مما عظمت به المنة ما تَوَاتَرَ من الرحمات العامة ، رحمات الله ، جل وعلا ، فَقَدِ استغرقت الأبدان والبلدان ، فضلا عن رحماته العظمى ، رحمة الوحي الذي نَزَلَ بالحق على قلب صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم مادة صدق وعدل وبهما صلاح الجنان ، وبهما عمران البلدان ، فكان من جنس التَّنَزُّلِ ما استغرق الرزق كله ، رزق الأديان الأعلى ورزق الأبدان الأدنى ، فذلك جنس عام اندرجت تحته آحاد ، فعظمت به المنة ، وكان من التكليف بالشرعة ما لا يخلو من نعمة ، وإن كان ظاهره الإلزام الذي يشق ، فليس ذلك مما يُرَادُ لذاته ، فالمشقة عارض يطرأ ، والنعمة في باب التكليف أظهر ، فكان من تَنَزُّلِ الرزق ما قد عم ، فـ : (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) ، فَثَمَّ قصر بتعريف الجزأين "هو" و "الذي" ، ولا يخلو الوصل ، كما تقدم مرارا ، من دلالة إجمال يفتقر إلى بيان الصلة فالمعنى الذي اشتقت منه هو مناط الفائدة ، وثم عموم استغرقه لفظ الآي الذي أضيف إلى ضمير الغائب في "آياته" ومرجعه الله ، جل وعلا ، فكان من الآيات ما جُمِعَ جَمْعَ القلة فَرَفَدَتْهُ الإضافة فهي آي كثيرة قد استغرقت آي التكوين وآي التشريع ، فذلك رزق المطعم والمشرب ، ورزق الخبر والحكم الذي جاء بالصدق والعدل ، فيريكم آي الكون في النفس والآفاق ، ويريكم حكمة الوحي في الأمر والنهي الذي يصلح الدين والدنيا فجاء بسعادة الحال ونجاة المآل ، وبعده كان العطف ، عطف التنزيل الذي زِيدَ في حَدِّهِ فلا يخلو ، كما تقدم ، من دلالة التِّكْرَارِ إذ التضعيف في المبنى مئنة من تكرار في المعنى ، ولا يخلو ، أيضا ، أن يكون من العام المستغرِق إذ أطلق الرزق مُنَكَّرًا ، فالنكرة في سياق الإثبات مئنة من الإطلاق ، وهو إطلاق يصدق بواحد ، والسياق يرشح كثيرا لا سيما في مواضع المنة ، فهو رزق كثير يتواتر من رزق الأبدان وهو ما يتبادر من سياق الآية ، ورزق الأديان وهو ما استغرق جنس الرسالة المنزَّلة فكان من الآي والأخبار صدقا وعدلا ، ولا يخلو تقديم الظرف "لكم" من حصر وتوكيد فحقه التأخير فقدم لفظه وزيد معناه ، فضلا عن دلالة اللام وهي مئنة من الاختصاص ، وعموم الضمير المجموع الذي استغرق ، ولا يخلو من تغليب في معناه وإن ذُكِّرَ لفظه ، وابتداء الغاية من السماء ، وهو ما يحتمل فدلال "أل" في "السماء" ، دلالة بيان للجنس ، من وجه ، وذلك ما يستغرق كل سماء ، فكل ما علا فهو من السماء ، فإن حمل الرزق على الماء ، أصل الحياة وَمَنْشَؤُهَا ، فهو ينزل من الغيم ، فلا تخلو "أل" ، من هذا الوجه ، أن تكون من العام الذي أريد به خاص ، فالسماء عام والغيم خاص ، أو هو من إطلاق المحل وإرادة الحال ، فَيَجْرِي مَجْرَى بَعْضٍ من كُلٍّ ، وإن حُمِلَ الرزق على الوحي ، فإنه يَنْزِلُ من عند الله ، جل وعلا ، فدلالة "أل" مئنة من العلو المطلق ، فتلك جهة عدمية فهي غير مخلوقة ، فلا مخلوق فيها إذ ليس إلا الخالق ، جل وعلا ، فهو في العلو المطلق قد انفرد ، وهو على العرش قد استوى ، فالعرش سماء المخلوقات فلا مخلوق يجاوزه فليس فوقه إلا الله ، جل وعلا ، إذ علا عليه العلو الخاص ، فذلك من وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة ، فنوعه قد قدم ، وآحاده مما يحدث شيئا فشيئا ، فهي تأويل النوع في الخارج ، فتأويل الخبر أن يقع ، فأخبر ، جل وعلا ، أنه على العرش قد استوى ، فـ : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، فكان من تقديم الظرف "على العرش" ما أفاد المعنى الخاص ، وإلا فالله ، جل وعلا ، قد عَلَا العلو العام على الكون ، فثم معنى خاص في علوه على العرش فذلك ، كما تقدم ، من وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة خلاف العلو العام ، علو الذات والوصف ، علو الشأن والقهر ، فهو وصف ذات لا يناط بالمشيئة ، فكان من الفرقان ما استوجب تقديم الظرف "على العرش" ، فأفاد معنى خاص ، وهو الاستواء ، فهو علو خاص ، فالعلو ، أيضا ، جنس عام تندرج تحته آحاد ، فمنه علو الذات والوصف ، ومنه علو الفعل ، فكان من ذكر العرش ما به امتاز النوع ، فهو علو الفعل الخاص الذي يناط بالمشيئة النافذة ، فاستوى الرحمن ، جل وعلا ، الاستواء الخاص ، على العرش وهو سماء الخلق ، وفوقها سماء غير مخلوقة فصح ، من هذا الوجه ، أن يقال إن الله ، جل وعلا ، في السماء ، فالوحي ينزل منها فتلك سماء عليا لا مخلوق فيها فليس إلا الخالق ، جل وعلا ، بالذات والوصف ، ومنه كلم الوحي خبرا وحكما ، فينزل رزق التشريع من هذه السماء ، فلا تخلو "أل" ، من هذا الوجه ، أن تكون مئنة من عهد آخر ، وهو عهد العلو المطلق إذ يَتَنَزَّلُ الوحي من الرب المهيمِن ، جل وعلا ، فاحتملت "أل" ، فإما أن تحمل على عهد خاص أول وهو الغيم فيصدق فيه أنه سماء إذ يعلو الأرض فالرزق النازل منه هو الماء ، فهو رزق مخلوق ، ولا يخلو ، أيضا ، من استعارة إذ الماء رزق ، من وجه ، فبه حياة الأبدان شُرْبًا ، وبه يخرج الرزق ، فتنبت الأرض زرعا ، فاستعير الرزق لما تَنَزَّلَ من الماء ، فيجري ذلك مجرى الاستعارة إذ أطلق المسبَّب وهو الرزق الحاصل من هطل الماء من السماء ، وأريد السبب وهو الماء ، ولا يخلو ، أيضا ، من استعارة أخرى ، فإن الرزق ماء أو رزعا إنما يكون بالمشيئة ، فكلمة التكوين هي السبب الأول الذي لا سبب وراءه ، وهي ، من وجه آخر ، أثر به تأويل الصفات الفعلية ، لا تأويل الطرق الكلامية ، وإنما تأويل التصديق ، فكلمة الخلق تأويل اسم الخالق ، جل وعلا ، وما دل عليه من وصف الخلق ، فيكون بكلمة تكوين خالقة ، وذلك أصل يطرد في جميع الأوصاف الفعلية فالكلمات التكوينية منها كلمات خالقة وأخرى رازقة ..... إلخ ، فكلها تأويل الأسماء الخالق الرزاق ...... إلخ ، والصفات التي اشتفت منها خلقا ورزقا ...... إلخ ، فَتَنْزِلُ كلمة التكوين من أعلى تأويلها ما يكون في الأرض ، من الخير أو الشر ، فمن الخير رزق يَتَنَزَّلُ من السماء ، فأطلق المسبَّب وهو الرزق ، وأريد السبب وهو تارة الماء ، وأخرى كلمة التكوين النافذة فهي السبب الذي لا سبب وراءه فلا تَعَارُضَ إذ الماء سبب ولكنه غير تام ، إذ يفتثر إلى شرط يجب استيفاؤه ومانع يجب انتفاؤه ، فَتَتَسَلْسَلُ الأسباب حتى تبلغ سببا أول تاما فلا سبب وراءه ولا يفتقر إلى غيره كما الأسباب المخلوقة ، فهو علة تامة ، فتلك كلمة التكوين التي بها تأويل الاسم والوصف ، كما تقدم ، تأويل الصدق ، فعلة التكوين التامة هي الكلمة التكوينية النافذة لا ذات الله ، جل وعلا ، كما زعم من زعم من الفلاسفة ، فوصف الله ، جل وعلا ، وما يكون من كلم تكوين يصدقه هو على حدوث هذا الكون ، فليست العلة ذات القدس ، فذلك قول من عطل الصفات فَرَدَّ الأمر إلى ذات مجردة من الوصف ، فهي مطلقة من كل وجه ، فلا وصف لها والعالم قد صدر عنها صدور الاضطرار فلا اختيار ! ، فانتفى العلم الأول وانتفت الإرادة التي بها تأويل العلم بما يكون من الفعل ، وذلك تعطيل فاحش قد جاوز كلم التكوين إلى كلم التشريع فإن الرب الذي لا يعلم ولا يريد فيفعل اضطرارا لا اختيارا فهو فاعل بالطبع لا بالعلم والإرادة ، فإن رب هذا وصفه فهو بداهة لا يحكم ولا يشرع إذ كيف يشرع من لا يعلم ، وإن علم فالكليات المجملة فأنى له أن يشرع في الجزئيات المفصلة ؟! ، لا جرم جاوزت جناية التأويل في هذا المقال ، جاوزت الأخبار إلى الأحكام فذلك تعطيل تام ، وهو أصل من أصول التعطيل الذي عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة ، تعطيل الوحي خبرا وحكما ، فغاية ما يثبت المعطل أن الرب ، جل وعلا ، هو الخالق المدبر ، فلا يشرع ولا يحكم ، فضلا أن يفحش القول فقد خلق الكون وتركه فهو يدبر أمره بنفسه تدبير الآلة ! ، أو خلقه ونسيه فانصرف إلى شأنه ..... إلخ من المقالات الفاحشة فتكاد تضاهي قول من جحد الإله ابتداء ، فجحد الصانع بكلم التكوين وجحد الحاكم بكلم التشريع ، أو تناقض فأثبت الأول ونفى الثاني وبينهما من التلازم ما يجري مجرى العلم الضروري فلا ينكره إلا جاحد أو مسفسط ، لا جرم كان الإطناب بعد آي التكوين رزقا يتنزل أن جاء الأمر باللازم في قوله تعالى : (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ، ولا تخلو الفاء فيه من دلالة فَوْرٍ وتعقيب وذلك آكد في التقرير والتوكيد ، فضلا عن دلالة السببية ، فإذ كان هو ، تبارك وتعالى ، من يجري الآيات وَيُنَزِّلُ الأرزاق فالواجب على الفور أن يُفْرَدَ بالدعاء والعبادة ، فلا يخلو ذلك من وجه به يستأنس من قال إن الأصل في الأمر الفور ، فلا يَتَرَاخَى الْمُكَلَّفُ في امْتِثَالِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ بَسَطَهُ أهل الشأن ، فإذ كان هو الخالق المدبر فدعاؤه دعاء التأله هو واجب الوقت ، وهو ما يجاوز الدعاء المتبادر ، وإن كان من أشرف أجناس العبادة ، بل قد حد في مواضع أنه العبادة ، كما في الخبر المشهور : "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" ، وذلك ما يجري مَجْرَى القصر بِتَعْرِيفِ الجزأين "الدعاء" و "العبادة" ، فضلا عن ضمير الفصل ، فكل أولئك مما يجري مجرى المبالغة فَبِهِ التَّنْوِيهُ وَالتَّوْكِيدُ ، فكان من لازم الخلق والتدبير وإنزال الرزق بكلم التكوين ، كان من لازمه توحيد العبادة دعاء قد قُيِّدَ بالحال "مخلصين" فلا يخلو من الاحتراز ، فادعوه وحده ولا تدعوا معه غيره ، ولو كره الكافرون فذلك مما يجري مجرى الشرط إلهابا وَتَهْيِيجًا ، فلا يخلو من تقدير محذوف وهو الجواب ، فَلَوْ كَرِهَ الكافروه فادعوه مخلصين له الدين ، فدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر ، ولا يخلو إطلاق "الدين" من دلالة عموم ، إذ "أل" مئنة من بَيَانٍ لجنس المدخول ، من وجه ، وهو مادة طاعة وانقياد ، ولا يخلو من دلالة على الأخلاق ، فالدين هو الخلق ، ومنه قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ" ، فهو على خلقه وذلك ما استغرق الباطن والظاهر ، وإن كان إطلاق الأخلاق على الباطن أرجح ، كما ذكر أهل الشأن ، فإن الخلق ليس الفعل الظاهر وإن كان دليلا على الخلق الباطن ، فالخلق هو الباعث على الفعل ، فالفعل تأويله ، فلا يكون الفعل عين الخلق وإنما هو الدليل عليه ، فقد يحصل الخلق ويتخلف الفعل ، كما يضرب المثل بكرم فقير لا يملك ، فالخلق ملكة عنها يصدر الفعل ، فعل العطاء ، فهي حاصلة وإن لم يحصل الفعل لضيق ذات اليد ، وقد يحصل الفعل ، من وجه آخر ، ولا يكون الخلق حاصلا ، فليس الباعث ، فعطاء من يرائي ليس كرما إذ الباعث الباطن قد اختلف ، وإن كانت صورة الفعل في الخارج واحدة ، فذلك ، يشبه ، من وجه ، باعث الإيمان إذ تَتَفَاوَتُ درجاته ، فتكون صورته في الخارج واحدة كما يضرب المثل بصفوف الصلاة ، فصورة الفعل واحدة وبين أصحابها من التفاوت ما لا يعلمه إلا الرب الخالق ، جل وعلا ، فقد اختلفت البواعث فثم من يصلي إخلاصا ، فهو يتأول الأمر آنف الذكر أن : (ادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، وثم من يصلي رياء ، ومن أخلص فهو على درجات في الخشوع وحضور القلب ، كما في الخبر : "إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاَةَ ، مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلاَّ عُشْرُهَا ، تُسْعُهَا ، ثُمُنُهَا ، سُبُعُهَا ، سُدُسُهَا ، خُمُسُهَا ، رُبُعُهَا ، ثُلُثُهَا ، نِصْفُهَا" ، فباعث الفعل واحد بالنظر في الجنس العام الذي يجرده الذهن ، وهو جنس الإخلاص الباعث على العبادة ، وجنس الفعل الحاصل منه في الخارج فثم إخلاص في الباطن وثم صلاة في الظاهر ، فذلك جنس عام ، وتحته آحاد إن في البواعث الباطنة أو في الأخلاق الظاهرة ، فبينها من التفاوت ما لا يحصيه إلا الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فالدين مادة طاعة وأخلاق ، فتلك دلالة "أل" بَيَانًا لجنس المدخول من وجه ، واستغرقا لآحاده ، من آخر ، إن طاعة أو أخلاقا ، إن علما أو عملا ، إن شرعا أو سياسة أو حربا ...... إلخ فاستغرق محال الاختيار فهي مناط التكليف ولو بمباح لا يخلو أن يكون ذريعة إلى مقصد فَلَهُ حكمها ، فكان العموم الذي استغرق ، وكان الاحتراز بالحال "مخلصين" ، كما تقدم ، فضلا عن دلالة اللام في "له" فهي مئنة من الاختصاص والاستحقاق فلا يعبد إلا هو عبادة التوحيد في التأله والتشريع ، فذكر الدعاء ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام ، وهو جنس العبادة ، فهي ، كما تقدم لازم ما تقدم من رزق تَنَزَّلَ ، فهو ، أيضا ، من الخاص الذي يراد به عام ، فيراد به جنس الربوبية ، خلقا ورزقا وتدبيرا ، فكان من توحيد التشريع ما يحكي لازم التوحيد الأول ، توحيد التكوين ، فالرب الخالق الذي أنزل الرزق هو الإله الشارع الذي أنزل الحكم فلا يخلو الحكم ، أيضا ، أن يكون من رزق السماء ، وإن كانت سماء العلو المطلق ، كما تقدم ، فاحتملت "أل" في "السماء" : دلالة عهد أول وهو الغيم الذي ينزل منه الماء الذي به رزق الأبدان نَبْتًا ، ودلالة عهد ثان وهو العلو المطلق الذي ينزل من الوحي الذي به رزق الأديان خبرا وحكما ، والسياق يحتمل كلا الوجهين ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فاحتمل اللفظ الواحد أكثر من معنى في سياق واحد فلا تعارض بل كلا الوجهين يصح بل وبينهما من التلازم ما يحسن ، فرزق التشريع فرع على رزق التكوين ، فكما الأمر في رزق التكوين أَنْ : (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ، فكذلك الأمر في رزق التشريع أَنِ : (ادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، فكان من رؤيا الآيات ما صدرت به الآية ، فذلك عموم ، وبعده كان النص على آية التنزيل ، تنزيل الرزق ، فذلك خصوص ، فلا يخلو السياق من إطناب بخاص بعد عام وذلك آكد في تقرير المنة ، وقد حد العاملان "يريكم" و "ينزل" ، حُدَّا حَدَّ المضارع فلا يخلو من استحضار الصورة تقريرا للمنة ، فضلا عن اتصال الوصف فالمضارعة مئنة من حال واستقبال فلا زال رزق السماء يَتَنَزَّلُ تَتْرَى ، وهو ما يرجح معنى التكوين إذ رزق التشريع قد انقطع تنزله بقبض صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإن كان ، أيضا ، مما تنزل آحادا تترى ، فاتصل زمن نزوله ، فالمضارعة ، من هذا الوجه ، تحكي الاتصال زمن الوحي ، وقد يقال ، من آخر ، إن الوحي وإن انقطعت آحاده أخبارا وأحكاما إلا أن ثم إلهاما واجتهادا به يكون الحكم في النوازل فلا زالت تَتْرَى ، فيكون من رزق الشرع النازل ما به يفقه المجتهد فيقضي في النازلة ، فذلك من رزق الشرع وإن كان ، بداهة ، دون رزق الوحي ، فرزق الوحي قد عصم ، والاجتهاد لا يسلم من الخطإ ، فـ : "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" ، وإن كان ذلك بالنظر في الآحاد لا في اجتهاد العموم الذي به يحصل الإجماع فهو مما عصم وإن تعذرت الإحاطة به في مواضع كثيرة ، فإذا ثبت قطعا فهو مما عصم عصمة الوحي لا تحكما وإنما الوحي قد شهد له بذلك ، فكان من دلالة الكتاب والسنة على حجية الإجماع ما اشتهر في كتب الأصول والأحكام ، فلا يزال فتح الشريعة يتنزل إلهاما لا كإلهام من غلا من أهل الطريق لا سيما من خلط أمره بمذاهب فلسفية صيرت النبوة من الصنائع الأرضية فهي مما ينال بالكسب والرياضة والفتوة ، فثم كشوف وفتوح صحيحة لمن استقام على الطريقة فهي معيار الحكم على الحال اجتهادا في الشرع أو خارقة في الكون ، فلا يحكم بقبول أو رد إلا أن تعرض الحال على محكم الذكر المحفوظ ، وثم أخرى باطلة كما يرى في تأويلات الكلام وخوارق السحرة والكهان فلا تقبل إذ تخالف عن معيار الحق النازل ، وفي الختام كان القصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء في قول رب الأرض والسماء جل وعلا : (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) ، فلا يخلو من تَعْرِيضٍ ، فلا ينتفع به إلا من هدي فأناب فمن لم يتذكر فما أناب فهو المارق ، سواء أكان مروقه من الجنس الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع أم كان من نظيره الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب .
فلا تحصل السلامة في هذا الباب إلا لمن سلك جادة الاستقامة ، وهي استقامة تستغرق ، فصاحبها يؤمن بالكتاب كله فلا يميز بعضه من بعض ، فيفرق بين متماثلين ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما قارف أهل التعطيل والتأويل إن في الأخبار أو في الأحكام ، فتحكم من تحكم أن أثبت بعضا وتأول آخر أو عطله ، والباب واحد فلم يطرد القياس فيثبت الجميع أو يتأوله ، وثم من تحكم ، من وجه آخر ، فلم يتأول آي الأحكام فأجراها على الظاهر فجعل الشريعة حكما في الجملة ، ثم هو يتأول الأخبار فيفرق بين البابين ، وكلاهما قد صدر عن واحد فمن مشكاة الوحي قد نَزَلَ ، وثم من عكس ، كما قد عمت البلوى في الأعصار المتأخرة ، فأثبت الأخبار وأجراها على الظاهر ، ثم هو يعطل الشرع المنزل إذ استبدل به الوضع المحدث ، ولم تخل حاله من تأويل إذ قصر الوحي على المجملات الكلية من المعاني الحكمية ، صدقا وعدلا ...... إلخ ، فاجتزأ بالمبادئ التي أجمع عليها العقلاء ، ورام يحمل عليها آي الكتاب ، فيجعله رائدا في حد المبادئ الكلية المجملة فإذا جاء التفصيلَ نكل ، فاستنبط من العلل والمعاني ما يأتي على نصوص الأحكام الجزئية بالتعطيل ، وذلك قدح في القياس عظيم إذ شرط ما يصح من العلل ألا يأتي على الأصل بالإبطال ، وذلك ، أيضا ، من قياس العقل الصريح إذ كيف يقضي الفرع في الأصل ، بل كيف يبطله ، فلم تخل الحال من تحكم ، إن في الأخبار أو في الأحكام إذ كان التفريق بين المتماثلات ، أن آمن من آمن ببعض وكفر بآخر ، فالوحي رائد في باب دون آخر ، وثم من جاوز ذلك فأفحش في المقال فلا الوحي عنده يقدم لا في خبر ولا في حكم ، فهو يغلو في التأويل ، كما الحال في مقال الغلاة من اللفلسفة وأهل الرياضة الذين أبطلوا الشرع وجعلوا الخروج عن حكمه مئنة من كمال الحال بل جعلوه آية وكرامة وإن كان عين المهانة أن يفسد القياس فيظن الباطل حقا ، بل ويجعله شرطا في بلوغ الغاية ، فلا تكليف بعدها إذ باشر صاحبها من الحقائق ما لا يطيقه آحاد من سلك ، فقد بلغ غاية الطريق فحصل له من العلم ما لم يحصل للنبيين ! ، وهو ما لم يسلم منه أرباب الفلسفة ، وإن كان سلوكهم سلوك النظر ، فالأولون سلوكهم سلوك الذوق والكشف ، فكان من سلوك النظار أن غلوا في الباب كما غلا الأولون حتى جوزوا اكتساب النبوة فهي صناعة الأذكياء مما كملت فيهم آلة النظر فما يحصل في عقولهم من الحقائق فهو يصدر منها صدور الوحي من مشكاته فيخرج ويتجسد في صور تخاطب العقل النبي ! ، فليس الوحي إلا بنات أفكاره ، فليس ثم مرجع يجاوز من خارج ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما فتح باب شر قد عظم ، إذ توسل به من توسل أن يجحد مرجع الوحي من خارج فهو الذي يحكم في المتشابه ، متشابه ما اختلفت فيه العقول وتنازعت فهي على أنحاء وكلها لم يخل من الأعراض ، أعراض الجهل والمرض والنسيان فضلا عن الحظوظ والأهواء التي يجتهد كلٌّ أن ينصرها بحق أو بِبَاطِلٍ فيتأول لها من أحكام الصدق والعدل ما يتأول وإن كانت عين الكذب والظلم ، فلا يخلو من حظ باعثه الفقر الذي جبل عليه الخلق ووصفه النقص ، فهو يجهل ويمرض ، ثم هو يهرم ويفنى ، فليس له من العلم ما يحيط ، فكيف يزعم في حكمه الصحة مطلقا ، فتلك دعوى لا يسلم لصاحبها فيجزئ في ردها دعوى مثلها فهي تبطلها ، فضلا أن يزعم غيره أن قياسه هو المحكم فهو الحق المطلق ، فتنازعت العقول وصف الحكمة ، وكل قد تحكم في الدعوى ، فلا بد من حكم من خارج يحكم فيها حكومة العدل فلا يتهم بالحظ أو الميل ، فقد برئ من النقص والفقر ، فلا غرض له أن يرجح قولا على آخر استنادا إلى غاية يروم تحصيلها وإن تأول لأجلها ما تأول ، فلا يرجح إلا بمرجح صحيح فهو يقضي في أحكام العقول والنفوس إذا اختلفت ، فحكومته من خارج ، وهي حكومة العدل الناصح الذي لا يغش أهله فهو رائد الخير في الدارين ، وهو ما يحسم النزاع بين المتخاصمين وإلا لو رد كل إلى حكمه فلكلٍّ عقل يحسن ويقبح ، وفيه من قوة التحسين والتقبيح ما لا ينكر ، ولكنها لا تستقيم على الجادة إلا إذا كان الوحي رائدها فيحكم بينها بالعدل إذ برئ من التهمة ، وإلا انشعبت على أنحاء فكان الاضطراب في الأحكام فلا تحسم مادته إلا برد ما تشابه من أحكام العقول وأذواق النفوس إلى ما أحكم من ألفاظ النصوص ومعانيها ، فيتأول الناظر ما تواتر من الآي النازل أن : (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) ، فكان من الشرط ما قد عَمَّ ، إن بالنظر في العامل ، فدخلو الشرط عليه كدخول النفي فيفيد العموم إذ تسلط على المصدر الكامن في العامل فاستغرق سائر أجناس الاختلاف ومسائله ، فاستغرق الاختلاف العلمي والعملي ، واستغراق آحاد المسائل ما ساغ فيه الاختلاف وما لم يسغ ، فضلا عن عموم آخر في "شيء" إذ نكر في سياق الشرط فذلك نص في العموم ، كما قرر أهل المعاني والأصول ، ولم يخل من توكيد زائد أفادته "مِنْ" إذ أفادت التنصيص على العموم فارتقت به من الظن الراجح إلى اليقين الجازم فصار نصا قد استغرق ، فعم جميع الأشياء قطعا ، فتدخل فيه سائر النوازل إن في الفقه أو في السياسة أو في الحرب ....... إلخ ، فكل أولئك يرد إلى الإله الشارع الحاكم ، جل وعلا ، فكان من الجواب ما اقترن بالفاء ، ولا تخلو ، كما تقدم مرارا ، من دلالة الفور والتعقيب وذلك آكد في التقرير مسارعة في الامتثال ، ولا تخلو ، من وجه آخر ، أن تجري مجرى الاستصلاح ، استصلاح الجواب إذ حُدَّ حَدَّ الاسم وذلك موضع يجب فيه اقتران الفاء بالجواب كما قرر أهل اللسان ، فضلا عن دلالة السببية فلا تخلو منها فاء ، فاجتمع فيها من المعاني ما رَفَدَ السياق وَأَثْرَاهُ وإن كان المبنى واحدا فذلك مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فكان الحكم الذي حُدَّ حَدَّ الاسمية ، مئنة من الديمومة والثبوت وذلك ، أيضا ، آكد في التقرير والتوكيد ، وكان من العموم ما أفاده إسناد الحكم إلى الضمير ، فاستغرق سائر الحكومات ما خص منها وما عم ، ما بطن منها اعتقادا وما ظهر قولا وعملا ، فاستغرقت محال التكليف جميعا فهي ، لو تدبر الناظر ، تحكي الإيمان ، فهو الاعتقاد والقول والعمل ، فَرَدُّ الأحكام إلى الوحي ، لو تدبر الناظر ، هو دليل الإيمان ، فـ : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، فكان من الشرط ما أفاد الإلهاب والتهييج ، فالمرد إلى الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الوحي الذي نزل آيا وخبرا ، فكلاهما من عند الله ، جل وعلا ، وإن اختلفت النسبة ، فلا تعارض إذ يجري المرجع المفصل في هذا الموضع مجرى البيان للمرجع في قوله تعالى : (فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) ، فانتهاء الغاية في الحكم إلى الله ، جل وعلا ، فيحكم بالوحي إن آيا فهو منه لفظا ومعنى ، أو خبرا فهو منه معنى ولفظه من رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكان من الرد ما قد عم ، وبه زوال الخصومات بردها إلى ما أحكم من الرسالات وذلك ما اطرد في جميع الخصومات فحسم مادة التأويل الباطل إن في أخبار الغيب أو في أحكام الشرع .
وبعده كان النص على العلة استئنافا : (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي) ، فذلك جواب سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة رد الأمر إلى الله ، جل وعلا ، حال الاختلاف ؟! ، ولا يخلو أن يدل من باب أولى على إيجاب الرَّدِّ إليه حال الاتفاق ، فكان الجواب : لأنه الله ربي ، وربوبيته ، لو تدبر الناظر ، تَعُمُّ ، فضمير المتكلم المفرد في "ربي" لا يخلو أن يكون من الخاص الذي يُرَادُ به عام لقرينة العموم ، عموم الربوبية ، كما في مواضع أخرى ، : (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) ، و : (هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) ، فذلكم الله ربكم فاعبدوه ، وذلكم رب كل شيء ، فهو الإله الشارع إذ هو الرب الخالق ، فَأُطْلِقَ الاسمان اسم الألوهية واسم الربوبية ولا يخلوان من تلازم وثيق ، فإن اسم الله عنوان التأله وعلته كمال الربوبية فمن له كمال الخلق والرزق والتدبير فهو وحده من له كمال التفرد بالحكم والتشريع ، فانفرد بكمال التصرف في الإيجاد والعناية ومنها عناية بالأديان وهي الأرشف بما أَنْزَلَ من الوحي وهو ، كما تقدم ، مادة التأله ، ومنها عناية بالأبدان بما أَنْزَلَ من الرزق ، فكل أولئك ما به استحق اسم الله وما اشتق منه من معنى التأله الكامل إذ أطلق الاسم فهو الإله الذي يشرع في كل حال ويحكم في كل نازلة بما أَنْزَلَ من الوحي منطوقا أو مفهوما ، فإطلاق اسم الربوبية وهي ، كما تقدم ، تستغرق ربوبية الأديان والأبدان ، إطلاق اسم الرُّبُوبِيَّةِ سَبَبٌ في إطلاق التأله في اسم الله ، جل وعلا ، الذي يستغرق التأله الباطن والظاهر الخاص والعام ، ولا يخلو السياق من قصر بتعريف الجزأين "الله" و "ربي" ، فهو يقصر معاني الربوبية والتأله على الخالق الشارع ، جل وعلا ، ولا تخلو الإشارة إلى البعيد في "ذلكم" من دلالة التعظيم فضلا عن عموم الخطاب الذي دل عليه حرف الخطاب المجموع في "ذلكم" ، فأشار إلى ما انقضى قريبا إشارة البعيد جريا على ما اطرد في لسان العرب أن يشار إلى ما تقدم مطلقا إشارة البعيد قَرُبَ العهد به أو بعد .
فهو ، جل وعلا ، مرجع الحكومات وهو الأول الذي يرد إليه أمر الشرعِ كما الخلق ، فأول قد اطْمَئَنَّتْ بذكره القلوب ، فَأَذْهَبَ عنها الوساوس والشكوك ، فهو ، بداهة ، خير من أول مُبْهَمٍ لا يعلم الناظر حده فَثَمَّ من أطلق ، فـ : (قَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) ، فَرَدَّ الأمر إلى أول لا يعلم اسمه ولا وصفه فزادت الحيرة ، فلا يُذْهِبُهَا إلا مادة الشرعة المحكمة التي يُرَدُّ إليها ما تَشَابَهَ من الأقوال والأعمال ، من التصورات والإرادات .

ثم كان التأله بالتوكل والإنابة ، فـ : (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ، وذلك باعث التذكر آنف الذكر ، فـ : (مَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) ، فلا يتذكر إلا وقد أناب ورجع فجعل الوحي رائده ، فتلك أخبار لا تخلو من الإنشاء أن أنبيوا إلى الله ، جل وعلا ، فراجعوا ما قد عطل من الدين وَأُوِّلَ من محكم التنزيل ، فردوا التأويل إلى أصوله المحكمة في اللسان والوحي ، ولا تعارضوا ما أحكم من النصوص بما تُؤُوِّلَ منها فباعثه لا يسلم من الأهواء والحظوظ ، فردوا الأمر كله إلى الله ، جل وعلا ، فكان الخبر الذي أريد به الإنشاء ، ثم كان الأمر الصريح في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) .

والله أعلى وأعلم .