مما اطرد في باب الثناء من الوحي المنزل : الثناء على الرب المهيمن ، جل وعلا ، ما اصطلح أنه الاقتران الجامع لوجوه الكمال المطلق ، وهو من آكد مواضع الاعتبار والذكرى في الوحي المنزل ، إذ به من التلازم بين الدلالات الصريحة ما ينصح ، كما الاقتران بين العلم المحيط والحكمة في إجراء المقادير وذلك عنوان الجمال ، والقدرة وذلك عنوان الجلال ، فذلك عنوان الكمال المطلق في باب الخبر ، وذلك تلازم آخر في النظر ، التلازم بين أجناس المعاني ، فثم اقتران بَيْنَ اثنين من الباب نفسه ، كما الاقتران بين الجبروت والكبرياء في باب الجلال ، وثم ، في المقابل ، اقتران بين اثنين من بابين بهما اكتمال القسمة كاقتران العلم والقدرة ، فالعلم من الجمال وإن كان له في الجلال مدخل إذ ثَمَّ من علم التقدير علمٌ بالمآلات والعواقب التي يجريها ، جل وعلا ، في حق من يظلم وَيَبْغِي ، فالعلم من الجمال على التفصيل آنف الذكر ، والقدرة من الجلال ، فحصل من اقترانهما الثناء التام بالكمال المطلق جلالا وجمالا ، وذلك أصل في هذا الباب الجليل : باب الإلهيات ، وهو تلازم الأوصاف الربانية : جمالا وجلالا ، وبه كان من حسن التلاؤم بين خواتيم الآي من أسماءِ الجمال والجلال ما يوجب الاعتبار لكل ذي عقل بما أُحْكِمَ من آي الذكر ، ولا يكون ذلك إلا وثم فقه يجاوز العلم بالمعاني الأولية ، معاني الألفاظ المجردة بما تَوَاتَرَ من الدلالة المعجمية المفردة ، فتلك يعلمها كل أحد من أهل اللسان ، وأما المعاني الثانوية اللطيفة التي يتناولها بحث البيان المركب إذ يَنْظُرُ في سياق مجموع محكم قد أُتْقِنَ سَبْكُهُ وَأَعْجَزَ نَظْمُهُ ، فكان من دلالة الاقتران في مواضع الخبر الإلهي ، الاسم والوصف الرباني ، كان منها ما به الاعتبار إذ ثم من التلازم بين المعاني المتقابلة ما به الثَّنَاءُ يكمل في حق الرب المهيمن ، جل وعلا ، وتلك دلالة في الباب اشتهر أنها الاقتران : الاقتران بين متلازمين ، كما في التلازم بين الاسمين الكريمين : العليم والحكيم ، كما في ثَنَاءِ الملائكة على الله ، جل وعلا ، أَنْ : (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ، فَثَمَّ من التلازم في العقل ما به الاعتبار ، أيضا ، إذ جرى على الجادة الصريحة في باب الثناء فاستأنف تخليةً أولى بالتسبيح فتلك تخلية المحل من وصف النقص ، وذلك التنزيه والإبعاد بالمسبَّح عن كل ما له يَتَنَقَّصُ ، فَثَمَّ مادة السبح وهي معنى يجرده الذهن ، ومنه اشتقت أسماء حسنى هي من عُمَدِ هذا الباب ، باب الأسماء الحسنى ذات الدلالات السالبة لوصف النقص فهي مما به المحل الأعلى يَتَنَزَّهُ من وصف النقص الأدنى ، كاسم السلام الذي سلم من كل عيب ، والقدوس الذي تَنَزَّهَ عن كل نقص ، ولا يكون الثناء به تَخْلِيَةً إلا وَثَمَّ من الأسماء ذات الدلالات الموجبة لمعان ثبوتية في الخارج ما به القسمة تكتمل تَحْلِيَةً بعد تَخْلِيَةٍ ، فالقسمة في هذا الباب تَتَرَاوَحُ بين النفي والإثبات ، التخلية للمحل من وصف النقص ثم التحلية بوصف الكمال ، وذلك من آكد مواضع فيها العقل يعتبر اقترانا بين المتلازمات ، فلا يُرَادُ النفي في هذا الباب الجليل لذاته ، فهو عدم ، والعدم ليس مناط المدح إذ ليس بشيء في الخارج يثبت ، وإنما الثناء في هذا الباب يكمل بما يكون من إثبات لكمال ضدٍ ، ضد المنفي من وصف النقص ، فيثبت في محل المدح بالمعنى الموجب لوصف وجودي ذي حقيقة وماهية فليس كالوصف السالب لمعنى النقص فليس بشيء ، كما تقدم ، فيثبت في محل المدح بوصف الإيجاب ، يَثْبُتُ معنى يزيد على الذات فهو يقوم بها قيام الوصف بالموصوف ، المعنى بالذات ، فالمبدأ : تنزيه بسلب وصف النقص ، والمنتهى : ثناء بوصف إيجاب يثبت كمالا ذا دلالة وجودية في الخارج هي لازم في القياس الناصح لنفي ضدها تحليةً تقدمت ، وهو ما يحسن فيه الإجمال فلا يعدد المادح أوصاف النقص المنفية بل إطنابه فيها ، كما يذكر أهل الشأن ، أقرب إلى الذم منه إلى المدح إلا في مواضع مخصوصة يحسن فيها الخروج عن الأصل في باب النفي ، وهو الإجمال ، إلى ضد من الإطناب يجري مجرى الاستثناء في الباب ، فيقدر بقدره في مواضع مخصوصة كَنَفْيِ شبهة أو مقال باطل ، كما نَفَى الرب الخالق ، جل وعلا ، عنه الصاحبة والولد دَحْضًا لدعوى المثَلِّثَةِ الذين بدلوا دين المسيح عليه السلام ، فالأصل في باب النفي ، كما تقدم ، الإجمال بأسماء جامعة لوجوه المعنى كما تقدم من السلام والقدوس ، وكذلك السبوح الذي اشتق من مادة السبح ، وهي ، كما تقدم ، معنى جامع يجرده الذهن ، فَيَجْرِي مجرى الجنس العام المستغرق لآحاد منه في الخارج ، كما اطرد في المطلقات أو الكليات الجامعة ، وهي أصل في دَرَكِ المعاني الاصطلاحية الأخص فلا تَنْفَكُّ تَأْرِزُ إلى حقائق لسانية وهي في هذا الباب : العام الذي لا أعم منه ، فَهِيَ أَوَّلُ ما يثبت في باب المعنى إذ مبدأ أيِّ إفهام في الدنيا هو درك المعنى الأول ، المجرد من كل قيد بما تَوَاتَرَ من الدلالات المعجمية المفردة ، فذلك من رد الفروع المقيَّدة إلى أصل مطلق جامع يستند إلى نص في الدلالة قد سلم نَقْلَهُ من القادح ، فلا بد من نقل صحيح وذلك شطر في الباب أول ، ولا بُدَّ مَعَهُ من آخر به الاستدلال يَنْصَحُ ، فَثَمَّ عقل صريح في النظر يُجَاوِزُ حقيقة اللِّسَانِ المفردة ، فينظر في السياق أو الحال ، وكلاهما يُقَيِّدُ المطلق من الدلالات المعجمية ، وله في النظر درجات ، فَثَمَّ درجة العرف وذلك قَيْدٌ أول ، وثم أخرى وهي الشرع وذلك قَيْدٌ ثان ، وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، اصطلاح أخص من عمومات اللسان ، وإن كان على أنحاء ، فَمِنْهُ اصطلاح العرف ، ومنه اصطلاح الشرع ، ومن العرف ما استقر قبل نُزُولِ الوحي أو صدور العبارة عن القائل ، فإنه يَتَكَلَّمُ بالعرفِ السابق أو المعاصر ، فلا يجوز حملان كلامه على عُرْفٍ حادث بعده ، ومن العرف عام يضاهي في التقسيمات الأصولية : العلم الضروري الذي يفيد الجزم والقطع فلا يفتقر إلى دليل من النظر ، ومنه ، أي العرف ، خَاصٌّ يُضَاهِي : العلم النظري ، فهو عرف خاص بأهل فن أو صناعة ، يجري مجرى آخر في التقسيمات الأصولية وهو ما اصطلح أنه التواتر الخاص ، فَيَتَوَاتَرُ عند أهلِ فَنٍّ أو صناعة من اصطلاحه الأخص ما يعلمه أهله فإذا سمعه أحدهم لم يطلب دليلا يشهد أو استدلالا يُفَسِّرُ ، بل يدرك المعنى ، بادي الرأي ، وهو عند غيره مما اسْتَغْلَقَ فلا يكاد يحسن نطقه فضلا أن يدرك معناه ، وكذلك الشأن في دلالة الشرع ، فَمِنْهَا ما يجري مجرى التواتر العام الذي يواطئُ عُرْفَ البيانِ زَمَنَ التنزيل أو ما قبله ، ومنه اصطلاح محدَث قد طرأ بعد نُزُولِ الوحي ، كما اصطلاح الفقه ، والمثل له يضرب ، كما يقول بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ ، بمادة القضاء ، فإنها في عرف الوحي المتقدم ، دليل الإتمام في الوقت ، كما في قوله تعالى : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) ، فلم يُرِدْ بِهَا قضاءَها بعد خروج وقتها كما اصطلح الفقهاء في الاصطلاح المحدَث ، فذلك إنما كان بوضع أخص في الاصطلاح يخالف عن الوضع الأول الأعم الذي نَزَلَ عليه الوحي وجاء به الشرع ، وضع اللسان العربي ، اللسان القرشي الأفصح ، لسان عرب الشمال الذي عم في التداول فكان لسان الجزيرة الجامع لما لقريش من مكانة بما اختصوا به سدانة البيت ، فهو الأصل في جمع آي الكتاب كما جمعه عثمان ، رضي الله عنه ، فجعل أمر التدقيق حال الخلاف لفتية من قريش لا تحكما أو هوى يجنح إلى قومه ، وإنما لهم من ذلك صدارة إذ نَزَلَ الوحي فيهم بداية ، فلهم من العلم بلسانه واصطلاحه ما ليس لغيرهم ، وإن كان من جيل الرسالة الأول ، فَثَمَّ معنى أخص في عرف اللسان القرشي ، فحصل لقريش من ذلك ما لم يحصل لغيرها من القبائل ، وإنما كانت الأحرف السبعة رخصة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، حتى إذا مهرت الألسن وأتقنت حرف قريش الأول ، زال سبب الرخصة فوجب الرجوع إلى العزيمة وهي لسان قريش ، بل كان من الرخصة في غير الموضع إذ زال سببها الأول ، كان منها في غير الموضع فتنة حذر منها حذيفة ، رضي الله عنه ، وقد رأى اختلاف القوم في القراءة حتى كاد يفضي بهم إلى التقاتل ، فرفعت الرخصة وَأُحْكِمَتِ العزيمة لسان قريش الأخص ، فهو أخص من لسان زمانه الذي استغرق من لهجات القبائل ما تَعَدَّدَ ، وهو ، من باب أولى ، أخص من لسان حدث بعده بعد انقضاء جيل الرسالة الأول ، كما في اصطلاح الفقهاء المحدَث ، وذلك يشبه ، من وجه ، ما اشترطَ بَعْضٌ في رواية الخبر بالمعنى إذ قصره على الجيل الأول وحده فَقَدْ شَهِدَ التَّنْزِيلَ وَعَلِمَ من لسانه ما لم يعلم الآتي بعده ، وكان له من قَرَائِنِ النُّزُولِ والورود ما فَقِهَ به المعنى فقد أفاده الشهود ، كما يقول بعض المحققين ، أفاده عقل المعنى المخصوص ، لا جرم كان للجيل الأول من فقه المعاني الرسالية الأدق ما هو حكم في مواضع الخلاف لما تقدم لهم من حفظ المباني ، فقد شهدوا من الوحي آيا تَتَنَزَّلُ وأخبارا عن صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم تصدر ، وكذا فقه المعاني فهم أولى حلقات الإسناد في النقل ، وهم أولى من يُرَدُّ إليه الخلاف في المعنى إذا اختلفت العقول فَرَدُّهَا إلى أول محكم يواطئ القياس المحكم إذ تُرَدُّ المتشابهات إلى أول محكم له من السبق ما أوجب إليه الرَّدُّ ، لا رد العصمة العامة كما الوحي ، فليست عصمة الجيل الأول : عصمةَ جميعٍ ، وإنما هي عصمة المجموع أن يَتَوَاطَأَ على خَطَإٍ ، في علم أو عمل ، ولو في فَرْعٍ دَقَّ ، وَمِنْ تلك معان جليلة لو تدبرها الناظر لاستبانت له مواضع الخلاف في الشريعة .
وكذلك الشأن في قوله تعالى : (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ) ، فالمعنى هو الأداء في وقتها ، وقضاء الدين أداؤه ، فالقضاء والأداء ، وإن اخْتَلَفَا في المادة : "قَضَى" و "أَدَّى" ، إلا أن ثم جَامِعًا في المعنى المجرد في الذهن ، وهو وقوع الشيء أو حصوله في الخارج دون قَيْدٍ في الزمان ، فَاسْتَوَيَا في الدلالة اللسانية الأعم التي نَزَلَ بها الوحي ، وإن قَيَّدَ فذلك قَيْدٌ من ذات المرجع ، مرجعِ الوحي ، فهو نقل لحقائق اللسان المطلقة التي جاءت بها الآي المنزلة إلى حقائق أخص في بابها : باب الشرع ، فالنص من الشرع فلا يحمل على اصطلاحه الأخص ، وهو ما يُقَيَّدُ بِزَمَنِ التَّنَزُّلِ فلا يدخل فيه ما حدث بعده وإن كان حدوثه في درس الشريعة ، أيضا ، سواء أكان قسمة في الاصطلاح بها حَدُّ المعاني وَتَقْرِيبُهَا إلى الدارس أم تأويلا لا يسلم من الخلاف بل الذم يتوجه إليه في أحيان ، كما تأويلاتُ المقالات المحدثة فيصدق فيها أنها من الشرع ، ولكنها ، بداهة ، ليست من الشرع المنزل بل هي من آخر مُحَرَّفٍ وَإِنْ تَلَطَّفَ مَنْ تَلَطَّفَ فجعله من المؤوَّل ، فذلك اصطلاح يوهم إذ يحتمل التأويل الصحيح وهو ما يعدل في الدلالة التفسير ، أو الجائز في محالِّ الخلاف السائغ ، ويحتمل آخر ليس إلا التحريف والتعطيل وَإِنْ تَذَرَّعَ بالتأويل ، فَثَمَّ من اصطلاح الشرع حال التَّنَزُّلِ ما يخالف عن آخر حادث بعده ، وإن في درس الشريعة ، فذلك اصطلاح أخص في الفقه والأصول وعلوم اللسان والبيان وعلوم الرواية والدراية ..... إلخ من تقسيمات العلوم المحدثة فلا تُذَمُّ إِنْ لَمْ تَكُنْ ذَرِيعَةً يَتَوَسَّلُ بها من يَتَوَسَّلُ من المتأولة أَنْ يخالف عن مراد الوحي ، فمراده ما نطق بلسان زمانه ، لا ما نُطِّقَ كرها ! بِلِسَانٍ حادث بعده ، لا سيما إن كان ثم اشتراك في المادة نطقا وكتبا مع قَدْرٍ آخر يَتَوَاطَأُ في المعنى الكلي الجامع ، وهو ما يضرب له مثل آخر يُشْتَهَرُ قد عَمَّتْ به البلوى في مواضع ، وهو اصطلاح النسخ ، فإن له حَدًّا مُتَقَدِّمَا أعم إذ يستغرق كل زيادة على النص وإن لم تُرْفَعْ دلالته كما النسخ في الحد المتأخر فإنه يرفع دلالة الأصل ، فالنسخ في اصطلاح المتقدمين يجاوز النسخ في اصطلاح المتأخرين فيدخل فيه كل بيان يزيد من تخصيص أو تقييد أو تأويل في موضعٍ يُفَسِّرُ ما أُجْمِلَ في آخر ، أو نَسْإٍ يتفاوت به الحكم في كل حال ، كما القول في نصوص القتال إذ يَكْتَنِفُهَا من قرينة الحال ما به الدلالة تَتَفَاوَتُ من تحريم وهو المبتدى حال الضعف وتعذر المكنة إلى إباحة إلى إيجاب دفع أخص إلى آخر أعم في الطلب وذلك المنتهى وَبَيْنَهَا من دقائق المعاني والقرائن ما اقتضت الحكمة أن يكونَ لكلِّ محلٍّ وحالٍ من الأحكام ما يُوَاطِئُ .
فحصل من الدلالة المتأخرة ما قصر عموم الاصطلاح الرسالي الأول على آخر أصولي أخص ، فلئن نَفَعَ في قسمة المسائل وَتَبْوِيبِهَا إلا أنه لا يطرد في الاستدلال حتى يواطئَ مرادَ المتكلم الذي تقدم على الاصطلاح المتأخر ، فلا يحكم متأخِّرٌ حادث على مُتَقَدِّمٍ ثابت ، وذلك ما يصدق في محل شاهد تقدم ، وهو القضاء والأداء ، فكان من الرواية : "فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكَمْ فَاقْضُوا" ، وفي رواية : "فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا. وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" ، وكان من اصطلاح الفقه المتأخر مأخذ لطيف يجاوز الاصطلاح المتقدم الذي سَوَّى بين المادتين "قَضَى" و "أَدَّى" ، فَثَمَّ آخر في الفقه يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ أَخَذَ بالرواية الأولى فإنه يجعل آخِرَ صلاةِ المسبوق أولها فهو يَقْضِي ما فاته فَتَكُونُ ثَالِثَتُهُ هي الأولى ورابعته هي الثانية إن فاتته ركعتان ، فيقرأ فيهما بعد الفاتحة كما الأولى والثانية في الأداء بلا سبق ، ومن أخذ بالرواية الثانية وهي الإتمام فهو يصليهما كما الإمام فثالثته بعد أن يصلي ركعتين مع الإمام ، ثالثته هي الثالثة ورابعته هي الرابعة فلا يقرأ فيهما بعد الفاتحة ، فتلك ثمرة الخلاف إذا حُمِلَتِ الألفاظ على اصطلاح الفقه الحادث بعد زمان الورود : ورود الروايتين .
ومن سَوَّى بَيْنَهُمَا فَرَدَّ الأمر إلى عُرْفِ اللِّسَانِ الذي وَرَدَتْ به الروايتان فإنه لا يُسَلِّمَ بما تَقَدَّمَ ، ولا يسلم بأمر في الشرع ، كما يقول بعض أهل الشأن ، لا يسلم بأمر في الشرع يأمر بالعبادة بعد الوقت ، بل الشرع لا يأمر بالعبادة إلا في وقتها ، وإنما الوقت وقتان : وقت عام وهو وقت الاختيار لمن خلا من العوارض المانعة ، وآخر خاص لأهل الأعذار المعتبرة من النوم والنسيان ، كما في الخبر : "مَنْ نَسِيَ الصَّلاَةَ، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" ، فَوَقْتُ أدائِها هو وقت ذكرِها ، لا الوقت العام وإنما الوقت الخاص بهذه الحال .

فكان من التسبيح ، وهو محل الشاهد الأول في قوله تعالى : (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ، كان منه جنس أعم يجرده الذهن وهو أول في التصور ، إذ يثبت مطلقا في المعنى ، وهو محل الاشتراك بين حقائق في الخارج وإن اختلفت في القيد الفارق ، فحصل من القيد ما يَمِيزُ ، وإن كان الاشْتِرَاكُ في الأصل الجامع ، فهو مشترك معنوي في الذهن لا يحول تصوره دون وقوع الشركة فيه ، ولا يلزم من ذلك حصول أخرى في الخارج بين الحقائق بل لكلٍّ من الماهية والحقيقة ما يلائم ، فلا يلزم من الاشتراك في معنى التسبيح في الذهن حصول تشابه أو تماثل بين آحاده في الخارج ، إذ لكلِّ حقيقةٍ مِنْهَا قَيْدٌ يميز ، فالسبح في الفرس يكون إذ مَدَّ يَدَيْهِ في الجري فَأَبْعَدَ ، والسبح في الكلام الإطناب والإكثار ، والسبح في الدمع الامتلاء إذ تمتلئ به العين ، فهو مئنة من الإبعاد مع الكثرة ، وذلك ما استعير لمعنى التسبيح في حق الرب السبوح القدوس ، جل وعلا ، فَثَمَّ إكثار في الدلالة يُبَاعِدُ بها المسبِّحُ عن مُثُلِ التكييف والتشبيه والتمثيل المذمومة في الباب ، وهو ما يجاوز ، لو تدبر الناظر ، باب الاسم والوصف من الإلهيات إلى آخر من الكونيات والشرعيات ، فَثَمَّ تسبيح في الربوبية خلقا ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) ، ورزقا : (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) ، وتدبيرا الأحوال والأجرام ، فـ : (آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ، فَسَبْحُ الأجرامِ في أفلاكها مَئِنَّةُ تَوْحِيدٍ في الباب يُسَبِّحُ ربَّها ، جل وعلا ، وهو المجري المدبِّر ، يُسَبِّحُهُ عن كلِّ نَقْصٍ وَيُنَزِّهُ فَيُبَاعِدُ به من المثل الأدنى فَلَهُ وحده ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، وثم تسبيح في الألوهية والتشريع فيفرد المسبِّح الإله المسبَّح ، جل وعلا ، يُفْرِدُهُ في الأمر والنهي ، ويباعد به عن الشريك في الحكم من طواغيت الأرض ، فـ : (مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ، فذلك مثال اعتبار يجري مجرى الْأَوْلَى ، فَلَهُ ، جل وعلا ، المثل الأعلى والأحسن في الباب : باب الشرع والحكم ، وذلك ، ما يجري ، من وجه ، مجرى المثال إذ ذلك أصل يطرد في كل كمال مطلق فَلَهُ ، جل وعلا ، منه المثل الأعلى ، فـ : (لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .

فَحَصَلَ التطهير من وصف السوء ، وكان الاحتراز بالنفي ، فدلالة التسبيح دلالة نَفْيٍ ، نَفْيِ النقص ، ولو تَوَهُّمًا ، فاحتاط الوحي في هذا الباب الجليل بالنفي العام والتسبيح المطلق الذي استغرق كل نقص ، فَأَجْمَلَ فِي النَّفْيِ وكان من إطلاق عامله ما استغرق ، كما تقدم ، فكان من التسبيح والتنزيه ما دخل فيه كلُّ نَقْصٍ ، فذلك مما تَنَزَّهَ عنه الرب ، جل وعلا ، وذلك ما يحسن فيه الإجمال وفي مقابله التفصيل في باب المدح والثناء ، فأجمل في النفي تسبيحا وتقديسا وسلاما فتلك ، كما تقدم ، أسماء ذات دلالة في السلب ، سلب النقص والعجز والفقر وكل ما يقدح في الكمال المطلق الذي انفرد به الرب المهيمن ، جل وعلا ، رب التكوين وإله التشريع في دين النبوات في مقابل آخر في دين الحداثة والوضع ، فهو طَاغٍ في كلا البابين : التكوين والتشريع ، وإن كان طغيانه في باب التشريع أظهر وأقدم ، فهو مناط الخصومة الرئيس بَيْنَ النُّبُوَّاتِ وأعدائها ، فلم تكن الخصومة في التكوين بل قَدْ أَقَرَّ به الخصوم في كل جيل ، إلا الجيل المعاصر ! الذي جاوز وطغى فأفحش الخصومة في التكوين وسعى أن يضاهي الخلق الأول ، إذ أنكر الخالق الأول فالمبدأ عنده لا عَنْ عُلُوٍّ وقدرة ، وإنما خبط عشواء وهو ما يفتح الذرائع إلى الفوضى والعبث الذي نَفَاهُ الوحي إذ أبان عن الحكمة ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فما كان فعل التكوين والخلق إلا لإقامة آخر في التشريع والحكم وتأويله ما يكون من العبادة فهي الانقياد والطاعة ولا تكون إلا وَثَمَّ مرجعٌ في الأخبار والأحكام وتأويل العبادة في كُلٍّ : تصديقا وامتثالا ، ذلك هو المعنى الديني المجزئ الذي به يواطئ العبد حكمة الرب ، جل وعلا ، في الخلق التكويني والحكم التشريعي ، فيجاوز دعاية ساذجة تَقْصُرُ الأمر على مبدأ الدخول بِنُطْقِ الشهادتين ، وهي مما عمت به البلوى لا سيما في الجيل المتأخر الذي نشأ عليها دينا محكما وليست إلا القول المتشابه الذي يجرد الوحي من مادة التشريع والحكم الملزِم بل يبطل منه في أحيان ، ولو من باب اللازم لا النص ، يبطل منه الشعائر ومواضع التعبد من أحكام التوقيف ، فيؤول الدين الجامع ، دين النبوات الصادق في خبرياته العادل في حُكْمِيَّاتِهِ ، كما يُوجِزُهُ بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ في جملة من القول تلطف ، فالدين خبر وحكم ، والأول هو العلم ومناطه ، بادي الرأي ، الجنان ، وإنما يحكي اللسان منه شهادة تصدق ، وهي المبدأ في الدخول ، ومن دخل في أي دين أو حكومة لزمه منها ما يجاوز الإقرار والتصديق بداهة ، فَلَزِمَهُ من حكوماتها ما يصدق الدعوى ، من وجه ، وهو قسيم لشهادة اللسان ، وبهما يحصل من معنى الطاعة ما يجزئ في حكاية الصدق : صدق الدعوى الدينية ، ولو مطلقا أول يجزئ في حصول أدنى ما يصدق فيه المعنى ، فالدين خبر وحكم ، والحكم تاليا مما يناط بالباطن : إرادةً ، والظاهرِ مصدِّقًا بأعمال اللسان ذكرا وتلاوة وموعظة وإنكارا ..... إلخ ، وأعمال الجوارح فعلا وَتَرْكًا ، فلا يجزئ عن كل أولئك ، بداهة ! ، دعوى مجملة تقصر الدين على شهادة تُلْفَظُ فيكون صاحبها في حل من الشريعة ، وليس لها ناقض عند أولئك إلا زوال التصديق الأول ، وذلك ما يلزم منه إيمان أكابر المجرمين من خصوم النبوات فهم من أعظم من صدَّق ، بل ما كان كفرانهم وفحشهم في الخصومة قولا وعملا ، إلا وقد فقهوا وعلموا علم اليقين ، وصدقوا بالدعوى فهي الحق الذي ينسخ باطله ، فذلك العقد الملزِم الذي يجاوز حكاية اللسان وإن كانت ذا اعتبار في حصول معنى ديني ينفع ولو عصمةَ مال ودمٍ في الأولى ما لم يقارف صاحبها ما ينقض الدعوى ، فذلك عقد يجاوز دعوى اللسان المجردة ، فلا تجزئ في حصول دين رسالي كامل ، وإنما ذلك دين فكرة ولفظة لا يجاوز المعنى الروحاني الذي تَلَطَّفَ بَعْضُ مَنْ تَلَطَّفَ من أرباب الحداثة أن يوجز فيه دين النبوات الجامع الذي استغرق المحال كافة ، ما بطن وما ظهر ، واستغرق الأحوال كافة ، الاعتقاد والقول والعمل ، الفكرة والشرعة ، الحكم والسياسة والحرب ، وهو ما يأتي على مقال الحداثة في كل جيل بالإبطال ، وهو ما ينزع رياسات الطواغيت الدينية والسياسية ، فيبطل مكاسبهم ، لا جرم أباه من أبى من رجالات قريش وهم العرب الخلص إذ فقهوا لوازمه التي تأتي على رياساتهم ومكاسبهم بالبطلان أو هي تُبْطِلُ منها ما زَادَ عن الحد فتقمع مادة الطغيان التي لا يسلم منها الملأ في كل جيل ، فلا أشد منهم كرها لما جاءت به النبوات إن لم يكن لهم من الوحي حكمة تلجم الأهواء والأذواق فتأطرها على جادة العدل فلا تجاوز الحد فذلك ما لا يطيقه ، أبدا ، أهل الطغيان والبغي ، ولهم في كل جيل تأويل فتلك عدواة تَوَارَثَهَا خصوم الرسالة جيلا بعد آخر ، فكان من الاستفهام في آي الكتاب ما ينكر وَيُبَوِّخُ ، فـ : (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) .
فذلك ، وهو محل شاهد تقدم ، ذلك تأويل جامع في الباب : باب الاسم والوصف ، فَثَمَّ اسم الرب الجامع لأفعال التكوين وثم اسم الإله الجامع لأحكام التشريع ، وكلاهما لا يكون إلا وثم لوازم تجب في باب الاعتبار والذكرى ، إذ ثم من التلازم ما يدل عليه العقل ضرورةً ، فلا يكون خلق وشرع إلا بعلم وحكمة وقدرة ، فلا يكون ذلك إلا بالجمال في التقدير والحكمة أَنْ جُبِلَتِ المحال على مثالٍ يُوَاطِئُ الأسباب ، فكان الإيجاد والإعداد وكان الإمداد بالأسباب التي تُلَائِمُ ، فَتُلَائِمُ الروح اللطيف وتلك أسباب الشرع ، وتلائم الجسد الكثيف وتلك أسباب الكون ، ولا يجري ذلك على هذا السنن المتقن إلا بالجلال قدرةً ومشيئةً ، فذلك أَجَلُّ اعتبارٍ في الدنيا إذ يستغرق أجناس الباب : بابِ التوحيد ، قطب رحى السعادة والنجاة وغايةِ الخلق المحدَث إذ يواطئ التقدير المحكَم ، فكان توحيد الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، وآثارها لما تَزَلْ تظهر في الأحكام الكونية النافذة ونظائرها الشرعية الحاكمة ، فأبان الوحي عن الغاية من العبادة وهي محل تلازم آخر إذ تستغرق بمادتها الشَّرِيفَةِ جميعَ المحال والأحوال ، فَثَمَّ من المواطأة بَيْنَ الباطن والظاهر ، وَثَمَّ من الملازمة بين الخاص والعام ما حَمَلَ عنوان العموم الجامع فهي ، كما تقدم ، الاسم الذي يَسْتَغْرِقُ المحبوب الْمَرْضِيَّ من القول والعمل ، من الاعتقاد والقول والعمل ، على خلاف في القسمة الدينية فهي على اثْنَيْنِ تَارَةً ، وعلى ثلاثة أخرى ، وفي كلٍّ الاستغراق يَثْبُتُ ، فالخلاف في لفظ لا أكثر ، إذ القول والعمل يستغرقان المحال جميعا ، فَثَمَّ قول للباطن يُصَدِّقُ وعمل له به الجنان يَتَحَرَّكُ حركاتِ اختيار تجاوز التصور إلى أحكام وجدانية باطنة هي ، لو تدبر الناظر ، بواعثُ أخرى في الخارج تصدقها من أعمال الظاهر ، وكذلك الظاهر فَلَهُ قول إذ اللسان يشهد بما حصل في الجنان من التصور ، وله عَمَلٌ إذ يَتَحَرَّكُ اللسان بالذكر وتعمر الأركان بالفعل أو التَّرْكِ ، فَالتَّرْكُ ، لو تدبر الناظر ، لا يخلو من دلالةِ فِعْلٍ إذ يكون بإرادة كما الفعل ، وَإِنْ إِرَادَةَ سَلْبٍ ، ولا يَنْفَكُّ ، ولو عَلَى حَدِّ تلازمٍ آخر به يَعْتَبِرُ الناظر ، لا ينفك يدل على فعل ، ولو دلالة التزامٍ فلا يشغر المحل من فِعْلٍ اختياري إلا ويقوم به آخر يضاده أو يناقضه ، فالمحل لا يشغر أبدا بما جبلت عليه النفوس إذ تتحرك بالإرادة ، والإرادة لا تكون إلا بعلم أولَّ عنه تصدر ، فَثَمَّ حركة باطنٍ يَتَصَوَّرُ وحركة ظاهر يَحْكُمُ ، فلا يخرج فعل اختياري في الدنيا عن تصور وحكم ، فإذا اشتغل المحل بمادة شَغَرَ مِنْ ضِدِّهًا لُزُومًا ، فذلك اعتبار صحيح في النظر .
فكان من حَدِّ العبادة ما استغرق ، فالوحي قد أبان عنها وَأَفْهَمَ ، وأبان في موضع آخر عن المرجع ، فكان الإستفهام إنكارا وإبطالا لما ظن المخاطَب واعتقد : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، فحوى الدعوى الحداثية المتأخرة فهي ناطقة بالعبث وانعدام الغاية من الخلق فكان بحثها ، كما يقول بعض المحققين ، كان بحثها في العلل الصورية دون أخرى غائية تُبِينُ عن الحكمة من الخلق ، فَنَطَقَ مَنْ نَطَقَ مِنْ نُظَّارِهَا وهو يَصِفُ نسختها الحالية أنها الأولى من نوعها : حضارة بلا غاية ! ، وتلك نتيجة ضرورية لمقدمات حداثية لا تؤمن بعلم ولا حكمة ، بل ولا تؤمن ابتداء أن لهذا الخلق المحكم علَّةً ، بل ولا تؤمن في أحيان ، كما الحال الآن في دعاوى تَكْثُرُ ، فهي للإله الشارع ، جل وعلا ، بل وَلِلرَّبِّ الخالق تجحد ! ، فيكون هذا الخلق المحكم بلا خالق وبلا سنن محكم عليه يجري فليس إلا خبط عشواء ، فتلك دعايةُ حداثةٍ تخالف عن محكم الرسالة ، بل ومحكم القياس الناصح الذي يدل ضرورةً أن لكل حدثٍ في الوجود محدِثا ، وأن هذا العالم المتقن ذا السنن المحكم لا يكون ، بداهة ، صدفة بلا غاية ، فذلك ما تَنَزَّهَ عنه آحاد الخلق ، ولو في أفعال الجبلة أكلا وشربا ومباضعة .... إلخ ، فلا يخلو فاعلها من تصور لغاية قبل الشروع في الفعل ، ولو لذة مجردة في الحس ، فلا يكون فعل اختيار بالإرادة إلا وثم من العلم والتصور ما يتقدم ، وتلك العلة الغائية التي تسبق في التصور وإن تأخرت في الحدوث ، فتكون ، كما يقول بعض المحققين ، بعد العلة الفاعلية التي تَتَأَوَّلُ الفعل المفضي إلى الغاية ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا بعلم ، ولله ، جل وعلا ، من ذلك المثل الأعلى علما وحكمة ، وهو ما به ختمت الآية بعد التسبيح والتنزيه ، فكان الثناء بالإثبات تحلية للمحل بوصف إثبات مفصَّل بعد تخلية بتسبيح مجمل قد استغرق ، فكان الإطناب بالثناء المفصل إثباتا على حد التوكيد والقصر ، فـ : (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) .

فكل أولئك مما به التسبيح ينصح ويكمل إذ لا يكون الثناء بالسلب ، سَلْبِ النَّقْصِ حَتَّى يشفع بآخر يُثْبِتُ ضدا ، بل كمال الضد من وصف الثناء المطلق ، فَفِي الباب متلازمات صحيحة في الاعتبار والذكرى : النفي والإثبات ، الجمال والجلال ، الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، أوصاف الربوبية ونظائرها من الألوهية ، كلمات التكوين وكلمات التشريع ، ربوبيةُ باطنٍ بمادة الوحي النازل وربوبيةُ ظاهرٍ بمادة الرزق الخارج ، كلماتُ تشريعٍ خبرية وأخرى إنشائية ، مواضعُ إثبات ونَفْيٍ ، وأخرى من الأمر والنهي ، فَثَمَّ متلازمات جامعة في الباب ، فالتسبيح لها عنوان يحكي نصا ولازما ، نَصًّا في النفي ولازما في إثبات الضد الكامل ، كما اطرد في نص الوحي النازل ، فحصل من عنوان التسبيح حكايةٌ استغرقت الدين كله ، وإن كان دليل نَفْيٍ مجمل فلا ينفك يدل على إثبات يحسن فيه التفصيل فذلك آكد في الثناء على الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى .
وكان من آثارِ الأسماءِ فِعْلٌ في الكون وحكمٌ في الشرع قد استغرق الأحوال والمحال جميعا فكانت خصومة الوضع المستحكمة أن لم يَرْضَ الوحي رائدا فناجزه بما اقترح من نظرية في الخلق تُنْكِرُ الأول الكامل ، وأخرى في الشرع تُنْكِرُ المهيمِنَ الشارع ، فهي نظرية إلحاد جامع ! وذلك انحراف الفكرة عن جادة الشرعة ، ولا يخلو من آخر به انحراف الجبلة عن سنن الفطرة ، فحصل من المخالفة عن الكلمات الرسالية ما به فساد الكون والشرع جميعا ، وكل أولئك مما استوجب التسبيح والتنزيه ، فهو نص في النفي لازم في ضِدٍّ من كمالٍ يُفَصَّلُ ، فَأَرْدَفَ في الآي محل الشاهد إذ اسْتَأَنَفَتِ الملائكة القولَ أَنْ : (لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) ، فذلك من القصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، وهو ما يُحْمَلُ على الحقيقة فَلَيْسَ ثَمَّ علم إلا وله أصل في الكون أو الشرع ، وهما ما قد أحاطت به الكلمات الإلهية التكوينية والتشريعية ، فهي ما يصدر عن العلم الأول المحيط ، علم العليم ، وذلك ما يجري ، من وجه ، مجرى الاشتراك بين علم لازم يقوم بذات العالم ، وآخر يَتَعَدَّى إلى غيره فالخلق آثار العلم ، فلا يكون إلا بتقدير أول في الغيب ، وذلك علم التقدير ، وثم آخر يَتَعَدَّى في التعليم ، فالعليم قد احتمل من هذا الوجه : فهو "فعيل" من "فاعل" ، فهو العليم من عالم وذلك حد المبالغة في اللسان قياسا ، وهو المعلِّم ، فَيَعْلَمُ في ذاته فذلك المعنى اللازم الذي لا يفارق الذات فهو من وصفها ، وهو من المعنى الذي يدل عليه العقل ضرورة ، فالعلم وصف ذاتي معنوي كما اصطلح أهل الشأن في الإلهيات ، ومن آثار علمه ما يَتَعَدَّى إلى المخلوقات فلا يكون تقديرها إلا بعلم وذلك معنى تصح إناطته بالمشيئة وصفَ فعل تحدث آحاده شيئا فشيئا ، وثم مناط آخر يَتَجَدَّدُ بما يكون من علم ثان يحصي إذ يُصَدِّقُ ما كان في العلم الأول ، فيكون من تأويله أولا ما يكون من وقوعه في الخارج كما قَدْ قُدِّرَ في الأزل ، ويكون من تأويله ثانيا ما يُحْصَى في كتب الملك ، فكل أولئك من وصف الرب العليم العالم ، وهو ، من وجه آخر ، يُعَلِّمُ غيره فيكون من تعدي الفعل ما يَتَنَزَّلُ آحادا بالمشيئة ، فـ : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا) .

فكانت القسمة المطردة في هذا الباب : نفي مجمل فذلك التسبيح الذي يُنَزِّهُ الرب ، جل وعلا ، التنزيه المطلق بما استفيد من إطلاق العامل ، عامل التسبيح في قوله تعالى : (سُبْحَانَكَ) ، ومن ثَمَّ كان الإطناب بالإثبات بما يواطئ صدر الآية ، فثم حسن تلاؤم بين المبدإ والختام ، ففي مقام التسليم بالعلم الأول المحيط حَسُنَ الثَّنَاءُ بالعلم والحكمة .

والاستئناف في قوله تعالى : (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) يجري ، من وجه آخر ، مجرى الجواب عن سؤالٍ مُقَدَّرٍ قَدْ دَلَّ عليه السياق اقتضاء على تقدير : وما عِلَّةُ ما تقدم من القصر أن كان الله ، جل وعلا ، وحده مرجع العلم ؟! فكان الجواب : لأنه ، جل وعلا ، العليم الحكيم ، فكان الجواب على حد التوكيد القياسي في بابه : التوكيد اللفظي ، ولا يخلو من تقدير لام تعليل على تأويل : لأنك أنت العليم الحكيم ، وثم من المؤكدات في المعنى : اسمية الجملة ، وهي مئنة من الثبوت والاستمرار ، فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنت العليم الحكيم ، فَزِيدَ في السياق ضَمِيرُ الفصلِ "أَنْتَ" مؤكدا إذ يفيد ، أيضا ، الحصر والقصر ، وهو من جنس المؤكَّد : ضمير المخاطب الأول الذي صُدِّرَ به الكلامُ على حد الابتداء ، وثم من الإطناب في الخبر ما يلائم السياق ، كما تقدم ، فكان وصف العلم أولا وهو الأعم ، والحكمة ثانيا وهو الأخص ، فالحكمة عِلْمٌ وَزِيَادَةٌ ، فهي علم وإحكام لِمَا قد عَلِمَ أَنْ يُوضَعَ فِي الموضعِ الذي يلائم ، فلا يكون ذلك إلا بِعِلْمٍ ثَانٍ يجاوز حد الإدارك المطلق ، فَثَمَّ موضعُ تَقْيِيدٍ أَنْ يُحْكِمَ العالِمُ ما قد عَلِمَ فَيَضَعُهُ في المحل الذي يواطئ ، فليس كل ذي علم حَكِيمًا ، ولا عكس ، فكل حكيم قد علم ، بادي الرأي ، فَثَمَّ ، من هذا الوجه ، ما اصطلح أنه العموم والخصوص المطلق ، إذ كُلُّ حَكِيمٍ قَدْ عَلِمَ ابْتِدَاءً ، ولا عكس ، فَقَدْ يحصل العلم دَرَكًا للمعلوم دَرَكَ إحاطةٍ وَتَصَوُّرٍ ولا يكون من الحكمة ما يأطر المعلوم على سَنَنِ جَادَّةٍ محكمة أَنْ يُوضَعَ في المحال التي تواطئ ، كما المثل يضرب في أمر السياسة والحرب ، بما كان من جودة رأي هي محل الشورى ولكنها لا تُحْكِمُ الأمرَ حَالَ الجد ، فالحكمة تَقْضِي أن تُسْتَشَارَ ولا تُصَدَّرَ ، فلا يُصَدَّرُ إلا من جمع إلى الرأيِ الحكمةَ أن يضع الرأي حيث ينفع ، ويكون من الشجاعة وقوة النفس ما به يُقْدِمُ فلا يحجم بعد حصول العلم الأول والحكمة التالية ، فَالتَّرْتِيبُ النافع في الباب : علم أول هو كالمعطيات أو المبادئ الضرورية أو المقدمات من البدائه بين يدي النتائج ، وثم من إحكام هذه المقدمات أن تؤطر على سنن حكمة تستنبط النتائج بِنَظَرٍ يصرح بعد دليل ينصح فيسلم من الكذب والضعف فهو مادة بها العقل يَنْتَفِعُ مدخلاتٍ صحيحة فإذا واطأت آله تدبر وفقه صريحة حصل من الرأي ما يجود ، وبعده الشجاعة في الفعل فهي تأويل في الخارج لما حصل من رأي نابه ، فإذا كان هذا الترتيب في الخارج كان من الخير ما يعظم كما أبان عنه أبو الطيب يَنْصَحُ :
الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ ******* هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني
فَإِذا هُما اجْتَمَعَا لِنَفسٍ حُرَّةٍ ******* بَلَغَتْ مِنَ العَلياءِ كُلَّ مَكانِ .

فيستعمل صاحب الرأي المحكم الجلالَ في موضع والجمال في آخر بما يواطئ الحكمة في كلٍّ ، وهو ما يستوجب التدبر والتمهل ، فـ :
إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا تدبرٍ ******* فإنَّ فساد الرأي أَنْ تَتَعَجَّلَا .
ولا يكون من فساد الرأي ، في المقابل ، تَرَدُّدٌ يجافي عن العزيمة ، فـ :
إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ ******* فإنَّ فساد الرأي أَنْ تَتَرَدَّدَا .

فَثَمَّ من حَصَلَ له العلم ولم يحصل له ما بعده من الحكمة الأخص في حزم الأمر ، فلا يضعه حيث يجب بل قد يغلب عليه الهوى أو الذوق في مواضع ، فيضع جلالا في موضع جمال ، أو عكسه ، ويكون من ضعف العزم ما يفسد الرأي فلا يسلم من ذلك إلا أن يجمع إلى الرأي : الحكمة والعزم ، فإن لم يجمع وحصل له من العلم ما يَنْفَعُ فهو أهل أَنْ يُسْتَشَارَ لا أن يُصَدَّرَ وَيَصِيرَ ذَا قَرَارٍ ، ولكلٍّ من الوصف ما يواطئ ، والحكمة أن يُنْتَفَعَ بكلٍّ فِيمَا يُحْسِنُ ، ولا يُحَمَّلُ أَحَدٌ ما لا يطيق من الأمر ، فَتِلْكَ حكمة في إجراء الأمور بمقادير لا زيادةَ فِيهَا ولا نقص ، فيحمد الحكيم حَمْدًا يَزِيدُ على حمد العالم ، فالحكيم قد عَلِمَ وَزِيَادَة ، وذلك من الكمال المطلق الذي يحمد به آحاد الحكماء من الخلق الحمدَ المطلق الذي لا يَتَطَرَّقُ إليه النقص من وجه ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فكان من الإطناب في الثناء عليه : حكمةٌ بَعْدَ عِلْمٍ ، فذلك ، من وجه ، إطناب بوصف أخص بعد آخر أعم ، فكل حكيم عليم ولا عكس ، وهو ، من وجه آخر ، إطناب بأعم بعد أخص من جهة الدلالة إذ الحكمة ، كما تقدم ، علم وزيادة ، وهو ما يشبه ، من وجه ، ما قال أهل الشأن في دلالة الإسلام والإيمان ، فالإسلام أعم بالنظر في آحاده في الخارج إذ كل مؤمن مسلم ولا عكس ، والإيمان ، من وجه آخر ، أعم بالنظر في دلالته المستغرقة فهو إسلام وزيادة بها يبلغ المكلف حد الإيمان الواجب ، فهو إسلام أول يجزئ في حصول مطلق إيمان أول لا يبلغ حد الكمال الواجب حتى يُشْفَعَ بآحاد من أعمال الإيمان تزيد في الدلالة على معنى الإسلام الأول .
فالإطناب بالحكمة بعد العلم في الآي محل الشاهد : (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) من الإطناب بالعام بعد الخاص بالنظر في المعنى لا في آحاد من وُصِفُوا به في الخارج ، إذ الحكماء أقل من العلماء ، كما أن الخبراء أقل من العلماء ، فكان الترتيب علما أعم وخبرة أخص في قوله تعالى : (نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) ، فذلك من جنس الترتيب علما ثم حكمة ، وذلك من وجوه اعتبار أخرى في التنزيل بالنظر في دلالة الاقتران بين أسماء في مواضع يحسن فيها الثناء ، فيجري ذلك ، كما تقدم ، مجرى الإطناب في الوصف ثَنَاءً فذلك ما يليق في مقام الحمد بأوصاف الكمال المطلق ، ومنها العلم والحكمة ، فَثَمَّ من زيادة في الحمد باقترانهما ما لا يحصل بانفرادِ كُلٍّ في موضع ، وثم من الاعتبار ما يُوَاطِئُ السياق ، وذلك ما اطرد في التنزيل إن في الأخبار أو في الأحكام ، وقد يجري الأمر ، من وجه آخر ، مجرى الإطناب المستغرق لأجزاء القسمة العقلية في الباب : باب العلم والحكمة ، فقد يقال ، من وجه ، إِنَّ ثَمَّ مَنْ له عِلْمٌ يَسْتَغْرِقُ المعلومات إحصاء دون أن يشفع بحكمة يَنْتَفِعُ بها العالم ، وَثَمَّ ، في المقابل ، مَنْ لَهُ حكمة في النظر والاستنباط وليس له من المعلوم ما مِنْهُ يَسْتَنْبِطُ الحكومات الصحيحة ، فلا يشترط العلم في حصول الحكمة ، من هذا الوجه ، فالحكمة قوة في النظر وإن لم يكن ثم معلوم في الخارج ، فَجُمِعَ في السياق عنوان العلم والحكمة ، إطنابا يستغرق أجزاء القسمة على هذا التأويل ، فالعلم والحكمة فِيهِ عَلَى حد المفاصلة لا المداخلة ، فكان الإطناب ، من هذا الوجه ، تَأْسِيسًا لا توكيدا ، فَلَوْ قِيلَ إِنَّ كل حكيم عالم ، فذكر الحكمة بعد العلم تَوْكِيدٌ ، ولو قِيلَ إِنَّ كُلًّا له من المعنى ما يقاسم الآخر في الدلالة جنسا أعلى من الثناء المطلق ، فهو يفاصله في الدلالة الخاصة ، لو قِيلَ ذلك فالكلام تَأْسِيسٌ لا تَوْكِيدٌ ، وقد يرجح هذا الوجه في الدلالة ، إذ دَارَ الكلام بين التأسيس والتوكيد فحملانه على التأسيس أولى كما قَرَّرَ أهل الشأن ، ولا يخلو في هذه الحال من احْتِرَاسٍ مِمَّا يُوهِمُ النَّقْصَ إن استدرك مَنِ استدرك بهذه المقاسمة بين العلم والحكمة ، فأطنب بما يستوفي الأجزاء ، وكان من تكرار الخبر ما حَسُنَ عَلَى أيِّ تأويلٍ ، مع ما حُدَّ بِهِ قَصْرًا بِتَعْرِيفِ الجزأينِ "أنت" و "العليم" ، فذلك ما يَعْدِلُ في الدلالة قولك : أنت العليم لا عليم إلا أنت ، فهو ، كما يقول أهل الشأن ، من إيجاز اللفظ ، وكذا في الخبر الثاني سواء أجرى على قول من يجيز تعدد الأخبار أم على آخر يمنع فيقدر للخبر الثاني مبتدأً من جنس المبتدأ الأول ، على تقدير : أنت العليم وأنت الحكيم ، فتقدير الكلام في كلتا الحالين : وأنت الحكيم لا حكيم إلا أنت ، وذلك ما استوجب العهد الخاص ، فإن ثم من الآحاد من له من العلم والحكمة حظ ، فلا يستقيم القصر آنف الذكر إلا بقيد الكمال المطلق ، فَيُقَالُ : أنت العليم لا عليم يَعْلَمُ العلمَ المطلق المستغرق كلَّ معلومٍ ما دَقَّ وما جَلَّ إلا أنت ، وكذا في الحكمة ، فأنت الحكيم لا حكيم يحكم الأمور الإحكامَ المطلق إلا أنت ، وذلك ما ضَمَّنَ الأداة "أل" معانٍ منها بَيَانُ الجنسِ الأوَّل ، وثم ثان يزيد وهو ما استغرق وجوه المعنى فذلك الاستغراق المعنوي على حد المجاز عند من يجيزه في اللسان والوحي ، ومن يمنع فلا يجعل الاستغراق المعنوي من وجوه المجاز ، بل الاستغراق جنس عام في الباب يجرده الذهن من دلالة "أل" في هذا الموضع ، وتحته أَنْوَاعٌ يُبِينُ عنها المدخول أجنس له في الخارج آحاد أم آخر يجرده الذهن فَلَهُ من وجوه المعنى ما لا يكون في الخارج إلا مُقَيَّدًا بِذَاتٍ يقوم بها قيامَ الوصف بالموصوف كما العلم والحكمة ، فتلك أجناس مطلقة في المعنى يجردها الذهن ، فلا قيام لها في الخارج قيامَ الذات استقلالا ، بل لا تقوم إلا بِغَيْرِهَا قِيَامَ الوصفِ بالموصوف فلا علم ولا حكمة في الخارج بلا قَيْدٍ وهو الذات التي يقوم بها الوصف ، فلا علم ولا حكمة في الخارج يُشِيرُ إِلَيْهِمَا الناظر إشارةَ حس ، بل لا تثبت تلك المعاني مجرَّدَةً إلا في الذهن ، فيكون الاستغراق فيها استغراقَ المعاني المطلقة في الذهن لا الآحاد في الخارج ، كما في استغراق الذوات التي تَسْتَقِلُّ في الخارج ، فالاستغراق في كلٍّ حقيقة وإنما اختلف الباب من استغراق آحاد في الخارج إلى استغراق معان في الذهن ، والسياق هو ما يُعَيِّنُ المراد ، فالمدخول في المحلى بالأداة "أل" هو ما يُعَيِّنُ دلالتها أهي استغراق آحاد في الخارج أم آخر للمعاني في الذهن ، فحصل من نظم الكلام ما يُبِينُ عن مراد المتكلم ، إذ السياق ، كما تقدم مرارا ، أصل في دَرَكِ مراد المتكلم ، فاجتمع في "أل" من الدلالات ما تَقَدَّمَ من بيان الجنس واستغراق آحاده في الخارج ، وهو ما استوجب ثالثا في الدلالة وهو العهد الخاص إِذْ لَا يوصف بالعلم المحيط المستغرق والحكمة البالغة التامة ، لا يوصف بذلك إلا واحد وهو الرب الخالق الحاكم ، جل وعلا ، وإن جاز وصف آحاد غيره بالعلم والحكمة ، فذلك ما جَازَتْ فِيهِ الشَّرِكَةُ بِالنَّظَرِ فِي المعنى المطلق الذي يجرده الذهن ، وهو ما اصطلح أنه الاشتراك المعنوي ، فلا يحول تصوره دون وقوع الشركة فيه ولا يلزم مِنْهَا تشابه أو تماثل في الماهيات في الخارج ، بل لكلٍّ منها من الوصف ما يواطئ ، وذلك أصل في هذا الباب الجليل : باب الإلهيات ، فحصل من العهد الخاص في الأسماء المحلاة بالأداة "أل" ما به انفراد الرب ، جل وعلا ، بالكمال المطلق ، ومنه العلم والحكمة ، محل الشاهد ، فيجريان ، من هذا الوجه ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام أول ، وهو أوصاف الجمال التي استجمعها في الدلالة اسمه جل وعلا : الحميد ، وهو ، أيضا ، خاص يُرَادُ به عام أعم ، وهو الكمال المطلق الذي يستغرق الجمال والجلال معا ، فالجمال ، كما تقدم ، شطر استجمعه اسم الحميد ، والجلال آخر استجمعه اسمه جل وعلا : المجيد .
وثم من الدلالة مبالغةً تواطئ ما تقدم من العهد الخاص ، عهد الكمال المطلق ، فَحُدَّ كلٌّ حَدَّ "فعيل" من "فاعل" فهو العليم من عالم وهو الحكيم من المحكِم الذي يحكم الأمور إذ يضعها في نصابها الذي يواطئ ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، معنى يجاوز دلالة الحاكم ، فالحكيم حاكم وزيادة إذ يحكم بالعدل المطلق فيضع الحكم في المحل الذي يواطئ ، فكل حكيم حاكم ولا عكس ، فقد يكون حَاكِمًا ولا يكون حكيما فيحكم ظُلْمًا ألا يَضَعَ الشيء في المحل الذي يواطئ ، فبينهما ، أيضا ، عموم وخصوص مطلق .

ولا يخلو ذلك من دلالات إنشاء تلازم ، فَثَمَّ معنى يستصحب أبدا في هذا الباب وهو الأمر بالثناء على ذي الجلال والإكرام ، جل وعلا ، بما أثنى به على نفسه أو أثنى به عليه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو المخبر عن ربه ، جل وعلا ، خبر الصادق وهو الحاكم بما شرع حكم العدل ، فحصل من رسالته بَلَاغٌ وَبَيَانٌ قد استغرق أخبار الصدق وحكومات العدل جميعا ، وحصل من خبره شطر ثان في الباب : باب الوحي ، وهو ما عَمَّ في الدلالة كما الآي المنزل ، فاستغرق مادة الصدق في الخبر والعدل في الحكم ، وكان من بَيَانِهِ ما ضاهى بَيَانَ الكتاب المتواتر : استئنافا للأخبار والأحكام أو تخصيصا أو تقييدا أو تفصيلا أو نَسْخًا .... إلخ من وجوه الدلالة التي تَنَاوَلَهَا أهل الشأن بالبحث والدرس ، وإن كان خبره صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، من وجه آخر ، مما لا يستقل بالحجية من كل وجه ، فمرده أبدا كما سائر الأدلة الجامعة ، مرده ، أبدا ، إلى الكتاب المنزل ، فهو أصل الأصول ، ومنه استمدت جَمِيعًا حُجِّيَّتَهَا في الخبر والحكم ، فكان من آيٍ هي العمد في هذا الباب إذ أَطْلَقَتِ الأمرَ في رَدِّ الأمور إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما له من منصب البلاغ والبيان عن ربه ، جل وعلا ، فـ : (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) .
وثم إنشاء آخر في مواضع يصح بها التعبد بالقدوة ، فإن العلم والحكمة من أوصاف تحمد في حق المخلوق فَحَسُنَ له استجماعُ ما شرع من أسبابها علما يَنْفَعُ وحكمة تَعْدِلُ ، فكان الإنشاء الآمر بالدعاء طلبا لهذه المعاني الجليلة مع آخر يوجب الأخذ بأسبابها سَعْيًا في استجماع معانيها المحمودة وهو ما استغرق علم الوحي وآخر من الكون ، وحكومة العدل في المقادير الشرعية ونظائرها الكونية .
فأجابت الملائكة بِوَصْفِ الثناء عِلْمًا وحكمة ، ومثله ما أجابت الرسل عليهم السلام : (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ، فذلك من الغيب المستقبل وهو ما دلت عليه مادة المضارعة في "يَجْمَعُ" و "يَقُولُ" ، ولا يخلو من استحضار لذلك المشهد الجليل فبه الإيمان يزيد تصديقا بالخبر المغيَّبِ الذي جاء به الوحي المنزل مادة صدق بها الجنان يَنْتَفِعُ ولا تنفك آثارها في الظاهر تُتَأَوَّلُ ، ولو استقامة على الجادة بما يكون من مراقبة العليم الذي أحاط علمه بالغيوب جميعا فهو الْعَلَّامُ .
فكان من المضارعة في "يَجْمَعُ" و "يَقُولُ" ما دَلَّ على أمرٍ لَمَّا يأت تأويله بعد ، وكان من العطف بالفاء فَوْرٌ وتعقيب به السؤال يتوجه : (مَاذَا أُجِبْتُمْ) ، وكان من جوابهم ما ضاهى قول الملائكة ثَنَاءً ، فـ : (لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ، وثم من الثَّنَاءِ ما جَرَى على المتقدم آنف الذكر من جُمَلِ المؤكدات اللفظية والمعنوية ، فالتوكيد بالناسخ اللفظي "إِنَّ" ، ولا يخلو من دلالة تعليل ، فاجتمع فيه من الدلالات المعنوية ما به يستأنس ، كما تقدم مرارا ، من يجوز العموم في دلالة اللفظ المشترَك ، وثم التوكيد بالإطناب بضمير الفصل "أَنْتَ" ، وثم من مؤكدات المعنى اسمية الجملة دليلَ ثبوت واستمرار فذلك من وصف الذات الذي يلازمها ، وَقُلْ مثله في القصر بتعريف الجزأين "أَنْتَ" و "عَلَّامُ الغيوبِ" .

ولم يخل الاسم "عَلَّامُ الغيوبِ" وهو من المقيَّدِ بالإضافة ، لم يخل من دلالة مبالغة فهو "فَعَّالٌ" من "فاعل" ، وهو مئنة تكرار إذ السؤال يتوجه إلى الرسل ، عليهم السلام ، جميعا وأممهم تَكْثُرُ فكان من آحاد المعلوم من حالهم ما كَثُرَ فَحَسُنَ ، من هذا الوجه ، الثناء باسم العلَّامِ مئنة كثرة وهو ما رفده عنوان الغيوب المجموع ، فكان من حسن الملائمة مثال المبالغة تكثيرا مع الجمع غيوبا ، كما في مواضع أخرى تكثر فيها المعلومات ، فكان اسم المبالغة "فَعَّال" دليلَ كثرة في الباب ، كما في قوله تعالى : (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ، فسرهم ونجواهم مما يَتَعَدَّدُ في خطراتهم وما يجري على لسانهم ، مع ما استوجبه السياق من توبيخ إذ غَفَلُوا عن معنى المراقبة لكل حركة وسكنة ، لكل خطرة ولفظة ، وكذا في قول المسيح ، عليه السلام ، إذ يبرأ ، فـ : (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ، وفي مقام البراءة والتنزيه رَدًّا لتلك الدعوى الغالية في ذات المسيح ، عليه السلام ، حَسُنَ منه ما يَنْفِي وَيُبَالِغُ تَبَرُّؤًا مما افترى الغلاة في حقه .
وفي المقابل يكون الاسم المفرد مع نظيره ، في قوله تعالى : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) ، وذلك ، أيضا ، من حسن الملاءمة والسبك في آي الكتاب المحكم ، وإن احتمل الجنس المستغرِق فتلك دلالة "أل" في "الغيب" لا سيما وقد عطف عليه في مواضع أخرى عنوان "الشهادة" ، كما في قوله تعالى : (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، فاستغرق شطري القسمة إحاطةً بِكُلِّ مغيَّبٍ ومشهود ، فحصل من العموم ما استغرق كل معلوم في الخارج وذلك آكد في الثناء على الرب الخالق ، جل وعلا ، بوصف الكمال المستغرق لمعانيه في الذهن وآحاده في الخارج .

والله أعلى وأعلم .