الأمر بالتَّذَكُّرِ مما ورد في مواضع من التنزيل كثيرة ، فَوَرَدَ مُضْمَرًا يُقَدَّرُ في مواضع ، كما في قوله تعالى : (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ) ، على تقدير : واذكر اذ استسقى موسى لقومه ، فذلك موضع اعتبار يحسن فيه التَّذَكُّرُ أخذا للعبرة بما كان من الآية الكونية فهي آية رسالية بها الرعاية والعناية بِبَنِي إسرائيل إذ طَلَبُوا السقيا من الكليم عليه السلام ، وَوَرَدَ مُظْهَرًا كما في قول رب الخليقة جل وعلا : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) ، وهو ، من وجه آخر ، ما استغرق وجوه الذكر ، فذكر الرب ، جل وعلا ، كما في الأمر أن : (اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) ، فكان من الأمر بالذكر ما أطلق فاستغرق ما شُرِعَ من الأذكار فلا يخلو من دلالة التخصيص بالعهد ، عهد الشرع فلا يذكر بمحدث لا أصل له ، إلا أن يكون معناه صَحِيحًا لا يعارض المأثور كمن يجتهد في دعاء لم تَرِدْ بِهِ الآثار ، فلا يكون محدثا من هذا الوجه إذ لم يخالف المأثور وصاحبه قد تأول الأمر المشروع أن : (اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا) ، فلا يجوز الذكر بما لا أصل له في هذا الباب ، فَكَثِيرٌ من مَوَاضِعِهِ مَحلُّ تَوْقِيفٍ لا سيما في الأذكار المخصوصة الواجبة أو المندوبة ، فلا يَتَعَدَّى في الذكر بمحدث لا أصل له ، فَيَكُونَ من التعدي في الألفاظ غلوا أو التعدي في الأحوال كما يرى الناظر في الحضرات إذ تميل الأجساد وتهتز وَتَزْعُمُ الصرع والجذب فقد انجذبت إلى الحضرة الإلهية بما كان من الأذكار المحدثة التي لا يَتَوَسَّلُ بِهَا عاقل أن يدخل في حضرة شريفة ، فالأذكار الصحيحة النافعة بها يحصل الاعتبار والخشوع دون غلو يُذَمُّ ، فلا يزيد صاحبها فَيَزْعُمَ الدخول في حال من الوجد أو الكشف .... إلخ من الأحوال المحدثة التي يضل بها كثير من الخلق إن لم يكن لهم حظ من العلم به يميزون الخبيث من الطيب فلا يَسْتَزِلُّهُمُ الشيطان في لحظات الرقة فَيُحِلَّ لهم ما حُرِّمَ أو يَنْسَخَ لهم من الشرع ما أُحْكِمَ ، كما وقع لبعض العباد إذ جهلوا فلم يجمعوا إلى العملِ العلمَ ، فلا يدخل بها إن دخل إلا إلى حضرة شيطان يوسوس فهو يُدَلِّسُ وَيُلَبِّسُ على صاحبها بما يكون من الخيال والوهم فضلا أن يكون كاذبا يزعم حالا لم يبلغها ، ولو باطلة ! ، فحشفا وسوء كيلة ! ، فدعوى باطلة وَلَيْتَهُ صَدَقَ فَهِيَ كاذبة ، فكان من الأمر ما قد أُطْلِقَ في قوله تعالى : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا) ، فلا يخلو من دلالة تخصيص بالشرع والعقل فهو الذكر المشروعُ ، فَيَجْرِي مجرى العهد الخاص فلا يطلق القول بالذكر إلا أن يصح الباعث فلا رياء ولا سمعة ، ويصح الذكر فلا إحداث في الشرعة ، وهو أمر تكليف إلهي ، فذلك من توحيد التأله ، فكان من حسن التلاؤم جمعا بين المتلازمين : توحيد الإله الشارع وتوحيد الرب الخالق ، كان من حسن التلاؤم أن ذكر اسم الرب الذي أضيف إلى الضمير ، ضمير الخطاب المفرد في "رَبَّكَ" لقرينة السياق فذلك تكليف خاص في موضع آية بها الاعتبار ، فـ : (قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) ، فهي بشرى بِيَحْيَى ، عليه السلام ، وذلك موضع به تظهر آثار الربوبية إعجازا أن وُلِدَ يحيى للشيخ الفاني والعجوز العاقر فذلك فضل الرب الخالق ، جل وعلا ، فَحَسُنَ من هذا الوجه ، أيضا ، ذكر اسم الربوبية مضافا إلى ضمير المخاطب المفرد فهو الذي اختصه ، جل وعلا ، بهذه المنة إعجازا لا يخلو من رعاية وتعاهد ، فهو أهل لذلك بما كان من شرف النبوة وما تستوجبه من كمال الحال علما وعملا ، ولا يخلو السياق ، من وجه آخر ، من تكليف يَعُمُّ بالنظر فيما تقدم من تلازم أعم بَيْنَ ألوهية منها الذكر ، فإيراده ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به العام على تقدير : واعبد ربك كثيرا ، فكان الذكر مثالا على عام فلا يخصصه ، كما قال أهل الشأن ، وهو من وجه آخر ما أطلق فاستغرق كل ذكر يُشْرَعُ ، ظهر أو بطن ، بل وَعَمَّ ، كما تقدم ، كل حال تدخل في حد العبادة والتنسك ، فشرطها ، كما تقدم ، الإخلاص في القصد والاتباع في الماهية والكيف ، قولية كانت أو عملية ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، تلازم بين هذه الألوهية والربوبية التي أطلق لفظها فقد استغرقت ربوبية الخلق من العدم وربوبية العناية والتعاهد بما كان من الرزق النازل إِنْ رِزْقَ الأديان الأعلى أو رزق الأبدان الأدنى فكلاهما مما امتن به الرب الأعلى ، عز وجل ، فكان من هذا المعنى العام ما استغرق كل مُكَلَّفٍ ، فصح من هذا الوجه رفد الضمير المستتر إيجابا في العامل "اذكر" ، رفده بما يستغرق جميع المخاطبين ، وكذا رفد ضمير الخطاب في "ربك" فهو يستغرق كل مخاطب ، على تقدير : واذكروا ربكم كثيرا ، وهو ما قد دل عليه الوحي صراحة في مواضع أخرى من التنزيل ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) ، فكان من نداء من آمن ما به استحضار المخاطب وشخذ الأذهان أن تقبل آثار التكليف ، ولا يخلو من تعظيم بالنظر في المنادي ، جل وعلا ، والمنادَى فاسم الإيمان الذي أنيط به النداء اسم شريف فيحسن في وصفه التعظيم ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، أن يكون من الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فإن الذكر تكليف عام فمنه شهادة التوحيد التي خوطب بها الناس جميعا فيدخلون في العموم ولو في هذا الذكر المخصوص ، ذكر التوحيد الأول ، فكان الأمر المجموع أن : (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) ، فَثَمَّ قرينة تُسْتَصْحَبُ أبدا في هذه المواضع وهي قرينة العموم في خطاب التكليف وإن نَزَلَ على سبب خاص ، كما في آي زكريا ، عليه السلام ، أَنِ : (اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا) ، فلا يخصص العموم بالسبب إذ العبرة بعموم لفظه لا بخصوص سببه إلا في مواضع استثناء فهي مما خرج عن الأصل فلا يقاس عليها ، ولا يصار إليها إلا بدليل ناقل وإلا فاستصحاب الأصل حتم لازم ، ولا يخلو السياق من الحذف إذ تقدير الكلام : واذكر ربك ذكرا كثيرا ، فحذف الموصوف "ذِكْرًا" وأقيم الوصف "كثيرا" محله ، وذلك مما اطرد في مواضع من الشرع فيجري مجرى الحقيقة فلا سبب يُلْجِئُ إلى القول بالمجاز حذفا إذ قد اطرد الحذف واشتهر فصار كالحقيقة في اللسان ، بل هو مما يجري مجرى المجاز المشتهر وَحَدُّهُ عند بعض أهل الشأن أنه حقيقة لا مجاز فقد اشتهر فصار حقيقة في العرف مقيدة فهي تقدم على حقيقة اللسان المطلقة ، وقد يقال ، من وجه ، إن ما أُجْمِلَ من الحذف الذي قُدِّرَ في هذا السياق بالنظر في العاملِ صدرَ الكلام : عاملِ الذكر أَنِ "اذْكُرْ" ، أَنَّ مَا أُجْمِلَ فَحُذِفَ في هذا الموضع قد أبين عنه في آخر ، كما تقدم من قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) ، فحمل المحذوف على المذكور : حَمْلَ المطلقِ على المقيَّدِ ، وبه استبان وجهه ، فذلك مِمَّا يجري مجرى تَفْسِيرِ آي الكتاب بعضه بِبَعْضٍ وهو أصل قد اطرد في هذا الباب فَأَوْلَى ما يُصَارُ إليه حال التفسير ، تفسير آي الكتاب في موضع مجمل بأخرى قد ورد فيها البيان المفصل ، فما حذف في محل قد أُبِينَ عنه في آخر ، وما أجمل في سياق قد جاء بيانه في غيره .
وبعد الأمر بالذكر العام كان الأمر بالتسبيح الخاص أَنْ : (سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) ، فإما أن يَجْرِيَ ذلك مجرى الْبَيَانِ لما تَقَدَّمَ من الذكر إذ أبان عن حده ، فيجري مجرى التَّقْيِيدِ بالحال على تقدير : اذكر الله ، جل وعلا ، مسبحا له ، أو يكون من عطف الخاص على العام وهو الْأَوْلَى ، فكان من الإطناب في المبنى ما يزيد في المعنى ، وكان ذكر التسبيح خاصا يُبِينُ عن ماهية الذكر العام فَذِكْرُ الخاص مثالا لَا يخصص العام ، كما تقدم مرارا ، فهو يُبِينُ عن ماهيته ، ولا يخلو ذلك من مواطئة للآي آنف الذكر : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، فكما قِيلَ في الذكر أنه خاص يُرَادُ به عام قد وَرَدَ فِي موضع آخر من التنزيل ، فكان السياق : اذكر ربك ، وكان الدليل المستغرق لكل مخاطب : اذكروا الله ، فكذلك التسبيح فهو خاص في قوله تعالى : (وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) ، قد أُرِيدَ به العام على تقدير : سبحوا بالعشي والإبكار ، فكان النص على هذا التقدير في موضع آخر من التنزيل أَنْ : (سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، وهو ما استغرق أجزاء الزمان على حد الطباق إيجابا على وجه استوفى شطري القسمة : عشيا وإبكارا ، بكرة وأصيلا .
فمن الذكر ذكر الرب ، جل وعلا ، كما تقدم ، ومنه ذكر العبد ، فذكر مريم في الآية : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) ، ذكر لأمة من إماء الخالق ، جل وعلا ، وإن كان ذكرها شريفا فهو ذكر أَمَةٍ من الأولياء في موضع تشريف إذ انْتَبَذَتْ واعتزلت طلبا للتَّنَسُّكِ والتعبد فكانت من خُدَّامِ البيت ، وذلك مما جاز في شرع القوم أن يُوهَبَ الولدُ لخدمة البيت ، وهو ما قد دخله الإجمال في الأمة الخاتمة ، فمنه معنى يحمد كوهب الابن أن يحفظ التَّنْزِيلِ وَيَفْقَهَ التشريع فيكون من حملة الدين وأهل البلاغ والبيان لما أجمل من الآي والأحكام ، ومنه ما يذم كَوَهْبِ صاحب العلة فَثَمَّ من يزهد في الوحي فلا يخرج له إلا ما تغمطه النفس ، فـ : (لَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) ، وإن كان المحل طيبا بالنظر في أصل الخلقة ، فلا يلام صاحب العلة على ما قُدِّرَ له بقدر التكوين ، فالقدر مما يجوز الاحتجاج به في المصائب الكونية لا في المعائب الشرعية فذلك محل الذم ، فلا يحتج بالقدر في نقيصة ، وإنما يحتج به في مواضع الابتلاء بما يكون من العلل والآفات ، فلا يلام صاحب العلة ، من هذا الوجه ، وإنما اللَّوْمُ يَتَوَجَّهُ إلى من يهبه دون غيره من الأسوياء فلا يخرج إلا ما قد نقص فَزَهَدَ فيه ، فذلك وهب يُذَمُّ ، من هذا الوجه ، فضلا عما يكون من غلاة في الطريقة يَهَبُونَ أبناءهم لصاحب مشهد أو ضريح ، أو يهبون الابن خادما للشيخ لا خدمة الاتباع للشرع وإنما ابتداعا بما أحدث من الأحوال والأذكار ، فذلك ما يذم ، فالمعنى قد صح في شريعة من تَقَدَّمَ أن يوهب الابن للمعبد ، وهو في شرعنا مما يحتمل فصورة الهبة القياسية مما لم تأت به شريعتنا لا سيما إن اقترنت بمعنى الرهبنة والتبتل فذلك ، أيضا ، مِمَّا لم يُكْتَبْ في الشرعة الخاتمة ، وأما الهبة في باب العلم كما تقدم أو الخدمة لصالح ذي رياسة ، كما وهبت أم أنس ابنها خادما لصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك معنى يحمد ، فلا يطلق القوب بِقَبُولٍ أو رَدٍّ في هذا الباب إذ احتمل على وجه لا تعارض فيه ولا تَنَاقُضَ إذ الجهة قد انفكت فجهة المدح والقبول قد غايرت عن جهة الذم والرد ، وذلك أصل يستصحب في جميع مسائل الحكم فلا تخلو من إجمال يوجب الاستفصال عن الحال والوجه فالأحوال تَتَبَايَنُ والوجوه تَتَغَايَرُ فمنها ما يوافق الوحي فَيُقْبَلُ ومنها ما يخالف عنه فَيُرَدُّ ، فوحجب رد الخلاف كله إلى الوحي الذي يرشد الجاهل إما جهل السذاجة فلا يَنْتَحِلُ قَوْلًا تَقَدَّمَ في المسألة فجهله الجهل البسيط ، فالوحي يُرْشِدُ الجاهل إن الجهل البسيط الذي لا يَتَقَدَّمُهُ علم أو الجهل المركب الذي يَتَقَدَّمُهُ قول يخالف عن الحق في نفس الأمر فلا بد من مرجع تأرز إليه العقول إذا اختلفت فهو مرجع من أعلى يجاوزها فلا بد أن تُسَلِّمَ له وَتَخْضَعَ ولا يكون ذلك إلا أن تؤمن أنه حق في نفس الأمر فتجتهد في التَّفْتِيشِ عن دلائل صدقه ، فإذا سلمت بذلك فهي تَتَّبِعُهُ دون أن تَجْهَدَ فِي البحث إلا بَحْثَ الدلالة والاستنباط لما سَاغَ الخلاف فيه من فُرُوعِ المسائل وأما الأصل فقد هُدِيَتْ له بما اجتهدت في التفتيش عن دلائله ، فحصل لها من السلامة والعصمة أن اتَّبَعَتْ معصوما ، فالعصمة في اتباع المعصوم وإنما الشأن أن يُفَتَّشَ في حاله أمعصوم هو صادق أم مُدَّعٍ كَذَّاب ، فإذا ثبت صدقه فهو المرجع الأعلى الذي يحكم فيما اختلفت فيه العقول ، فـ : (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ، فَيُرَدُّ إليه ما اخْتُلِفَ فيه من الأحكام إِنْ أحكامَ العلم أو العمل ، أو سائر ما يكون فيه الخلاف الذي تَعُمُّ بَلْوَاهُ في السياسة أو الحرب ، وذلك رَدٌّ في الحكم دون خوض في تفاصيل يجزئ فيها اجتهاد العقول إلا أن يكون للوحي فيها حكم فهو الأصل ، لا جرم سأل الحبابُ ، رضي اللهع نه ، سأل النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَبْلَ أن يشير بِرَأْيِهِ سَأَلَ أكان موضع بدر وحيا فلا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأَخَّرُ في المشورة ، أم هي الحرب والمكيدة ، فكان من الجواب أنه اجتهاد في أمر لا حكم للوحي فيه فهو من أمور الإنفاذ والإجراء فَيَجْرِي مَجْرَى الدقائق في صنائع الدنيا ، فليست بمناط تكليف إلا أن تُوَافِقَ مقاصد الشرع ولا تخالف عن أحكامه ، ولو في فَرْعٍ دَقَّ ، فهو الحاكم المهيمن ، وإن أعطى العقل فسحة في النظر إن في تحرير الأصول والأدلة صحة وضعفا وتحرير المعاني واستنباط العلل فيما يُعْقَلُ معناه من الأحكام ، فضلا عن فسحة أوسع في أمور الدنيا مِمَّا لا يدخله التكليف فهي من الصنائع التي يجتهد فيها البشر بما يكون من البحث والنظر .

فكان من الأمر بالاعتبار في حال البتول عليها السلام أن : (اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) ، وهو ما يجري مجرى الإيجاب بالنظر في دلالة الوضع الأول في اللسان ، وهو ما اقتبسه أهل الأصول فمن بحثهم الرئيس : البحث في دلالات الألفاظ ، فهي قَوَالِبُ تُصَبُّ فِيهَا المعاني ، فَمَنَاطُ التكليفِ ليس صورة اللفظ إلا في مواضع التلاوة لآي الكتاب المعجز بنظمه ، ولا يخلو ، أيضا ، من تكليف أعظم ، تكليف التصديق والامتثال ، فيكون الاعتبار بالخبر والحكم ، وهو ما يفتقر إلى درك المعاني فهي ما يُرَادُ لذاته فما الألفاظ ، كما تقدم ، إلا قَوَالِبُ لِلْمَعَانِي ، فصورة الحرف نُطْقًا أو سطرا لا تفيد إلا إذا انضم إليها من دلالة الوضع في اللسان ما يفيد معنى يُفْهِمُ ، وذلك ما يجاوز معاني المعجم المفردة فالألفاظ لا تُفِيدُ إلا إذا وَرَدَتْ فِي سِيَاقٍ مُرَكَّبٍ يُفِيدُ بأجزائه ما لا يفيد بآحاده ، فَثَمَّ من قرينة السياق ما يفيد معنى صحيحا يُفْهِمُ فَيَحْسُنُ السكوت عليه فهو كلام يفيد فلا يكون ذلك إلا بقرينة السياق مذكورا أو مُقَدَّرًا ، فكان من الأمر أن "اذْكُرْ" ما يجري مجرى الأمر وذلك الأصل إلا أن تَرِدَ قرينة صارفة ، ولا قرينة هنا تَصْرِفُ وإن شهدت لمعنى آخر فلا تخلو من أمر بالاعتبار يَنْفَعُ فدلالة النصح فِيهَا تَظْهَرُ ، فَثَمَّ إرشاد ونصح فذلك وصف الوحي إذ يُرْشِدُ الناظر إلى ما ينفع من قول وعمل ، وَيُبِينُ لَهُ عن حَدِّ التكليف الواجب الذي به السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، فالنصح معنى يلازم الوحي إذ تَجَرَّدَ من الهوى والحظ ، فلا غاية له إلا هداية الخلق ، فـ : (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) ، فلا يسأل الأجر إلا مودة في القربى فهي رَحِمٌ تَجْعَلُهُمْ يُخَلُّونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ لِيُبَلِّغَ الرِّسَالَةَ ، فلا يكون ثَمَّ حائل بَيْنَ الناس وَقَبُولِ الحق بما يكون من الصد والمنع ، وما يكون من شُبْهَةٍ تُشَكِّكُ وأخرى تُنَفِّرُ ، فكان من معنى الإرشاد في الأمر ما اقترن بالإيجاب ، دلالة الأمر الرئيسة ، فهو ، لَوْ تَدَبَّرَ النَّاظِرُ ، يحتمل أَكْثَرَ من معنى ولو في سياق واحد وبه يستأنس من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترَك ، فكان أمرُ التَّذَكُّرِ أن "اذْكُرْ"، ولا يخلو حَدُّهُ من تكليف عام وإن حَدًّا مفردا في لفظه فمعناه يستغرق كل من صح تكليفه لقرينة العموم في خطاب الوحي ، فذلك ، أيضا ، من أصول الاستدلال في الأصول ، فالأصل في خِطَابِ الشَّرْعِ العمومُ إلا أَنْ تَرِدَ قَرِينَةٌ صارفة تقصره على المخاطب الأول ، صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو تقصره على أحد غيره ، أو تقصره على وَصْفِ قَبِيلٍ بِعَيْنِهِ ، فيجري مجرى العام الذي يُرَادُ به خاص ، فَتَارَةً يُرَادُ به خاص الشخص فَيَقْتَصِرُ الحكمُ على واحد بعينه في الخارج كما يُقَالُ في المعية الخاصة كمعية الله ، جل وعلا ، لصاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وِصِدِّيقِهِ وَأَنِيسِهِ في الغار ، فـ : (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) ، وأخرى يُرَادُ به خاص النوع فَيَقْتَصِرُ الحكم على صورة سبب فهي صورة تستغرق أكثر من واحد في الخارج ، كما في المعية العامة التي أُنِيطَتْ بَوَصْفٍ كما في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) ، فهي تستغرق كل من حَصَلَ فِيهِ الوصف المركَّب من التقوى والإحسان فقد أُنِيطَ بِهِمَا الحكمُ إِنَاطَةَ المعلولِ بالعلة ، فإيراد الموصول "الذين" ، لا يخلو من إجمال أبانت عنه الصلة ، من وجه ، وهو ، من آخر ، يفيد إناطة الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو التقوى ، كَمَا تَقَدَّم ، وما عُطِفَ عليه من الإحسان ، فصورة السبب من التقوى والإحسان تستغرق أكثر من واحد في الخارج ، وإن اقْتَصَرَتْ على نوع واحد فتحته من الآحاد والشخوص ما يجعله عاما بالنظر فيما تحته من آحاد ، خاصا بالنظر فيما فوقه من العام الأعم ، فثم عام لا أعم منه ، وتحته قد تندرج عمومات فهي أجناس وأنواع لما تَحْتَهَا ، فيكون التدرج في حد العام جنسا أعلى لا جنس فوقه ، ودونه أجناس وأنواع يَلِي بَعْضُهَا بَعْضًا ، حتى تَبْلُغَ خاصا لا أخص منه وهو الواحد بعينه في الخارج ، فحصل التدرج في الدلالة من الدائرة الأوسع ، دائرة العام الذي لا أعم منه ، إلى الدائرة الأضيق ، دائرة الخاص الذي لا أَخَصَّ مِنْهُ ، وَبَيْنَهُمَا من الدوائر ما به التَّنَزُّلُ من الأعلى إلى الأدنى ، أو التدرج من الأدنى إلى الأعلى ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، معيار التصنيف في بحث النبات والحيوان ، فَثَمَّ معيارٌ حَدَّهُ أهل الشأن فأعلاه : المملكة وأدناه النوع ، وتحته الآحاد المخصوصة ، وَبَيْنَهُمَا : الشعبة والطائفة والرتبة والفصيلة والجنس ، فكان من التدرج ما يضاهي التدرج آنف الذكر : من العام الذي لا أعم منه إلى الخاص الذي لا أخص منه ، فمعيار النظر واحد ، وإن اختلفت العلوم فَثَمَّ من دلالات العقول ما تَوَاطَأَ عليه النظار أيا كان البحث ، سواء أكان في الشرع أم في الكون .
فكان من الأمر في الآي آنف الذكر أن : (اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) ، ما يجري مجرى الإفراد بالنظر في خطاب المواجهة الأول فاقتصر على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من هذا الوجه إذ لا يَشْرَكُهُ غَيْرُهُ في تَلَقِّي الوحيِ فذلك ما اختص به إذ لا يَنْزِلُ إلا عليه فليس مما يكتسب من صنائع العلم أو العمل فهو أمر لا يُنَالُ بكسب أو رياضة فَلَيْسَ إلا محض الفضل من رب حكيم عليم فد اصطفى محالا اصطفاء أخصَّ وإن كان ثَمَّ اصطفاءٌ لِغَيْرِهَا بإصلاح محلِّها أن يقبل آثار الهدى العام فالنبوة ، من وجه آخر ، هدى خاص يقتصر على محال مخصوصة قد أُعِدَّتْ الإعداد الزائد فاصطفاؤها ، كما تقدم ، أخص ، فلا يخلو إلقاء الوحي إليها أن يدل على حِكْمَةِ مَنْ أَلْقَى ، تبارك وتعالى ، فلا يضع الحال إلا في محل يلائمه فيقبل آثاره ، فذلك مقتضى الحكمة إذ توجب ، كما تقدم مرارا ، أن يوضع الشيء في المحل الذي يلائمه ، فلا توضع النبوة بداهة في محل فاسد لا يقبل آثارها فهي أشرف وظائف الأرض إذ هي الاصطفاء المحض بأشرف الكلمات ، كلمات الصدق والعدل ، والاصطفاء الأخص بالبلاغ والبيان الأول ، وإن شَرَكَهُ غَيْرُهُ فِي جِنْسِ البلاغ والبيان الأعم ، فهو ، أيضا ، من العام الذي تَنْدَرِجُ تحته أنواع ، فَثَمَّ بلاغ النبوة وَبَيَانُهَا فهو الأول ، وثم بلاغ من روى وَبَيَانُ من درى فهو الثاني ، فلا يكون ابتداء بل هو أبدا فرع عن الأول ، فالنبوة هي الأصل الذي لا يكتسب باجتهاد أو رياضة نفس ، ومقام العلم اجتهادا وإفتاء وقضاء ..... إلخ مما يكتسب بطلب أسبابه من الحفظ والفقه ، وإن لم يخل ، أيضا ، من اصطفاء ، وإلا ما كان التفاوت بَيْنَ الْعَالِمِ وغيره ، بل وبين العلماء فَلَئِنِ اشتركوا في الجنس العام ، جنس العلم المطلق فهم على أنواع فمنهم من بَرَعَ في الرواية حفظا دون فقه يضاهيه فهو رَجُلُ نَقْلٍ ، ومنهم من برع في الدارية فِقْهًا دون حفظ يضاهيه فهو رجل عَقْلٍ ، ومنهم من جمع الحسنيين فَجَمَعَ النَّقْلَ والعقل إذ لا تَعَارُضَ فقد أطاق الحفظ والفقه مَعًا وتلك رُتْبَةٌ العلم فليس العلم ، كما قال بعض المحققين ، إلا درك المسائل بأدلتها فلا يقتصر الناظر على دَرَكِ الحكم مجردا بلا دليل أو حفظ ألفاظ الدليل بلا فقه لمعانيها بل العلم قد استغرق الجميع فهو معرفة الحق نقلا بأدلته ، حفظا للألفاظ وعقلا للمعاني .
ومنهم ، من وجه آخر ، المجتهد المطلق الذي يستقل بدرك الحكم من الدليل دون واسطة إلا مَا حَصَّلَ من أدوات الاجتهاد في استنباط الأحكام ، ومنهم المجتهد المقيَّد بأصول مذهب في الفقه فدائرة اجتهاده أضيق ، ومنهم المتَّبِعُ الذي يحسن يَمِيزُ بَيْنَ الأقوال فيرجح بَيْنَهَا بما أوتي من فقه الدلالة ، فيحسن يحرر محال الخلاف وأسبابه , ويحسن يرجح بين حُجَجِ كُلِّ مَذْهَبٍ ، ولكنه لا يطيق الاستقلال بقول جديد في المسألة كما المجتهد المطلق ، وَثَمَّ مَنْ دُونَهُ مِنَ المقلدين سواء أكانوا حفاظ الفروع والمسائل مجردة من أدلتها ، وليس ذلك من الفقه بمعناه الأخص ، فِقْهِ الدلالة فلا يَبْلُغُهُ من قَصَرَ الهمة على حفظ الفروع مجردة من أدلتها ، وإن حَفِظَ لَفْظَ الدليل ، فلا بد أن يَضُمَّ إليه فِقْهَ الدلالة لِيُقَالَ إنه فقيه ، وإن حَدَّ مَنْ حَدَّ الفقهَ أنه : حفظ الفروع مطلقا فلا يُسَلَّمُ له إذ الفقه هو درك الحكم بِلَفْظِ الدليل ووجه الدلالة ، فلا يكون الفقه بالحفظ بلا فهم ، ولو لآي الوحي والآثار ، فكيف إن كان الحفظ لنصوص المذهب فهي ، بداهة ، دون الكتاب والسنة ، فلا يكون حافظها بلا دليل ووجه دلالة ، لا يكون فَقِيهًا من باب أولى ، فهو مُقَلِّدٌ وإن وَعَى الأحكام في صدره ودونه من لم يَعِهَا فهو المقلد المحض ، ولا يخلو من اجتهاد ، فاجتهاده أن يَتَحَرَّى في اختيار من يفتيه ، ولا يخلو الجميع ، لو تدبر الناظر ، أن يَدْخُلَ في حد الأمر بِالتَّذَكُّرِ وإن كان لكلٍّ منه ما يطيق فلا يستوي من علم وَمَنْ لم يعلم فلكلٍّ اجتهاد بِقَدْرِ ما يطيق ، وذلك من تَيْسِيرِ الرَّبِّ الحميد المجيد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، في باب التكليف أن لم يكلف كل أحد إلا بما يطيق ، فـ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فَرُفِعَ الحرج في الدين فشرعته : الحنيفيةُ السمحة التي جاءت بالعدل والحكمة وهي توجب أن يوضع الشيء في المحل القابل لآثاره فلا يُكَلَّفُ من لا يطيق ، ولا يُرْفَعُ التكليف عمن أطاق ، فمن لم يطق الاجتهاد جاز له أن يُقَلِّدَ ، وإن كان مجتهدا فَلَيْسَ يَفْقَهُ كُلَّ مسألةٍ وقد يضيق الزمان فلا يجد فسحة نَظَرٍ في موضع لا يجوز فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة فهو يقلد من يعلم ويصير حكمه كحكم المقلِّد في هذه الحال إذ يجتهد في اختيار من يفتيه فيختار الأورع والأعلم ، ومن أطاق الاجتهاد ولو في مسألة ففرضه الاجتهاد فَلَهُ عقل يفقه به المعاني وفيه ركز من العلم الضروري به يحسن استنباط الحكم النظري فإن حصل له هذا القدر من العلم ولو في مسألة أو باب ففرضه الاجتهاد لا سيما على القول بتجزؤ الاجتهاد فلا يشترط فيه الإلمام بجميع أبواب الشريعة .

فَكَانَ من الاختلاف في المنصب ما لأجله خُصَّ صاحب الوحي المنزَّل صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمنصب البلاغ والبيان الأول فلا اجتهاد في كسبه بطول مناظرة أو رياضة مُزَاوَلَةٍ ، فهو محض الاصطفاء بإعداد المحل وتهيئته على وجه يجاوز ما دونه من اصطفاء الصديقين والشهداء والصالحين من العلماء والعباد ، فخص صلى الله عليه وعلى آله وسلم بخطاب المواجهة الأول ، كما في الآي آنف الذكر أَنِ : (اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) ، فهو أول من خوطب بالتكليف أن يصدق ويمتثل ، وإسناد الخبر إليه أصح إسناد في الدنيا إذ لا واسطة إلا روح القدس ، أشرف الوسائط الرسالية ، فمن رب البرية ، جل وعلا ، إلى خير البرية صلى الله عليه وعلى آله وسلم بواسطة مَلَكِيَّةٍ هي أشرف الوسائط : روح القدس ، عليه السلام ، فهو النازل على قلب النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام بأصدق الكلمات وأعدلها ، خبرا وحكما ، نفيا وإثباتا ، أمرا ونهيا .

*****
وكان من عموم الخطاب ، من وجه آخر ، ما استغرق كل مخاطب لما تقدم من قرينة العموم في خطاب التكليف وهي الأصل المطرد الذي يستصحب في كل خطاب شرعي إلا أن تكون قرينة صارفة تقصر الخطاب ، كما تقدم ، على واحد بالنوع أو آخر بالشخص ، ولا يخلو الأمر أن يَذْكُرَ المخاطَبُ في نفسه من دلالة أعم ، فهو يذكر غيره وصاية بها أَثْنَى اللهُ ، جل وعلا ، على صاحبها فاستثناه من الخسران إذ أكمل قوته في العلم والعمل ، كما يقول بعض المحققين في آي العصر ، فجاء الاستثناء في قول رب الأرض والسماء جل وعلا : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) ، فكان من الإيمان ما به صلاح القوة العلمية ، وكان من عمل الصالحات ما به صلاح القوة العملية ، وكان من التعاطف ما يجري ، من هذا الوجه ، مجرى التشاطر الذي استغرق المحلين : الباطن علما والظاهر عملا ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، أن يكون من عطف الخاص على العام إذ الإيمان يجري ، من وجه ، مجرى اسم الجنس الإفرادي الذي يطلق على ما قَلَّ من الحقيقة وما كَثُرَ ، فيطلق على الإيمان الناقص ونظيره الكامل ، سواء أكان الكمال الواجب أم المستحب ، ويطلق على ما بينهما من درجات لا يحصيها إلا رب البريات ، جل وعلا ، فالإيمان اسم جنس يستغرق سائر الأحوال الإيمانية ، العلمية والعملية ، فكان عطفُ العملِ عليه ، من هذا الوجه ، عطفَ خاصٍّ على عام ، فالإيمان قول وعمل ، وهو ، في قسمة أخرى ، اعتقاد وقول وعمل ، فالعمل جزء من ماهيته المركبة في الخارج ، فكان عطف العمل على الإيمان من هذا الوجه عطفَ الخاص على العام ، ولا يخلو ، لو تدبر النظر ، أن يجري مجرى التَّرَادُفِ بالنظر في دلالة الصالحات الأعم ، فدلالة "أل" دلالة عموم قد رَفَدَ جمعَ القلة المزيد بالألف والتاء ، فصار مئنة من كثرة تستغرق فهي تجاوز صالح العمل الظاهر إلى نظيره في الباطن من حركة الجنان اعتقادا فهو العلم الباعث على ما بعده من الاستسلام والانقياد والخضوع وما يكون منها من إرادة ومحبة واستعانة ..... إلخ من أعمال الباطن ، وهي ، أي الصالحات ، تجاوز أيضا فيدخل في حدها القول الظاهر سواء أكان نطق الشهادة توحيدا أم ما بَعْدَهُ من الذكر ، ومنه ما تقدم من ذكر أخبار النبوات ، كما قد جاء الأمر في قول رب البريات جل وعلا : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) ، فكان من صلاح النفس ما به استكملت قوة العلم إيمانا وقوة العمل إذ باشرت الصالحات ما ظهر منها وما بطن ، ثم كان التَّوَاصِي فَبَعْدَ إكمالِ الذات كان السعي في تكميل غيرها ، فسعوا بإكمال غيرهم إكمالَ العلم إذ تواصوا بالحق ، وإكمال العمل إذ تواصوا بالصبر ، فكان من التَّوَاصِي ما يجري مجرى التَّفَاعُلِ وهو مئنة من التشارك فَثَمَّ موصٍ وَثَمَّ موصىً ، وكان من كمال الوصف أن ذَكَرُوا في أنفسهم وَذَكَّرُوا غيرهم ، فَصَلَحُوا ثم أصلحوا وذلك ما يقضي به العقل إذ لا يصلح الفاسد ، فَلَوْ أفلح لأصلح نفسه ابتداء ، فلا بد من صلاح المحل قبل الشروع في الإصلاح ، فلا يكون بُنْيَانٌ بلا أساسٍ ، وإن كان ثَمَّ صلاح في مواضع يصدر عن فاسد فهو من قَبِيلِ الخبر المشهور : "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" ، فذلك استثناء لا يقاس عليه بل الاستثناء ، كما يقول أهل النظر ، يدل على صحة الأصل ، فلا صلاح من فاسد ، ولا ذكرى من غافل ، فكان من الأمر ابتداء أن اذْكُرْ ، وكان بعده من أمر التذكير في مواضع كما في قول الرب الخالق جل وعلا : (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) ، فكان من تضعيف المبنى في "ذَكِّرْ" ، أن ضُعِّفَتْ فاؤُه وهي الذال ، ما يدل على نظيره في المعنى إذ تَعَدَّى الفعل إلى غيره ، وكان من العطف بالفاء في : (فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) ، ما يَجْرِي مجرى السببية ، فلا يخلو من جواب لسؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة الأمر بالتذكير ؟ ، فجاء الجواب : لأن الذكرى تنفع المؤمنين ، ولا تخلو من دلالة تَعْرِيضٍ بِمَنْ لم يَنْتَفِعْ فما آمن ولا اتقى ، فكان من الناسخ المؤكد ما يزيد في هذا المعنى فضلا عن دلالة التعليل فهي مما أُشْرِبَهُ الناسخ "إِنَّ" إذ ورد عقيب أمر وسبقته فاء لا تخلو من معنى السببية ، ولا يخلو السياق من إطناب إذ جاء الخبر "تَنْفَعُ" على حد المضارع مئنة من اتصال الوصف ولا يخلو من استحضار الصورة وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، وهو ، من وجه آخر ، مما يُبِينُ عن إجمال في قوله تعالى : (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) ، فالمفهوم : وإن لم تنفع الذكرى فلا تُذَكِّرْ ، فَثَمَّ سؤال : ومن تَنْفَعُهُ الذكرى لِيُذَكِّرَ المذكِّر ؟ ، فجاء الجواب في الموضع الآخر : الذكرى تَنْفَعُ المؤمن ، فـ : (إِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) ، وهو ما احتمل المؤمن بالفعل فالذكرى في حقه توكيد ، والمؤمن بالقوة ، فالذكرى في حقه تأسيس ، وهو مَنْ تهيأت نفسه لقبول الحق وإن لم يؤمن بعد فإذا وجد ضالته آمن إذ تجرد من الأهواء والحظوظ في طلب الحق فالذكرى تنفعه وبها يصير مؤمنا بالفعل ، فغير أولئك فلا تُذَكِّرْ إذ لا تنفع الذكرى إلا أن تكون إقامة للحجة أو درءا لشبهة قد استعلن صاحبها فَخُشِيَ على الناس من فِتْنَتِهِ .
وكل أولئك مما صح حمل لفظ الأمر أن : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) ، مما صح حمل لفظه عليه ، ولو بدلالة اللازم فَاذْكُرْ وذلك القول ، وَذَكِّرْ فذلك لازمه ، فاجتمع في اللفظ من الدلالات ، بالنظر في الخطابات : الأخص : مواجهة وبلاغا وَبَيَانًا وتكليفا أول ، والأعم : خطاب التكليف الثاني وما بَعْدَهُ من بَلَاغِ الوحي وَبَيَانِهِ ، فـ : "بلِّغوا عني ولو آية" ، وهي ، كما يقول أهل الشأن ، تكليف بالتبليغ ، وتشريف أن كان البلاغ عن أشرف الخلق صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتخفيف أن كان البلاغ بقدر الاستطاعة ولو آية ، فضلا عما تقدم من التلازم بين التَّذَكُّرِ وَالتَّذْكِيرِ ، فذلك أصل يطرد في جميع مواضيع التكليف فالأصل فيها ، كما تقدم العموم ، إلا أن تَرِدَ قرينة تخصيص تقصر المعنى أو الحكم على واحد بالشخص أو آخر بالنوع .

والله أعلى وأعلم .