من أجناس الوحي التي ذكرت في الكتاب العزيز ، ما كان من الوحي الشرعي ، وحي الرب العليم الحكيم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وهو ما حُدَّ في مواضع لما لم يُسَمَّ فاعله كما في قوله تعالى : (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) ، فذلك من الإخبار الذي أردف بالإنشاء نهيا ، فـ : (لَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ، فكان من الوحي ما أجمل ثم أبين عنه على حد النيابة عن الفاعل نيابة الإطناب من الناسخ "أن" وما بعده ، فذلك مما يجري مجرى البيان والتفصيل بعد الإجمال ، فكان البيان المفصَّل من الناسخ "أَنَّ" ، ولا يخلو السياق من إطناب بضمير الشأن تَنْوِيهًا بالأمر فهو أمر عظيم ، فاتصل ضمير الشأن بالناسخ في "أَنَّهُ" فهو اسمه ، وبعده كان الخبر الذي حُدَّ حَدَّ الجملة المنفية ولا تخلو من إطناب في قول رب الأرباب جل وعلا : (لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) ، ودلالة النفي فِي هذا الموضع دلالة التأبيد فهو نفي مؤبد وإن لم تكن "لن" نصا في التَّأْبِيدِ ، فهي تفيد مطلق النفي ، وما زاد من دلالة تأقيت أو تَأْبِيدٍ فَهُوَ مما يستفاد من قَرِينَةٍ من خارجها فلا تفيد ذلك بأصل وضعها الأول في اللسان ، وإنما تفيده بما احتف بها من القرائن ، فكان من قرينة السياق ما دل على النفي المؤبد ، وكان من تقدير النائب عن الفاعل ما حُدَّ مصدرا مؤولا من "أَنَّ" وما دخلت عليه ، فهو في تقدير الرفع على نيابة الفاعل ، فتأويل الكلام : وَأُوحِيَ إلى نوح انْتِفَاءُ إيمان قومك إلا من قد آمن فتجهز واصنع الفلك لِتَنْجُوَ ومن آمن معك ، وذلك ما لا يُعْلَمُ إلا بالوحي فلا يعلم أن القلوب قد طبعت على الكفر إلا الله ، جل وعلا ، كما في خبر الخضر ، عليه السلام ، مع الغلام فما استجاز قتله إلا بوحي وتوقيف أنه لن يؤمن فهو من القبيل الكافر في نفسه المكفِّر لغيره ، فلو آمن لكان سببا في كفر واليده ، فكان من الرحمة الخفية أن يُقْتَلَ قَبْلَ أن يَبْلُغَ فَيَمُوتَ مؤمنا إذ لم يكلف بما كان من غيب مستقبل لَمَّا يَقَعْ ، فَنَجَا من الكفر وَنَجَا أَبَوَاهُ أن يكفِّرَهما فيكون سببا في هلاكهما فذلك مما يدخل في حد الفتنة في قول رب العزة جل وعلا : (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) ، فَقَتَلَهُ قبل أن يَبْلُغَ الرشد ، فكان من الوحي لنوح ، عليه السلام ، ما كان للخضر بعده ، وإن كان وحي نوح أعم فهو ما استغرق أهل زمانه بل أهل الأرض جميعا آنذاك فهو الأب الثاني للبشر بعد آدم ، عليه السلام ، إذ غرق الناس كلهم وانقطع نسل من معه فلم يخرج أحد بعده إلا من ظَهْرِهِ ، فكان من أولاده من هو أصل الأجناس ، العرب والترك والسودان ، فأوحي إليه غيب لا يعلم إلا بالتوقيف ، وإن كان ثم فسحة اجتهاد في الخروج من أرضٍ إذا غلب على الظن أنها لن تُثْمِرَ خَيْرًا بَعْدَ ما أَثْمَرَتْ ، كما كان من حال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ هاجر من مكة فقد انقطع خَيْرُهَا بعد من آمن مِنَ الأصحاب ، رضي الله عنهم ، فَلَنْ يؤمن أَحَدٌ بعدهم ولو في تلك الحقبة ، وإن آمن آحاد فَأَسَرُّوا إيمانهم أو خرجوا وحدانا مهاجرين بعد هجرة الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحبه ، حتى كان الفتح الذي آمن به الجمع فلم يكن هذا الإيمان لولا الهجرة والبيعة على القتال والنصرة فكان من بَرَكَةِ الفتح أن دخل الناس في دين الله ، جل وعلا ، أفواجا ، فكانت الهجرة إذ غَلَبَ الظن أن لا خَيْرَ يُرْجَى الآن من المهبط ، فكان شد الرحال إلى المهجر إذ ثَمَّ أرض جديدة بِكْرٌ منها تخرج جيوش الفتح لِتَنْشُرَ الضياء في الأرض وإن كان ثَمَّ من أهل العلم من يُرَجِّحُ أن هجرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت تَوْقِيفًا فلم يخرج إلا بِرُؤْيَا رآها ، فَرَآى دار هجرتهم ذات نخل بَيْنَ لَابَتَيْنِ ، فكان من صنيع نوح ، عليه السلام ، ما هو موضع اقتداء في مواضع ، وإن جلالا ، بالدعاء على قوم إذ غَلَبَ على ظن الداعي أنهم لن يُؤْمِنُوا فكان إفسادهم في الأرض عظيما فيهاجر من محلتهم ويدعو الله ، جل وعلا ، أن يهلكهم ويطهر الأرض من رجسهم ، فَيَتَأَوَّل ما تأول نوح عليه السلام من دعاء الجلال حيث يحسن ، فـ : (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) ، فكان من التعاطف في الآية ، آية هود ، خبرا : (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) ، ثم إنشاء : (فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ، فلا يخلو من تلازم إذ لا تخلو الفاء في "فَلَا تَبْتَئِسْ" ، لا تخلو من دلالة السببية ، فإذ لم يُؤْمِنْ أَحَدٌ ، وذلك ما حُدَّ حَدَّ القصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء في قوله تعالى : (لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) ، فَإِذْ لم يُؤْمِنْ أَحَدٌ فلا تَبْتَئِسْ ، فذلك نهي لا يخلو من دلالة التكليف ، فلا يخلو من معنى التحريم ، فضلا عن الإرشاد والتَّرَفُّقِ ، ولا تخلو الباء في قوله تعالى : (بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ، لا تخلو من دلالة السببية ، فضلا عن دلالة الكينونة الماضية التي زِيدَتْ فأفادت زِيَادَةَ مَعْنًى يُؤَكِّدُ ، وبعده كان الأمر ، فلا يخلو السياق من تلازم بين النهي والأمر ، فلا تَبْتَئِسْ ، فذلك مما يخلي المحل من أسباب العجز والكسل ، وبعده يعمر المحل بأسباب الجد والعزم ، وهو باعث الفعل في الخارج أن : (اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) ، ولا تخلو "أل" في "الفلك" أن تكون مَئِنَّةً من عهد خاص ، فذلك الفلك الذي صنعه نوح ، عليه السلام ، ولا تخلو الباء في قوله تعالى : (بِأَعْيُنِنَا) ، لا تخلو من دلالة المصاحبة مئنة من رعاية ، فتلك عين العناية ، ولا يخلو ذلك أن يكون من التفسير باللازم على وجه لا يستلزم نَفْيَ الأصلِ ، وهو وصف العين ، فَهِيَ من وصف الذات الخبري الذي جُمِعَ مَئِنَّةً من التعظيم ، فضلا عن إضافته إلى ضمير الفاعلين المجموع فذلك مما حَسُنَ معه الجمع إذ يَتَلَاءَمُ جمع الأعين مع ضمير الجمع الذي إليه أضيف ، وذلك ما خص أن دلت نصوص أخرى على وصف العينين ، فَنَفَى ، جل وعلا ، العور عن نفسه ، فذلك وصف الدجال كما في الخبر : "أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ" ، فكان من النفي ما أكد بالباء الداخلة على خبر ليس "بأعور" ، فوصف الله ، جل وعلا ، وصف السلامة من النقص وهو العور ، ولا يحصل الثناء التام إلا بإثبات ضده من الكمال ، فتخلية ثم تحلية على وجه يَلِيقُ بذاته ، جل وعلا ، وقد يحمل الجمع في آي هود : (بِأَعْيُنِنَا) ، قد يحمل على التثنية لا سيما وهو جمع قلة ، فأقل الجمع اثْنَيْنِ على وجه من وجوه اللِّسَانِ ، وهو قول المالكية رحمهم الله ، وثم وحي آخر قد أسند في هذا الموضع إلى ضمير الجمع في قوله تعالى : (وَوَحْيِنَا) ، وذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى التلاؤم إذ أضيف وصف الذات إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، وكذلك الشأن في إسناد وصف الفعل إلى ضمير الفاعلين ، فلا يخلو التعاطف من إخبار وإنشاء ، فاصنع الفلك مصحوبا بِرِعَايَتِنَا : رعاية العين إذ تَنْظُرُ على وجه يَلِيقُ بذات الرب المهيمِن ، جل وعلا ، فلا مانع يحول دون الجمع بين الحقيقة والكناية ، فالحقيقة ، وهي العين ، وصف ذات على وجه يليق بالرب السبوح القدوس ، جل وعلا ، والكناية ، وهي الرعاية ، وصف فعل ، فعل الرعاية والعناية ، وبعده كان النهي أن : (لَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) ، فكان من الحذف قياسا ما دل عليه السياق اقتضاء على تقدير : ولا تخاطبني في شأن الذين ظلموا ، فَحُذِفَ الموصوف وأقيم الوصف محله وهو ما حُدَّ حَدَّ الظرف "في الذين ظلموا" ، والموصول نص في العموم ، كما قَرَّرَ أهل الأصول ، ولا يخلو من إجمال أبانت عنه الصلة إذ اشتقت من مادة الظلم فهي مناط التعليل ، فَثَمَّ نَهْيٌ أن يخاطب الله ، جل وعلا ، في شأنهم ، فقد سبق في علمه الحكم بإهلاكهم ، فتلك حكومة العدل إذ قَارَفُوا من عظم الجناية ما استوجب العقاب الناجز ، والموعدُ الساعة ، والساعة أدهى وأمر ، فذلك موضع جلال لا تُصْلِحُهُ الرحمة ، ولا يحسن فِيهِ الظلم ، ولو كان المظلوم ظالما قَدْ قَارَفَ من الجناية ما عَظُمَ ، فَلَيْسَ ذلك سَبَبًا يُجِيزُ الظلم فهو مِمَّا حرمه الله ، جل وعلا ، على نَفْسِهِ وعلى كل أَحَدٍ ، فكان من الحكمة أن يُؤْخَذَ الظالم بما قارف سواء أكان ذلك بحكومة الشرع العادلة فيكون ذلك امتثالا لتكليفٍ به صلاح الأرض وشفاء صدر من آمن أن أُخِذَ الظالم بِمَا قَارَفَ أَخْذَ الجلالِ بحكم السماء فذلك أَكْمَلُ أَخْذٍ في هذه الدار ، وهو ما يكمل يوم الحشر إذ يكون من كمال الحكومة الإلهية عدل محكم لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً مِمَّا اقْتَرَفَ الظالم الذي انْتَهَكَ حُرُمَاتِ الوحي سواء أكان ذلك على حد النقض لأصل الإيمان ، كما في هذا السياق ، فإن إطلاق لقب الظلم قد استغرق وجوه المعنى فضلا أن إطلاقه ابتداء يَنْصَرِفُ إلى الجنس الأكبر الناقض لأصل الدين فذلك ظلم الكفر والشرك ، كما قد صنع قوم نوح ، عليه السلام ، فكان منهم الكفر إعراضا عن دعوى الحق واستهزاء بصاحبها وهو يصنع الفلك ، فـ : (يَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) ، فكان من المضارعة ما استحضرت به صورة قد انقضت ، وكان من الظرف "كُلَّمَا" ما أفاد التكرار وذلك آكد في تسجيل الجناية ، فتلك سخرية من الوحي وهي مما يَنْقُضُ الأصل ، فَكَانَ من رَدِّ الجناية بِمِثْلِهَا مُكَافَئَةً في الفعل ، وإن اختلفت الحال فسخرية الكافر من المؤمن ظلم بل هو من الكفر إذ ما سَخِرَ منه إلا لأجل ما انْتَحَلَ من الديانة وما عَظَّمَ من أحكام الرسالة ، وسخرية المؤمن من الكافر عَدْلٌ ، فكان من جِنَاسِ الاشتقاق من مادة واحدة ، وهي السخرية ، في "تَسْخَرُوا" و "نَسْخَرُ" ، كان مِنْهُ ما به المكافئة في الحكومة ، ولا تخلو من دلالة الاشتراك إذ تَجْرِي مَجْرَى الأضداد وإن كانت المادة واحدة ، فسخريتهم ظلم وسخرية نوح ، عليه السلام ، ومن مَعَهُ عَدْلٌ ، فسخروا من نوح ، عليه السلام ، إذ بَاشَرَ التَّكْلِيفَ فَشَرَعَ يَصْنَعُ الفلك ، وهو وحي من الله ، جل وعلا ، فَسُخْرِيَتُهُم ، لو تدبر الناظر ، من الوحي ، وذلك ما رجح استصحاب الأصل في هذا الباب ، أَنْ حُمِلَ الظلمُ على الجنس الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، كما في قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، فإن من الظلم كُفْرٌ كَكُفْرِ قَوْمِ نُوحٍ ، ومنه شرك كما في شرك الحكم أن عُطِّلَ حكمُ الوحي النَّازِلِ واستبدل به حكم الوضع الحادث ، فكان من وصف الظلم ما أُطْلِقَ ، من وجه ، وَاسْتَغْرَقَ من آخر فتلك دلالة "أل" في "الظالمون" ، فهي مئنة من بَيَانٍ لجنس المدخول الذي اشْتُقَّ من مادة الظلم ، فضلا عن عموم قد استغرق وجوه المعنى فذلك الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، وذلك ، لو تَدَبَّرَ النَّاظِرُ ، ما يَعُمُّ معناه فلا تُخَاطِبِ الله ، جل وعلا ، في ظالم قد استوجب العقاب فذلك موضع جلال تَضُرُّ فيه الرحمة والرأفة ، كما الحد في قوله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) ، فذلك من نَهْيِ التحريم ، ولا يخلو من دلالة الإرشاد والتحذير فلا يأخذكم جمال في موضع الجلال ، فذلك مما يضر كما ضده من الجلال في موضع الجمال فالحكمة ، كما تَقَدَّمَ مِرَارًا ، تَقْضِي أن يُوضَعَ الشيء فِي المحل الذي يُلَائِمُ فَيَقْبَلُ آثاره ، إن جمال رحمة أو جلال عذاب ، ومنه حَدٌّ قد قُدِّرَ في الشرع فهو كفارة لصاحبه فلا يخلو من رحمة ، لو تدبر الناظر ، ولو بالنظر في مآله ، وإن كان الجلال هو المقدَّم في موضع العقاب على وجه لا يجيز الظلم والتَّعَدِّي في استيفائه ، ولو كان صاحبه أظلم الخلق فلا يُجِيزُ ذلك في حقه الظلم ، ولا يجيز ، في المقابل ، رحمة في غير موضعها فذلك من الْوَرَعِ الْبَارِدِ أن تَكْرَهَ النَّفْسُ استيفاء الحق المشروع ، فيكون من العذاب ما يجريه ، جل وعلا ، على أيدي أوليائه أن : (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) ، فيكون من شفاء الصدر وذهاب الغيظ ما يسلك جادة العدل فلا ظلم ، فهو شفاء محمود يجاوز شماتة الظالم الذي يَلْتَذُّ بِمَا يُوقِعُ بالمظلوم من آلام ، فلا يصنع ذلك إلا لئيم الأصل دَنِيُّ النَّفْسِ قد خَبُثَتْ روحه فهي مما كُتِبَ في الأخسرين أعمالا وإن ظن صاحبها أَنَّهُ يحسن العمل فهو كفرعون إذ خاف الكليم ، عليه السلام ، فـ : (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) ، فَزَعَمَ الإصلاح وَتَشَبَّعَ بما لم يُعْطَ من مناجزة الفساد فما يظلم إلا لِيُصْلِحَ البلادَ والعبادَ ! ، فَيُقَارِفُ سبب الهلاك طلبا للنجاة وتلك مكابرة في الدعوى وضلال عظيم قد طُبِعَ على قلب صاحبه فلا يَفْقَهُ ولا يَمِيزُ ما يصلح مِمَّا يُفْسِدُ ، فَطُمِسَ على بَصَرِهِ وَطُبِعَ على قلبه طَبْعَ تَكْوِينٍ نافذ قد استحق به العقاب الناجز ، فصار من شفاء الصدر أن يقع به من العذاب ما يُؤْلِمُ ، وإن لم يكن ذريعة أن يُظْلَمَ ، فَشِفَاءُ الصدر وَفَرَحُ النفس أن يُوقِعَ به أهل الحق عقاب الشرع أو يكونَ من نَوَازِلِ الكون ما به يُنْصَرُ أهل الحق بهلاك ظالم قد عظم إفساده ، وذلك ما يستغرق قبيلا من الظالمين قد تعاضد فليس ظالم يصنع شيئا إن لم يكن ثم من يُزَيِّنُ له سوء عمله من شياطين الجن والإنس فَيُوَاطِئُ تَزْيِينُهُمْ ما يَهْوَى من الفحش والخبث فالمحل فاسد قد سَفُلَ فلا يقبل آثار الخير فلا يقدر له إلا شيطان يُزَيِّنُ وخبيث يُؤَيِّدُ فهو أداة ظلم تَصُدُّ عن سبيل الوحي فَتَبْطِشُ وتسخر كما كان من حال نوح مع قومه ، فكان من فساد الصورة العلمية ما ظهرت آثاره في القول والعمل فسخروا ولو فَقِهُوا ما اجْتَرَءُوا أن يقارفوا هذه الجناية العظمى ، فيسخروا من الوحي وأتباعه فذلك مما يمد الله ، جل وعلا ، فلا يعجل في الأخذ ، فَيُوِفِّي الظالم حظه في الأولى ، فلا يظلمه شيئا ولا يَبْخَسُهُ في دنيا وزينة قَدْ قَدَّمَهَا عَلَى آخرة تَبْقَى فلا تَفْنَى ، فذلك ، أيضا ، من فساد الحكم أن فسد التصور ولا يكون ذلك إلا لخبث في المحل قد طُبِعَ عليه ، فكان العدل أن يوضع فيه ما يلائمه من فاسد الصورة العلمية وباطل الصورة العملية ، وذلك مئنة من كمال الربوبية في خلق الأضداد وَتَدَافُعِهَا تَدَافُعَ الأغيارِ على وجه به تظهر آثار القدرة والحكمة فَيُثْنِي العباد على ربهم ، جل وعلا ، بما هو له أهل ، من كمال الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، فكان من العموم ، لو تدبر الناظر في قوله تعالى : (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) ، فذلك ما استغرق كُلَّ ظلمٍ سواء أكان باعثه بغضا قد حصل في صدر لئيم فهو يناجز الوحي وأتباعه أم كان باعثه حرصا على دنيا يظلم لأجلها ويبطش ، وإن لم يبلغ في الفحش ما قد بلغ الأول ، فَثَمَّ عموم قد استغرق ، وإن انصرف السياق ، بادي الرأي ، إلى الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، فَقَدْ كَفَرَ قَوْمُ نوحٍ الكفرَ الأكبرَ ، فالسياق ، مع ذلك ، يحتمل الظلم الأصغر ، فعاقبته وخيمة وَبِيئَةٌ ، فلا يُخَاطَبُ الله ، جل وعلا ، في صَاحِبِهَا أن يُرْفَعَ عنه العقاب فمن أحب ذلك فدعا لظالم بالسلامة فقد أراد ما يغضب الله ، جل وعلا ، أن يُعْصَى في الأرض ، فلا يدعو العاقل لظالم وإنما يكثر الدعاء عليه أن يهلكه الله ، جل وعلا ، فيجعله آية وعبرة فلا يسدد أبدا إلى تَوْبَةٍ وأن يعجل بهلاكه ليسلم الخلق من شره ، سواء أكان هلاكه بسيف الشرع العادل أم بقدر الكون النازل ، فذلك موضع جلال لا يحسن فيه الجمال ، وهو من رد العدوان بمثله ، فـ : (لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) ، فلا يلام المظلوم إذ فرح بهلاك الظالم ، ولا يلام إذا دعا عليه ألا يسدد إلى خير ، فلا يتوب الله ، جل وعلا ، عليه ولا يكون له من دنياه إلا الهم والحزن ، فَيَتَأَوَّلَ المظلومُ دعاءَ الكليم عليه السلام أن : (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) ، فَكَانَ من التَّوَسُّلِ بعنوان الربوبية في موضع جلال ، فتلك ربوبية التكوين النافذ ، فلا تخلو من مَعْنَى الجلال في الدعاء على الفاسد كما لا تخلو من مَعْنَى الجمال في الدعاء للصالح ، فهي ، أيضا ، مما يجري مجرى الجنس العام الذي تَنْدَرِجُ تحته آحاد ، فمنها ربوبية الجمال فآثارها تستجلب بدعاء الخير أن يُنَجِّيَ الله ، جل وعلا ، أهل الحق وأن يَنْصُرَهُمْ على أعداء الوحي وأن يُورِثَهُمُ الأرض في الأولى والآخرة فيكون من شفاء الصدور ، صدور من آمن ما به تعظم المنة الربانية فلا مِنَّةَ أعظم أن يَسُودَ الشرع فَتُحْكَمَ بِهِ الأرض ويظهر من آثاره جلالا وجمالا ما به صلاح الدارين فذلك أعظم أسباب الفرح أن ينصر الله ، جل وعلا ، دينه إما بيد أوليائه بما يُسْتَفْرَغُ من أسباب القوة والمصابرة ، وإما بِقَدَرٍ نافذ هو الغيث لمن آمن إذا بذل الأسباب أو عجز فلم يَعُدْ ثَمَّ سبيل ، فكان من عناية الرب الجليل المجيد أن أَنْزَلَ عقابه بالظالم اللئيم ولو بعد حين به يستدرج ، فَيَسْخَرُ كما قد سخر قوم نوح ، عليه السلام ، وكان من عنايته رحمة ورأفة بأهل الحق أن أنجاهم ، فَنُجِّيَ الرسل، عليهم السلام ، ومن معهم من حزب الإيمان ، فـ : (نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) ، فذلك من الفعل الذي أسند إلى ضمير الجمع مئنة من التعظيم ، فَنُونُ المضارعة صدر العامل "نُنَجِّي" قد دلت على الفاعل الذي استكن إيجابا فهو ضمير الفاعلين فذلك ، أيضا ، من مواضع الجلال التي يحسن فيها التعظيم إذ أُسْنِدَ الفعل إلى ضمير مجموع قد استتر إيجابا وتقديره "نحن" ، ولا يخلو السياق من جمال ورحمة بالرسل ومن آمن معهم ، فإن الجهة قد انفكت فلا تعارض فإنجاء المؤمنين رحمة بهم وَذَلِكَ الجمال ، ولا يخلو من إهلاكٍ لِعَدُوِّهِمْ وَبِهِ شِفَاءُ صدورهم وَذَلِكَ الجلال ، فاحتمل الإسناد في هذا السياق كِلَا الوجهين ، جلالا وجمالا ، وكلاهما مما يحسن فيه الإسناد إلى ضمير الجمع في قوله تعالى : (نُنَجِّي) ، ولا تخلو مضارعته من استحضار للصورة فذلك مما تطمئن به قلوب الصالحين وَتُقَضُّ به مضاجع الظالمين فليس لهم من العاقبة إلا ما يسوء ، وليس لهم من العاجلة إلا ما به الإملاء والاستدراج ، ولا يخلو من ضنك وَهَمٍّ لا تخطئه العين وشؤم في النفس والمال والأهل والولد فَثَمَّ من أجناس العقاب ما يُرْسِلُهُ الله ، جل وعلا ، تَتْرَى ، أحس به من يُعَاقَبُ أو فسد حسه فلا يشعر ، أصابته عين الخبير أو ضلت عنه عين من اغتر بالزينة الظاهرة وإن سترت ذلة باطنة لا تَنْفَكُّ آثارها تظهر في قسمات الوجه واختلاجات الأركان فهي أبدا في اضطراب وَانْزِعَاجٍ يحكي ما يَقُومُ بالنفس من الذل والخوف ، فذلك من عاجل العقوبة لمن عصى ، فذلة العصيان لا تفارق وجهه وإنما الشأن أن تسلم النفوس من الكدر فلا تَغْتَرَّ بعارض زينة قد ظهر ، فلا تغتر كما اغتر من رآى قارون في زينته ، فـ : (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ، فتلك مقالة من لم يحسن القياس والنظر إذ أردا الدنيا العاجلة إرادة الحرص والشح فَفَسَدَ العقل والنظر فلم يحسن يُقَدِّرُ الأمور حق قدرها فَاغْتَرَّ بِظَاهِرٍ يَعْرِضُ ، فاقتصرت حكومته على الظاهر العاجل ولم ينظر فيما خفي من البواطن وما اسْتُقْبِلَ من العواقب ، فكان من المضارعة في فعل الإنجاء "نُنَجِّي" ، وهو مما تعدى بالتضعيف ، فلا تخلو زيادة مبناه من أخرى تضاهيها في المعنى ، فَتَعَدَّى إلى الرسل ، عليهم السلام ، ومن آمن معهم ، فكان من الفعل ما أسند إلى ضمير الفاعلين المجموع وهو ما استتر إيجابا فدلت عليه النون ، نون المضارعة صدر العامل "نُنَجِّي" ، وهو ما تَكَرَّرَ في مواضع من التَّنْزِيلِ ، كما في قول الرب الحميد المجيد تَبَارَكَ وَتَعَالَى : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) ، فكان من إناطة الحكم ما يجري مجرى التعليل طردا وعكسا إذ أنيط حكم الإنجاء بوصف التقوى الذي اشتقت منه الصلة في قوله "الذين اتقوا" ، وهو ما أطلق فاستغرق أجناس التقوى ما بطن منها وما ظهر ، فَتُكَافِئُ الإيمان من هذا الوجه وهو ما يَعُمُّ الاعتقاد والقول والعمل فيحمل على الجنس الكامل حتى يَرِدَ دليلٌ صَارِفٌ ، فالتقوى الكاملة سبب في حصول النجاة الكاملة ، وما كان من تقوى ناقصة فَبِهَا النجاة ولو بعد وعيد قد يَنْفُذُ عدلا وقد لا يَنْفُذُ فضلا ، فمآله النجاة وإن كانت بداهة دون النجاة ابتداء ، ثم كان شطر ثان استوفيت به القسمة في قوله تعالى : (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) ، فكان من إناطة الحكم في "نَذَرُ" ، وهو حكم الجلال في مقابل حكم الجمال إنجاء ، كان من إناطة الحكم : حكم الجلال بِوَصْفِ الظلم الذي اشتق منه الاسم ، اسم : "الظالمين" ، فلا يخلو من دلالة الوصل العام إذ دخلت "أل" على الاسم المشتق فتأويلها من هذا الوجه "الذين ظلموا" ، فكان من إناطة الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة ، كان من ذلك ما اطَّرَدَ وَانْعَكَسَ ، كما الشطر الأول ، فاطرد الحكم وانعكس في كلا الشطرين جمالَ إنجاءٍ وجلالَ إنجاءٍ ، فالحكم فيهما جميعا يدور مع العلة تَقْوَى أو ظُلْمًا ، يدور معها وجودا وعدما ، وكذلك الشأن في موضع جمال آخر بالاستجابة لدعاء المضطر ، كما قد دَعَا ذو النون عليه السلام ، فـ : (نَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) ، فكان من دعاء الثناء والإقرار بالذنب ، وبعده كانت الاستجابة على حد الفور في "فَاسْتَجَبْنَا" ، وذلك مئنة من كمال العنابة الرَّبَّانِيَّةِ وهو ما يليق بمقام الرسالة السماوية فكانت الاستجابة التي أسندت إلى ضمير الفاعلين في "اسْتَجَبْنَا "مئنة من التعظيم ، ولا يخلو ذلك من كمال رعاية فالإضافة إلى ضمير الجمع مئنة من كمال التعاهد ، ولا تخلو من أوصافٍ تَقْتَرِنُ بِهَا يكون الإنجاء إذ يكون بالقدرة جلالا والحكمة جمالا أن يستجيب دعاء من دعا فَبَذَلَ ما تَيَسَّرَ من السبب ولو تسبيحا في بطن الحوت ، ويكون من الرحمة بصاحب البلاء أن يُنْقِذَهُ من غَيَاهِبِ الظلمات ، وبعده كان فعل الإنجاء الذي حُدَّ ، أيضا ، حَدَّ التضعيف ، وأسند إلى ضمير الجمع مئنة من التعظيم ، فَنَجَّاهُ الله ، جل وعلا ، من الغم ، وبعد المثال الخاص كان الأصل العام : (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) ، فَأُنِيطَ فعل الإنجاء بمعنى الإيمان الذي اشتق منه الوصف المشبه المجموع جمع التذكير "المؤمنين" ، وهو ما استغرق بدلالة "أل" فضلا عن دلالة التَّغْلِيبِ فَهُوَ يستغرق الإناث كما الذكور ، وإن لم تَخْلُ من دلالة الوصل ، من وجه آخر ، أَنْ دَخَلَتْ على الاسم المشتق ، فتأويلها من هذا الوجه : وكذلك نُنْجِي الذين آمنوا فأنيط حكم الإنجاء بمعنى الإيمان الذي اشتقت منه الصلة وذلك مما يطرد وينعكس ، فإنجاء المؤمن جمالا ، وإهلاك الكافر جلالا .
فكان من المضارعة فِي "نُنَجِّي" في آي يونس : (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) ، كان مِنْهَا استحضار الصورة وذلك آكد في الاعتبار ، وكان مِنْهُ ، أَيْضًا ، ما يَسْتَغْرِقُ الحالَ والاستقبالَ ، فتلك سنة جارية وإن تَأَخَّرَ تَأْوِيلُهَا فلا يَعْجَلُ الجبار ، جل وعلا ، لعجلة أحد من خلقه ، وإنما الحكمة قد تَقْضِي بِالتَّعْجِيلِ تارة والتأجيل أخرى ، ولكلِّ حال من الأحكام ما يلائمها فتلك سنة قد اطردت إن في أحكام التكوين أو في أحكام التشريع ، وبها يصح التعليل إذ يكون الحكم الذي يدور مع السبب وجودا وعدما ، سواء أكان حكم تكوين أم حكم تشريع فذلك ، كما تقدم ، أصل يطرد في كل حكم ، سواء أكان حكم جمال كما تقدم من إنجاء الرسل ، عليهم السلام ، ومن آمن معهم ، أم حكم جلال بإهلاك خصومهم ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يتلازم ، فلا يكون إنجاء أهل الحق إلا بإهلاك خصومهم من أهل الباطل ، فالأول جمال والثاني جلال وبهما الثناء بالكمال المطلق على الرب الرحيم الجبار ، فرحمته بمن آمن وَجَبَرُوتُهُ يُهْلِكُ الظالمَ ، فالمضارعة في "نُنَجِّي" مئنة من حال واستقبال فتلك سنة جارية فلا تقتصر على زمن الرسالات وإنما تستغرق ما تلاها من أعصار ، فَيُنَجِّي ، جل وعلا ، من آمن ويكون من حسن العاقبة ما به يفرح المؤمنون فهو من عاجل البشرى بالنصر سواء أكان بأيديهم أم بأيدي غيرهم ، وسواء أكان بحكومة الشرع التي يَتَأَوَّلُهَا أهل الحق تَأَوُّلَ العدل فلا ظلم فهو من أعظم الشؤم الذي يمحق البركات فلا يكون ظلم الظالم ، كما تَقَدَّمَ ، ذريعة أن يُظْلَمَ فَيُزَادَ من عقابه ما لم يشرع ، فذلك تشف لا يحمد خلاف ما يكون من شفاء الصدور ، صدور من آمن بِتَأَوُّلِ أحكام الجلال مناجزةً أن : (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) ، فَسَوَاءً أكان بحكم الشرع أم بحكم الكون بما يكون من قَوَارِعَ بِهَا يَنْصُرُ ، جل وعلا ، من آمن إذا عجز فَلَمْ يطق دفع الصائل الظالم فاستفرغ ما أطاق من الأسباب ، جلالا بالزجر أو جمالا بالدعوة إلى الحق حيث يُرْجَى الخير ، فـ : (ذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) ، فكان من الأمر ما قَدْ قُيِّدَ بالشرط "إن نفعت الذكرى" ، فلا يخلو من دلالة مفهوم أن لا تُذَكِّرَ إذ لا يكون ثَمَّ يَقِينٌ أو ظن راجح أن ليس ثم نَفْعٌ يُرْجَى من وعظ من قَدْ فَحُشَ ظلمه فلا يَرْعَوِي بل تذكيره قد يُفْضِي إلى ظلم أعظم ، فهو جبار قد أخذته العزة بالإثم ، فكان من الأمر ما استغرق وجوه التذكير إذ أُطْلِقَ صدرَ الآية ، فاستغرق التذكير بالأصل ، أصل التوحيد الجامع ، والتذكير بالشرع ، وهو أصل آخر بل لا يَنْفَكُّ يدخل في أصل التوحيد فَثَمَّ توحيد العلم الباطن وَثَمَّ توحيد العمل الظاهر ومنه الحكم بالوحي النازل ، وإلا كان صاحبه من أهل الظلم الأكبر كما تقدم في آي المائدة المحكم ، فـ : (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، فكان من التذكير في قوله تعالى : (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) ، ما توجه إلى المخاطَب الأول وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك خطاب المواجهة الأول فَيَتَحَمَّلُهُ وَيُبَلِّغُ مبناه وَيُبَيِّنُ معناه ، ومن بعده فهو يَتَحَمَّلُ عنه تحملا ثانيا يَتْلُو تحمله الأول فالخطاب يستغرقهم من هذا الوجه فهو خطاب التكليف الأعم ، وذلك الأصل في خطاب الوحي إلا أن تكون ثم قرينة تخصيص فذلك خلاف الأصل فلا يُصَارُ إليه ابتداء وإنما يجري مجرى الضرورة التي تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا فيكون من القدر ما يَفْتَقِرُ إلى دليل ناقل عن الأصل وإلا فاستصحاب الأصل هو الأولى فيكون الخطاب عاما يستغرق كل مكلف ، فاتسعت دائرة التكليف ، وَاتَّسَعَتْ دائرة التذكير ، وهو ما اسْتَغْرَقَ أجناسَ الذكرى ، وَاسْتَغْرَقَ ظَرْفَ التكليف ، وهو ما قد خُصَّ بحال يُرْجَى فيها النَّفْعُ ، فلا تحسن الذكرى في كل آن ، بل قد يكون ذلك سَبَبًا في السآمة والملل فَتَنْفِرُ النفوس من الحق ، وقد يكون سَبَبًا في فساد أعظم إذا ذَكَّرَ طاغوت لا يزيده التذكير إلا فحشا في القول وظلما في الفعل ، وقد يكون من إضاعة الجهد والوقت أن يجتهد صاحب الذكر في استصلاح نَفْسٍ قد فسدت فلا يُرْجَى مِنْهَا خَيْرٌ ، فهي كالأرض التي لا تُنْبِتُ فَبَذْرُ الزَّرْعِ فيها لا ينفع ، وسقايته إهدار للجهد والمال ، وذلك سَفَهٌ صاحبُه يُلَامُ فَخَيْرٌ له أن يعدل إلى أخرى يُرْجَى من استصلاحها أن تُنْبِتَ وَتُثْمِرَ فيكون من الخير ما يَنْفَعُ ، فكان من القيد بالشرط "إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى" ما يفيد بالمفهوم ، ولا يخلو السياق من تقدير محذوف وهو جواب الشرط ، فتقدير الكلام : إن نفعت الذكرى فَذَكِّرْ ، فَحُذِفَ الجواب الذي حُدَّ حَدَّ الإنشاء أمرا لا يخلو من دلالة الإيجاب والإرشاد إلى المواضع التي تَنْفَعُ فيها الذكرى ، فالحكمة تَقْضِي أن يُوضَعَ الشيء في المحل القابل لآثاره فَتُوضَعَ الذكرى حيث تَنْفَعُ فبذلها لمن لا يقدرها حَقَّ قدرها سفه يخالف عن جادة الحكمة إذ يُوضَعُ الشيء في غير محله ، فكان من أمر التشريع ما وافق القياس الصريح ، إذ قُيِّدَ بالشرط ذي المفهوم ، فاطرد الحكم وانعكس إذ دار مع علته وجودا وعدما ، على تقدير جواب قد حذف إذ تقدم صدر الآية ، فدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر ، وكان من الفاء في الجواب "فَذَكِّرْ" إذ قُدِّرَ بَعْدَ الشرط "إن نَفَعَتِ الذكرى" على ما تقدم من تأويل : إن نفعت الذكرى فَذَكِّرْ ، كان من هذه الفاء ما يجري مجرى الإيجاب فهي واجبة حال الربط إذ الجواب إنشاء ، ولا تخلو من دلالة الفور والتعقيب وذلك آكد في البيان والتقرير فضلا عن معنى السببية ، فحصول اليقين أو غلبة الظن أن الذكرى تَنْفَعُ سَبَبٌ أن يُبَادِرَ صاحبها فَيُذَكِّرَ ، فَذَكِّرْ إن نفعت الذكرى وذلك المنطوق ، ولا تذكر إن لم تَنْفَعِ الذكرى فذلك المفهوم ، سواء أكان ذلك على حد التخيير فصاحبه في حِلٍّ فلا يأثم إن لم يُذَكِّرْ إذ لا تَنْفَعُ الذكرى إلا أن يَرْجُحَ التذكير من وجه آخر ، كأن تقام الحجة في موضع قد عمت به البلوى بما يكون من شبهة يَبُثُّهَا المخالفُ فيكون من تذكيره بالحجة والبرهان الداحض لشبهته ما يَنْفَعُ الناس وإن لم يَنْفَعْهُ فَقَدْ طَبَعَ الله ، جل وعلا ، على قلبه ، فلا تذكر إن لم تنفع الذكرى فذلك المفهوم ، سواء أكان ذلك على حد التخيير ، كما تقدم ، أم على حد التحريم فلا تذكر إذ تذكير الظالم في أحيان قد يُفْضِي إلى فساد أعظم فيكون من الحكمة أن يُتْرَكَ غافلا ! ، كما أثر زمن التتر إذ اجتاحوا دور الإسلام فكان من سكرهم ما يكف شرهم فَنَهَى من نَهَى من المحققين أن يذكروا في الخمر فَتَرْكُهُم سكارى خير لأهل الدار ! ، فلا يكون حال يقظتهم إلا الشر والظلم .

فيكون من نجاة المؤمنين ، كما تقدم ، ما يشفي الصدور ، وهو مِنْ وَعْدِ ذي الملكوت ، جل وعلا ، وَعْدَ الصدق الذي حُدَّ حَدَّ المضارعة في قوله تعالى : (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) ، وَأُسْنِدَ إلى ضمير الفاعلين ، وهو من إسناد الفعل إلى الفاعل ، مئنة من التعظيم جمالا في حق المؤمن الناجي وجلالا في حق الكافر الهالك فاستغرق شطري الكمال وبه يحسن الثناء على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، وكان من حسن التلاؤم في الألفاظ أن أضيف اسم الرسل إلى ضمير الفاعلين ، وذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى التعظيم ، من وجه ، وكمال العناية بالمضاف من آخر ، وهو من إضافة المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، تكريما لا يخلو من معنى الرعاية فأصحابه بأعين الله ، جل وعلا ، كما تقدم من مصاحبة العين الراعية حال يصنع نوح الفلك الناجية في قوله تعالى : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) ، وكان من الإطناب في قوله تعالى : (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) ، فلا يخلو ، من وجه ، أن يكون من عطف العام على الخاص فالرسل ، عليهم السلام ، من جملة من آمن ، فَخُصُّوا بالذكر ابتداء ولا يخلو اسمهم من دلالة تَعْلِيلٍ بالنظر في معنى الإرسال فهو سبب في النجاة الأخص ، وبعده كان معنى الإيمان الذي اشتقت منه الصلة "آمنوا" فهو سبب النجاة الأعم ، فكان العموم بعد الخصوص ، وكان التَّعْلِيلُ إذ أجمل الموصول وَبَيَانُهُ ما تَلَاهُ من الصلة إذ أُنِيطَ حكم الإنجاء بالمعنى الذي اشتقت منه وهو معنى الإيمان ، كما تقدم ، ولا يخلو من دلالة إطلاق فهي تَنْصَرِفُ إلى معنى الإيمان الكامل وإن حصل لمن نَقَصَ إيمانه فَثَبَتَ له أصله دون كماله ، وإن حصل له من النجاة ما يُوَاطِئُ درجته ، فقد يَنْجُو ابتداء وذلك الفضل ، وقد يكون من الكفارة الشرعية حدا في الدنيا أو عاجلَ العقوبة الكونية فيها ، أو ما يكون من عقاب البرزخ أو ما يكون من عقابٍ في دار المحشر ، قد يكون من ذلك العدل فلا ينجو ابتداء وإن نجا انْتِهَاءً ، فأنيط الحكم بمعنى الإيمان ولا يخلو الموصول وصلته من دلالة تغليب إذ حُدَّا حَدَّ التذكير ، الاسم الموصول "الذين" وضمير الجمع المذكر ، الواو في "آمنوا" ، ولا يخلو السياق ، من وجه آخر ، أن يجري مجرى التَّشَاطُرِ ، فالرسل شطر ، ومن آمن معهم آخر ، فيكون التعاطف على حد التقاسم الذي يستوفي شطري القسمة ، ولا يخلو ، أيضا ، أن يكون مَنْطُوقًا ذا مفهوم ، فَيُنَجِّي الله ، جل وعلا ، الرسل ، عليهم السلام ، ومن آمن ويهلك خصومهم من الكفار والظالمين ، فتلك سنة جارية وحق واجب قد امتن به ، جل وعلا ، فأوجبه على نفسه ، فـ : (كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) ، فَثَمَّ من التوكيد : التوكيدُ بالمصدر الذي حذف عامله على تقدير : وأحق ذلك حقا ، كما قدره أهل الشأن ، وكان من حسن التلاؤم بين أجزاء الكلام أن أسند فعل الإنجاء ختام الآية إلى ضمير الفاعلين المستتر إيجابا كما الحال صدر الآية ، وقد أنيط حكم الإنجاء في الختام ، أيضا ، أنيط بوصف الإيمان فهو يدور معه وجودا وعدما كما الحال صدر الآية ، فكل أولئك مما يحمل الناظر أن يجتهد في الدعاء على الظالم فهلاكه سبب في إنجاء المؤمن ، على ما تقدم من دلالة المفهوم إذ لا يخلو من تلازم ، فَيُنَجِّي ، جل وعلا ، من آمن فضلا ، ويهلك من كفر وظلم ، يُهْلِكُهُ عدلا ، سواء أكان ذلك بحكومة شرع عادل أم بحكومة قدر نافذ ، وسواء أَعُجِّلَ ذلك في الأولى أم أُجِّلَ في الآخرة ، أم كان منه بعض في هذه الدار وما ادخر له في الآخرة أدهى وأمر ، فكان من دعاء الكليم عليه السلام على الظالمين ما يدخل في ذلك ، فقد توسل ، كما تقدم بعنوان الربوبية جمالا يُسْتَجْلَبُ بالدعاء لمن آمن أن يَنْجُوَ ، وجلالا بالدعاء على الكافر والظالم ، فـ : (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) ، فكان من الدعاء ما به الطمس على الأموال ، والطمس على الأبصار والبصائر ، وهو ما أردف بالعلة في قول رب العزة جل وعلا : (فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) ، فَحُدَّ حَدَّ السببية القياسية فالفاء نص فيها إذ سبقت بدعاء وهو من جنس الإنشاء ، فذلك ما رجح في الفاء معنى السببية فهي نَصُّ فِيهَا في هذا الموضع ، كما قَرَرَّ أهل الشأن ، فكان من الدعاء عليهم بالطمس فلا يؤمنون ولا يُسَدَّدُونَ إلى تَوْبَةٍ حتى يَرَوا العذاب الأليم فلا يَنْفَعُهُمُ الإيمان وقد صار الغيب شهادة ، كما قد استجيب فكان من إيمان فرعون إذ لا يَنْفَعُ إيمان ، فـ : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) ، فَثَمَّ استفهام لا يخلو من توبيخ وتهكم ، فالآن تؤمن وقد عصيت قَبْلُ وذلك ما يُحْمَلُ على الجنس الأكبر لقرينة السياق فلا عصيان بداهة أعظم من عصيان فرعون الذي نازع الرب ، جل وعلا ، منصب الربوبية والألوهية جميعا ! ، وثم من إثبات الجناية أن حدت حد الكينونة الماضية في قوله تعالى : (وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) ، فضلا عن دلالة "مِنْ" ابتداء غاية وَبَيَانَ جنس فَمِنْ معدن الإفساد قد خَرَجَ فَفَسَادُه الفساد المبين وإفساده في الأرض الإفساد العظيم ، وإطلاق الاسم قد انصرف إلى الجنس الأكبر ، فضلا عن استغراقه وجوه الإفساد بالقول والعمل ، فلا إفساد أعظم من إفساد الشرك والكفر فكان من الكينونة الماضية ما زاد في المعنى كما تقدم فَضْلًا عن دلالة ابتداء للغاية من جنس المفسدين فدلالة "أل" في "المفسدين" لا تخلو من استغراق لوجوه المعنى ، معنى الإفساد في الأرض ، وذلك آكد في التَّقْرِيرِ وَالتَّوْكِيدِ من القول في غير التَّنْزِيلِ : وقد عصيت وأفسدت ، أو عصيت وكنت مُفْسِدًا .
فكان من الدعاء ألا يُؤْمِنُوا ولا يُسَدَّدُوا إلى تَوْبَةٍ في قوله تعالى : (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) ، لا تَأَلِّيًا على الله ، جل وعلا ، فلم يجزم الداعي أن الله جل وعلا لا يَتُوبُ عليهم فهو القادر على ذلك وإنما اجتهد الداعي أن يسأل الله جل وعلا حرمانهم من الخير لما قارفوا من الجناية ، فدعوتهم إلى الحق والحال كذلك عبث يَتَنَزَّهُ عنه العاقل فضلا عن المؤمن الكامل ، وإن لم يجزم الداعي أنهم هالكون فذلك مما لا يُنَالُ يَقِينًا إلا من مشكاة الوحي كما قد نَالَهُ نوح عليه السلام ، فأوحي إليه ، والفاعل مما قد علم ، بداهة ، فكان الإيجاز بحذفه ، فأوحى إليه ربه ، جل وعلا ، فـ : (أُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ، وكان من الأمر ثم النهي في قوله تعالى : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) ، فلا يخاطب في شأن من ظلم ، وإطلاق العامل ، كما تقدم ، وإن انصرف إلى الجنس الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع إلا أنه يستغرق كل من عَظُمَ ظلمه ولم يُرْجَ خيره فلا يخاطب الله ، جل وعلا ، فيه إلا خطاب الجلال أن يهلكه ، فوضع الجمال في هذا المحل يخالف عن قياس الحكمة أن يوضع الجمال في محل الخير القابل وذلك الفضل ، وأن يوضع الجلال في محل الشر القابل وذلك العدل وبهما كمال الثناء على الرب ، جل وعلا ، خالق الأضداد وَمُدَبِّرِهَا بالقدرة النافذة والحكمة والبالغة ، فكان من النهي أن : (لَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) ، وبعده كان الاستئناف على حد التعليل : (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) ، فلا يخلو أن يكون جوابا لسؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة النهي عن خطاب الله ، جل وعلا ، فيهم ؟! ، فجاء الجواب : لأنهم مغرقون ، فالناسخ فِي هذا الموضع قد دل على التَّوْكِيدِ ، وهو حده القياسي في اللسان ، وَالتَّعْلِيلِ معه ، فَدَلَّ على أكثر من معنى في سياق واحد ، وهو ، كما تقدم مرارا ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، ولا يخلو ، لو تدبر الناظر ، من وجه دلالة أعم ، فالخطاب في الآية يَتَوَجَّهُ إلى كُلِّ داع ، فَيَتَوَجَّهُ إليه النهي أن لا تخاطبني فيمن ظلم لأنهم مهلكون ، فذلك معنى أعم من الإغراق ، فَذِكْرُ الإهلاك ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الجنس العام الذي يستغرق الإغراق وغيره من صور الإهلاك ، فيكون ذكر الإغراق في هذا الموضع مثالا لعام فلا يُخَصِّصُهُ وَإِنَّمَا قد أبان عنه في هذا الموضع إبانة المثال فهو يحكي خَبَرًا بَعَيْنِهِ كان الإهلاك فيه بالإغراق وإلا فهو يَقَعُ به وَبِغَيْرِهِ من الريح والخسف والقذف والمسخ .... إلخ ، على وجه لا يخلو من الحكمة وإن في مواضع الجلال عِقَابًا لمن كَفَرَ وَظَلَمَ فيكون من الحكمة أن يُوقِعَ الله ، جل وعلا ، بكل كافر أو ظالم من العذاب ما يواطئ جِنَايَتَهُ .

فالنبوات ، لو تدبر الناظر ، هي سبب النجاة ، وما ضادها وبارزها بالعداوة فذلك الجنس الهالك وذلك أصل قد اطرد في كل عصر ومصر وإن ظهر أهل الباطل حينا قد يطول ، فلا يكون من تمكينهم إلا استدراج لهم وابتلاء لأهل الحق وعقاب لمن قَصَّرَ في طلب الهدى وانتحاله والذب عن حياضه بالحجة والبرهان تارة والسيف والسنان أخرى ، فَثَمَّ أصل قد اطرد فكان من إِنَاطَةِ النصر والتمكين بالرسالات ما قد أبانت عنه الآيات المحكمات ، فـ : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، فكان النصر في الأولى والآخرة وَعْدَ صدقٍ لا يَتَخَلَّفُ فذلك فضل الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى ، وكان من الإهلاك لأعداء الرسالات أصل آخر قد اطرد ، فـ : (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) .

والله أعلى وأعلم .