنظر في الغاية : ربا النسيئة وإن حَرُمَ مِنْهُ ما يجري مجرى الذريعة كما في ربا الفضل ، فتحريمه دون تحريم الأول ، فتحريم ربا النسيئة : تحريم غايات ومقاصد ، وتحريم ربا الفضل : تحريم ذرائع ووسائل ، فلا يستويان وإن حَرُمَا جميعا ، فالنهي عن الشيء يستلزم بداهة النهي عن ذرائعه ومبادئه ، كالنهي عن السكر فهو يستلزم النهي عن ذرائعه من شرب القليل فهو من المبادئ التي يُنْهَى عنها سدا لذريعةٍ تُوصِلُ الشارب إلى غاية التحريم ومناطه وهو زوال العقل الذي يخالف عن مقصد رئيس من مقاصد الوحي وهو حفظ العقل فَنُهِيَ عن القليل صيانةً له بسد الذريعة المفضِية إلى زواله ، وذلك أصل يطرد في كل حكم ، فإن الأمر بالشيء أمر بذرائعه المفضِية إلى تحصيله ، والندب إلى الشيء ندب إلى ذرائعه المفضية إليه ..... إلخ ، فكان من النهي عن الذريعة ما يستفاد من النهي عن الغاية وإن كانت الذريعة مباحة ، فقد يدخلها التحريم ، من وجه ، إن صارت ذريعة إلى محرم على وجه غالب فالنادر لا حكم له إلا إن كان ثم قرينة توجب اعتباره ، كما يقال في بيع العنب فاتخاذه خمرا نادرٌ لا حكم له في دار الإسلام ، إلا إن كان ثَمَّ يَقِينٌ أو ظن راجح أن من يشتريه يشتريه لأجل الخمر ، سواء أكان يشربه أم يعصره أم يَبِيعُهُ ، لا سيما في دار تخالف عن دار الإسلام قد اسْتُحِلَّتْ فيها الخمر ، أو في دار إسلام قد فَشَا فِيهَا العصيان والمخالفة عن الشرائع لا استباحة وإنما فجورا باقتراف الكبائر ، أو في دار مُرَكَّبَةٍ قد عُطِّلَ فِيهَا ما عُطِّلَ من الوحي وإن كان لأهلها من اسم الإسلام ما يغلب ، فالحال تختلف في كل دار على وجه يوجب في أحيان : اختلاف الحكم لا تذبذبا أو تَنَاقُضًا فليست الجهة واحدة ، بل كان من وصف الأزمان والدور ما يختلف اختلافا معتبرا في الحكم ، فلا عبرة بما تُوُهِّمَ من نادر لا حكم له أو مصلحة قد أهدرها الشرع فهي مُلْغَاةٌ لا تُعْتَبَرُ وإن تَكَلَّفَ لأجلها مَنْ تَكَلَّفَ تَرَخُّصًا في غير موضعه فيخالف عن الرخصة آنفة الذكر التي لا تستباح إلا لضرورة إن كان التحريم لذات المنهي عنه ، أو لحاجة إن كان التحريم لغيره ، كما تقدم من إباحة العرايا من الرطب بخرصها تمرا ، فالوسائل لها أحكام المقاصد ، وإن كان ثم وجه تخصيص من وجهين : فإن الحكم مما يَتَفَاوَتُ إباحة أو حظرا ، إيجابا أو تحريما ، فَثَمَّ تَفَاوُتٌ بين الذريعة والمقصد ، فالمقصد آكد في الحكم ، كما تقدم من شرب القليل من المسكر فهو ذريعة محرمة في نفسها من وجه ، ولغيرها من مَقصد أشد تحريما وهو شرب الكثير الذي يُذْهِبُ العقل ، فضلا أن الذريعة قد تخالف عن المقصد حال الحاجة والضرورة ، وكلاهما من عوارض الأهلية على تَفَاوُتٍ بَيْنَهُمَا في الدرجة ، فالمحرم لذاته مما يجري مجرى المقاصد كَرِبَا النسيئة لا يُبَاحُ إلا لضرورة ، والمحرم لغيره ، في المقابل ، كَرِبَا الفضل لا يباح إلا لحاجة ، كما الحال في العرايا رخصة كان الخلاف فيها ، من وجه آخر ، أتجري مجرى الاستثناء الذي لا يقاس عليه ، أم يقاس عليها بالنظر في صورة المعنى لا عين ما وقعت فيه العارية من الرطب فتجوز في غيره مما يجفف كالعنب والتين ، على قول من يجري العنب والتين مجرى التمر فعلة الربا عنده الكيل والطعم ، أو الكيل والادخار ، فالعنب والتين إذا جُفِّفَا جَرَيَا مجرى التمر الذي يدخر .
فكان من النهي عن الربا وإن كانت صورة الرضى حاصلة ، فلا يستباح بِرِضَى المتعاقدين ما قد حَرَّمَ الربُّ الشارع ، جل وعلا ، من العقود ، فذلك مما يخصص به عموم الأمر بالوفاء في قول رب الأرض والسماء جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، أو يقال إن في السياق حذفا على تقدير وصف يُخْرِجُ العقود المحرمة ، فيكون المحذوف من قبيل : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود الواجبة أو المباحة ابتداء فقد دخلها الإيجاب بالنظر في معنى العقد الملزِم فضلا عما يجب ابتداء لا سيما إن اتسعت دائرة المعنى فاستغرقت العقود الباطنة والظاهرة ، فجاوزت البيوع والتجارات إلى العقائد والتشريعات فآكدها وفاء : عقد التوحيد الأول فهو أصل كل عقد نافع إن في الأولى أو في الآخرة ، فبه تحصل السعادة والنجاة وبدونه لا يكون إلا ضنك الأولى وعمى الآخرة ، فـ : (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) .
أو تكون دلالة "أل" في "العقود" من العام الذي يراد به خاص وهو ما حَلَّ من العقود فَيَجْرِي ، كما تقدم ، مجرى المجاز عند من يُجِيزُهُ في الوحي واللِّسانِ .

فدخل الربا ، على التفصيل آنف الذكر ، دخل في عموم النهي في الآية : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ، سواء أكان الرضى حاصلا بالفعل أم حاصلا في ظاهر العقد فَثَمَّ معنى قام بالمقترِض قد سلب معنى الرضى والاختيار سواء أهدره الشرع كَتَرَفٍ لا يدخل في حد حاجة أو ضرورة أو حاجة لا تَبْلُغُ حَدَّ الضرورة الملجئة التي يُسْتَبَاحُ بها المحرم لذاته ، أم اعتبره الشرع كضرورة معتبرة تبيح المحظور لا مطلقا فهو كالميتة التي لا يأكل منها الجائع إلا إن بلغت به الحال حد المخمصة المهلِكة فلا يأكل منها إلا بقدر ما تَنْدَفِعُ به المخمصة ويغلب على الظن حصول البقاء حتى يجد الطيب المباح ، فكان من التقييد بالحال "بالباطل" ما استغرق سائر وجوه الأكل الحرام ، سواء أكان المال ابتداء من المحرم كنجس العين وإن لم يكن ذلك مالا متقوما في الشرع فهو هدر فالنهي عنه آكد ، أم كان مباحا قد دخله التحريم من خارج كمنفعة مباحة في الأصل قد دخلها التحريم إذ جَرَّهَا القرض كما في الخبر آنف الذكر ، فَصَدَقَ فيها حد الربا إذ هي فضل زائد بلا عوض يكافئه ، أم كان مباحا طاهر العين كأعيان النقد فأخذها لا يحرم ولكن التحريم دخلها إذ زِيدَتْ شرطا في عقد نسيئة فما زاد عن أصل القرض فهو محرم وإن كان ابتداء طاهر العين فالأصل فيه الإباحة .

والنهي عن الأكل في الآية قد ضُمِّنَ ، كما قرر أهل الشأن ، معنى أعم ، وهو الأخذ الذي يُنْتَفَعُ به في الأكل وغيره ، وإنما ذكر على حد التغليب ، من وجه ، فهو من آكد ما يُشْتَرَى بالمال ، وعلى حد التَّقْبِيح والتَّنْفِيرِ ، من آخر ، إذ الأكل مظنة الجشع واشتغال الهمة بإشباع الشهوات وأدناها شهوة البطن والفرج .

والله أعلى وأعلم .