الله ، جل وعلا ، لا يَرْضَى لعباده الكفر ، كما قد أبان في محكم وحيه ، فـ : (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) ، فالكفر مما يسخطه شرعا فَنَهَى عنه إذ به يحبط العمل وَيَبْطُلُ أصل الدين الجامع ، أصل كل نعمة في الدين وَبَرَكَةٍ في الدنيا ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، فكان من الشرط ما لا يخلو من الوعيد ، وفيه معنى الإلهاب والتهييج الباعث على التَّرْكِ ، في قوله تعالى : (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ) ، وكان من الجواب ما اقترن بالفاء إيجابا ولا تخلو زيادتها في المبنى من أخرى تضاهيها في المعنى ، فضلا عن تلازم بين الشرط والجواب تلازم العلة والمعلول ، وإن لم يكن له مفهوم يَنْعَكِسُ فلا يقال إن لم تكفروا فآمنتم فالله يحتاج ذلك ، بل هو غني آمن الناس أو كفروا فقياس الأولى هو الأظهر فإن كفرتم فهو الغني فلا تضرونه وإن آمنتم فهو الغني فلا تَنْفَعُونَهُ ، فلا يضره كفركم ولا ينفعه إيمانكم بل هو الغني أبدا ، فضلا عن دلالة التوكيد بالناسخ "إن" واسمية الجملة "الله غني عنكم" ، فضلا عن تكرار الإسناد بالنظر في الخبر "غني" فلا يخلو من اشتقاق ، والمشتق يَتَحَمَّلُ الضمير وإن كان تَحَمُّلُهُ دون تَحَمُّلِ الفعلِ فهو أقوى العوامل فضلا أن اسم "غني" وصف مشبه فتحمله للضمير أضعف ، وهو ، مع ذلك ، قد تَحَمَّلَ منه قدرا يَصِحُّ مُؤَكِّدًا إذ مرجعه المبتدأ ، اسم الله الأعظم ، جل وعلا ، فَكُرِّرَ الإسناد من هذا الوجه ، ولا يخلو إطلاق الاسم من دلالة استغراق للمعنى وذلك آكد في الثناء ، فهو الغني الغنى الكامل وهو الغني أزلا وأبدا ، فذلك معنى اسمه الأول والآخر إذ أوليته وآخريته مطلقة قد استغرقت الذات وأوصاف الكمال كلها ، جمالا وجلالا ، ذاتا وفعلا ، خبرا ومعنى ، ومنها وصف الغنى محل الشاهد ، فلا يضره الكفر ، وهو ما قد يَقَعُ بقدر التكوين ، والرب ، جل وعلا ، لا يرضاه للعبيد ، فـ : (لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) ، فكان من العموم ما استفيد من وجوه ، فالنفي قد تسلط على المصدر الكامن في الفعل "يَرْضَى" ، فأفاد العموم فلا يرضاه أبدا فلم يشرعه وإن شاء وقوعه في الكون ، فلا تعارض إذ انفكت الجهة ، فلا يرضى الكفر كله وذلك عموم آخر قد استغرق فتلك دلالة "أل" في "الكفر" ، فقد استغرق اللفظ أجناس الكفر جميعا ، جنس اللسان ، وهو جحود المنعِم وذلك أمر يُسْتَقْبَحُ في القياس فهو محل إجماع بَيْنَ الأسوياء ، وجنس الشرع فَلَهُ حقيقة في الاصطلاح إذ استعير معنى اللسان فهو مئنة من التغطية ، فَغُطِّيَ القلب بِرَانٍ من الذنب كما يغطى البذر بِتُرَابٍ من الأرض فَقِيلَ للزَّارِعِ كافر فذلك كفر اللغة ، وكذلك الجحود فَبِهِ يَسْتُرُ الجاحد حق المنعِم ، فاستعير ذلك لجحود آخر أخص ، وهو جحود حق المنعِم الأعظم ، تبارك وتعالى ، فهو الكفر في الاصطلاح ، وهو ما استغرق بدلالة "أل" ، فلا تخلو ، من وجه ، أن تكون بَيَانًا لجنس المدخول ، فضلا عن دلالة الاستغراق لآحاده فلا تخلو من دلالة العموم ، فاستغرقت أجناس الكفر كلها ، ما بطن وما ظهر ، ما كان في الباطن وما ظهر في قول اللسان وفعل الجارح ، فكما الإيمان قد استغرق المحال كلها بقسمته الثلاثية : الاعتقاد والقول والعمل ، فكذلك نقيضه في اللسان والاصطلاح ، فهو يستغرق المحال كلها فقسمته كما الإيمان القسمة الثلاثية : اعتقادا وقولا وعملا ، فمنه كفر الاعتقاد الباطن وهو وإن كان أصل الكفر ومنشأه كما هو أصل الإيمان ومنشأه ، فالجنان أصل كل اعتقاد بما يحصل فيه من صورة العلم فهي مبدأ العمل ، صحت أو بطلت ، فالعمل فرع عليها صحة وبطلانا ، إذ الحكم فرع عن التصور ، كما يقول أهل الشأن ، فكفر الاعتقاد وإن كان أصل الكفر إلا أنه ليس حَدَّ الجمعِ والمنعِ ، فَلَيْسَ كُلُّ الكفرِ اعتقادا فَيَقْتَصِرُ الحكم بالكفر على ما اسْتُبْطِنَ من الجحود ، وذلك أمر باطن لا يُعْلَمُ ، فضلا أن الجحود عند الغلاة من المرجئة قد اقتصر على معنى التصديق المجرَّد الذي يضاهي حد المعرفة فلا يكفر إلا الجاهل بوجوده ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فمن عَرَفَهُ مَعْرِفَةً مجردة لم تُشْفَعْ بقدر زائد من الرضى والقبول والإذعان والاستسلام والإقرار ..... إلخ من المعاني المرجِّحة التي بها يحصل التصديق وهو ، لو تدبر الناظر ، أخص في الدلالة من المعرفة المجردة فهو معرفة وزيادة إذ شفعت بعامل ترجيح يوجب الرضى والقبول فثم قدر زائد على مطلق العرفان ، فذلك ما قد يحصل لعتاة الكفرة ، فليس منهم من يجهل وجود الله ، جل وعلا ، بل ثم من الطواغيت والمرقة من يُشْهِدُ الله ، جل وعلا ، على ما في قَلْبِهِ ، فَهُوَ يُقِرُّ بوجوده بل وَيَزْعُمُ طاعته وتعظيمه ويحتج على المخالف بكلامه ! ، فَيُرَائِي بِذِكْرِهِ ذِكْرَ اللسان وإن قارف ما قارف من نواقض الإيمان ، فكما الإيمان قد استغرق اعتقادا وقولا وعملا ، فناقضه من الكفر قد استغرق ما بطن من المحال وما ظهر ، فمنه كفر الجحود ، ومنه كفر القول ، ومنه كفر العمل ، فلا يقتصر على كفر الباطن ، ولا يثبت اسم الإيمان بإقرار اللسان وصاحبه يقارف من نواقض العمل ما يقارف فالإيمان قد ضاقت دائرته فلم يعد يوجب فعلا أو تَرْكًا ، فانحلت عرى التشريع أمرا ونهيا ، وصار صاحبه يَتَبَجَّحُ بما يقارف من الكفر ويفعل ، ثُمَّ هو ، مع ذلك ، يصدق ويشهد ، فاستحق لقب الإيمان مع ما يقارف من ضده ونقيضه ! ، فلا يسلم الحد إلا أن يستغرق الاعتقاد والقول والعمل ، كما الإيمان ، وهو ، من وجه آخر ، جنس قد استغرق النوع الأكبر ونظيره الأصغر فكلاهما لا يرضاه الله ، جل وعلا ، لعباده ، فاستغرقت "أل" من هذا الوجه ، أيضا ، فهي تستغرق المحال كلها ، جنانا ولسانا وأركانا ، وتستغرق النوع الأكبر الناقض للأصل الجامع والنوع الأصغر الناقض للكمال الواجب ، وهي تستغرق آحادا من النوعين ، فنواقض الإيمان من خصال الكفر الأكبر كثيرة ، ونواقض كماله من خصال الكفر الأصغر كثيرة ، وذلك ، من وجه آخر ، من أعظم مهمات الدين ، والأصل فيه التوقيف فلا يَتَعَدَّى الناظر في إطلاق الأسماء والأحكام الشرعية لا سيما في باب كهذا الباب الذي قد عَمَّتْ به الْبَلْوَى ، قديما وحديثا ، فهو أول خلاف وقع في هذه الأمة ، ولا زالت آثاره إلى اليوم تظهر ، لا سيما مع تعطيل الوحي واتخاذ غيره مرجعا في التصور والحكم من مذاهب أرضية محدثة تخالف عن مرجع الرسالة المنزَلة بل وَتَنْقُضُهُ نَقْضًا فمحل النِّزَاعِ هو الأصل ، أصل السيادة والتشريع ، فلا يقتصر الإيمان على دعوى التعظيم المجرد فآيتها التصديق والامتثال ، ومنه ما هو واجب لحصول اسم الإيمان ولو مطلقا أَوَّلَ يَعْصِمُ الدم والمال في الأولى ، وبه تحصل النجاة في الآخرة ، ولو فات صاحبه من شعب الإيمان الواجب ما يدخله تحت طائلة الوعيد ، وإن كان ، من وجه آخر ، تحت المشيئة ، فقد يحصل له من النجاة بادي الرأي ما به يعظم الفضل وإن عُذِّبَ فذلك العدل عذابا لا يضاهي ، بداهة ، عذاب الكافر المخلَّد ، فَعَذَابُ العاصي مما أُقِّتَ فَلَا يَدُومُ إلا إذا كانت المعصية في نفسها ناقضة لأصل الدين أو يكون فعله لها فعل المستهزئ أو المستحل ، فكلاهما ينقض أصل الدين وإن لم يفعل ! ، فمن الامتثال للأمر والنهي ما هو واجب ، كما تقدم ، لحصول أصل الإيمان الواجب فَفَوَاتُهُ أو حصول ضده يَنْقُضُ الأصل ويخرج بصاحبه من دائرة الإيمان إلى الكفر ، ومن الامتثال ، في المقابل ، ما هو واجب لحصول كمال الإيمان الواجب فَفَوَاتُهُ أو حصول ضده يخرج صاحبه من دائرة الإيمان المطلق وهو الواجب إلى مطلق إيمان أول فصاحبه متوعد بما تَرَكَ من الواجبات أو قارف من المنهيات ما لم يكن ذلك ، كما تقدم ، على حد الاستهزاء أو الاستباحة .
فانفكت الجهة ، فالرب ، جل وعلا ، لا يرضى لعباده الكفر ، وبعده كان شرط آخر يحمل في المقابل : دلالة الإلهاب والتهييج حضا على الشكر ، فـ : (إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) ، فهو يقابل الكفر بالنظر في معنى اللسان ، فالجحود يقابله الشكر ، والطباق ، من هذا الوجه ، طباق الإيجاب بين الكفر والشكر هو من الطباق الناقص ، إذ الطباق التام يكون بين الإيمان والكفر ، أو الجحود والشكر ، فكان من المقابلة بين الشطرين : (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) ، و : (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) ، ما استغرق القسمة ، وكان من طباق الإيجاب وإن غير تام بين الكفر والشكر ، وطباق السلب بَيْنَ نَفْيِ الرِّضَى في الشطر الأول : (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) ، وإثباته في الثاني : (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) ، كان من ذلك ما به تقرير المعنى إذ بضدها تَتَمَايَزُ الأشياء ، والشكر ، لو تدبر الناظر يضاهي الإيمان الذي ناب عنه في قسمة الطباق غير التام في هذا الموضع فيكون اعتقادا وقولا وعملا يستغرق جميع محال التكليف ما ظهر منها وما بطن ، ولا يخلو الشطر الثاني من مسارعة إذ دخلت اللام على ضمير المخاطب في "لكم" فاستحضر في مقام الرضى ، واستبعد في مقام السخط فكان الكلام على العباد على حد الغياب : (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) ، فلم يقل : ولا يَرْضَى لكم الكفر ، خلاف الشكر فهو يرضه لكم ، فخاطبهم في الخير ولم يخاطبهم في الشر إذ جاء بالاسم العام المستغرق الذي يدخلون فيه تَبَعًا لا كدخولهم في ضمير الخطاب أصلا .
وقد يقال إن دخولهم في الأول "لعباده" ، دخول الخاص في العام ، فهم من جملة العباد ، وكذلك دخول العباد في ضمير المخاطبين "لكم" ، فضلا عن عمومات الضمائر في "تكفروا" و "تشكروا" ولا تخلو ، أيضا ، من دلالة عموم تستغرق إما بالتغليب فيدخل فيها النساء لقرينة العموم في التكليف ، وإنما بمعنى أعم يدخل فيه المخاطب المواجه ومن دونه ممن غاب سواء أكان من أهل الزمان ، زمان التنزل ، أم كان معدوما لَمَّا يُخْلَقْ ، فدخول العباد وهو الأعم في دلالات الضمائر الأخص في "عنكم" و "لكم" و "تكفروا" و "تشكروا" ، دخولهم في هذه الضمائر يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام وهو كل مكلف فالضمير بالنظر في دلالة الوضع الأول وبالنظر في قرينة الخطاب الأول خطاب المواجهة ، الضمير بالنظر في هذه الجهات الدلالية خاص ، فَيُرَادُ به عام وهو جميع العباد ، فاستغرق الخطاب في شطريه ، الكفر والشكر ، استغرق جميع المكلفين .

وفي كلا الشطرين ، وهما من الأخبار ، دلالة إنشاء تلازم أخبار الوعد والوعيد التي بها مقادير الأعمال والحكم عليها بالحسن أو القبح ، فلازم الشطر الأول أَنْ : لا تكفروا فذلك النهي ، ولازمه ما دل عليه الشطر الثاني : أن اشكروا ، فذلك الأمر إذ النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده .

والله أعلى وأعلم .