من أبرز القرارات التي اتخذت أخيرا في المشهد الميداني في بلاد الشام : قرار انسحاب أمريكا من مناطق نفوذ الأكراد الذين حظوا بدعم الخليج بإيعاز أمريكي فهم ورقة تحفظ التوازن في منطقة شديدة التعقيد ، فهم ورقة تضغط على تركيا ، وهم ورقة تقلق إيران نظرا لامتداد الأكراد الديموجرافي داخل إيران ، لا سيما في الشمال الغربي المحاذي لمناطق الأكراد في العراق وتركيا ، وهم جند يحارب التنظيمات الإسلامية في شرق سوريا وعلاقتهم بِرُوسْيَا والنظام من ورائه تخضع لعوامل كثيرة وإن كانت في الجملة مستقرة ، بل قد يكون الكفيل الجديد للأكراد بعد رفع الدعم الأمريكي ومن وراءه الفرنسي ومن ورائهما الخليجي ، قد يكون هذا الكفيل هو روسيا والنظام الذي تتحرك قواته لملإ جزء من الفراغ الأمريكي دون أن تخاطر بمواجهة القوات التركية على الجانب الآخر بِنَاءً على اتفاقيات تقاسم نفوذ بَيْنَ تركيا وروسيا وإيران فالنظام لا دور له تقريبا إلا الدور الوظيفي التابع لروسيا ثم إيران ، وإن نجح ، من وجه آخر ، في إقناع المحيط الإقليمي والنظام الدولي أنه خيار لا بأس به ولو في دمشق وأجوارها ، وربما كان انسحاب أمريكا جُزْءًا من تَوَافُقَاتٍ بَيْنَ واشنطن وأنقرة فَثَمَّ توافقات تجارية وأخرى تَتَعَلَّقُ بالمعارِض التركي البارز عبد الله جولن المقيم بولاية بِنْسِلْفَانْيَا الأمريكية ، وإن كان الكلام في أمره الآن غير بارز ، وربما كان انسحاب أمريكا ورفع الغطاء عن الأكراد وهم خطر استراتيجي على تُرْكِيَا ، ربما كان ذلك تَوَافُقًا آخر من جملة التَّوَافُقَاتِ بَيْنَ الطرفين ، وهو توافق مركب تُغَذِّيهِ روافد مباشرة كاستراتيجية الرئيس ترامب في الانسحاب والانكفاء على الذات ، وأخرى غير مباشرة كجريمة القنصلية التي تحاول تُرْكِيَا تَدْوِيلَهَا أو تحقيق أكبر قدر من التعويضات السياسية والميدانية ، ومن أبرزها الإيعاز إلى الخليج أن يرفع الدعم عن الأكراد ، فهم أداته الوظيفية للضغط على تركيا ، ومن ورائهم كيان يهود الذي لا يَرَى الآن قوة إقليمية تشكل مصدر قلق إلا تركيا وإيران ، وإيران ، كما يطلق عليها بعض الخبراء ! ، عدو مضمون بخلاف كيان يهود فهو عدو مظنون ، والقطعي يقضي في الظني كما قرر أهل الدرس الأصولي ! ، فَثَمَّ حشد للرأي العام الإسلامي السني ، لا سيما في الدوائر الإقليمية ، ثم حشد له في مواجهة مشروع إيران ، وهو مشروع مركب من تعصب عرقي فارسي وآخر مذهبي إمامي اثني عشري ، وقد أعطى الذريعة الأخلاقية والسياسية لِمَنْ يُجَيِّشُ الرأي العام ضده ، وإن كانت الغاية تصفية القوى الإقليمية في المنطقة واحدة بعد أخرى ، فلا بد من قوى وظيفية تُبَاشِرُ هذه العملية الواسعة طويلة المدى شديدة التَّعْقِيدِ ، وقد أُخْرِجَتْ مصر من مساحة التأثير الفاعل بما لها من ثقل في الإقليم فتحولت إلى أداة وظيفية من الدرجة الثانية ، وإنما المرء حيث يضع نفسه ، و : (مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) ، وانظر في مآل الوضع الآن في بلاد الشام ، فالناظر ، بادي الرأي ، يقول إن النظام قد بَرَعَ فِي إدارة الأزمة ، وأنه نجح في تدويل القضية بَعْدَ أن فشل في حسمها محليا ، ولكن نظرة أدق تُرِينَا حقيقة هذا النظام ، فمشهد الرئيس الروسي بوتين ومعه رأس النظام في دمشق وهما يَتَفَقَّدَانِ القوة الروسية في منطقة الساحل وهي منطقة نفوذ النظام انطلاقا من قاعدته الطائفية ، فإذا بجندي أو ضابط روسي يوعز إلى رأس النظام السوري في صورة مشهورة تداولتها وسائل الإعلام ، يوعز إليه : أَنْ تَوَقَّفْ فمكانك هنا ليتقدم الرئيس بوتين فيخطب في جنده منفردا على أرض يفترض أن لَهَا سيادة وطنية ! ، ومشهد شحن رأس النظام قي طائرات عسكرية إلى موسكو مرة وإلا قاعد حميميم أخرى ليقابل وزير الدفاع الروسي مُبْدِيًا دهشته فلم يكن يعلم من هو الضيف الذي شُحِنَ لاستقباله ، هذه المشاهد تُرِي الناظر درجة النظام الوظيفية ، وإنما المرء حيث يضع نفسه ، كما تقدم ، وانظر ، أيضا ، في مشهد رأس النظام المصري وهو يهرول ليقابل الرئيس بوتين وهو ينزل من طائرته فيتقدم كأي موظف يخشى التأخر عن رئيسه في العمل وإن كانت الصورة أفضل نوعا ما من صورة رأس النظام في دمشق وإن اجتمع الاثنان على وصف الوكيل الوظيفي التابع الذي لا يستطيع البقاء إلا بدعم من خارج : أمريكي مرة وروسي أخرى وخليجي ثالثة وإيراني رابعة مع تشدقه بعبارات السيادة الوطنية ! ، واضرب له المثل ، أيضا ، بالجنرال اللِّيبِيِّ حفتر الذي يحاول الآن التوغل في الجنوب اللِّيبِيِّ بإيعاز فرنسي في منطقة فزان ، وهي من مناطق النفوذ الفرنسي القديمة ، فيحاول الآن ، كما يقول بعض المحللين ، التوغل في تلك المنطقة ، لتقليص النفوذ الإيطالي والبريطاني في منطقة تُعْتَبَرُ ، كما تقدم ، من مناطق النفوذ الفرنسي التاريخي ، فضلا أن الجنرال يتبع النظام في مصر الذي يتبع الخليج الذي يتبع رأس الإقليم الآن : كيان يهود إذ يسارع الجميع في التطبيع ، وثم مظلة دولية صغرى هي المظلة الفرنسية في شرق ليبيا حيث تعمل مصر ومعها الخليج تحتها ، وثم مظلة دولية كبرى تبدأ من تل أبيب وكيل النظام الدولي المعتمد في الشرق وَتَنْتَهِي في واشنطن ، بالنظر في أمريكا كواجهة رئيسة للنظام الدولي فمن روائها يعمل هذا النظام ، فتأمل هذه السلسلة التي تشبه السلاسل الغذائية التي يلتهم القوي فيها الضعيف ، وتأمل قدر كُلِّ عضو من أعضائها ، فَهُوَ ، كما تقدم ، حيث وضع نفسه ، فالسافل أبدا سافل كما هي الحال في أنظمة مصر وسوريا وهي سفالة تَتَّسِمُ بالتبجح فلا تجيد ما كان يجيد الأسلاف من خطاب الممانعة وإلقاء كيان يهود في البحر ومكافحة الإمبريالية الدولية والصهيونية العالمية .... إلخ ، فالعمالة الآن تَتَّسِمُ بالصراحة مع قدر كبير من الدنية والضعة .

ولا شك أن ثَمَّ الآن نَقْلَةً نوعية ، وإن شئت الدقة فَقُلْ نَقْلَةً خلفية تُرْجِعُ الجيش في مصر إلى دور وظيفي فج مارسه مطلع القرن الماضي بعد الاحتلال البريطاني الذي حَلَّ الجيش المصري ، جيش عرابي ، لما خرج عن النص ، فإن نصه الأول لم يخالف كثيرا عن النص البريطاني كجيش وظيفي أنشأه محمد علي ، ولكنه ، من وجه آخر ، قد احتفظ بمسافة من القوى العظمى المعاصرة له ، فحاول إيجاد نوع من التوازن بَيْنَ دوره الوظيفي على وجه استجاز معه الدخول في خدمة فرنسا فَعَرَضَ خدماته عليها فِي غَزْوِ الجزائر كمجموع وظيفي وسيط ، فحاول إيجاد نوع من التوازن بين هذا الدور الوظيفي وبين الطموح الذاتي له في تكوين إمبراطورية أُسَرِيَةٍ له ولأولاده من بعده ، داخل الإمبراطورية العثمانية ، على وجه يجعله تابعا اسميا مع رغبته في التأثير في صناعة القرار في مركز الإمبراطورية في إسطنبول انطلاقا من مشروع تحديث اتخذ التغريب قاعدة إصلاح في ظل حال من الإفلاس والتراجع الذي خَيَّمَ على أجواء الشرق آنذاك بعد دروس أعلام الرسالة وذيوع التقليد والخمول ، فكان لمحمد علي دور وظيفي مع طموح شخصي ، وهو ما استوجب توجيه ضربة تضعف طموحه الشخصي لصالح الدور الوظيفي ، فهو رجل ذو طموح لا يرضى بالعمالة الفجة بل يريد نوعا من الاحترام والتوقير فَلَيْسَ تَابِعًا مَهِينًا وإن لم يَخْرُجْ آخِرَ أمره أن يكون تابعا ولو من طريق غير مباشر في إطار نظام دولي قد تشابكت علائقه وَدَقَّتْ مَكَائِدُهُ ، فَثَمَّ إطار عام محكم يضع الكيانات السياسية في جملة تدابير سياسية وعسكرية يحكمها الظرف التاريخي والجغرافي والظرف الاقتصادي والظرف السكاني ...... إلخ من محددات القوة الذاتية التي يُقَيِّمُهَا النظام الدولي لِيَضَعَ كل تابع في الموضع الذي يليق بإمكانياته فالوصف الوظيفي يعتمد على الثقل الاستراتيجي في المنطقة ، وهو ما أعطى مصر دور وظيفيا مبكرا فهي نواة صلبة يمكن للمركز أن يؤسس من خلالها نظاما إقليميا يحفظ مصالحه ، وهو ما كان من لدن إنشاء الدولة الحديثة وحتى يوم الناس هذا فَوَقَعَتْ في مصر في قَيْدِ التَّبَعِيَّةِ السياسية والعسكرية ، فَلَئِنْ كان جيش محمد علي هو جيش الباشا ذي الطموح الوافر ، وهو الجيش ذو العدد الكبير والنظام الحديث وإن عانى من إشكالات كبيرة في الإمداد والتدريب ، كما يرصد بعض الباحثين ، فكان تحجيم قوته لا سيما البحرية في نافارين وما تلاها من تحفيض العدد ، فكان ذلك أول تدخل مباشر في تكوين الجيش ، ولم يستطع خلفاؤه الخروج عن هذا الإطار فقد كانوا أضعف منه حتى صار للجيش مهام وظيفية خارج القطر المصري بل وخارج المحيط الجغرافي فما الذي يجعله يحارب في المكسيك مجاملة لإمبراطور فرنسا صديق الخديوي سعيد إلا أنه قد صار أداة وظيفية تُجَامِلُ تارة وَتُقَاوِلُ أخرى ، وكان ظهور عرابي خروجا عن النص وهو ما استوجب تدخل النظام الدولي بجناحه البريطاني هذه المرة في إطار منافسة محتدمة بين الجناح البريطاني والجناح الفرنسي ، فكانت إعادة الهيكلة الثانية التي رسخت دور الجيش الوظيفي لدولة محتلة فهو جيش صغير العدد لا يجاوز عشرة الآف في أقصى التقديرات ، ومهامه مهام شرطية أكثر منها عسكرية ، كما يَرَى النظام الدولي الآن في مصر فجيشها يتحول بالتدريج إلى سيرته الوظيفية الأولى كقوة محلية تُنَفِّذُ بعض المهام الأمنية وعلى رأسها بداهة مكافحة الإرهاب ! مع استحداث أنشطة أخرى مربحة تصرفه عن العمل العسكري الميداني ذي الطابع الاحترافي الذي يمتاز به الجيش النظامي في الحروب التقليدية ، وحصول انفصام بل وانقصام تام بين مستويات القيادة ، فثم مجموعات العمل الصغيرة التي يترأسها ضباط من ذوي الرتب الدنيا أو الوسطى ومن تفحص حالهم اليوم وَجَدَ ، كما يَرْصُدُ بَعْضُ الفضلاء ، أن روح أكتوبر التي نجحت في تقليص الفوارق الطبقية داخل الجيش قد نُسِخَتْ بروح أخرى بغيضة تَتَّسِمُ بالاستعلاء والعجرفة ، فَنُسِخَتْ روح أكتوبر التي خرجت عن النص الوظيفي فكان التواصل المباشر بين الجنود وكبار القادة فضلا عن الرتب الصغيرة ، وهو أمر عكس تقاربا كبيرا نَدَرَ أن يَقَعَ بَيْنَ الجيش والمجتمع بِوَصْفِهِ الحاضنة الشعبية والجبهة الداخلية ومصدر الإمداد البشري واللوجستي الرئيس ، فهو روح تُبَثُّ في القوة المسلحة إذ ليست القوة ، كما يقول بعض الفضلاء ، إلا طليعة المجتمع فهي تحكي طموحه ، بِغَضِّ النظر عن الترتيبات السياسية التي تجري خلف الكواليس فمحل الشاهد ما يكون على الأرض وأكثر من عليها ممن يُبَاشِرُ البذل التضحية فِعْلًا لا قولا ، أكثرهم لا يفقه في السياسة شيئا ولا يعلم من خبايا الأمور ما يعلمه كهنة السياسة فَتَرَاهُ في حركته على الأرض مخلصا الإخلاص الفطري أيا كان باعثه الفكري ، فلا بد لكل أمة من عقد في السلم والحرب ، ولا بد من منظومة قيم نضالية يستند إليها المقاتِل على الأرض فهي التي تُهَوِّنُ عليه التضحية وإلا فقياس العقل مجردا من القيم والمشاعر يجعل التضحية بالنفس عبثا فَلَيْسَ إلا إتلاف النفس وسفك الدم وذلك ، بادي الرأي ، مفسدة عظمى بل هي أعظم ما يصيب الإنسان فلا يفجع بأعظم من نفسه إذا تلفت وانقطعت لذاته وَفَنِيَتْ أركانه فما يحمله أن يضحي بالعاجلة ولذاتها لولا أن ثم معنى أكبر فهو باعث التضحية الأول الذي يرجح مصلحة حفظ النفس ، فَثَمَّ قيمة عظمى وثم وعد بمآل أفضل ، فلا بد من معنى غيب يحرك الجند على الأرض ، وليس ذلك إلا الدين فمن يقتصر نظره على العاجلة فلا يؤمن بدار أخرى سواء أصرح بذلك أم كانت حاله تغني عن مقاله فهو عاكف على الشهوات معاقر للذات فلا يرى التضحية إلا عبثا يَقْطَعُ لذاته فليس ثم دار أخرى يَنْعَمُ فِيهَا فما يحمله أن يضحي بما بين يديه من لذات الحس رجاء وعد هو من خرافة الغيب الذي يبشر المقتول بدار أخرى أفضل ، ويعظم من قيم الروح والمبدإ وتلك ، وإن أنكر خصومها ، بَوَاعِثُ قد تواطأت عليها النفوس ، فلم يجد الشيوعيون بعد تكرار هزائمهم إلا أن يَبُثُّوا روح الدين في الجند الملحِد الذي تَرَبَّى على قيم : لا إله والحياة مادة ! ، فتلك قيم يسارع أصحابها في الانهزام والاستئسار أمام أي عدو ، فالوقوع في الأسر خير من القتل ! ، إذ لو قتل وتلفت نفسه فقد خسر لذاته التي صارت منتهى سؤله ، فلا بد من وعد غيب ، ولو كاذبا ! ، فاضطر أولئك إلى الأفيون الذي حذروا منه الشعوب ! ، أفيون الدين ، فلم يجدوا إلا الرجوع إلى الفطرة الأولى ، ولو في الجملة ، فهي تُعَظِّمُ الدين وَتَرُدُّ إلى الإنسان اعتباره إذ لا إنسان بلا غيب وإلا فهو حيوان قد اقتصرت مداركه على الحس الظاهر فلا يجاوز بعقله ما يدرك بحسه ، وذلك وصف الحيوان الذي لا يعقل إلا ما يحفظ حياته الجسدية ويشبع غرائزه المادية ، وأشرف البواعث ، لو تدبر الناظر ، بواعث الدين ، وأصح الأديان ما يأرز إلى الوحي ، وأمة الشرق بما اختصت به من رسالة السماء هي الأجدر في صياغة العقد السياسي والعسكري ، فهي أمة تحسن السلم والحرب معا ، فَلَهَا من نظام التصور والحكم ما استغرق كل حال ، فإذا اقتربت من الوحي أكثر فكان هو المحرك الأبرز كَانَ من فتحها في الأديان بالحجة والبرهان وفتحها في البلدان بالسيف والسنان ، كان من ذلك ما رسخ واستقر ، فصار له من الأثر في النفوس ما يجاوز حد العادة كما قد فَشَا في هذه الأعصار إذ تحول الدين إلى طقوس وعوائد قد أُفْرِغَتْ من روح الإيمان وهي الروح الباعثة للتضحية والإيثار وسائر القيم الشريفة التي تصوغ العقود الاجتماعية والسياسية والعسكرية بعيدا عن المزايدات الوطنية التي ينكشف زيفها مع أول اختبار حقيقي بل لا يرى الناظر من أبواقها إلا الفرار طلبا لملاذ آمن مع أول زحف غاز ، فأكثر من يَتَشَدَّقُ بِهَذِهِ الشعارات هو أول من يَفِرُّ كالجرذان ، فلا يُبْرَمُ عَقْدٌ محكم بأناشيد وَتَرَانِيمَ ، ولا يستقر فتح إن حاد عن جادة الوحي فَغَلَبَ السياسي الفكري ، وذلك ، كما يستقرئ بعض الباحثين ، فرقان مبين بين فتوحات الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وفتوحات من جاء بعدهم ، وهو يضرب المثل بما كان من فتح الهند ، فإنها لم تصر يوما ذات أكثرية مسلمة ، وقد عده بعض النظار دليلا على سماحة الإسلام ! ، أن تَرَكَ الوثنيين على ضلالهم فلم يسع في إصلاح أحوالهم ودعوتهم إلى الحق فضلا أنهم ليسوا من أهل الكتاب أو المجوس ممن يجوز إقرارهم على دينهم لا إقرار الرضا بالكفر وإنما إقرار الوحي الذي خصهم بأحكام ذمة ، على تفصيل في ذلك ، فَتَوَسَّعَ مَنْ تَوَسَّعَ في تأويل قوله تعالى : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ، حتى صار ذلك ذريعة إلى التقاعس عن دعوة أهل البلاد المفتوحة أن يدخلوا في الدين الخاتم ، فكان الاشتغال بتحقيق الفتوحات على الأرض والاشتغال بأمر السياسة والحرب كان ذلك على حساب الغاية العظمى من الفتح وهي نشر الإسلام وإظهاره على الدين كله ، وذلك معنى يجاوز الظهور العسكري ، فهو الظهور بالحجج والبراهين ، ظهور الأفكار التي تَغْزُوا القلوب ففتوحاتها أرسخ من فتوحات السياسة والحرب ، وإن كانت فتوحات السياسة والحرب هي المبدأ فهي التي تمهد الأرض لدعوة الحق فَتُزِيلُ ما يعوق بلوغها الناس خالصة من الشبهات وهي التي تحوطها وتحفظها فلا حق بلا سيف يُنَافِحُ عنه فيدفع الخصوم حربا ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ، أو زجرا ، فـ : (أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) ، فكان من عظم الفتوحات الأولى أنها أحسنت الجمع بين الفتحين : فتح الجنان وفتح البلدان ، فاستعملت الجلال في مواضعه حال الحرب واستعملت الجمال في مواضعه حال الدعوة إلى الحق ، ولم تخطئ ما أخطأ غيرها فَثَمَّ من أفرط في الجلال ، كما يحكي التاريخ من فتح عقبة بن نافع ، رحمه الله ، فقد غلب فتحه للبلدان فتحه للجنان ، فاستعمل السيف في موضع الندى فلم يَتَأَلَّفِ القلوب بل كان من شدته ما زاد من حنق الخصوم ، فكان اندفاعه في الفتح دون العناية الكافية بالدعوة إلى الديانة الخاتمة وترسيخ مبادئها في قلوب من دخل فيها جديدا فهو حديث عهد بكفر ، فلا بد من التمهل في الفتح فلا تفتح أرض جديدة إلا بعد أن تستقر أقدام الفتح في سابقتها ، وذلك معنى يجاوز فهو يعم الاستقرار السياسي والعسكري ، والاستقرار الدعوي والاجتماعي ولعله الأبرز فهو رافد الاستقرار السياسي والعسكري فلا يخشى الفاتح انْتِقَاضَ من خلفه ، بل إذا أحسن يتألف قلوبهم وأحسن يدعوهم إلى الحق وأحسن يتواضع لهم في مواضع الدعوة وهي مواضع الجمال ، فهم ذخيرته في القتال ، فمنهم الجند الذي آمن فخالطت بشاشة الإيمان قلبه فلا يرتد سخطة للدين إذ لم يجد من حملته إلا القول الجميل والفعل الحميد ، فالجلال له حال فيه يحسن ، والجمال شفيعه فلا بد أن يعقبه بعد استقرار الأمر في السياسة والحرب ، فليس ذلك الغاية الوحيدة من الفتح ، وإن كان حكم الأرض بالوحي من أشرف الغايات إلا أن فتح القلوب لتدخل في الدين دخول الرضى والاطمئنان بما يكون من دعوة الجمال والرحمة ، إلا أن ذلك ، لو تدبر الناظر ، هو الضامن الرئيس لحكم الوحي فإذا آمنت به الشعوب فهي من يطلب حكمه وهي من يَذُبُّ عن حياضه ولو افتدته بالدم والمال ، فذلك أكمل الفتوح إذ أحسن ، كما تقدم ، يجمع الجلال والجمال معا ، فلا يكون إفراط في الجلال باستعمال السيف في مواضع الندى فذلك ما يضر بصاحبه كما أضر بعقبة بن نافع ، رحمه الله ، محل الشاهد آنف الذكر ، فكان من جلاله ما غلب في مواضع الجمال ، وهو ما أفضى إلى انْتِقَاضِ البلاد المفتوحة وكان مصرعه شهيدا أن كَمَنَ له من لم يحسن استئلافه ، فأضاع جملة من المكاسب الدعوية التي حققها أبو المهاجر دينار الذي ولي الأمر حينا فنجح في مد الفتح إلى المغرب الأوسط ، ونجح في استئلاف البربر وأحسن يدعوهم إلى الحق المنَزَّلَ فكانت ولايته من هذا الوجه خيرا من ولاية عقبة الذي غلبت شدتُه لينَه ، وهو ما فطن له الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز فسلك جادة الأولين في الفتح إذ كان من حسن سياسته في الشرق أن وَلَّى أمرَه عمرو بن مسلم الباهلي وهو أخو قتيبة بن مسلم فاتح بلاد ما وراء النهر ، فكان لذلك دَوْرٌ في اسْتِئْلَافِ أمراء الهند فدخل منهم جمع كثير في دين التوحيد ، وكان من حسن سياسته في الغرب أن وَلَّى أمرَه إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر ، حفيد أبي المهاجر رفيق عقبة في الفتح ، فسار في البربر سيرة جَدِّهِ أن عُنِيَ بدعوة البربر واستئلاف قلوبهم ، فكان ذلك ، لو تدبر الناظر ، تعويضا لما فات مَنْ سبقه من الخلفاء إذ غلب عليهم بعد انقضاء الخلافة الراشدة ، غلب عليهم العمل السياسي والميداني وهو فتح يُؤْثَرُ وغزو في سبيل الله يُحْمَدُ ، ولكنه لا يُؤْتِي أكله ، كما تقدم ، إلا أن يشفع بالجمال في مواضع الدعوة والاستئلاف ، وقد وقع ذلك في الأعصار المتأخرة من حكم المسلمين لبقاع من الأرض لم يحسنوا دعوة أهلها إلى الحق ، فاشتغلوا بالسياسة والحرب اشتغالا يجاوز الحد فكان ذلك خصما من رصيد الدعوة والهند ، كما تقدم ، أبرز مثال على ذلك ، وفي مقابله كانت فتوحات أخرى فيها من الخير ما يحمد ، ولكنها لم تكن على المنهاج الأكمل ، والمثل فيها يضرب ، كما يقول بعض الباحثين ، بما كان من فتح بلدان في جنوب شرق آسيا دخلها الإسلام عن طريق التجارة وما آنسه الناس من التجار المسلمين من صدق وأمانة فكانوا سفراء الجمال الذين أحسنوا السفارة ، ولكن الجمال وحده كالجلال وحده ، فلا بد من اجتماعها فانفراد أحدهما بالأمر لا يُؤْتِي الْأُكُلَ المرجُوَّ الذي يجمع الدعوة إلى الحق والحكم به في السياسة والحرب ، فلم يكن من نظام الحكم في تلك البلاد ما يدعم الفعل الدعوي فلا تصلخ الغاية أن يكون الناس على الإسلام رعية بلا راع يسوسهم بالوحي فذلك نقصان عظيم كما هي الحال في الأعصار المتأخرة لَمَّا عُطِّلَ حُكْمُ الوحيِ وزال سلطانه في السياسة والحرب فصارت الرعية مستضعفة في دينها وإن في بلادها فلم يَعُدْ ثَمَّ نِظَامُ حكمٍ ولا مظلة سياسة وحرب بل صار الأمر إلى مجموعات وظيفية صنعها المحتل على عينه في معاهد الفكر والحرب فهي تحكم بالوكالة وليس لها من غاية إلا أن تقمع أي صحوة أو حراك يهدد مصالح المركز في الأطراف لا سيما إن كان باعثه الوحي ، روح الحضارة والسياسة والحرب في بلاد الشرق ، والكمال ، كما تقدم ، أن يجمع الفاتح بين جمال الوحي وجلال السيف ، فيكون من اللين ما يُرَغِّبُ ومن الشدة ما يُرَهِّبُ ، فالشدة التي يظن بعض رجال الحرب أنها العامل الأوحد ، وإن كان لها دور في مشاهد الجلال ، إلا أن طردها في كل حال يفسد العلائق بين صاحب السلطة والرعية ، وهو أمر مشهود في أي كيان اجتماعي أو سياسي أو عسكري ، واضرب له المثل بما تقدم من روح أكتوبر التي اقتبست من قيم الوحي شعبة ، ولو في الجملة ، فكانت لحظة نادرة على مستوى الأفراد والضباط باستثناء دوائر في القيادة لم تكن تَرَى في ذلك المشهد إلا مرحلة تكتيكية سرعان ما تَزُولُ بعد انقضاء أغراضها وانتقال الحال إلى مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي الرأسمالي الذي انطبعت آثاره أول ما انطبعت في تلك الدوائر العسكرية الوظيفية التي سارعت في الاستسلام بدعوى الاستقرار الجالب للرخاء والرفاه ..... إلخ من شعارات ما بعد مارس 79 ، فسرعان ما نسخت هذه الروح روح أكتوبر ، ولم يعد ثم من التقارب ما شعر به المجتمع والجيش بوصفه ، كما تقدم ، الطليعة التي تحكي قيم المجتمع وغاياته العظمى بوصفه المحضن الذي نشأ فيه الجند ، فَكُلَّمَا كَانَ قَرِيبًا من حاضنته كان تمثيله لها أصدق بعيدا عن الشعار الأجوف الذي يَتَشَدَّقُ بدعاوى الوطنية والذب عن تُرَابِ البلاد وإن كان أول من يفرط فيه ولو انطلاقا من المبدإ الفكري والسياسي العلماني ، فهو محل ذم في جميع المذاهب الفكرية والسياسية ، فَلَمَّا نُسِخَتْ روح أكتوبر 73 بروح مارس 79 ، رجع الكيان العسكري إلى دوره الوظيفي الأول ، وهو قمع المجتمع ، وذلك ما أفسد العلائق شيئا فشيئا ، على جميع الأصعدة : صعيد المجتمع في حد والكيان العسكري في آخر ، وصعيد الكيان العسكري نفسه فرجعت الطبقية داخل بِنْيَتِهِ الهرمية وانقطع ما وُصِلَ في أكتوبر من العلائق بين القادة والجند في الدوائر الأوسع ، والضباط والجند في الدوائر الأضيق ، فثم طراز جديد من القادة ، هم إلى بارونات المال والأعمال أقرب ، ومنهم من يضاهي رجالات العصابات في الأفلام الأمريكية فلا يعدو أن يكون قائد ميليشيا تحترف القتال انطلاقا من قيم براجماتية لا تقيم وزنا إلا للمصلحة المادية مع اتصافها بأخلاق تشبه الأخلاق النازية التي تَرَى الضعيف عبئا على القوي فالانتخاب الطبيعي قَاضٍ بِفَنَاءِ الضعيف غير مأسوف عليه في عصر القوة التي صارت هي الحق المحكم ، فهو وسيلة الإنسان إذ انحط إلى دركة الحيوان الأعجم ، وَسِيلَتُهُ أن يُحَصِّلَ من لذات العاجلة ما تعظم الحسرة بفواته فليس ثم صورة إيمان بالغيب تجعله من أهل التضحية والبذل ، بل قد صار من أَهْلِ : (مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) ، وهو ما يفسر تلك النزعة الليبرالية الشرسة في سلوك هذا الجيل من قادة السلام ، وذلك ما انعكس تِلْقَائِيًّا على علائق القيادة بالجند فهي علائق السادة بالعبيد ، فصار الجند محل استثمار سياسي واقتصادي تَتَفَاوَتُ درجاته من استثمار أكبر يُقْحَمُ فِيهِ الجند في أتون صراعات محلية أو إقليمية أو دولية غايتها تحقيق مآرب سياسية واقتصادية لا يجد مغانمها إلا كبار رجالات السياسة والحرب والمال والأعمال ، ولا يجد مغارمها إلا الجند وصغار الرتب ، وذلك أمر يطرد في المركز والأطراف جميعا ، وإن كان فجا قبيح الصورة في الأطراف فَقُبْحُهُ فِيهَا أظهر ، فثم قادة مُتَعَجْرِفُونَ وإن اجتهدوا في التشبع بما لم يعطوا من التواضع في مشاهد مفتعلة يظهرون فيها التقارب مع الجند أو الرعية فيشاطرونهم أمام الكاميرات الطعام والشراب ولا يشاطرونهم بداهة ما ألقوهم فيه من جحيم الحرب الوظيفية التي تفتقر إلى البواعث الرسالية والأخلاقية وإن اجتهد مسعروها أن يكسوها لحاء من القيم والمبادئ ، فأخلاقهم في السياسة والحرب وحبهم للجاه والمال يفضح هذا التشبع بما لم يعطوا من أخلاق التواضع والتواصل مع الجند ، فَثَمَّ فوارق طبقية حادة في بناء هرمي لسلطة وظيفية تابعة ، فالعلائق فيها تقوم على التحكم والاستبداد في جميع مستويات القيادة ، ولو على المستوى الأدنى ، فتجد صغار الضباط وقد تشبعوا بقيم الاستبداد والأثرة ، وعانوا منها ما عانوا في رياسة من يعلوهم في الرتبة ، تَجِدُ من فساد علائقهم مع الجند وابتعادهم عنهم في تفاصيل الحياة التي بها تحصل الألفة كالمأكل والمشرب فضلا عن تضحيتهم بهم في أي نازلة لينجو القائد من العقاب فَيَتَحَمَّلَهُ صغار الجند فهم أكباش الفداء ! ، بل والاستثمار فيهم ولو أخسَّ استثمار بما يُجْبَرُ عليه الجند من شراء احتياجاتهم من منافذ بيع تُدِرُّ الأرباح على قادة الكتائب والوحدات على وجه يتدرج فيه الربح تَبَعًا للرتبة وحجم السهم الذي يضارب به القائد فالجند ليسوا إلا زبائن تَتَوَالَى دفعاتهم واحدة بعد أخرى ، وَثَمَّ في المقابل نخبة القادة وهم الأكثر وظيفية والأكثر ثراء بما احتكروا من الأنشطة التجارية الربحية ذات الطابع الاستهلاكي المدني الذي لا يحقق قيمة مضافة للاقتصاد بل يستنزف ثروة المجتمع ويقلل فرص العمل والإنتاج كمنافس غير عادل يحظى بامتيازات سياسية واقتصادية تُسَهِّلُ احتكاره في مناخ تنافسي غير عادل ، فلما أعيدت الهيكلة بعد دخول الاحتلال ، وكان من الظرف العالمي ، الحرب الأولى ثم الثانية ، كان التجنيد لأعداد كبيرة لعبت دورا وظيفيا في الحربين وهو ما تَبَجَّحَ به سفير مصر في واشنطن في حديث مشهور في 1953 فجعل من عُمَدِ الأدلة التي يحاج بها محاوره أن مصر كانت دوما عند حسن الظن الدولي فَلَهَا تجارب في الحربين أثبتت ولاءها التام للنظام الدولي ، فكانت من المجموعات الوظيفية التابعة لبريطانيا ، القطب الأنجلوساكسوني الذي ورثت أمريكا تَرِكَتَهُ في الشرق ، فَلَهَا دور بارز في مكافحة الرجعية العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى ! ، ثم العمل مع الحلفاء وإن شئت الدقة فَقُلْ في خدمة الحلفاء في حروبهم ضد قوات المحور في العلمين ، على خلاف في طبيعة هذا الدور هل كان عسكريا مقاتلا أو لوجستيا أو تأمينا للخطوط الخلفية ...... إلخ ، فَتَبَلْوَرَ هذا الدور الوظيفي الذي يجعل مصر حتى الآن محل استثمار من النظام الدولي ، وهو ما يعجب قيادتها أن تكون حجر زاوية رئيس في الإقليم ولو بوصف التابع الذليل ، فَيَتَبَجَّحُ أحد مقدمي البرامج الأمريكية المشهورة وهو يخاطب رأس النظام السياسي في مصر الآن فما الذي يجعل دافع الضرائب الأمريكي يستثمر في الجيش المصري ؟! ، وهو سؤال مهين لمن تدبر ، فيجيب رأس النظام مفاخرا أن الاستثمار الأمني في النظام العسكري الذي يمثله هو وحده ما يحفظ مصالح واشنطن ، فهو إقرار بالتبعية المطلقة للنظام الدولي مع نبرة توسل لا تخطئها الأذن في تصريحات الأنظمة الوظيفية التابعة التي تستمد الدعم من الخارج سواء أكان إقليميا أم دوليا ، فلا زال الجيش يلعب هذا الدور ، وإن تراجع فكان أكثر لباقة بعد يوليو 52 لا سيما مع وجود رأس في السياسة لم يخل من طموح شخصي فهو نسخة مصغرة من محمد علي مع القدر الفارق بداهة ، فكان الخروج عن النص كما خرج محمد علي ، فكانت 5 يونيو 67 من جنس نافارين فهي ضربة تأديبية لا تقضي على الخصم وإنما تقلم أظفاره وتوقظه من أوهامه وَتَرُدُّهُ إلى جادة العقل والصواب التي سلكها بطل الحرب والسلام ، فكان الاستسلام التام وكان البروتوكول الوظيفي الجديد بروتوكول كامب ديفيد الأمني و26 مارس 1979 السياسي ، فتمت السيطرة على مصر سياسة وحربا ، وكانت المعونات التي تُهَدَّدُ بِهَا مصر حينا بعد آخر ، ولو مجاملة للرأي العام الدولي إذا فحش انتهاك السلطة لحقوق الإنسان فيكون التلويح كما هي الحال الآن ، يكون التلويح بحجب بعض المعونات مع أن أصل الداء هو هذا النظام الدولي الذي يعاقب النظام الوظيفي التابع على انتهاكاته وهو الذي صنعه وَمَكَّنَهُ من أدوات السلطة والحكم ليقمع أي حراك يهدد مصالحه ثم هو الذي يعاقبه بعد ذلك على انتهاكاته في صورة من أفحش صور النفاق الأخلاقي والسياسي ، وهو ما يكشف ، من وجه آخر ، ضعف القوة العسكرية الوظيفية ، فهي تشكو من ضَعْفٍ ذاتي لانعدام الرافد الحقيقي في الداخل على وجه يجعلها تفتقر أبدا إلى الدعم الخارجي الفني والمادي ، فذلك يجعلها تحت السيطرة التامة لمن يمدها بقطع الغيار وصفقات السلاح ، مجال التجارة الأرحب والأربح من أنشطة الحياة المدنية ، فذلك عمل الصفوة من القادة الذين يستنكفون العمل فيما يعمل فيه غيرهم من الجنرالات الأقل حظا من تجارة السمك والجمبري والمكرونة وأواني الطعام ..... إلخ ! ، وهو ما جعل الجيش يلعب دورا وظيفيا في حرب الخليج الثانية 1991 نظير إسقاط شطر من الديون لا سيما العسكرية ، وهو اليوم يلعب دورا وظيفيا فجا يعيده إلى سيرته الأولى فلم يعد يستتر ، بل صار دوره الوظيفي في الأجوار دور التهجير والقصف والتآمر ذي الطابع الاستخباراتي مع الحرص حتى الآن ! ، على عدم التدخل الكبير بقوات على الأرض ، فذلك ما سَيَتَسَبَّبُ في خسائر بشرية كبيرة لا تَبْرِيرَ لها أمام الرأي العام ، فإن من فوائد الجبهة المفتوحة الآن في سيناء أنها ، لو تدبر الناظر ، قد صارت مكنسة الخسائر في الجبهات الأخرى ، فَالتَّبْرِيرِ الأخلاقي والسياسي فيها أقوى بذريعة مكافحة الإرهاب واستعادة السيادة الوطنية ..... إلخ ، وإن كانتِ الميدان الوظيفي الأبرز الذي دفعت فيه السلطة أكبر قوة مقاتلة لها في إحدى الجبهات فإليها تُنْسَبُ خسائر أخرى في جبهات مجاورة لا سيما الجبهة الغربية فَثَمَّ تدخلات مصرية وظيفية في شرق ليبيا بناء على تعليمات إقليمية ومن ورائها أخرى دولية كسائر الأدوار التي يؤديها التوابع في إطار توطئة الشرق لنظام إقليمي جديد يحقق رغائب النظام الدولي في شرق أوسط جديد ، فخسائر مصر على الأرض في ليبيا تُنْسَبُ إلى الملحمة البطولية في سيناء ! ، مكنسة الخسائر والهزائم ، فضلا عن تدخلات وظيفية أخرى في دعم المتمردين غرب السودان وإن شهدت العلائق الآن نوع تقارب فعند الشدائد تذهب الأحقاد ، والخطر المشترك يستوجب نسيان الخلافات ، والجبهة الجديدة التي قد تحدث اضطرابا كبيرا في الجيش إلا أن يقتصر ذلك على مجموعات مخصوصة ذات ولاء مطلق للسلطة ، هذه الجبهة هي سوريا في إطار ما تسرب عن رغبة أمريكية في استبدال قوات مصرية خليجية بالقوات الأمريكية المنسحبة ، لإعادة ترتيب المشهد في المنطقة على وجه يضمن أمن الأكراد شمال شرق سورية ويساعد ، كما يقول بعض المحللين ، في إعادة تأهيل النظام ميدانيا تزامنا مع إعادة تأهيله سياسيا بإرجاعه إلى الجامعة العربية في إطار صفقة تهدئة مع إيران ، فقد تحقق هدفها في إعادة تأهيل النظام ، فما يمنع من عقد صفقةِ تهدئةٍ مع إفساح المجال لإيران لتلعب دورا في دمشق تحت رعاية روسيا الطرف الأقوى في هذا الحلف ، الحلف الروسي الإيراني التركي ذي الطابع التكتيكي المؤقت ، فموسكو ضامن لطهران ألا تجاوز الحد ، في مقابل بعض الامتيازات تَبَعًا لوزنها النسبي على الأرض ، وهو وزن غير وازن بقدر كاف يحقق لطهران سيطرة كبيرة على الأرض في إطار ما تشكو منه من ضعف في الأداء الاقتصادي وجبهة داخلية مُحْتَقِنَةٍ واستنزاف طالت سنواته ، بشريا وماديا ، وإن كان الاستنزاف المادي هو الأكبر ، فلا شك أن للعرب طموحا أن يجتذبوا نظام دمشق بعيدا عن طهران لإعادة تأهيله ليكون جزءا من حلف شرق أوسطي برعاية كيان يهود ! ، والخصم هذه المرة هو تركيا استنادا إلى رغائب طفولية وأخرى نسائية تكيد لأنقرة ، كما هي الحال في مصر والخليج ، ولو كان لها من الثقل الاستراتيجي والاستقلال السياسي حظ لَهَانَ الخطب فَقِيلَ إِنَّ ثَمَّ صراعا على السيادة في الإقليم بين أقطاب ذات حشمة ، ولكن الأمر لا يعدو أن يكون مجموعات وظيفية في الخدمة ، خدمة كيان يهود المحرك الرئيس الذي يقلل الآن من قوة إيران ، فيجعلها هامشية ضعيفة بعد أن ملأ الأرض ضجيجا شكاية منها ومن أسحلتها غير التقليدية ، فطبول الحرب معها قد انخفضت حدتها في مقابل ارتفاع حدة الطبول ضد تركيا فهي الخطر الأكبر كما يقول جنرال يهودي في تحول استراتيجي في لهجة السياسة والحرب فأين طهران ؟! ، فقد يقول قائل إنها قد تنسحب من تحالفها المؤقت مع أنقرة في مقابل ما تحظى به من نفوذ في بلاد الشام في إطار صفقة كاملة تُحَيَّدُ فيها طهران على أقل تقدير فلا يجمعها مع أنقرة تحالف ، ويحتفظ بموجبها كيان يهود بالجولان وتنسحب ميليشيات إيران لا سيما حزب الله مع تفعيل بروتوكول أمني معه من جنس البروتوكول الذي فُعِّلَ بعد حرب تموز 2006 ، فلا يَبْقَى في الساحة إلا أنقرة ، والموظفون العرب في الخدمة وعلى رأسهم مصر في خطوة قد تجاوز حد التدخل بالإمداد اللوجستي لنظام دمشق بِبَعْضِ الذخيرة وبعض الطيارين لسد العجز في سلاحه الجوي مع بعض المجموعات على الأرض التي يغلب عليها الطابع الاستخباراتي ، فليست عناصر قتالية تشتبك مع العدو بتشكيلات ثقيلة السلاح كثيرة العدد ، فذلك تطور في الدور الوظيفي المصري في بلاد الشام قد يَجُرُّ مصر إلى مستنقع كالمستنقع اليمني الذي استدرجت له مصر في الستينيات فكان من نَتَائِجِهِ انهيار القوة المصرية وهو ما مهد الطريق لجرعة التأديب القاسية في يونيو 67 وما تلاه من انهيار النظام السياسي وإن بقيت صورته ثلاث سنوات أو يزيد قبل أن يرحل الزعيم الخالد وهو يجر أذيال الهزيمة ، فلعل تدخل مصر الآن لو غامرت فتدخلت بأعداد كبيرة تحت تأثير نشوة القوة ، لعله استدراج إلى مستنقع يُفْضِي بِهَا إلى انهيار القوة العسكرية ومن ورائها النظام السياسي فليس إلا صورة لنظام عسكري يلخصه باحث فرنسي في عبارة وجيزة بليغة فهو يمثل الليبرالية الجديدة المنفلتة التي تشعر بغطرسة القوة وتسعى في الهيمنة على الاقتصاد وابتزاز المجتمع واستنزاف ثرواته في إطار فساد مُعَمَّمٍ بلغ حدا من العمل المنظم يجعله مؤسسة محكمة الأركان فليس ظاهرة بل هو أصل في عمل هذا النظام الذي يشعر بغطرسة القوة ، وإن لم تكن ذاتية ، فهي نَشْوَةُ أَيِّ تابع يرى أن عمله في خدمة الأقوياء يجعله واحدا منهم وإن لم يخرج أن يكون جنديا خادما ذا رتبة صغيرة لا تؤهله للجلوس مع الأقوياء بل قد يضحي به أولئك الأقوياء كما تضحي الرتب الكبيرة بالجند الصغار فليسوا إلا أحجارا على رقعة الشطرنج ، وكذلك الشأن في الأنظمة الوظيفية فليست إلا أحجارا على رقعة الشطرنج التي يتصدرها النظام الدولي بوصفه اللاعب الرئيس ، فدخول مصر هذا المستنقع قد يجعل قُوَّتَهَا نَهْبًا لقوى عديدة في تلك البقعة من الأرض ، لا سيما وهي في تراجع مستمر على مستوى التدريب والإعداد ، وَتُرْكِيَا أذكى أن تدخل صراعا مباشرا فلديها وكلاء وظيفيون في شمال سوريا ، بل قد تلجأ إلى التنظيمات الإسلامية المسلحة ولو عبر دوائر استخباراتية ولوجستية غير مباشرة لضرب هذا الوافد العربي الذي يلعب نفس الدور الذي لعبه الشريف حسين وأبناؤه في الثورة العربية الأولى ، فَثَمَّ أخرى يجري الإعداد لها الآن ! ، وذلك قد يكون مسمارا في نعش هذا النظام الوظيفي التابع ، بل قد يكون مسمارا في نعش هذا التحالف العربي الوظيفي ، بل والنظام العربي كله ولو على مدى متوسط أو بعيد عبر مراحل من الاستنزاف ، وإن لم يخل الأمر من صداع مزمن تسببه هذه المجموعات الوظيفية العربية لا لقوة ذاتية وإنما عين أنقرة على من يَقِفُ وراءها ، لا سيما تل أبيب ، وواشنطن من وراء الجميع فهي مصدر الإلهام والروح لهذه الكيانات الوظيفية فما كانت تجرؤ أن تَتَطَلَّعَ لهذا التدخل لولا الضوء الأخضر من واشنطن ، فضلا عن تصريحات واشنطن الداعمة للأكراد كما قال مستشار الأمن القومي الأمريكي أخيرا إذ تعهد بحماية القوات الكردية ولعلها تعمل جنبا إلى جنب مع الميليشيات العربية بذريعة مكافحة الإرهاب في بلاد الشام لا سيما إن تمت المصالحة العربية وأعيدت دمشق إلى الجامعة العربية فَيَحْظَى هذا التدخل العربي بموافقة دمشق فهي تستعين بأشقائها العرب لحرب أنقرة والجميع نائب عن رأس النظام الإقليمي الجديد في تل أبيب ومن ورائه رأس النظام الدولي في واشنطن ، مع تحييد طهران ما أمكن ، ولعل تقوية الأكراد هي مدخل أنقرة للتقارب مع طهران ضد هذا الوجود الوظيفي على تخومها فأي صفقة تُقَوِّي الأكراد وتجعل للعرب موطئ قدم في بلاد الشام على حساب طهران فهي مما يُثِيرُ انْزِعَاجَهَا ويجعلها تقترب أكثر من أنقرة ، ولعل ذلك ما قصده وزير خارجية تركيا في تصريحه الأخير إذ أكد على دور إيران القادم في بلاد الشام فهي من اللاعبين الأقوياء ولا يمكن استبعادها من الميدان ، فذلك مد لجسور تواصل مع طهران وتنبيه لها ألا تغتر بدعاوى التهدئة ، فَرُبَّمَا أُجِّلَتْ بعد أنقرة ، وربما أجهدت واستنزفت فلم تعد تشكل خطرا حقيقيا خلاف الخطر الدعائي الديماجوجي الذي يَتَوَلَّى كبره الآن الرئيس ترامب ، فلسان حال أنقرة تحذير طهران ودعوتها إلى التحالف ضد هذا الوجود الجديد وهو ما يكرس نظرية المحاور في المنطقة ، ولكلٍّ دوره في هذا المشهد تَبَعًا لقدراته السياسية العسكرية ، ولكلٍّ ما ارْتَضَى لِنَفْسِهِ ، وَلِكُلٍّ وصف وظيفي يَلِيقُ بطموحه ، وهو أمر يمكن إجراؤه على أي كيان وظيفي ، فلا بد من وصف وظيفي لكل كيان تابع ، واضرب له المثل بما تَقَدَّمَ من دور الأكراد في بلاد الشام ، فهم أداة وظيفية للتحرش بِتُرْكِيَا ، وهم أداة أخرى لمكافحة التنظيمات الإسلامية المسلحة ، وهم قوة تحفظ التوازن في مشهد مركب وربما لعبت دور الكيان الحاجز بين الخصوم ، وهم أداة وظيفية تهدد إيران ولو على المدى البعيد وهو ما فسر التقارب العسكري التركي الإيراني فكانت زيارة رئيس الأركان الإيراني الجنرال محمد باقري لأنقرة ، وهي أول زيارة لِرَئِيِس أركان إيراني لِتُرْكِيَا من ستة وأربعين عاما ، فَقَدْ صادف ذلك نشاطا كبيرا للأكراد بعد حصولهم على دعم عسكري كبير من واشنطن فضلا عن دعم الخليج الذي يَتَوَجَّسُ من دور تركيا في الإقليم ، كما يتوجس من إيران ، وتوجسه ، لو تدبر الناظر ، قد واطأ توجس النظام الدولي في هذه الآونة ! ، فَلَمْ يَبْقَ في المنطقة قُوَّةٌ إقليمية يُعْتَدُّ بِهَا إلا أنقرة وطهران بعد سقوط بغداد وإخراج القاهرة من الساحة وتحولها إلى أداة من أدوات ما اصطلح أنه الثورة المضادة ، ولا شك أن طهران قد أعطت الذريعة السياسية والأخلاقية لمن يحشد الإقليم ضدها بما تُقَارِفُ من جرائم في العراق وبلاد الشام وما كان من تَدَخُّلِهَا في اليمن وَعَبَثِهَا في لبنان مع رغبتها العارمة في التدخل في الشأن الإقليمي وإن كان النظام الدولي ينظر في أمرها ، أيضا ، أنها عامل رئيس في معادلة التوازن الاستراتيجي في المنطقة ، فهي تكافئ أنقرة ، وإن تحالفا مُؤَقَّتًا ، فإن التحالف بَيْنَهُمَا ، من وجه ، وتحالفهما مع موسكو من آخر ، هو تحالف تكتيكي أملاه الظرف الميداني المعقَّد ، فالثلاثة : روسيا وتركيا وإيران ، أعداء وخصوم في التاريخ والجغرافيا والسياسة ، وَكُلٌّ يصف بلاد الشام وصفا وظيفيا يلائم أهدافه ، فبلاد الشام وصفها الوظيفي في أنقرة أنها بوابة تركيا إلى العالم العربي ، وأنها العمق الاستراتيجي لها فالحرب فيها ، كما يقول بعض رجال السياسة المحنكين في تركيا ، الحرب فيها حرب في تركيا ، فالحرب على تركيا تَبْدَأُ في بلاد الشام وذلك أمر له شواهد في التاريخ الوسيط والحديث ، واضرب له المثل بحراك إبراهيم باشا الذي اخترق بلاد الشام ودخل الأناضول فَهَدَّدَ الباب العالي في عقر داره ، وبلاد الشام وصفها الوظيفي في موسكو أنها طريق إلى المياه الدافئة شرق المتوسط ، ووصفها الوظيفي في طهران أنها حلقة الوصل بين طهران والضاحية الجنوبية في بيروت ، فَثَمَّ هلال إمبراطوري فارسي ذُو نَزْعَةٍ شعوبية مذهبية محطاته الرئيسة : طهران بغداد دمشق بيروت ، فلكلٍّ وصفه الوظيفي لبلاد الشام وهو ما قضى بهذا التحالف التكتيكي لا سيما والضيف الأمريكي ثقيل الظل قد وجد موطئ القدم في مناطق النفوذ الكردي ، فَرُبَّمَا كان انسحابه نجاحا لهذا الحلف الثلاثي التكتيكي ، فقد أخرجوا العدو الأكبر ، وهو ما قد يُفْضِي إلى اختلاف بينهم ولو في تقسيم مناطق النفوذ في بلاد الشام على وجه يضغط به كل طرف بما يملك من أدوات وظيفية على الأرض ، فتركيا تضغط بفصائل من المقاومة نجحت في استمالتها ، وطهران تضغط بالميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية .... إلخ فضلا عن بعض دوائر في النظام ، وموسكو تضغط بالنظام وربما نجحت في استقطاب الأكراد فهم الآن بلا عائل ! ، وأقرب الثلاثة : موسكو وأنقرة وطهران ، أقربهم إلى الأكراد هو موسكو ، لا سيما والأكراد في هذه المنطقة وإن كانوا براجماتِيِّينَ إلا أن أصولهم الأيديولوجية القديمة أصول يسارية وموسكو وإن كانت هي الأخرى قد صارت براجماتية بل وربما ليبرالية وإن في الجانب الاقتصادي إلا أنها لا زالت تحمل من ذكريات الإرث الشيوعي قدرا لا بأس به ولو في العقل الجمعي فلا زال العهد به حديثا ، وبعض المحللين يَرَى انسحاب أمريكا هو الضوء الأخضر لموسكو أن تشغل هذه البقعة وهو ما يؤذن باختلاف بَيْنَهَا وَبَيْنَ أنقرة ، فيكون خروج أمريكا طبقا لهذه الرؤية محاولة للوقيعة بين موسكو وأنقرة ، لا نجاحا لهما ومعهما طهران في إخراج الضيف الثقيل فقد خرج بعد أن أوجد سبب فرقة بينهم ، وإن كان اصطلاحهم على توزيع مناطق النفوذ في بلاد الشام هو الخيار الأقرب إلى العقل وميزان القوى على الأرض وهو ما قد يزعج كيان يهود الراغب في استنزاف أنقرة وطهران بِوَصْفِهِمَا ، كما تقدم ، آخر قوى الإقليم التي يعتد بها ، فأي تسوية بَيْنَهُمَا تُزْعِجُ مَنْ يَرُومُ إضعافهما بِتَسْعِيرِ نَارِ الخلافات بَيْنَهُمَا .
وثم رأي آخر يقول إن انسحاب واشنطن يمهد لضربة توجهها بعض القوى الإقليمية لطهران بإيعاز من الكيان اليهودي فلا تريد واشنطن أن يكون لها وجود قريب من طهران يجعلها في مرمى النار الإيرانية ولو انْتِقَامًا ، وهو احتمال بعيد لا سيما ووجود روسيا في المنطقة يجعل هذه القوى تحجم عن ذلك ولو على المدى القريب .
ولا يجد الأكراد والحال كذلك ، لا يجدون الآن إلا اللعب بورقة التنظيمات الإسلامية ، فعندهم من الأسرى من هذه التنظيمات ما قد يطلقونه ! فلا يملكون السيطرة عليهم وهم في مرمى الاستهداف التُّرْكِيِّ ! ، في مشهد آخر يذكر الناظر بنظام دمشق لما سارع في إطلاق سراح عدد كبير من المقاتلين من ذوي المرجعية الإسلامية فسارعوا بإنشاء كيانات مسلحة أسهمت ، ولو من طريق غير مباشرة ، في إضعاف خصوم النظام على خلفية التباين الأيديولوجي الكبير بين أطياف المعارضة ، ولو داخل النطاق الإسلامي ، فضلا عن النطاق الأوسع فكان الاستنزاف طويل المدى ، وهو ما يروم الأكراد استنساخه ولو في نطاق أضيق لِيُشَكِّلَ ضَغْطًا على أنقرة التي سارعت بدورها في التحرك ضد هذه التنظيمات في الداخل التركي فَقَدْ تشهد المرحلة القادمة تَوَتُّرَاتٍ بَيْنَ أنقرة وبعض التيارات الإسلامية المسلحة ، مع أن أنقرة وجدت في أولئك المقاتلين حليفا في مرحلة من مراحل الصراع ، وَوَجَدَ أولئك فيها داعما ولو بِتَسْهِيلِ الحركة والدخول إلى بلاد الشام بل والسماح بإقامة معسكرات تدريب وإعداد على الجانب التركي من الحدود ، فلا يبعد أن تقع هذه التنظيمات مرة أخرى في مصيدة التوظيف الميداني ولو عن بُعْدٍ تَحْقِيقًا لأهداف غيرها شعرت أو لم تشعر ، سلمت من الاختراق أو لم تسلم لا سيما على مستويات القيادة فإن الاختراق في المستويات الدنيا لا يُؤَثِّرُ تَأْثِيرًا نَوْعِيًّا في التنظيم ، فضلا أن العناصر الدنيا تكون في الجملة على الفطرة فلا يمكن مصارحتها بحقيقة العمل ، وإنما تستدرج أن تنفذ ما يريد غيرها فتعمل لحسابه وإن ظنت أنها تستقل بالعمل وكذلك الشأن في مستوى القيادة فليس الاختراق هو الاختراق الساذج الذي يتبادر إلى الذهن وإنما يَتِمُّ الاختراق عبر دوائر سياسية وميدانية غير مباشرة يسقط فيها من يسقط لضحالة الاستراتيجية وضعف التأصيل الاستراتيجي وإن كان ثم تأصيل في الفكرة ، ولو إجمالا ، فلا زال يفتقر إلى استراتيجية بعيدة المدى وخطة عمل مفصلة توصل إلى الهدف الاستراتيجي النهائي عبر مجموعة من الأهداف التكتيكية ، فَثَمَّ مراحل عمل تَتَّصِلُ دوائرها وهي ما يفتقر إلى صبر وطول نفس ، لا تَعَجُّلٍ وَحَمِيَّةٍ ، ولو صادقة فهي تَفْتَقِرُ إلى الخبرة وَتَتَّسِمُ بالتفكير السطحي أحادي الجانب الذي لا ينظر في العواقب البعيدة وإنما يقتصر على الأهداف المرحلية القريبة ، وهو ما يُنْذِرُ بأخطاء كارثية على المدى المتوسط والبعيد وإن كان ثَمَّ بعض الإنجازات الميدانية على المدى القريب .
فكان ثَمَّ تحالف بَيْنَ أنقرة وهذ التنظيمات ، ولكنه ، بَدَاهَةً ، كان تحالفا تكتيكيا من جنس التحالفات التكتيكية آنفة الذكر وما أكثرها الآن في بلاد الشام والإقليم ، فمشاهد السياسية والحرب فيها جميعا لا تخلوا أن تكون من هذا الجنس المركب الذي لا يمكن الحكم عليه دفعة بل لا بد من التفصيل لما أُجْمِلَ من صوره وتحالفاته ذات الطابع البراجماتي الغالب ، فالنظرة الأحادية في تحليل مشهد سياسي هي ، كما يقول بعض الفضلاء ، نظرة ساذجة لا تخلو من التَّسَرُّعِ ، ولا تخلو في أحيان من تفكير رَغَائِبِيٍّ يجاوز المعطيات الحقيقية على الأرض فصاحب الرغبة يصطنع مشهدا لا وجود له إلا في خياله ويروم إسقاط الواقعِ بمعطياته عليه فَيَتَعَسَّفُ في تأويل هذا الواقع ليوافق ما يهوى ، فمثله في الشرع كمثل من اعتقد فكرة ثم راح يُفَتِّشُ في النصوص عما يشهد لها ولو نصوصا ضعيفة أو متشابهة لا يصح الحكم عليها إلا بَعْدَ رَدِّهَا إلى المحكمات في صورة مركبة من صور الاستدلال لا تقتصر على جانب دون آخر .

ولا شك أن هذا القرار يعد استكمالا لما شرع فيه الرئيس ترامب من الحد من دور أمريكا في الخارج انتصارا لخيار الانغلاق والانكفاء على الذات ، فهو يشبه ، من وجه ، ردة فعل لخيار الانفتاح الذي تَبَنَّاهُ الرئيس ويلسون نهاية الحرب العالمية الأولى والرئيس نيكسون الذي كان زعيما لتيار الانفتاح في حزبه الجمهوري في مقابل تيار الانغلاق ، فالرئيس ترامب الآن يُعَزِّزُ خيار الانغلاق بهذا القرار الذي تَسَبَّبَ في استقالة وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس آخر رجال الدولة الأمريكية في حكومة الرئيس ترامب الذي جاء للحد من تَوَغُّلِهَا كما رَدَّدَ في حملته الانتخابية ، وهو ما يؤذن بارتفاع وتيرة الصراع داخل أمريكا ، فضلا أنه يؤذن بانحسار متسارع لدورها في العالم بِمَا تُمَارِسُ من سياسة الانغلاق وهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، مما يسارع بانهيار أي أمة ، فإن أمريكا التي تَبَنَّتْ سياسة احتواء المهاجرين وتوفير الفرص لهم في الحياة والعمل والابتكار ، أمريكا التي تَبَنَّتْ هذه السياسة قد نجحت في احتواء العقول الذكية في جميع المجالات ولعل ذلك ما عَزَّزَ من تَفَوُّقِهَا التكنولوجي على العالم ، فهذا التفوق ، لو تدبر الناظر ، تَفَوُّقٌ ذو مستويين ، فَثَمَّ مستوى أول : مستوى الفجوة التكنولوجية الهائلة بين المركز والأطراف وهو أحد أذرع النظام الدولي الحالي في إحكام سيطرته على العالم ، ومستوى آخر هو : الفجوة بين واشنطن في طرف ، وبقية دول المركز في آخر ، وهو ما جعلها تَتَصَدَّرُ المشهد ، وما يصنع الرئيس ترامب الآن يجعل ثَرْوَةَ أمريكا من العقول تضمر فطرحه العنصري يضيق فرص الهجرة والعيش في أمريكا فَتُحْرَمُ من خيرة العقول التي رأت أمريكا يوما أرض الأحلام ، فإذا بالحلم يصير كابوسا ، فالعقول إذ ضُيِّقَتْ عَلَيْهَا سبل الهجرة إلى أمريكا فسوف تبحث عن عالم جديد آخر ، كما فَتَّشَ المهاجرون الأوائل الذين شيدوا أمريكا ، فربما هاجروا إلى قطب جديد يحتويهم ليشيد بهم نظاما دوليا آخر يرث هذا النظام الدولي ولو على المدى البعيد ، ولا يُتَصَوَّرُ في المدى القريب أن يكون هذا المهجَر هو الشرق ، وإن كان معدن الحضارة الرسالية وهي أرقى حضارة عَرَفَتْهَا البشرية ولن تَعْرِفَ أَرْقَى مِنْهَا إذ نَزَلَتْ من أعلى فعلا يُبَادِرُ بِالتَّغْيِيرِ ولم تخرج من الأرض كَرَدِّ فِعْلٍ يَحْكِي فَقْرَ الإنسان وقصور عقله أن يُدْرِكَ المصلحة المعتبرة يقينا لا تخرصا وظنا ، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكون الشرق هو هذا المهجر للعقول النابهة في ظِلِّ ما يُعَانِيهِ الآن من استبداد وقمع فهو طارد لأي عقل ! .

والشرق ، من وجه آخر ، هو أفضل البقاع التي تُفَجَّرُ فيها طاقات الفكرة والحركة بما يملك من الذخيرة الرسالية والأخلاقية ، فَلَوْ رُفِعَ عنه قيد الاستبداد واجتهد ما استطاع في مباشرة الأسباب فَيُؤْذِنُ أن يَتَأَوَّلَ موجة أخرى من موجات الفتح الذي أذهل الدنيا حتى اليوم كيف استطاع الصدر الأول ، رضي الله عنه ، أن يُغَيِّرَ وجه الدنيا في زمن يَسِيرٍ فَيُؤْذِنُ الصدر الآخر لو سلك الجادة نفسها أن يكتب التاريخ مرة أخرى وَيَتَأَوَّلَ الخبر الصادق : "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ" .
فلا عجب أن يكتب الشرق التاريخ بمداد الوحي وليس غَيْرَهُ مِدَادٌ يكتب به الشرق كلمة نافعة للنوع الإنساني الذي يُفَتِّشُ الآن عن طوق نجاة في بحر حضارة متلاطم الأمواج يشهد شاهد من أهلها ، وهو ، وزير ثقافة فرنسي سابق ، وفرنسا مهد الفكرة اللادينية وهي رافد رئيس من روافد النظام الدولي الحالي ، فيشهد الرجل في شجاعة تستحق التقدير أن هذه الحضارة هي أول حضارة في التاريخ بلا غاية ! ، في مقابل الغاية الرسالية العظمى ، غاية : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .

وقد ينتهي التنسيق أن تقبل أنقرة بانضمام شمال شرق سوريا إلى الحصة الروسية وإن كان النظام هو الذي يشغل الفراغ الذي يتركه الأكراد فهو تابع لِوَلِيِّ أمره في موسكو ، مع توجه أنقرة ووكلائها الوظيفيين من المقاومة إلى منبج طبقا للتفاهمات التركية الأمريكية ، من طرف ، والتفاهمات التركية الروسية من آخر ، فتكون المقاومة هي التي تشغل هذا الفراغ بَعِيدًا عن ضوضاء النظام أنه استعاد منبج ورفع العلم السوري على أرضها ...... إلخ ، فإنه لا يملك رفعه في عاصمته دمشق لولا الدعم الإيراني ومن وراءه دعم روسيا ، فهي الكفيل الإقليمي الأكبر .

ومما لا تخطئه العين في هذا المشهد المركب ، أيضا ، تَكَالُبُ الجميع على تُرْكِيَا بدءا من أمريكا التي أوعزت إلى النِّظَامِ من طرف خفي أن يشغل الفراغ الذي سَتَتْرُكُهُ أمريكا بعد رفع الغطاء المعنوي والعسكري عن ميليشيات الأكراد ، وروسيا من وراء النظام فهي ولي أمره كما قال الرئيس التركي الذي يوفد مطلع هذا الأسبوع وفدا سياسيا عسكريا استخباراتيا رفيع المستوى إلى موسكو لبحث ترتيبات ما بعد انسحاب أمريكا من المنطقة ، وإن كانت روسيا ، هي الأخرى ، في أقصى درجات البراجماتية فضلا عن عداوة مبطنة وصراع تاريخي بين روسيا وتركيا على السيادة الإقليمية ، وكفة روسيا الآن أرجح بكثير منها أيام الصراع بين العثمانيين والقياصرة ، فَثَمَّ تكالب من أمريكا التي أوعزت إلى النظام وأوعزت إلى الدول التي تسارع الآن بالتطبيع السياسي مع النظام النصيري الطائفي ، فالجميع الآن يَتَسَابَقُ بحجة رد سوريا إلى الأحضان العربية الدافئة بعيدا عن الأحضان الإيرانية وإن كانت أشد دفئا وأقرب فكرا وأقوى دعما ، وهي ، أيضا ، من جملة من تكالب على تركيا ولو من طريق غير مباشرة ، فإيران ترحب بانسحاب أمريكا وتعده كما اعتادت في خطاباتها الثورية تعده انْتِصَارًا على الإمبريالية الدولية والصهيونية العالمية ...... إلخ ، فظاهر الأمر أن أمريكا تنسق مع تركيا ولكنها ، من وجه آخر ، قد تُوَرِّطُهَا إذ تجعلها الآن في مواجهة جميع الأطراف التي تداعت لنصرة النظام في دمشق مع اختلافها في الأيديولوجيات والمنطلقات السياسية ، ولو في الظاهر ، ومضرب المثل الرئيس : اجتماع الخليج وإيران على دعم النظام ! ، وإن كان لكلٍّ غاية ولكن البراجماتية السياسية قد أفادت النظام أيما فائدة ، فلا أحد الآن بمن فيهم تركيا يتحدث عن رحيل النظام ، بل تصريح وزير الخارجية التركي الأخير : لا مانع من بقاء النظام بانتخابات ديمقراطية حرة ! ، وكأن تركيا هي الأخرى تَنْظُرُ في المشهد بواقعية سياسية ، وإن كان لها من الأخلاق السياسية الرفيعة قدر إلا أنها ، كما يقول بعض الفضلاء ، كأي إنسان أ وكيان قُدِّرَ له أن يَعِيشَ في ظل استضاف فمهما كان قويا في نفسه وأخلاقه فالمشهد إذ يضيق به لا يُعْطِيهِ من الخيارات والبدائل ما تَتَّسِعُ به دائرة المناورة والمفاوضة واضرب له المثل الأشهر في هذا العصر : مثل السلطان عبد الحميد فهو رجل قوي فاضل في نفسه وإن كان مُتَرَدِّدًا في قَرَارِهِ بَطِيئًا في إٍجْرَائِهِ ، فقد استطاع أن يؤخر سقوط الدولة عقودا واستطاع أن يُنَاوِرَ ما استطاع ولكنه أتى في زمن ضعف فكانت خياراته محدودة وانتهى به الأمر إلى ما قَدْ عُلِمَ من عَزْلِهِ وانهيار الدولة وإن بقيت بعده خمسة عشر عاما اسما بلا مسمى وصورة بلا حقيقة .
فالجميع الآن في الإقليم ضد تركيا ، لا سيما محور الاعتدال بقيادة تل أبيب وأتباعها في الإقليم الذين يسارعون الآن في التطبيع وقد أدرك الجميع أن بقاء أنظمتهم هو رَهْنُ الرضى اليهودي الذي يشفع عند السيد الأمريكي ، أو هو من يَتَحَكَّمُ في قرار هذا السيد ، ولو نسبيا ، عبر دوائر خفية من الضغط السياسي في واشنطن ، بل محور الممانعة بقيادة إيران لا يخلو ، هو الآخر ، من عداوة مستحكمة لتركيا على خلفية صراع آخر على سيادة الإقليم ، فضلا عن تاريخ من العداوة بين العثمانيين والصفويين يقطع الناظر فيه أن ما يراه الآن من تقارب ظاهري بين أنقرة وطهران ليس إلا تقاربا تكتيكيا مؤقتا ، فصارت تركيا الآن في مأزق كبير إذ تحالف عليها الجميع فلا عجب أن تُقدِّمَ في الأيام التالية بَعْضَ التَّنَازُلَاتِ أو كَثِيرًا منها على وجه قد يبلغ حد التَّنْسِيقِ مع النظام ولو من طريق غير مباشر عَبْرَ الوسيط الروسي لِتَضْمَنَ على أقل تقدير سلامة حدها الجنوبي فالنظام الآن يعلن في دعاية سياسية نفسانية أنه قد دخل مدينة منبج وهي خط أحمر بالنسبة لأمن تركيا وعمقها الاستراتيجي في بلاد الشام ، فَيُبَادِرُ بهذا ويحقق أسبقية نَفْسَانِيَّةً وإن لم تضر كثيرا بعقل استراتيجي كعقل الدولة التركية الحالية فلا تأبه كثيرا بتحركات الصغار في المنطقة وإنما عينها على الكبار الذين يديرون المشهد ، واشنطن وموسكو ومن ورائهما النظام الدولي بدوائره الخفية المغلقة .

وتركيا ، مع ذلك ، تحاول الاحتفاظ بأوراق قوة في بلاد الشام تجعل لها حصة من الكعكة السورية ولو حصة جيوسياسية فحصة الاقتصاد قد قُسِّمَتْ وَانْتَهَى الأمر بَيْنَ واشنطن وموسكو فهما الرابح الأعظم ومن ورائهما طهران فربما حظيت بِبَعْضِ الفتات ولو على سبيل التعويض عَمَّا بَذَلَتْ من دم ومال في دعم النظام في دمشق فحصتها ، لو تدبر الناظر ، لن تغادر مناطق نفوذ النظام الرئيسة في سورية المفيدة بعيدا عن نفط دير الزور وأجوارها في شرق البلاد والذي حصلت أمريكا على جزء معتبر منه والقمح وموارد الثَّرْوَةِ المائية في شمال شرق سورية الذي تسيطر عليه الميليشيات الكردية عليه وهو ما يُشَكِّلُ نحو 30% من مساحة البلاد مع نسبة أعلى بكثير من الثروات فهو ما يُهِمُّ لا الأرض الْقَفْرُ التي لا زرع فيها ولا ماء ولا ثروة كتلك التي يسيطر عليها النظام في بادية الشام فالرقم 57% حصة روسيا وحلفائها من سورية قد يبدو كبيرا ولكنه يَتَقَلَّصُ إذا ما قُورِنَ بالأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لمنطقة كشمال شرق سورية ، فَيَبْعُدُ أن يكون لطهران حَظٌّ في هذه الثَّرَوَاتِ ، ثَرَوَاتِ المناطق الكردية ، فَيَكْفِيهَا أن تُؤَمِّنَ عمقها الاستراتيجي من طهران إلى دمشق وأن تمد جسور تواصل ولو ضعيفة مع حزب الله في الضاحية الجنوبية على وجه لا يهدد ، بداهة ! ، الدولة اليهودية فهي الخط الأمريكي الأحمر الذي لا يجوز لأي لاعب في الإقليم تخطيه ولو أظهر له العداوة فضلا أن يسعى في التطبيع معه والدخول في ولايته الراشدة وهو ، لو تدبر الناظر ، خط أحمر أعمق للنظام الدولي ، فما واشنطن وإن كانت هي القائد في الظاهر ما واشنطن إلا أداة من أدوات هذا النظام الدولي ، وعقود الإعمار هي الأخرى مما حظيت به أمريكا وإن كان من يدفع هو حلفاء الإقليم كما قال الرئيس ترامب في تغريدة أخيرة له فهذه الدول لا تملك من الشركات العملاقة ما يضاهي الشركات الأمريكية ، ولو ملكت فلن تَتْرُكَهَا الشركات الأمريكية لَهَا غنيمة باردة ومن قَبْلِهَا الإدارة الأمريكية فإن ثَمَّ فَوَاتِيرَ دَعْمٍ سياسي في الحملات الانتخابية لا بد للإدارة الأمريكية المنتخبة ! أن تدفعها للشركات الأمريكية العملاقة فهي كفيلة أن تُوَفِّرَ لها عقودا بها تربح ولو بتدمير الدول وتشريد الشعوب ، وليس ثم الآن أربح من العقد السوري ، فَيَتَقَاسَمُهُ الأقوى ولا يرى الناظر الآن في المشهد إلا واشنطن وإن بدأ دورها يتراجع وموسكو فدروها في المقابل يَتَصَاعَدُ ، وإن كان الجميع داخل إطار واحد ، إطار النظام الدولي بِأَنْوِيَتِهِ الصلبة الخفية فهو من يقف خلف الحكومات والدول وهو من يحدد أجندة العمل في المراحل القادمة وإن لم يسلم بداهة من الخطإ فليس معصوما فتجد من أخطائه ما يظهر وتجد من اختلاف أقطابه ما يطفو إلى السطح في أحيان كما يرى الناظر الآن من اختلاف بين واشنطن وموسكو في ملفات كثيرة .

والله أعلى وأعلم .