اعرض النتائج 1 من 4 إلى 4

الموضوع: التحسين والتقبيح

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:13-05-2021
    الساعة:01:21 AM

    المشاركات
    4,991
    العمر
    43

    التحسين والتقبيح

    ثَمَّ لو تدبر الناظر ، معايير أخلاقية تحكم أي مثال سياسي ، ومنه الهرمي محل الشاهد ، فلا بد لأي مثال اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي من معايير حُسْنٍ وَقُبْحٍ في الوصف وهو ما يفرز تلقائيا : منظومة التشريع من الإباحة والحظر في الحكم ، فلا بد من معيار أول حاكم في كل حضارة ومداره أَبَدًا يَدُورُ عَلَى هذا العنوان : عنوانِ الْحُسْنِ والقبحِ ، ومعايير التحسين والتقبيح للأعيان والأحوال وما يَنْبَنِي على ذلك من الأحكام والتشريعات .

    والمثال أبدا يُضْرَبُ بالمثال الأمريكي المعاصر بوصفه المثال المركزي الحاكم ، وما كان من مشهد الانتخاب السياسي في نوفمبر الماضي ، مشهد الانقسام الفكري في المبدإ ، وقبله ، لو تدبر الناظر ، صناعة الانقسام بما يلعب خطاب الدعاية والإعلام من دور فاعل في زيادة الاستقطاب والاحتقان ، فهو الذي يصنع العقل الجمعي بمدخلاته وهو الذي يَسُنُّ جَادَّةَ النظرِ والاستنباطِ وبها معيار الحسن والقبح في الحكم عَلَى الأشياء ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أشد تأثيرا من المدخَلات ، فإن مَنْ يتحكم في إدخالها إن لم يسيطر على أدة المعالجة فقد يسلك المتلقي جادة تخالف عن الجادة التي يَرُومُ المدخِل ، فأيُّ نَصٍّ في الدنيا هو ألفاظ ذات معان ودلالات منها الْأَوَّلِيُّ الذي تَسْتَوِي العقول فِي دَرَكِهِ ، فلا يمكن العبث به وإلا بطلت أصول الاستدلال لدى العقلاء كافة ، ومنها الثانوي بما يكون من تَرَاكِيبَ ذات دلالات أخص ، وهي مناط الخلاف في تأويلِ النص ، وذلك ما يجتهد صاحب المنبر أن يُزَخْرِفَهُ بِمَا يواطئ غاياته ولأجله يستخدم من فنون المعاني والبيان ما يُحَسِّنُ به تَارَةً وَيُقَبِّحُ أخرى ، ولا بد من معيار أول حاكم ، وذلك ما يرد الأمر أبدا إلى المعيار الأول الذي إليه كلٌّ يرجع في تصوره وحكمه على الأشياء ، فما خطاب الإعلام إلا حكاية لذلك فهو أداة بها يصنع الصورة وَمِنْ وَرَائِهَا الرسالة التي يمرِّرُها إلى العقل الجمعي ، على مكث ، فصناعته صناعة الإثارة سواء ابْتَغَى الكسبَ الجماهيري والمادي بما يصنع من مشاهد ساخنة في العراك الكلامي على الشاشات ذات المهنية ! المصطلح المبتذَل في بَابِهِ ، فهو حكاية من الخيال العلمي أو المحال الذاتي في باب المنطق ، فليس ثم خطاب إعلامي حداثي معاصر يَتَّسِمُ بالمهنية بل وصفه أبدا أنه أداة وظيفية في صناعة العقل الجمعي ، وليس ثَمَّ حِيَادٌ في عرض الفكرة ، فلا تَنْفَكُّ آثارها قَبُولًا أو رَدًّا تظهر في السطور المباشرة في الخطابات الإعلامية الصريحة التي تشبه المنشور السياسي أو البيان العسكري ! ، أو بين السطور في الخطاب الإعلامي المحترِف ، فلا يوجد حياد في باب الأفكار ، وإلا فما حَمَلَ صاحبها أَنْ يَتَحَمَّلَهَا في صدرِه وَيَتَحَمَّلَ لأجلها النفقة والمشقة والوقت والعصف الذهني والفعل الخارجي ...... إلخ ، فلم يكن ذلك ، بداهة ، إلا أنه آمن بالفكرة سواء أكان إيمانه إيمانَ المبادئ أم آخر لا يجاوز المصالح ، فهي في نفسها قِيمَةٌ ، ولو دُنْيَا ، كما القول في الحداثة التي تزعم أنها تخاصم كل مرجع قديم ، فَتَبُتُّ صلات المعرفة مع مراجع الحضارة الأصلية ، وهي ، مع ذلك ، لا بد أن ترجع إلى مصدر وفكرة ، فلا بد من قيمة هي الثابت المطلق ، لا كما يزعم مَنْ يزعم من أنصار النظرية النسبية التي جاوزت المادة إلى القيمة ، فصار كلُّ شيءٍ نِسْبِيًّا فلا مطلقَ يَثْبُتُ فِي رَدِّ فعلٍ حاد ، كما يحكي بعض المحققين ، لحال من الجمود والتقليد في العصر الأوروبي الوسيط ، فمن ثَبَاتٍ مطلَقٍ يَبْلُغُ حَدَّ الجمود إلى نسبية لا مطلق فِيهَا يَثْبُتُ ، فهي فضاءُ شَكٍّ وحيرة ، لا سيما وقد اجتهدت في المخالفة عن فطرة القيمة والمبدإ ، فضلا عن قيمة الدين والوحي الذي تطلبه النفس بَيَانًا لمجملاتِ التوحيد الذي لا تَنْفَكُّ الحداثة تُبَدِّلُ منه ما تُبَدِّلُ ولو شبهاتٍ لا تصمد لنقل أو عقل ، فليست إلا الهوى والذوق الذي يطغى صاحبه في الباب : باب التحسين والتقبيح ، فالعقل إذ طغى وجاوز الحد ورام الانعتاق من ربقة الوحي ، فلا بد أن يستبدل به آخر ولو أدنى وبه يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ ، فذلك معيار أول في الحكم على الأشياء ، فما الحكم على الشيء بالصحة أو الفساد ، بالإباحة أو بالحظر ، إلا فرع عن التصور الذي يأرز إلى معيار يصف الشيء ويحده ، فلا بد من أصل ، ولو مطلق مجرد في الذهن ، وهو ما ينسف النظرية الحداثية التي تَرَى الرجوع إلى أيِّ مطلقٍ ، ولو مجردا في الذهن ، تَرَاهُ رجعية تحول دون التحديث والحداثة ، وهو ما يُفْضِي إلى حالِ فوضى وسيولة في الأفكار ، فلا معيار يأطرها على جادة تَنْضَبِطُ ، ولا حُسْنَ ولا قُبْحَ فِيهَا لِذَاتِهَا ، وإنما كل شيء نسبي يحتمل ! ، وهو ما يزيد في الخلاف وَيَنْشُرُ مَادَّتَهُ ، إذ صار كل عقلٍ في نفسه معيارا يحسن ويقبح ، فلم تخرج الحداثة وإن زعمت أنها تخرج عن المرجعيات القديمة ، لم تخرج أن تدخل في حكومة أولى تأطرها ، فلا بد لها من مطلق تصدر عنه ، ولو حدا أدنى تجتمع عليه العقول بما رُكِزَ فِيهَا من مبادئ الفطرة والأخلاق ، وَإِنْ تَأَوَّلَتْهَا بما يواطئ مصالحها المادية فلا بد لها من تَبْرِيرٍ أخلاقي يشهد لها بالحسن وإن كان قبحها ظاهرا فاحشا ، فالحداثة لا تطيق الخروج عن حد أدنى من المعيار الأخلاقي ولو رياءً تَتَّقِي به سهام النقد المباشر إن أَفْصَحَتْ عن أحكامها المباشرة التي تجاوز بها المبادئ الضرورية المجملة إلى الحكومات النظرية المفصلة في آحاد المسائل والنَّوَازِلِ ، فهي دين مكتمل الأركان ذو نظرية محكمة في الأصول والفروع ، وله في كلِّ نازلٍة حكم بما وضع من أصول كلية جامعة وأخرى للاستدلال مفصلة .
    وإمعان الحداثة في الخروج عن المعايير الأخلاقية المحكمة وَرَدُّ الأمور إلى الأهواء والأذواق المتفاوتة سبب في اختلال المعيار الحاكم ، فالدعاية الحداثية قد نجحت في الاستثمار في هذا الفضاء النسبي المضطرب بل وَحَسَّنَتْهُ فِي النظر والحكم ، فهو حكاية ثَوْرِيَّةٌ تَقَدُّمِيَّةٌ على الأصول الفكرية والأخلاقية الرجعية ، فمارس الإعلام دوره في إدارة صراع فكري منخفض الحدة يَتَظَاهَرُ بالحيادية في الطرح والتَّنَاوُلِ وقد بَيَّتَ النية ! واختار القول الراجح قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ فِي أدلة المخالف ، وإنما اقتضى الخداع والمكر أَنْ تُمَرَّرَ الفكرة في سِيَاقِ جدالٍ يَتَصَاعَدُ في مشهد الصراعِ آنف الذكر : الصراعِ منخفضِ الحدة ، وهو ما يَتَصَاعَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وتميل فيه الكفة شَيْئًا فَشَيْئًا حتى يَرْجُحَ المرجوحُ المرذول خلافَ المنطوق والمعقول ، ويصير الراجح المستقر من قيم الثقافة والحضارة المركزية ، يصير هو المرجوح المرذول ، ويصير أهله خارج السياق السوي فهم الشواذ في القول والعمل ، وتلك حكاية التَّنْزِيلِ من مقال أهل القرية الخبيثة : (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) ، فَثَمَّ معنى يجاوز الفعلة الخبيثة المعهودة في السياق ، فالاعتبار بها يصدق في كل جيل ، وذلك نِتَاجُ آلة إعلامية حداثية نجحت في حَرْفِ المعيارِ شيئا فشيئا ، حتى صار الحق باطلا والباطل حَقًّا ، وهو ما يُذْكِي روحَ استئصالٍ للآخر تَتَّسِمُ بالصفرية على قاعدة الوجود ، وهي ، كما يَرَى النَّاظِرُ في مشاهد معاصرة ، روح تَشَفٍّ باعثها عدوانية وسادية وإفراط في القتل والهتك تُرَاكِمُ الثأر الذي يَرُدُّ العدوان بمثله في أحسن أحواله على قاعدة : (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) ، إن لم يَزِدْ عَنِ الْحَدِّ بما استقر في النفوس من حب الانتصار ورغبة الشفاء : شفاءِ الصدر ، وكل أولئك مما صنعت أداة الدعاية الحداثية ، فإنها تُفَرِّقُ ولا تُجَمِّعُ ، وهي تَحْرِفُ العقولَ عن الأصول المحكمة بما توسوس بِهِ من معان بديلة تخالف عن الشريعة والطريقة ، طريقة العقل الضرورية في الحكم بالحسن والقبح ، فنجحت الآلة الدعائية الحداثية في صناعة منظومة قيم وأفكار جديدة بعد صراع إعلامي حسمت نتيجته سلفا ، واستوجب ذلك المكث ، فلا بد من فترة سماح ! ، حتى تنضج الفكرة وتضعف المقاومة في المجتمع ويذهب الجيل الرجعي المتخلف الذي يستمسك بالأفكار العتيقة ، ويكون الانتقال من جيل شهد الصراع وقاوم الفكرة الحداثية وَإِنْ هُزِمَ في الحركة الخارجية لفارق القوة الهائل إلا أنه لا زال يحمل في نَفْسِهِ روحَ الفكرة الأم ، فينشأ آخر عنها أَبْعَدُ ، وثم من وسائط الميديا ما يصنع فكرته الحداثية الجديدة بِتِقْنِيَةٍ عالية الحبكة وصورة عالية الجودة ، فَيَنْشَأُ على المحدَث أنه الأصل ، كما أُثِرَ عن عمر بن عبد العزيز إذ اشتكى مَا وجد من منكرات زمانه ولو لم تجاوز حَدَّ العصيان في الأمر والنهي لا المخالفة في الأصل والمرجع فذلك ، بداهة ، أفدح ، فكان من مأثوره إذ يشتكي : "إني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله ، قد شب عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبه الناس ديناً" ، فَاسْتَقَرَّ في العقل الجمعي أنه المعيار الحاكم ، وذلك الدين المحكم الذي يجاوز دين العبادة والنسك ، فهو معيار به الحسن والقبح ، والإباحة والحظر ، وبه تأطير الحياة على جادة مخصوصة بها يمتاز سَالِكُهَا من غيره فهو صاحب طريقة في الحياة وشريعة في الأحكام ، وله معيار يخص في تصور الأشياء قبل الحكم ، وذلك أصعب في المعالجة من مجالدة الخصوم في ساحات الحرب والقتل ، فغايته إفناء الأبدان وأما معالجة الأديان والأفكار وَرَدُّهَا إلى جَادَّةِ حَقٍّ لا تَسْتَسِيغُهُ أكثر النفوس بما جبلت عليه من حب الراحة والدعة وعاجل اللذة الخفيفة وَإِنْ وَبِيئَةً ، فالحق ثَقِيلٌ في حمله وإن كان مَرِيئًا في أَثَرِهِ ، فلا يملك الوحي من وسائل الإغراء بِاللَّذَّاتِ ما تملك الحداثة ، وإن كانت حُجَّتُهُ في النَّقْلِ والعقلِ أرجح ، فلا يطيق أكثر الخلق النظر فيها وَالتَّمَعُّنَ ، وإنما تعجبهم الفكرة الحداثية التي تخطف القلوب بالشبهات الخفيفة التي تَتَحَيَّنُ من القلبِ لحظةَ الغفلةِ وَمِنَ العقلِ أخرى مِنَ السكرة ، فَتَهْجم فجأة وقد تَزَيَّنَتْ بزخرفِ قولٍ خادع ، لا يزال يوحي به كل جيل إلى آخر ، فـ : (كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) ، فتلك صناعة الميديا التي تحرف العقول عن المحكمات الرسالية والأخلاقية ، وتخرج بهم عن المطلقات النظرية التي يصدر عنها كل قياس ناصح فلا بد له من مقدمات ضرورة تَسْلَمُ مِنَ المعارضة فَيُجْمِعُ عَلَيْهَا خصوم الجدال كافة ، ولا يكون ذلك إلا وثم مطلق أول ذو مرجع في النظر محكم ، وهو ما يجعل المرجع حتما لازما وإن حَدًّا أدنى من المعيار الواصف بالحسن أو بالقبح ، الحاكم بالإباحة أو بالحظر ، فلا بد من أوَّلٍ تجمع عليه العقول فهو نَوَاةٌ صلبة لأي حضارة فلا بد لها من فكرة أولى هي محل الإجماع ، وبعدها يكون الخلاف في الفروع السياسية والإجرائية .... إلخ ، ويكون الترجيح فيها بعد استقرار الأصول : أصول الأدلة وأصول الاستدلال والترجيح فلا يكون ذلك إلا وَثَمَّ أصول محكمة في الفكر والحضارة ، فالترجيح لا يجاوز دائرتها فهي الأول الذي يصدر عنه كل حكم ، فلا يخرج عن نصوصه الحاكمة ومقاصده الجامعة ، ولا يخرج اختياره في مسائل الخلاف عن الأصول الحضارية المحكمة ، فالديمقراطية ، وهي محل شاهد تَقَدَّمَ ، أداة بِهَا الترجيح استنادا إلى العدد ، وليس في نفسه معيار صحةٍ أو فسادٍ ، بل قد ذُمَّ الجمع الكثير في مواضع من التنزيل المحكم ، فـ : (إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) ، وإنما المعيار الأول : قيمة مركزية حاكمة هي المعيار الحاكم في الاختيار لا عكسه ، فالاختيار وآلياته أدوات لا يمكن أن تستبدل بالقيمة المركزية الحاكمة ، فالأداة تالية والقيمة أولا ، وهو ما يَرُدُّ عجز كلام إلى صدره ، فإن المشهد الأمريكي التقليدي : مشهد الصراع الجمهوري الديمقراطي لم يشكل هاجسا لدى صناع السياسة والحرب ، إذ كان الجميع يصدر عن هوية واحدة متماسكة : هوية الأنجلوساكسون البروتستانت البيض ، فكان الخلاف في إجراءات تَنْفِيذِيَّةٍ لا في قِيَمٍ أصلية ، فالرأسمالية مِثَالًا : قيمةٌ اقتصادية حاكمة في المثال المركزي الغربي ، وإنما التفاوت فيه بين ليبرالية اجتماعية ونيوليبرالية ، فالجميع على أصل واحد وإن اختلفت الفروع حال التطبيق فكان لكلٍّ نظرة جزئية لا تخالف عن القيمة الكلية الجامعة ، وأما الآن فَثَمَّ عناوين جديدة تظهر ، ولو من باب التحريض الشعبوي على الآخر ، كما اطرد في خطاب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي تَوَاتَرَ من دعايته ضد الخصوم إطلاق ألقاب محظورة ! إذ تجاوز قِيَمَ الهوية المركزية ، قِيَمَ الغرب الرأسمالي ، فكان الوصف الْيَسَارِيُّ الذي يُهَدِّدُ أصولَ الفكرة الأمريكية ، فَلَقَبُ اليسار في أوساط اليمين الرأسمالي ! : لقبُ اتهامٍ يبلغ حد الخيانة الأيديولوجية العظمى ، ولا يخلو ذلك من اعتبار ، فَثَمَّ تيار حضاري جديد قَدْ نَشَأَ في الأوساط الديمقراطية وهو يَحْتَفِي بالأفكار اليسارية ، وإن كساها لحاء ليبراليا اجتماعيا ، وهو ما تَتَفَاوَتُ حدته وَتَتَنَوَّعُ فكرته ، فَثَمَّ اتجاه أيديولوجي وأخلاقي تخالف أطروحته عن أطروحة اليمين المحافظ الذي لا زال يَسْتَمْسِكُ بِقِيَمٍ اجتماعية رَجْعِيَّةٍ ! ، كقيمة الأسرة والإنجاب فضلا عن قيمة الدين وهو مرجع التَّبْرِيرِ لكلِّ شَرٍّ في الدنيا وِفْقًا للأطروحة اليسارية المثلى ! ، وثم اتجاه اجتماعي في الشأن الاقتصادي لا ينفك يحمل روح عدالة اجتماعية تُحْمَدُ ، ولو في الجملة ، وهي تخالف عن روح اليمين البروتستانتي فأخلاقه البروتستانتية أخلاق رأسمالية قياسية ، وهو ، كما يقول بعض المحللين تعليقا تَقَدَّمَ بين يدي خطاب الرئيس الأمريكي الأخير بعد 100 يوم من توليه الحكم ، هو ما أثار امتعاض الأوساط الجمهورية في مواضع مِنْ قَبِيلِ نسبةِ الضرائب المقترحة على الأثرياء وهم جماعة ضغط معتبرة في أي مثال رأسمالي ، فاقترحت إدارة الرئيس جو بايدن اليسارية ! ذات المنحنى الاجتماعي الذي دشنه الرئيس أوباما على استحياء إذ ثم نخبة رأس مال مركزية في المثال الأمريكي النيوليبرالي ثم كان ظهوره الأقوى في النسخة الجديدة وإن تحت قيادة بيضاء فهي قِيَادَةٌ تَنْتَمِي إلى الأقلية المذهبية الكاثوليكية أو هكذا يفترض طبقا للقسمة المتداولة في المثال الأمريكي التي أصابها اختلال كبير يحكي التحول الاجتماعي الأول الذي أَفْرَزَ ما بعده من تغيير سياسي لا تنفك آثاره تظهر في الداخل أولا ثم في الخارج تَبَعًا ، تراجع دور أمريكا في العالم بعد الانشقاقات الرأسية النوعية في هويتها الجامعة وإن لم تكن حتى الآن جذرية تَرْفَعُ حدة الصراع إلى الأزمة الكاملة فهي حتى الآن على الحافة وتوشك أن تلامسها ولو على مكث ، وهو ما تظهر آثاره وَتَتَجَدَّدُ إن على المستوى التشريعي والسياسي أو نظيره الاجتماعي فثم تأثير متبادل بين السياسية والاجتماع فكلاهما يحكي الآخر في المثال التَّشَارُكِيِّ وإن لم يخل من فعل تصارعي يَزْدَاُدُ كلما قلت مساحة التشارك والتَّرَاضِي ، فكلاهما يحكي الآخر ، كما تقدم ، أو يُؤَثِّرُ فيه على تَفَاوُتٍ تَبَعًا بميزان القوى وذلك ما يظهر في المثال التصارعي الذي يحكي تفاوتا في التوجهات والأولويات ولا يكون ذلك إلا والسلطة تغاير عن المجتمع في الفكرة والتوجه فضلا عن ضعف التمثيل السياسي للمجتمع أو انعدامه في المثال الوظيفي الخشن الذي يدين ، كما تقدم مرارا ، بالولاء لجهة من خارج تدعم سواء أكان المجموع الوظيفي في الداخل يؤمن بفكرتها أو هو أداة مجردة من القيمة ، ولو من خارج ! ، فهو تَبَعٌ لمن يستعمله صَحَّ نَظَرُهُ أَوْ فَسَدَ ، فلا يعني الآلة من يمسك وإنما يعنيها أن تعمل في الخارج بما يواطئ رغائب صاحبها فذلك عنوان نجاحها الوحيد دون نظر في أي معنى من خارج الفعل من النية أو القصد أو الماهية المخصوصة في الفعل ..... إلخ ، فيظهر ذلك ، وهو محل الشاهد في المثال الأمريكي ، يظهر في كل موضع يميز توجهات كلٍّ : الديمقراطي والجمهوري ، في الاقتصاد والاجتماع ... إلخ كما في الاقتراح الضريبي آنف الذكر والذي تظهر فيه آثار التوجه الأيديولوجي ولو داخل الدائرة الليبرالية ولكن في نسختها الاجتماعية وهو ما يشنع به الخصوم أبدا أنه توجه يساري يخالف عن قيم اليمين الرأسمالي ، ولو في اقتراح ضريبي : اقتراح إدارة الرئيس بايدن نسبة تبلغ 35% يتحمل أكثرها الأثرياء في نظام تصاعدي يواطئ المثال الديمقراطي الأوروبي في بلد كألمانيا مثالا ، فكلما زاد دخل الفرد دخل في شريحة ضريبية أعلى وذلك قياس الحكمة الذي يطرد وينعكس ، فكلما قَلَّ الدَّخْلُ ، في المقابل ، دخل في شريحة ضريبية أدنى حتى يكون الإعفاء الكامل إن لم يمتلك النصاب الأدنى للضرائب ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما يضاهي فريضة الزكاة في الوحي ، مع القدر الفارق بداهة ، فَثَمَّ معنى تعبدي يجاوز الفعل الإجرائي المحض ، والزكاة كوعاء دخل ذي طابع اجتماعي يجاوز الطابع الرسمي في الضرائب التي تَجْبِيهًا السلطة ولو في أعدل النظم التي تحظى بقدر كبير من الشفافية والمراقبة كما الحال في النظم الديمقراطية الاشتراكية أو الليبرالية ذات التوجه الاجتماعي ، فضلا عن أخرى ذات سمة نيوليبرالية حادة فهي ، بداهة ، أبعد عن معنى العدل ، وإن قيمة مجردة من المعاني الرسالية ، إذ يَتَّسِمُ نظامها الهرمي المتدرج أنه من النوع التَّنَازُلِيِّ الذي يخالف عن سنن الحكمة المجردة في العقل فضلا عن أُخْرَى مُؤَيَّدَةٍ بالوحي ، فالحكمة ، كما تقدم ، تَقْضِي أن تَزِيدَ الجباية بِزِيَادَةِ الدخل وَأَنْ تَقِلَّ بِقِلَّتِهِ ، فَيَطَّرِدُ المثال وَيَنْعَكِسُ ، خلافا للمثال النيوليبرالي فهو نظام تنازلي لا تصاعدي فكلما زاد الدخل قلت الضريبة كنسبة مئوية وزادت الإعفاءات وهو ما يوجب بداهة تحميل الشرائح الأدنى أعباء ضريبية أعلى لتعويض الامتيازات التي نَالَتْهَا الطبقات الْأَثْرَى ، فَيَخْتَلُّ المثال إذ يخالف عن سنن الحكمة ، وَتَتَّسِعُ قاعدة الأعباء كُلَّمَا تَدَرَّجَ الهرم تجاه الأسفل ، حتى يَتَشَّكَلَ هرم آخر في الاقتصاد يحكي المثال النخبوي في نظيره السياسي والذي يضع نخبة قليلة العدد كثيرةَ السبب على رأس هرم يَتَحَمَّلُ أعباءها وكلما انحطت الدرجة داخل الهرم الوظيفي ومن ورائه آخر اجتماعي ، كلما انحطت الدرجة زادت الأعباء حتى يبلغ الهرم السيادي قاعدة ليس بعدها إلا الأرض فهي القاعدة التي تتحمل الأعباء الكبرى في مثال تَنَازُلِيِّ يخالف عن سنن الحكمة ، وهو الغالب على المثال النيوليبرالي سواء أكان ديمقراطيا يحظى بحد أدنى من الرِّضَى والتَّشَارُكِيَّةِ أم كان نيوليبراليا مركزيا يَتَّسِمُ بالاستبداد والقمع المباشر لا سيما إن كان من النوع الوظيفي التابع فَالْبَلْوَى به تَعُظُمُ إذ تَتَرَاكَبُ من أكثر من معنى يسوء ويجور ، فالهرم كله خادم لرأسه مع أنه الأدق في الشكل في مقابل مساحة واسعة يحتلها جسم الهرم الذي سُلِبَ خاصة العقل الذي تحتكره النخبة فقد جعلت نفسها رأس الفكرة قَبْلَ أن تكون رأس السياسة والاقتصاد ، فهي تحتكر معيار الحسن والقبح وما يصدر عنه من تشريعِ الأمرِ والنهيِ وهي من يحتكر القصة التاريخية والقيمة الفكرية فَتُخْضِعُ الجسمَ الأكبر في الخارج ، الأصغر في العقل والأضعف في الأثر ، فهو القاصر الذي لم يبلغ سن الرشد بعد ولن يبلغه أبدا إذ ثَمَّ الوصي الذي يحتل مركز العقل : عقل الفكرة والشرعة ، فضلا عن احتكاره أسباب القوة والثروة ، وذلك ما يستوجب نظام حكم وسياسة واقتصاد واجتماع وأخلاق يضمن استقرار هذا الهرم ، فلا بد له من دِينٍ محكم ، هو ، كما تقدم مرارا ، نِظَامُ الحياةِ الذي يجاوز معنى التدين الشعائري ذي المعنى التعبدي الخالص ، فالدين نظامُ حياةٍ وسلوك ، ومن يخضع لأحكامه فهو كالعابد الذي يَتَنَسَّكُ فطاعته طاعة دينية ، وإن اكتست لحاء السياسة والحرب .... إلخ من مؤسسات العمل الوظيفي ، فالوظيفة فيه تجاوز حد الخدمة العامة إلى آخر يحمل روح التَّبَعِيَّةِ التي ضُمِّنَهَا مصطلح الوظيفية المعاصرة ، فَثَمَّ قدر يجاوز الخدمة العامة ومعيارها الكفاءة إلى الولاء الأيديولوجي بل والشخصي الذي يضيق نطاقه في المثل الأتوقراطية والشمولية حتى يصير الولاء لواحد في الشخص في المثال المركزي الأضيق ، أو لاخر في النوع في مثال مركزي أوسع ، وإن نِسْبِيًّا ، وهو يحمل عنوان الدولة وهي ، كما تقدم مرارا ، الإله في المثال الحداثي ، فهي تجاوز دور الخدمة العامة إلى الوظائف السيادية الإلهية من وضع معايير الحسن والقبح وحكاية التشريعات في الأمر والنهي ، وما يَتَدَرَّجُ حَتَّى يَبْلُغَ أدقَّ التفاصيل من دساتير جامعة إلى قوانين حاكمة إلى لوائح تَنْفِيذٍ مُفَصَّلَةٍ تستغرق أدق أمور الإدارة والحكم داخل المؤسسات جميعا ، السياسية والخدمية ، فالإجراء يُنَاطُ بموظف الخدمة العامة الذي يمثل السلطة التنفيذية المحكمة التي تَنْطِقُ على لسانه بِنُصُوصِ قوانين ولوائح صارمة تُقَيِّدُ الحركة وهي إلى التعقيد أقرب منها إلى التبسيط ، وكثير منها يمكن تجاوزه لو كان ثم موظف خدمة عامة يحمل روح القانون ، ولو بيروقراطيا معقدا ، فضلا أن يَتَجَاوَزَ القوانين واللوائح فَيُعْمِلَ معيارَ العدل والإنصاف اسْتَنَدَ إلى قيمة رسالية أو أخرى أخلاقية مجردة قد أجمع العقلاء كافة على حُسْنِهَا ، فذلك مناط المدح طبقا لمعيار القيم والأخلاق ، وإن كان مناط الذم ومظنة العقوبة الإدارية طبقا لأحكام القانون واللائحة المنظمة فهي لائحة مقدسة تحكي روح التشريع الحداثي ! ، وهي ، لو تَدَبَّرَ الناظرُ ، تجافي عن سنن العدل والتيسير فما وضعت إلا لِتَضْمَنَ السيطرة على الفرد والمجتمع في الأحوال كافة ولو لم تظهر آثارها المباشرة في نظرية التشريع إلا أنها حكاية بيروقراطية تُتَرْجِمُ سيطرة الدولة الحداثية على المجتمع وإن في أدق تفاصيله ، فلا يستطيع أن يَتَحَرَّكَ إلا بإذنها إن حركةَ الجسد أو حركة الفكر تجارةً أو صناعة ... إلخ فهو يَفْتَقِرُ إلى خاتمها الرسمي الذي يُصَدِّقُ على كل مستند فلا يحظى بالشرعية إلا وخاتم الدولة كمرجع يجاوز ، كما تقدم ، حد الخدمة والإدارة ، فهو صك شرعية ذات طابع ديني وإن في المثال الحداثي اللاديني أو ضد الديني اللائكي بما تَقَدَّمَ من معنى الدين الجامع الذي يجاوز الشعائر إلى الشرائع والإجراءات التي تستغرق الحركات كافة ، والبلوى تعظم بهذه المركزية ، فهي بَلْوَى أيديولوجية وسياسية في المثل الاشتراكية الكلاسيكية التي حَقَّقَتْ حَدًّا أدنى من العدالة الاجتماعية ، البلوى تعظم في المثل النيوليبرالية وإن كان منها نيوليبرالي ديمقراطي يحقق حدا أدنى مِنَ التشاركية في صناعة القرار ، ولو في مساحات غَيْرِ سيادية لا تمس مصالح النخبة المركزية ، فالبلوى تَعْظُمُ بِاحْتَكَارِ هذه النخبة لرأس المال وهو مَا بِهِ اختلال المعيار : معيار العدالة الاجتماعية ولو انطلاقا من القاعدة الحداثية ، والبلوى تَعْظُمُ أكثر إِنِ اقْترن هذا المثال النيوليبرالي في الاقتصاد بنظام مركزي مستبد في السياسة والحكم لا سيما إن كان من النوع الخشن الذي يفرط في القمع المباشر ، فلا يُفْسِحُ ، ولو فُرْجَةً ، لأي مشاركة سياسية ، ولو صورية ، فضلا عن محل الشاهد آنف الذكر ، وهو المثال التنازلي في الهرم الضريبي الذي يُحَمِّلُ القاعدةَ الجماهيرية الأوسع الأعباءَ الأكبر ، وإن كان دَخْلُهَا أقَلَّ خلافا لمعيار الحكمة آنف الذكر ، فإذا كان من يصنع المثال ويضع المعيار ويسن القانون بَشَرًا ذا حاجة إلى اللذة وذا طغيانٍ إن استأثر بأسباب القوة ، فذلك نِتَاجٌ بَدَهِيٌّ ، فالمثال الحداثي مثالٌ يحكي أخلاق من وضعه : فَقْرًا إلى الأسباب وَشُحًّا بها إن امتلكها وطغيانا إن استأثر بها ، وهو ما يحكيه الاعتراض الجمهوري في المثال آنف الذكر : مثال الضرائب التصاعدية في مُقْتَرَحِ الرئيس بايدن ، فهو مثال ذو دلالة مفتاحية في بابه ، فاقترح مثالا ذا توجه اجتماعي وإن في إطارٍ رأسمالي ليبرالي يقضي بزيادة نسبة الضريبة إلى 35% على الشرائح الأغنى ، لا سيما وَثَمَّ حزم مساعدات عاجلة إبان الجائحة الحالية قُدِّرَتْ قِيمَتُهَا بنحو تريليون و800 مليار دولار فضلا عن خطة تطوير وصيانة لِبِنْيَةٍ تحتية متهالكة ! ، نحو عشرة آلاف جسر تحتاج إلى صيانة ! وهو ما تخطط الإدارة الحالية أن تجمع له 4 تريليون دولار يُضَخُّ نصفها مباشرةً في هذه الخطة في مركز النظام الدولي ! ، لأن المثال النيوليبرالي الحداثي لا بد أَنْ يُفْرِزَ النتائج نفسها في كل مثال إذ المقدمات واحدة ، والمقدمات الواحدة ، كما يقول النُّظَّارُ ، تُفْضِي إلى نَتَائِجَ واحدة ، فذلك قياس النظر الصريح في أيِّ حكم ، فالحداثة تَلْتَهِمُ ثروة المجتمع وإن رَدَّتْ ذلك إلى أسباب أخرى تُلْقِي بها المسئولية غالبة أو كاملة على المجتمع فَزِيَادَتُهُ في الإنجاب ! هي ما يلتهم الثروة وثمار النمو وَإِنْ لَمْ يُشْفَعْ بخطة تَنْمِيَةٍ تلائم ، لا جرم كانت الدعاية الحداثية أبدا تكافح الإنجاب وزيادة النسل فهو يُقَلِّلُ فُرَصَ الرفاه التي تحظى بها النخبة فلا تريد عالما مَلِيئًا بالعاطلين والبَطَّاليَن من أصحاب الأعراق الدنيا وأصحاب الهيئة الرثة التي تؤذي عين النخبة فإنها إذ استبعدت المعنى الرسالي الذي يخبر بجنة في الغيب فَجَنَّتُهَا في الأرض كائنة ولا جنة تَتَأَذَّى فيها العين بمشاهد الفقر والمرض ، لا جرم كانت النخبة النيوليبرالية الحداثية حريصة كل الحرص أن تعتزل المجتمع في مجمعات سكنية ذات خصوصية فلا يدخلها أي أحد ، وثم من نظم الحراسة والإدارة ما يحول دون دخول العامة إلا خدما أو عمالا ، فهم أدوات وظيفية تَحْتَمِلُ النخبة جوارها إذ تَنْهَضُ بالوظائف الدنيا التي لا تطيق النخبة أداءها ، فهي طبقة العبيد والخدم في المثال الجمهوري اليوناني فلا يحظى فيه الرَّقِيقُ بحق المواطنة الكامل فيستوي والمواطن اليوناني النابه ذا العقل الفلسفي الجامع ، وهو المثال القياسي للمدينة الحداثية عبر العصور كافة ، مدينة السادة والعبيد في المثال القديم ، ومدينة النخبة والعامة في المثال الجديد ، فاعتزال النخبة في مدنها الملكية ذات الطابع الحداثي في الفكرة ، ليس صدفة لمجرد البحث عن مكان هادئ رغيد .... إلخ ، وإن كانت تلك معان معتبرة في اختيار المسكن ، فَثَمَّ معنى أدق ، وهو المفاصلة الشعورية التي تسبق المفاصلة الجسدية ، فَثَمَّ شعور نخبوي يشعر بالغربة والوحشة وهو يخالط العامة فلا يشعر بالراحة والخصوصية إلا إذا اعتزل في المدن الحداثية المحصنة التي تشبه أن تكون قلاعا تُقَاتِلُ النخبة الحداثية العامة من وَرَاءِ جُدُرِهَا إذ مساحة التشارك بين النخبة والعامة في المثال الحداثي النيوليبرالي تَتَآكل في مُقَابِلِ زيادةٍ أخرى تضاهيها في مساحة التَّصَارُعِ ، فالنخبة تَشْعُرُ بالوحشة وهي تَعِيشُ في وسط تَتَبَادَلُ معه مشاعر الكره والعداوة والتوجس ، فلا بد ، بداهة ، أن تَعْتَزِلَهُ وتهاجر إلى أرضٍ تَشْعُرُ فيها بالأمان ، فلا عيشة لخائف ، وإن جُمِعَتْ له اللذات والطرائف ، وذلك ، بداهة ، ما يخالف عن مسلك النبوة فهي أبدا تخالط الخلق ولا تشعر بالوحشة وهي بَيْنَهُمْ بل لا تؤدي رسالتها إلا أن تخالطهم في المجامع كافة ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) ، فقد جاءت بما يصلح أحوالهم على اختلافِ طبقاتهم وفهومِهم وفي مادتها ما يَسْتَغْرِقُ الخلقَ كافَّةً : عالمهم وجاهلهم ، قَوِيَّهم وضعيفَهم ، غنيَّهم وفقيرَهم ، شجاعَهم وجبانهم ... إلخ من الأضداد ، فلكلٍّ من النبوة حظ يواطئ حاله ، وذلك ما لا يطيق أي منهاج آخر لا يَنْفَكُّ يَنْتَصِرُ لطائفة من أخرى فلا يطيق استغراق الجميع بشرعة عدل تَعُمُّ فهي تجمع الخلق ولا تُفَرِّقُ ، فلا دعاية أجمع في عنوانها من دعاية التوحيد التي لا تميز الخلق على معيار مادة أو عنصر ، فَلَيْسَ ثَمَّ إلا التقوى ، وهي معيار رسالي يجاوز من خارج ، وحكمه في الوصفِ حُسْنًا أو قُبْحًا ، وحكمه في القول أو الفعل إباجة أو حظرا : حكم سالم من الأهواء والحظوظ التي تَعْتَرِي العقل البشري ، خلاف الحداثة فهي تصدر عن عقل نخبوي يروم الاستئثار بأسباب القوة واللذة تَأَوُّلًا للنظرية الليبرالية القياسية : القوة وسيلةً واللذة غايةً ، وهو ما يَتَّسِمُ بالشح والأثرة وحب الجمع والاكتناز فرأس المال يتراكم في نخبة تَتَدَاوَلُهُ ، وهو الذي جاء الوحي يخالف عنه ، فـ : (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) ، فهو يسعى في تَفْتِيتِ الثروة لا إهدارا لها أو تأولا لمشاعر حقد شيوعية تَتَّخِذُ مظالم الإقطاع واحتكاره رأسَ المال ذريعةً أن تُنَكِّلَ به باستلابه ما يملك والإمعان في إذلاله تَشَفِّيًا يحكي طبيعة عدوانية لا تنفك الدعاية الشيوعية تُهَيِّجُهَا طبقا لمقال المنظر الأول : الحقد هو وسيلتنا لتغيير العالم ، مقال تروتسكي الذي أبان عن بواعث الحركة الشيوعية التي تروم العدل وإن توسلت إليه بالحقد ! الذي يُهَيِّجُ غَرَائِزَ الانتقام والتشفي ذات الطابع العداوني الحاد وهو ما يفسر إمعان الشيوعية في نسختها الأصلية وَنُسَخِهَا المقاربة ، إمعانها في السفك والتخريب ، فالوحي ، كما يقول بعض المحققين وهو يَتَنَاوَلُ آي الأموال في الكتاب المنزل ويروم استنباط قيمة مركزية جامعة في نظرية الاقتصاد والمال ، الوحي يسعى في تَفْتِيتِ الثروة لا على ما تَقَدَّمَ ، وإنما توسيعا لدائرة الانتفاع أن يتحرك المال في المجتمع حركة واسعة يستغرق نفعها الطبقات كافة على سنن عدل في العطاء وفي الجباية ، وهو ما تخالف عنه النظرية النيوليبرالية ذات الطابع الرأسمالي المركزي الاحتكاري فَهِيَ تَسْعَى في تجميد الثروة وَتَرْكِيزِهَا في نخبة ، وهو ما ينعكس سلبا على المجتمع كافة ، وإن في مُثُلِ الرَّفَاهِ كأمريكا ، ولو على مَدًى يَتَرَاكَمُ وهو مع ذلك يتفاوت من مثال إلى آخر ، وإن كان الأصل واحدا ، فلا تكون الآثار السلبية للأطروحة النيوليبرالية في بلد كأمريكا كنظيرتها في بلد كمصر ، فهامش الرفاه والحرية أوسع في أمريكا وإن كان ذا سقف محدود لا يجاوزه المجتمع إلى مصالح النخبة ، فهو أعلى منه في بلد كمصر تَتَضَاءَلُ فيها هوامش الرفاه والحرية في مقابل تزايد هوامش أخرى تقابل من الفقر والاستبداد وإن في نطاق المجتمع بعيدا عن النخبة التي تتحاكم بمعايير وقوانين أخرى منها المكتوب سطورا ومنها المفهوم من بَيْنِهَا ، فالسقف واحد ، وإن تفاوت ارتفاعه ، فهو موجود في كلا المثالين إذ جنس المركزية في النظرية النيوليبرالية واحد وإن تَعَدَّدَتْ أنواعه في الخارج ، وهو ، كما يقول بعض الباحثين ، يُفْرِزُ الظاهرة نفسها : التفاوت الطبقي الرهيب ، حكاية لمقال ناعوم تشومسكي الذي أَوْجَزَ ظاهرة "احتلوا" في سبتمبر 2011 وهي الانتفاضة الشعبية ضد الرأسمالية النيوليبرالية في معاقلها الرئيسة في "وول ستريت" ، فأوجزها في عبارة : "الرد الكبير العام الأول على ثلاثين عاما من الحرب الطبقية" ، فتلك هي الحرب الطبقية في أمريكا : مركز النظام الدولي حتى الآن ! ، فتلك الحرب قد بَدَأَتْ نارها تَسْتَعِرُ إن على المستوى الأيديولوجي أو نظائره في الاجتماع والاقتصاد ولكلٍّ قاعدته في القتال ، فالنخبة البيضاء باعثها أيديولوجي ينافح عن الهوية الأم : الهوية الأنجلوساكسونية البروتستانتية البيضاء ، والأقليات ، في المقابل ، باعثها اجتماعي واقتصادي ، كما تقدم من مقترح الرئيس بايدن ذي الدلالة المفتاحية في تحليل المشهد الأمريكي المعاصر ، فهو حكاية لتوجه اجتماعي في باب الاقتصاد يخالف عن مصالح النخبة الرأسمالية النيوليبرالية المركزية ، النخبة المسئولة عما تقدم من انهيار البنية التحتية في أمريكا : أيقونة الليبرالية ذات الرفاه والوفرة ، وهي النخبة المسئولة عن انهيار البنية التحتية والفوقية ! في أي بلد في العالم تحكمه إِنْ مُبَاشَرَةً أو من وراء ستار يحمل عنوان الضغط السياسي تَارَةً ، والرشوة المالية أخرى ، وكلاهما ثالثةً كما الحال في مصر مثالا على الحكم النيوليبرالي البدائي المتخلِّف في مقابل بلد كأمريكا هي المثال على نوع آخر يندرج تحت الجنس نفسه : الجنس النيوليبرالي فهي مثال ناضج متقدم ! ، ولكل مجتمعٍ من المثال ما يليق به تَبَعًا لنضجِ فكرته وأدوات قوته ، فالقاسم المشترك الأكبر بين هذه المثل النيوليبرالية جميعا أنها تستأثر بالقسط الأكبر من الثروة مع التزامات مادية أقل باعثها ضعف المسئولية الأخلاقية الجماعية انطلاقا من نظرية نيوليبرالية تُعَزِّزُ مشاعرَ الأنانية والفردية ، وفي حكومتها تتآكل بنية المجتمع الأخلاقية والمادية في مقابل تعاظم ثروات النخبة الرأسمالية النيوليبرالية مع ما تقدم من إعفاءات في نظام الضرائب التنازلي في المثال النيوليبرالي فهي لا تدفع ما يضاهي حصتها من الاقتصاد في مقابل ما تدفع بقية الطبقات التي تَزْدَادُ أعباؤها كلما انخفضت درجتها في السلم الاجتماعي فتقل موارد الدولة اللازمة لتحديث البنية التحتية وصيانتها فالأغنياء لا يدفعون شيئا إلا على سَبِيلِ الصدقة غير الملزِمة فهي نافلة لا يعاقب تَارِكُهَا فضلا عما يكتنفها مِنْ مِنًّ وأذى ورياء وسمعة واستثمارٍ دعائي وسياسي فلا تجد الدولة ، ولو أغنى دولة في العالم ، لا تجد مخصصات مالية تكفي في التحديث والصيانة فَتُحَمِّلُ الطبقات الأدنى أعباء أكبر إذ تجبي منهم أكثر ولا تقدم الخدمة الملائمة لا سيما في المثل الحداثية المتخلفة كمصر إذ ثم هرم فساد آخر يضاهي هرم السلطة فهو يقتص من هذه الضرائب ما يكفي ويزيد لتحقيق رفاهه الخاص فَتَقِلُّ الموارد وتتحول الدولة من دولة تشاركية في صناعة القرار والثروة إلى دولة رعاية تمتن على المواطن بما تنفق إلى دولة جباية تأخذ ولا تعطي إلى دولة تسول وذلك التطور الطبيعي لهذا المثال فتلجأ إلى التسول من الداخل ومن الخارج للإنفاق على الخدمات العامة ! وليت ما تجمع من حصيلة تسولها يُضَخُّ في العناوين التي تَتَسَوَّلُ بها ! ، وإنما هرم الفساد حاضر لالتهامها كلها أو جُلِّهَا .
    والشاهد أن أي مثال نيوليبرالي لا بد أن يصحبه تهالك البنية التحتية إذ رأس المال النخبوي فيه لا يشارك مشاركة عادلة في رعاية مصالح المجتمع وتحديث مرافقه فهو أقل الطبقات تحملا للأعباء العامة ، مثال الرئيس السابق دونالد ترامب فهو حكاية قياسية لتوجهات الحزب الجمهوري ذي القاعدة الرأسمالية اليمينية المحافظة بعيدا عن توجهات الأطروحة الديمقراطية ذات التوجه الاجتماعي في طرحها الاقتصادي وهي التي يمثلها الآن مُقْتَرَحُ الإدارة الحالية أن تَرْفَعَ نسبة الضرائب إلى 35% فذلك سبب في زيادة الجدل والاحتقان وإن على قاعدة اقتصادية فضلا عن آخر على قاعدة الأيديولوجيا والهوية ، وثالث على قاعدة الاجتماع والسلوك ، فذلك ، كما تقدم ، مقترح ضريبي ذو دلالة مفتاحية تُرَدُّ إلى أصولها ، الأصول الديمقراطية ذات التوجه الاجتماعي المحمود ، في مقابل ما اقترحت الدوائر الجمهورية المعارِضة التي تحكي التوجه الرأسمالي النيوليبرالي القياسي : 21% فقط ، فكانت نسبة 35% على الشرائح الأغنى نسبة ثورية بامتياز تحكي وجها آخر من وجوه الخلاف الذي جاوز ثابتا من ثوابت المثال الأمريكي : الثابت الرأسمالي الليبرالي الأول أو النيوليبرالي المتقدِّم ، وإن احتمل عنوانا رأسمَالي ليبراليا : الليبرالية الاجتماعية ، وهو ، عنوان يحتمل ، قواعد الاقتصاد ذَا الأبعاد الاجتماعي ذات القيم التَّعَاوُنِيَّةِ أو التشاركية أيا كان الاسم فالمسمى يَنْحُو نَحْوًا إنسانيا ، ويحتمل ، من وجه آخر ، ليبرالية أخلاقية بالمعنى اليساري المتداول الذي يحتفي بحقوق الأقليات الاجتماعية الشاذة بذريعة الحرية المطلقة فِي اختيارِ نمط الحياة الملائم دون التقيد بمرجع يجاوز من خارج ، فقد صارت الحرية في نفسها قيمة عظمى مركزية مع أنها من المتشابهات التي تَفْتَقِرُ إلى مرجع محكم يأطرها من خارج ، وذلك ، كما يذكر بعض الباحثين ، مما ظهرت آثاره في الاتجاهات الرسالية التي لم تخل أجنحة مِنْهَا من آثار ليبرالية ، فإن ثم احتفاء أكاديميا بالنبوة والوحي في الدراسات النظرية دون اتخاذهما مرجعا فاعلا في الحياة ، فلا يجاوزا في أحسن أحوالهما باعث الأخلاق الكلية ، وهي أطر عامة لا تستبين بها معايير الحسن والقبح الأخص التي تَتَفَاوَتُ فيها المناهج ، فكان من تَرَاجُعِ الوحي كمصدر تشريع إلى مصدر إلهام ! فهو عنوان حضارة مجمل دون محتوى فاعل في التحسين والتقبيح وما يصدر عنهما من تحليل وتحريم ، عنوان الخصومة الرئيس بين الوحي والحداثة ، فليست الخصومة في العناوين الأخلاقية الكلية التي أجمع عليها العقلاء كافة ، وإن كان ثم خلاف فيها قد طَرَأَ في النسخة الحداثية التقدمية جدا ! ، فقد صارت القيم النسبية هي المعيار وهي تجاوز في الحكم والحد المطلقاتِ ولو علوما ضرورية بما يصدق في صاحبها في مواضع أنه مُسَفْسِطٌ يُنْكِرُ البدهيات الضرورية ، فالإفراط في النسبية يُفْضِي بصاحبه إلى حالٍ من اللامعيارية ، إن صح الاصطلاح ، فليس ثم معيار حاكم من خارج ، وإن كان ثم معيار أعلى فلا فكرة بلا حدودٍ تَمِيزُهَا عن غيرها ، فلا بد من هوية أصلية هي ثابت الحضارة الأول ، وبعدها تَتَعَاقَبُ الهويات الثانوية بلا إشكال في التَّرْتِيبِ وإن كان ثم إشكال فليس كالإشكال في المحل الأول : الهوية الأصلية ، فهي واحد لا يَقْبَلُ الشركة وبه كانت الخصومة آنفة الذكر بين الوحي والحداثة ، وهو ما تَظْهَرُ بعض تطبيقاته في الخارج في حد الحرية كَقِيمَةٍ مشتركة بين العقلاء كافة ، ومنها الحرية في ممارسة الحقوق السياسية شَرِكَةً في صناعةِ القرارِ بِحِصَصِ تأثيرٍ فاعلة ، وإن متفاوتةً ، فتلك قيمة عظمى يحتفي بها كلُّ عاقلٍ ، ولكنها وإن في أشد نسخ الحداثة نسبية لا بد لها من مطلق أول هو المظلة الدستورية الجامعة التي تَتَفَاوَتُ من منهاج إلى آخر ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مناط الخلاف الرئيس بين الرسالة كمرجع سماوي فهو مظلة دستورية جامعة تحمل عنوان : السيادة للوحي ، والحداثة فهي في المقابل مظلة دستورية جامعة تحمل عنوان : السيادة للشعب أو للأمة ، وهو العنوان الخادع الذي تَتَذَرَّعُ به النخب الحداثية إلى ممارسة القمع والاستبداد وإن بأدوات ديمقراطية ناعمة منها أداة التشكيل : الأداة الدعائية التي تأطر العقل الجمعي على قيم ومفاهيم محدثة ينزلها الخلق منزلة الشريعة المنزلة بما يكون من تكرار وإلحاح يصير الوهم حقيقة محكمة ! ، وأداة التشريع : الأداة الإجرائية المفصلة ، فالسيادة في المثال الحداثي ، عند التدبر والنظر ، للعقل ، لا العقل الجمعي كما يزعم أنصاره ، وإنما لِعَقْلٍ أخص هو من يصنع هذا العقل الجمعي بما يواطئ فكرته ، فذلك العقل النخبوي الأخص الذي يحتكر الأدوات آنفة الذكر : أدوات التشكيل وأدوات التشريع ، فالمرجعية في المثال الحداثي لهذا العقل لا كتابع للوحي وإنما كمناجزٍ لا يقبل الشركة فضلا عن التبعية ، فلا يقبل إلا الانفراد في المرجعية والحكم ، وهو ما يُفْضِي به إلى وصف آخر يحكي التفاوت في معايير الْحُسْنِ والقبحِ المحدثة ، فليس الأمر ، لو تدبر الناظر ، إلا الأهواء والأذواق ، فلا بد في كل منهاج من هذه المظلة الدستورية الجامعة ، ولا بد فيه من الهوية الأولى : الهوية الأصلية وبعدها الهويات الثانوية ، فالحداثة لا تقبل إلا أن تكون فكرتها هي الأولى بما تحمل من آثار مباشرة في الفكر والحكم والسياسة : الدولة الوطنية الْقُطْرِيَّةُ مثالًا يضربه بعض الباحثين ، فذلك ثابت رئيس من ثوابت السياسة الحداثية المعاصرة وهي الوحدة البنائية لنظام دولي لا يقبل شركة في السيادة ، فلا يَرْضَى بأي كيان جامع يحمل روح فكرة تخالف عن فكرته الحداثية ، فلا ممالك وإمبراطوريات تحمل عنوان الأمة متعددة الأجناس واللغات التي يجمعها رباط أيديولوجي واحد فذلك تجمع يضاهي تجمعات النظام الدولي التي لا يقبل لها نِدًّا ، فلا يقبل أمة متعددة الأعراق والألسن يجمعها رباط أيديولوجي واحد فتدخل جميعا تحت مظلة دستورية جامعة تجاوز حَدَّ الهوية والفكرة المجردة ، فَثَمَّ تأطير محكم في مسائل الشرع والسياسة والحرب والاقتصاد ..... إلخ ، فالنظام الدولي ذو الشركات متعددة الجنسيات مثالا يحكي عولمته المجاوزة للحد الجغرافي الحداثي : حد الدولة الْقُطْرِيَّةِ ، ذلك النظام متعدد الجنسيات لا يقبل بداهة أمة متعددة الأعراق والألسن تأرز إلى مرجع يجاوز من خارج ، فَتَتَّخِذُ الوحي مظلة دستورية جامعة في مقابل المظلة الحداثية ، فلا بد من صدام بين الأطروحتين لاختلاف المرجع الأول ، وإن كان ثَمَّ تَمَاهٍ من بعضٍ : سوءَ فهم أو مداهنةً في القول والفعل يحكي ، كما يقول بعض الباحثين ، انهزاما حضاريا أمام الآخر ، وضعفَ انتماءٍ إلى الفكرة الأم ، وَتَذَبْذُبًا يُرَاوِحُ صاحبه بين الفكرة الأم والفكرة الحادثة ، فالصدام حتم لازم وإن كان ثم محاولة للتقارب والتماهي فهي محاولة الجمع بين نقيضين لا يجتمعان ولا يَرْتَفِعَانِ ، كما يقول بعض النظار ، ففي الهويات السياسية مثالا يحدث الخلاف أبدا الذي لا يقبل الشركة ، الخلاف في الهوية الأم هل يقدم العقد الرسالي أو يقدم نظيره الحداثي الذي يحكي الانتماء إلى الدولة الْقُطْرِيَّةِ : الدولة الوطنية الحديثة التي تشكل أيقونة الفكرة الحداثية في باب السياسة والحكم فهي ثابت مقدس لا يقبل إلا التقدم والتصدر ، فلا يجاوزه مرجع آخر فيحل العقد الوطني ثانيا ، بل لا بد أن يكون الأول وأن يكون فوق الجميع ، وَإِنِ الوحيَ المنزل : المرجع الأعلى المجاوز من خارج الأرض ومن عليها ! ، فيكون الخلاف في هذا الموضع الدقيق أَيُقَدَّمُ الوحي هوية أصلية وبعدها الهوية الإقليمية أو القطرية الأخص أم تقدم الهوية الْقُطْرِيَّةُ فهي ثابت النظرية السياسية الحداثية الرئيس ، وهي ، كما تقدم ، المظلة الدستورية الجامعة التي لا يمكن الخروج عنها فهي المرجع المجاوز من خارج ، ثم يكون الوحي تَابِعًا ، ولو نافلة من القول ، وهو ، كما تقدم ، ما استوجب المفاصلة فلا يقبل المحل الواحد حَالَّيْنِ اثنين ، فَتَلَطَّفَ مَنْ تَلَطَّفَ في مثال رسالي حداثي مختلط ! يروم استبدال القيم الحداثية بالقيم الرسالية ، وإن على مكث ، ذريعةً إلى التماهي مع الحضارة الغربية بوصفها الحضارة الغالبة دون التصريح الفاضح الذي يصدم المشاعر ويؤرق الضمائر فَلَا بد من تَبْرِيرٍ أخلاقي بل وأيديولوجي يهون على النفس تجشم هذا التَّنَازُلِ الكبير ، وذلك ما أفرز ظواهر من قبيل الإسلام الليبرالي أو الإسلام العصري ودونه درجة الإسلام الحضاري الذي ينظر في الوحي أنه مكون من جملة مكونات لهوية حضارية مجملة دون تأطيرات تشريعية محكمة ، فَتُسْلَبُ الخاصة التشريعية من الوحي ويدخل شيئا فشيئا تحت مظلة التشريع الغالب ، التشريع الحداثي في المركز ، مع احتفاظه بعنوان الإسلام اسما قد جُرِّدَ من مُسَمَّاهُ أو من أكثرِ مُسَمَّاه على تفاوت في الأطروحة ، فكلما اقتربت من الليبرالية زَادَ تجريد الفكرة الإسلامية الليبرالية من القيم والتشريعات الفاعلة في الحياة الخاصة والعامة لا سيما الأخيرة بوصفها ميدان التفاعل الاجتماعي الذي يفتقر إلى تأطير تشريعي أوسع من التأطير الفردي الذي تَغْلُبُ عليه أمور الشعائر والأخلاق دون الشرائع والأحكام وهو ما تَنَاوَلَهُ بعض المحققين تحت عناوين أبرزها : العلمانية الكلية ونظيرتها الجزئية ، فالأولى من النوع الراديكالي ضد الديني الذي يَرُومُ فصل الدين عن الحياة كلها ولو على المستوى الفردي أو الأخلاقي الذي لا يمس نظرية التشريع المركزية إذ لا يخالف عن القواسم المشتركة بين جميع المناهج فلا يحصل به تمايز ، ومع ذلك تحتاط هذه النسخة الراديكالية فلا تُرِيدُ الدين في المشهد ولو اسما قد جُرِّدَ من المسمى كافة ، مع أنها ، من وجه آخر ، لا تنكر وجوده المطلق في الخارج ، إلا في النسخ الإلحادية الصريحة سواء أكانت شيوعية مركزية أم يسارية ليبرالية لامركزية ، النسخة المتداولة الآن في أمريكا بعد وصول بعض مُمَثِّلِيهَا إلى سدة الحكم ، ولو لم يكونوا على فكرتها الإلحادية فهم على فكرتها الليبرالية التي ترفع سقف الحريات الخاصة والعامة عَالِيًا ، فالنسخة العلمانية الكلية التي تمثلها العلمانية الفرنسية اللائكية وإن ثارت على الكاثوليكية ثَوْرَةً راديكالية حادة نهجت جادة الاستئصال للنخب القديمة : السياسية والدينية الكهنوتية والاقتصادية الإقطاعية إلا أنها ، في المقابل ، لم تنكر وجود الكاثوليكية كدين ، وإنما حَوَّلَتْهُ إلى مكون ثانوي في الهوية فمحله تَالٍ في الرتبة مع تحويله إلى أداة وظيفية في صناعة عقد اجتماعي لا بد أن يكون الدين فيه ممثلا ولو تمثيلا ثانويا لا يجاوز حد الباعث الأخلاقي أو المبرِّرَ في مرحلة تالية من التوسع والاستعمار ، فهو المبرر الأيديولوجي لهذا المسلك الاستعماري الحداثي ، وكذلك الشأن في النسخة الأتاتوركية في تُرْكِيَا فإنها لم تَنْفِ الإسلام من الوجود مطلقا ، وإن أَمْعَنَتْ في استئصاله من دوائر التشريع والسياسة والحكم والاجتماع مع احتياطها الشديد من تَسَلُّلِهِ إلى الحياة العامة ولو عبر مسالك تعبدية خاصة ولو في المظهر ، فكان اختفاء الإسلام من المشهد ، ولكنه ، مع ذلك ، ظل حاضرا ، ولو في دوائر الفكرة الباهتة ، فكان جزءا من الهوية الأتاتوركية العلمانية ضد الدينية في مفارقة قد تَبْدُو مُتَنَاقِضَةً ولكنها ، لو تدبر الناظر ، مُتَوَافِقَةٌ إذ تَتَعَاطَى مع واقع اجتماعي جديد في إطار صناعة المثال التركي الجديد فلابد له من حدود تأطره في الوطن الجديد ، الوطن الْقُطْرِيِّ الحداثي العلماني ، فلا بد لأي أمة أن تملك من الثوابت ما عليه تجتمع ، فكان الإسلام هو الثابت الأول في الأمة العثمانية القديمة ! وأما نظيرتها التركية الحديثة فلا تحتاج الإسلام ذلك العقد الجامع المجاوز لحدود تركيا الجديدة ، الحدود الْقُطْرِيَّةِ الحداثية ، فلا يكون الإسلام بهويته المركزية الجامعة المجاوزة للحدود الجغرافية المحدثة لا يكون أبدا محل صدارة في هوية أتاتوركية حداثية لا يجاوز تأثيرها الحد الجغرافي الحديث للدولة التركية ، فكان الفعل الاستئصالي الحاد الذي يضاهي نظيره في الثورة الفرنسية ، فَأُقْصِيَ الإسلام كما الكاثوليكية ، مع القدر الفارق بداهة في ظروف التجربتين ومدى موضوعية الحجة الحداثية في استئصال الهوية الدينية ، وهل كان ذلك لانحراف في جوهر النظرية كما الحال في فرنسا استثمره الخصوم استثمارا براجماتيا لا يسلم من الشبهة لاستئصال الدين من الوجدان ، أو كان لانحراف في التطبيق بما كان من جمود وتقليد كما الحال في تركيا استثمره الخصوم ، أيضا ، استثمارا براجماتيا لاستئصال الدين من الوجدان ، فَثَمَّ تشابه ، من هذا الوجه ، فَأُقْصِيَ الإسلام من الصدارة ولم يَعُدِ الثابت الأول في الهوية التركية الجديدة كما كان في نظيرتها العثمانية القديمة ، ولكنه بحكم الظرف الجيوسياسي ظل جزءا من الهوية التركية الجديدة في محيط مسيحي أرثوذكسي يُنَاجِزُ تركيا العثمانية وتركيا الجديدة أيضا ! فلا زال الأتراك مسلمون وإن لم يعودوا عثمانيين ، وهو ما جعل الإسلام حاضرا ولو حدا يميز التركي الجديد من غيره ، فكان اشتراط الهوية الجديدة ، كما يقول بعض الباحثين ، أن يكون صاحبها من سكان القطر الجديد الذي لا يجاوز الحد الجيوسياسي المعاصر ، وأن يكون بعد ذلك مسلما ، لا أن النظام متدين أو حتى يقر بالإسلام دين حياة واجتماع ، وإنما لأنه معيار تمييز صحيح بين التركي واليوناني والبلغاري والصربي والروماني .....إلخ من الجوار المسيحي الذي تغلب عليه الصبغة الأرثوذكسية .
    وهي ، لو تدبر الناظر ، تجربة استنسخت في تونس في خمسينيات القرن الماضي في التجربة البورقيبية وإن كانت أقلَّ حدة لأن المحيط العربي في الجملة أقرب إلى روح الرسالة والوحي ، ونظيرها ما كان في مصر في تجربة الزعيم الخالد ! ، وإن كان لوجود الأزهر دور في تحجيم آثار التجربة الحادة ، ولو رمزا إسلاميا جامعا يحظى بتقدير كبير يجاوز مصر والإقليم إلى العالم كافة ، وهو ما يَرَى الناظر له الآن تاويلا جديدة في نسخة جديدة في مصر وإن كانت أقل إحكاما وأضعف شرعية ، إن سياسيةً أو أخلاقيةً ، وإن أفرطت في العنف دليلَ ضعفٍ في الشرعية التي تحقق حدا أدنى من التراضي في عقد اجتماع وسياسية يُغْنِي صاحبه عن الإفراط في العنف ، وذلك مما يجب استحضاره في سياق ما يَرَى الناظر الآن من استهداف النظام لنخب تمثل الفكرة الإسلامية المضادة بل وتمعن في استفزاز المشاعر على قاعدة تَجَبُّرٍ وَتَبَجُّحٍ تحكي خصومة حادة ، كما رأى الناظر في إنفاذ أحكام القتل الأخيرة باعتبار أول في نوعية الأفراد ومدى قربهم من الهوية الرسالية الأصلية وما يمثلون من رمزية في محيطهم الاجتماعي واعتبار ثان في التوقيت الذي يمثل مَعْنًى شرعيا مركزيًا في الوجدان المسلم وهو المستهدف بهذه الرسائل المباشرة التي تبلغ بالتصعيد حدا أقصى على قاعدة خصومة صفرية بين نظام حكم حداثي في حد ، وهوية رسالية لاتقبل إلا الصدارة في آخر ، فلا يمكن اجتماعهما في إهاب واحد كما قال النظام نفسه يوما وهو ويوصف هذا المشهد توصيفا دقيقا فتلك معركة وجود لا تحتمل الاثنين فإما هذا أو ذاك .

    وهو ما يرى الناظر له ، أيضا ، نسخة جديدة في الخليج عامة وأرض الحرمين خاصة وإن كانت ساذجة نَزِقَةً تحكي ما استعاذ منه أبو هريرة ، رضي الله عنه ، من إمرة الصبيان .

    وفي مقابلها ثم نسخة علمانية جزئية ، أو علمانية لادينية محايدة ، ولو في إقصاء الأديان ، فهي تعدل في إقصائها كافة ! ، وهي ، مع ذلك ، تُفْسِحُ للدين فضاءات خاصة وعامة لا تمس جوهر النظرية السياسية ، فذلك الخط العلماني الأحمر في النسخ كافة ، وإنما تَتَفَاوَتُ في تعاطيها مع الدين في بقية شئون الحياة لا سيما المسالك الفردية التي تَتَسَامَحُ معها العلمانية الجزئية ما لا تَتَسَامَحُ نظيرتها الكلية .


    والشاهد أن ثَمَّ عنوانا اجتماعيا في مقترحات إدارة الرئيس جو بايدن ، وهي ، ولو رسميا ! ، لا تخرج عن إطار الهوية الأمريكية الليبرالية ، وإن اجتماعية ، والاسم الليبرالي الاجتماعي لا يَنْفَكُّ ، مع ذلك ، يخفي وراءه مسمى يساريا يخالف عن قيم النخبة الرأسمالية النيوليبرالية الحاكمة ! التي أفرز أداؤها الاقتصادي ما تقدم من طرح ناعوم تشومسكي : "الحرب الطبقية" وهو أَمْرٌ قد يظهر ، بادي الرأي ، أنه بَعِيدٌ عن مجتمع الرَّفَاهِ وَالْوَفْرَةِ ، وذلك مَا تَنَاوَلَهُ الرئيس بايدن في خطابه الأخير وهو يضرب المثل بعجوز لم ترحمها الرأسمالية النيوليبرالية فلم تستطع إبان الجائحة الأخيرة أَنْ تُسَدِّدَ قيمة العلاج ، عِلَاجِ عَيْنَيْهَا ، فتأخرت في الذهاب إلى الطبيب إذ لا تملك أجره ! وذلك ما يشبه القصص الإنساني المتداول في دول العالم الثالث ! ، وإن كان بداهة أقلَّ حدةً في المثال الأمريكي إذ ثم هامش وفرة يغطي هذا العوار في النظرية الرأسمالية ولو إلى حين ، فهو يَتَقَلَّصُ تِبَاعًا كما الحال في الأطراف وإن كان ثم من الرقابة الاجتماعية حد أدنى يحول دون الاستنزاف الحاد للثروة العامة ، فمعدل استنزافها في المركز أقل ، ولكن جنس الاستنزاف واحد ، وكذا سببه في الخارج ، خَاصَّةُ الشح والأثرة والطغيان المركوزة في كل نفس ، وإنما اختلفت في ظهور هذه الأعراض تَبَعًا لمعطيات في الخارج ، فذلك كأي حكم في هذه الدنيا ، لا بد له من سبب ، وهو ركز الجبلة الأولى من هذه الأوصاف ، ولا بد من استيفاء الشرط وهو حصول مصادر للقوة المادية والمعنوية من السلطة والثروة والنفوذ الذي يتأول تلك الخصائص في الخارج طغيانا يَتَنَافَسُ أصحابه في الرياسة والترف ، وهما : المال والشرف ، من أسرع ما يُهْلِكُ الخلق ولو أهل التقوى والبر فحب الرياسة ، كما يقول بعض المحققين ، آخر ما يغادر قلوب الصديقين ، فكيف بأرباب الفجور ممن لا حظ لهم من أخلاق السيادة مروءة وشهامة فضلا عن أخلاق الديانة ؟! ، وهما ، المال والشرف ، والشيء بالشيء يذكر ، مما لعب دورا رَئِيسًا في صراع السلطة والمجتمع في المثال الحداثي الذي سعت فيه النخبة الحاكمة أن تحتكر معيار الحسن والقبح ، محل الشاهد أبدا في أي جدال أو جلاد في الدنيا ، فكان سعيها الذي يدل على فَقْرِهَا ، وإن طلبت به الغنى والشرف ، كان سَعْيُهَا أن تستجمع أسباب القوة في مقابل تجريد المجتمع منها ، وهو ما يجاوز القوة الخشنة التي تَتَبَادَرُ حال إطلاق عنوان القوة وإن كانت أبدا محل عناية في أي مثال حداثي أَنْ تُجَرِّدَ المجتمع منها ، بادي الرأي قبل تجريده من أي سبب آخر كَمَالٍ أو وَعْيٍ أو وَجَاهَاتٍ اجتماعية .... إلخ ، فالسلطة الحداثية لا سيما في الْمُثُلِ الوظيفية التابعة تسعى ، أَبَدًا ، أن تجرد المجتمع من أسباب القوة لا سيما الخشنة أو تُقَلِّصَ حَجْمَهَا ما استطاعت إن كان المجتمع من النوع الفاعل الذي يُدَافِعُ الصائل مِنَ السلطة الحداثية ، مع ما يَقَعَ من تجاوزات لا سيما إن غاب المعيار الأخلاقي المحكم الذي يؤطر هذه القوة ، أمريكا مثالا معاصرا وما توفره القوة الخشنة بِيَدِ المجتمع من تَوَازُنِ ردعٍ ، ولو في الجملة ، وهو ما يجاوز ، لو تدبر الناظر ، القوة الخشنة فليست وحدها ما يحقق توازن الردع مع السلطة ، فضلا عن تحقيق تَوَازُنِ رَدْعٍ متبادل بين أفراد المجتمع ، كما يضرب بعض الفضلاء مثلا بالمجتمعات التي غلب عليها الطابع الأسري أو القبلي فتكون القوة الخشنة حاضرة في المشهد وهو ما يُقَلِّلُ الجرائم إذ ثم توازنُ رَدْعٍ متبادل خلافا لمجتمع المدينة الحداثية فهو مجتمع أعزل يمكن لأي فاتك أو قاطع طريق أو خارج عن القانون أن يستبيح من دمائه وأمواله وحرماته ما يستبيح تَبَعًا لنفوذه لا سيما إن اقترن ذلك بفساد السلطة التنفيذية في جميع مستوياتها من قمة الهرم إلى قاعدته ، فلكلِّ مستوى ، كما يتندر بعض المعارضين السياسيين ، لكل مستوى تشريعي أو قضائي أو تنفيذي ثمنه فإذا كانت السلطة تقمع فالمجتمع يَدْفَعُ في المقابل ليشتري منها أفرادا أو قطاعات تُوَفِّرُ له الحماية أو تشاركه في الجناية ! سواء أكان قاطع طريق من النوع الصغير الذي يَتَوَاطَأُ مع صغار الأفراد في السلطة التنفيذية أم آخر من النوع الكبير الذي يتواطأ مع مستويات السلطة العليا ! ، ولكنه ثمنه في بورصة الفساد السياسي والإداري ، فإذا غاب توازن القوى آنف الذكر طغى طرف واستبد وإن في المشهد الاجتماعي ، تأمل ما تَقُولُ بعض النسويات العائدات ! في المجتمع الأمريكي ، وهو الآن مجتمع نسوي بامتياز مع تصاعد المثال الحداثي اللائكي في السنوات الأخيرة وهو ، كما تقدم في مواضع ، ما كان سببا رئيسا في وصول الإدارة الديمقراطية الحالية إلى الحكم ، فليست كسائر الإدارات الديمقراطية السابقة وإن كان الجميع ليبراليا فهي ليبرالية جدا أو نيوليبرالية لا سيما في الجوانب الفكرية والاجتماعية ! ، فتحكي تلك النسوية تجربة لها في القرية المحافظة التي يظهر فيها الرجال أخلاقا لا نوعا بيولوجيا ! ، فتشعر فيها المرأة بالأمان لمجرد وجود أولئك في الشوارع ، ولو لم يتدخلوا للدفاع عنها فوجودهم في نفسه يحول دون ظهور الرجال الأشرار الذين يفضلون الانسحاب ابتداء ، ولو من باب : (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) ! ، خلافا للمدينة الحداثية ، وهي تضرب المثل بمدينة سان فرانسيسكو إحدى مدن الغرب الأمريكي ذي الطابع الحداثي المتقدم ، فَفِيهَا يقل ظهور الرجال وإن كَثُرَا لذكور فتغيب أخلاق الشهامة والمروءة خلافا للمجتمعات الأقرب إلى البداوة والفطرة ، ولو ريفية ، فيغلب عليها الطابع المحافظ ، فلا يكون ذلك في المدينة الحداثية إذ يكثر الرجال الأشرار كما تحكي تلك النسوية التائبة ! ، وما كثروا إلا لغياب تَوَازُنِ الردع أَنْ غَابَ الرجال الصالحون من شوارع المدينة الحداثية أو غُيِّبُوا قسرا فلا يطيقون الإنكار أو التدخل في مثال شديدة الأثرة والأنانية تغلب عليه روح الفردية التي يشتغل فيها كلٌّ بشأنه الخاص فلا تجاوز دائرة اهتمامه ذاته فهي قطب رحى حياته التي يعيش لها وحدها ويوالي ويعادي لأجلها ، فَتَوَازُنُ الرَّدْعِ حتم لازم في أي مثال سياسي أو اجتماعي مستقر لئلا يطغى طرف على آخر ، مع ما تمارس السلطة التنفيذية من عنف متزايد ضد المجتمع لا سيما الأقليات العرقية في المثال الأمريكي ، فلم يَخْلُ الأمر في المقابل من إفراط وانفلات لغياب المثال الأخلاقي المحكِم الذي يأطر هذه القوة على جادَّةِ عدلٍ ، وهو ما يُفْضِي في المثال الأمريكي إلى تَزَايُدِ حوادث العنف بين السلطة والمجتمع ، من وجه ، وداخل المجتمع نفسه ، من وجه آخر ، لا أن القوة الخشنة في نَفْسِهَا مَعِيبَةٌ ، وإنما هي كأي أداة في الدنيا ، لا بد لها من إطار أخلاقي أو قانوني يُحْكِمُهَا لا أَنْ يَسْعَى طرف واحد في احتكار أسباب القوة الخشنة أو الناعمة جميعا ، فذلك يفضي ، في المقابل ، إلى خَلَلٍ حَادٍّ في معادلة القوى داخل المثال السياسي أو الاجتماعي وهو ما يُغْرِي الطرف القوي أن يمارس القمع والعنف ضد الآخر الأعزل دون رادع إذ نجح في احتكار الأدوات ، وَجَرَّدَ الآخر منها في معادلة تصارعية تتآكل فيها مساحة التشاركية التوافقية أو تضمحل بالكلية ! ، فمآل ذلك إذ لا حد أدنى من المعيار الأخلاقي ولا آخر من التشارك والتوافق ، ولا ثالث من قوة تقابل فتردع الصائل ، مآل ذلك بما جبلت عليه النفوس من البغي والطغيان لا سيما إن آنست في نفسها قوة وآنست في الآخر ضعفا ، مآل ذلك أن يلتهم القوي الضعيف في مثالٍ يخرج بِالْمُثُلِ السياسية والاجتماعية إلى مثال الغاب ، نظرية البيولوجيا السياسية مثالا تَقَدَّمَ في مواضع ، فالدول أو المجتمعات أو الشخوص الاعتبارية من مؤسسات وأجهزة أو الأجنحة المتصارعة داخل السلطة أو المجتمع أو العائلة أو حتى البيت الواحد ، تلك الشخوص ليست إلا أسماكا يأكل الكبير منها الصغيرَ دون إنكار فلا معيار في الأخلاق يجاوز حد الفعل البيولوجي الذي يمنح الكبير مشروعة التهام الصغير دون أن يشعر بتأنيب الضمير ، فذلك معيار حاكم في الحسن والقبح ، وإن شديدَ البدائية والهمجية ، ولكنه طبقا لهذه النظرية مثال حسن يمنح الطرف الأقوى المشروعية آنفة الذكر ، وهو ما يجعل الجميع يَتَسَابَقُ في احتكار الأسباب ، أسباب القوة الخشنة والناعمة ، لِيُؤَمِّنَ نفسه ضد أي صائل يتربص ، وهو ما يجعل المثال كله في حال من الشد والاضطراب فسوء الظن والتربص والتحسس والتوجس .... إلخ من المشاعر السالبة لأي طاقة إيجابية تعمر الأرض ، ولو على مثال دنيوي لا يجاوز معياره الأخلاقي عالم الشهادة ، فتلك هي المشاعر الغالبة في مثال كهذا وهو ما يفضي تلقائيا إلى تصاعد وتيرة العنف ، ولو على مكث ، في إطار ما اصطلح في مواضع سابقة أَنَّهُ الصراع مُنْخَفِضُ الحدة ، فهو صراع النقاط التي تستنزف الخصم قطرةً قطرةً لا الطعنة التي تفجر الدماء نهرًا ، فليس في هذا المثال : ضربة قاضية ، وإنما صراعُ نِقَاطٍ يَسْتَنْزِفُ المجتمعَ ، على مكث ، فلا تقطف الثمرة دفعة ، وإنما تُتْرَكُ على الشجرة حتى تَنْضُجَ وَتَسْقُطَ وحدها فلا حاجة تُعَجِّلُ بصاحبها أن يُبَادِرَ بالقطف ، بل قطفها قبل أوانها مما يُفْسِدُ فلا يَنْتَفِعُ بها ، وهو ، الشيء بالشيء يذكر ، مِمَّا قُدِّمَ من جملة تكتيكات في أكتوبر 73 أن يكون الصراع نقاطا إذ ثم قدر فارق كبير في القوة النارية إن جرى الأمر على مثال المواجهة المفتوحة واسعة النطاق ، لا سيما والخصم يجيد هذا النوع من الحروب الخاطفة التي يتحقق فيها النصر بالضربة الفنية القاضية التي لا تستغرق إلا ساعاتٍ أو أياما ، 5 يونيو 67 مثالا ، فتلك الحرب القياسية التي يجيدها الخصم نظرا لطبيعة المجتمع وظروف النشأة وتوازنات القوى ..... إلخ ، فلا يحتمل حربَ نِقَاطٍ تطول ، وإن كان أكثر قوة بالنظر في المعيار المادي وأحدث نظما وأسلحة ..... إلخ ، فالحكمة في هذه الحال جَرُّهُ إلى الصراع منخفض الحدة آنف الذكر ، وهو ما لم يكن بداهة لأمور أخرى يطول شرحها في مشهد عسكري وسياسي شديد التركيب والتعقيد ، ولكن التكتيك العسكري القياسي يقضي بذلك في هذا المثال إذ يُبَاشِرُ الخصمَ في نقاط ضعف مركزية ، طول المواجهة التي تستنزفه قطرةً قطرةً لا سيما وطاقاته النفسية والبشرية بل والمادية لا تحتمل ذلك ، وإنما النصر صبر ساعة قد تطول ، ولكن العاقبة أبدا لمن يصبر فهو لخصمه يَسْتَنْزِفُ شَيْئًا فَشَيْئًا مع تجنب الدخول في مواجهة مفتوحة مع فارق القوة النوعي مما يحول المثال ، ولو نسبيا ، من مثال المواجهة النظامية إلى مواجهة العصابات التي تنجح في تحقيق انتصارات تكتيكية صغيرة ولكنها متتالية تتراكم فيكون الصراع منخفض الحدة الذي تَتَرَاكَمُ نتائجه فَتُفْضِي إلى الانتصار طويل المدى بالنقاط ، مثال الحروب الأفغانية لا سيما الأخيرة فقد استغرقت الجولة هذه المرة 20 عاما من 2001_2021 ، فكان المجموع المتراكم من نجاحات تكتيكية صغيرة في صراعات منخفضة الحدة تُنَفِّذُهَا مجموعات صغيرة ذات قوة خفيفة أو متوسطة تَتَحَاشَى الاجتماع في أعداد كبيرة تجعلها هدفا نوعيا لقوة نارية مركزة ، فنضجت الثمرة على الشجرة عشرين عاما ! ، وذلك ، وهو محل شاهد تقدم ، ذلك في المقابل ما يصلح تكتيكا آخر ، ولكن في مثال آخر ! وهو الاحتراب الأهلي ، الذي تصنع السلطةُ مثالَه في أحيان ، الجزائر في تسعينيات القرن الماضي مثالا وإن كان أشد حدة من المثال القياسي ولكنه لم يخرج في الجملة عن استراتيجية الصراعات منخفضة الحدة التي يطول زمانها : عشر سنوات في المثال الجزائري اصطلح أنها العشرية السوداء ، وذلك ما استوجب إجراءات قياسية في أي مثال : القضاء على رءوس الإصلاح أو التهدئة وَإِنْ دَاخِلَ السلطة ، اغتيال قائد جهاز المخابرات رجل الظل القوي قاصدي مرباح في أغسطس 1993 بعد انطلاق الحرب الأهلية بعام واحد فقد كان يحتفظ بعلاقات معتبرة مع قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ وكان يرغب في التهدئة وَنَزْعِ فتيل الأزمة وهو ، بداهة ، ما يخالف آنذاك عن رغائب السلطة فكان اغتياله حتما لازما ، فكل كبير يمكن أن يقدم حلا يعالج الإشكال أو يخفف الاحتقان فلا بد من التخلص منه فورا ، وإن كان من دوائر الحكم السيادية ! ، مع تسعيرة دماء وَهَكَذَا اصْطُلِحَ كما يقول بعض المتابعين ، فالواحد منا بعشرة منكم ! ، والسلطة تبعث رسالة أن كلاب حراستنا كثيرةٌ فلا قيمة لها وهي ، كما يقول بعض أفراد السلطة في مصر مثالا حاليا ، هي كالنمل فمهما أبدته فَثَمَّ أجيال تَتَوَالَدُ ، فلا قيمة لها ومع ذلك فلا بد من تسعيرة تجعل لهذا العنصر عديم القيمة في نظر أصحابه فضلا عن خصومه ، تجعل له قيمة تساوي عشرة يتم اختيارهم بعناية ليكونوا من خيار رجالات الخصم بل ورءوسه في أحيان ، وهو ما يزيد النار اضطراما ولو في إطار ما تقدم من نظرية الصراع منخفض الحدة فلا بد من حطب يُغَذِّيهِ ، ولو أعوادًا دقيقة ، وكلما حاول بَعْضٌ إطفاءَه بَادَرَ آخر أَنْ يَتَخَلَّصَ منه ويزيد النار اضطراما بأعواد تتلاحق لئلا تنطفئ ، ومع ذهاب رءوس الناس في هذا الطرف أو ذاك وغياب أي صوت يعقل بالتخلص منه أو إسكاته كَرْهًا فهو يخشى أن يَنْطِقَ لئلا تطير رأسه ، فيصير المجتمع في حال سيولة شديدة فلا رءوس يرجع الناس إليها ، فضلا عما يتراكم في الصدور من الأحقاد فَثَمَّ ثأر متبادل ، وليس ثم في المشهد عاقل ، فيزيد الاحتقان شيئا فشيئا لا سيما والطرف الأقوى الذي يحتكر أسباب القوة لا تَنْفَكُّ تصيبه كالعادة حَالٌ من الطغيان ، مع سكرةٍ تُغَيِّبُ الفكرة ، فيكون الإفراط في العنف ، وإن بِقَدَرٍ مقدورٍ ! ، وهو ما يزيد الاحتقان وَيُعَجِّلُ بإشعال الصراع آنف الذكر ، الصراع منخفض الحدة الذي تذكيه الدماء ، فالمجتمع يَنْتَظِرُ فُرْجَةً لِيَثْأَرَ من سلطة قَتَلَتْ رءوسه التي يرجع إليها في نوازله ، ولهم في أي مثال مكانة أدبية ورمزية أخلاقية ، فلا مجتمع يستقر بلا رءوس تعقل ، فـ :

    لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم ******* وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا .

    والسراة هم السادة ورءوس الناس .

    فإذا حصلت الفرجة إذ السلطة لا بد أن تَتَرَهَّلَ يوما ، رغما عنها أو بإرادتها في أحيان ! فتنسحب من المشهد شيئا فشيئا لِتَتَّسِعَ مساحات الصراع الاجتماعي البيني فضلا عن آخر مع السلطة وهو ، بداهة ، ما يطول فلا يُحْسَمُ في جولة فهو صراع ذو جبهة واسعة تَتَعَدَّدُ مستوياتها ونقاط المواجهة فيها ، وهو ما يصنع المثال آنف الذكر : مثال الاحتراب الأهلي منخفضِ الحدة الذي يستنزف الجميع : سلطةً ومجتمعًا ، فَيُفْنِي بعضهم بعضا بلا كلفة ، وتأويله في المثال الرسالي قول النبي العربي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "إِنَّهُ قِيلَ لِي: إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَلَا مَرَدَّ لَهُ، وَإِنِّي لَنْ أُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِكَ جُوعًا فَيُهْلِكَهُمْ فِيهِ، وَلَنْ أَجْمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يُفْنِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي، فَلَنْ يُرْفَعَ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" .

    فيكون نضج الثمرة شيئا فشيئا لا سيما ودائرة الصراع تَتَّسِعُ ، أو تُنْقَلُ بحساب دقيق من مساحة جغرافية إلى أخرى لا سيما إن كان المشروع مشروعَ تَقْسِيمٍ طويلَ المدى ، فَثَمَّ بُؤَرٌ مرشحة أكثر من غيرها ، لا سيما الأطراف التي تَتَّسِمُ في هذا المثال بالرخاوة فضلا عن امتيازها بخصائص تخالف عن خصائص المركز فهي أقل ولاء لا سيما وقد لقيت إهمالا وإقصاء ، فثم من بذور الاحتقان ما بَطُنَ فهو يَنْتَظِرُ فُرْجَةً لِيَظْهَرَ ، وتلك مبادئ مبكرة من المثال آنف الذكر ، الصراع منخفضِ الحدة ، الذي يبدأ في الصدور قبل أن يَنْتَقِلَ إلى الخارج ، فما حركات الجوارح إلا حكايةٌ تُصَدِّقُ ما يحصل في القلب من المشاعر والإرادات ، فيكون الاستنزاف الذي تَتَعَدَّدُ نقاطه وهو يزحف شيئا فشيئا من الأطراف إلى المركز ، مع حساب دقيق من صاحب التخطيط لئلا يخرج المثال عن الحد المسموح ، فينقلب إلى صراع مفتوح تكون المواجهة فيه حادة تهدد بانفجار المشهد دفعةً ، فذلك ما لا يريده المخطِّط ، وإنما يروم ، كما تقدم ، حسم الصراع بالنقاط على مدى يطول ، وذلك ما يفسر ، والشيء بالشيء يذكر ، طرفا مما يجري في مصر الآن فيمكن تَأَوُّلُهُ في مشاهد ذات دلالات مفتاحية تجاوز حد المتبادر من الإجرام المباشر ، فليس مرادا لذاته ، حملات القتل الأخيرة باسم القضاء الشامخ في نهار رمضان مثالا ! ، والتي طالت جمعا من أفاضل الخلق ، ولا نُزَكِّيهِم على الرب جل وعلا ، وهم رءوس في محيطهم الاجتماعي لمن خالطهم أو علم من أحوالهم طَرَفًا ، فلا بد من غيابِ أولئك ابتداء وَقَتْلُهُمْ بهذا الإخراج الدرامي المستفز ! مِمَّا يُشْعِلُ في الصدور روحَ الانتقام وهو مما يذكي نار الصراع ، وإن على مكثٍ ، مع أطراف في حَالِ شَدٍّ ، سواء أكان مواجهة خشنة ، سيناء مثالا ، أم احتقانا اجتماعيا ذا أبعاد عرقية ، النوبة مثالا ، وفي كلٍّ ثَمَّ هوية جزئية تَتَشَكَّلُ خارجَ الهوية الأوسع ، ولو وطنيةً حداثية فضلا عن الرسالية السماوية الأوسع ، فمثال السيولة واللامركزية الذي يغلب الآن على العالم في إطار التحول إلى نسخة جديدة من نظام دولي جديد يروم التخلص من المثل السياسية والاجتماعية القديمة ، ولو وطنيةً على المثال الحداثي التقدمي ، فهي الآن رجعية متخلفة ! ، ومع هذا المشهد الاجتماعي يمكن استحضار آخر يؤثر في الجغرافيا على الأرض ، مثال الجفاف المائي مع ما يُؤَطَّرُ الآن مما اصطلح أنه مثال الرقابة الاستراتيجية لضمان التحكم في القرار السيادي فَثَمَنُهُ جرعة الماء التي تُبْقِي العطشان على قيد الحياة لا أكثر ، فذلك مما يُفَتِّتُ الأرض بعد تجفيفها في رمزية لا تخلو من دلالة ، فالمجتمع يَتَفَكَّكُ والأرض تجف وَتَتَفَتَّتُ ، وذلك مما يجعل التقسيم حاضرا في الحس والمعنى جميعا ! ، ولذلك تفاصيل فنية وإجرائية لا تخلو من أبعاد سياسية جعلت ثمن السلطة في مصر يساوي شريان حياتها ، وهو ، كما يذكر بعض الباحثين ، مما يفسر رفض النظام في مصر أن يَنْسَحِبَ من الاتفاقية المؤطِّرَةِ لهذا المشهد وهي الوثيقة الوحيدة التي تمنح هذه الجناية التاريخية مشروعية قانونية ، فالأمر يجاوز حد الكبر والاستنكاف أن يُقِرَّ مخطئٌ بخطئِه فَهُوَ يُلْقِيهِ على غيره ، فَثَمَّ معنى أدق ، وهو أن الجهة الراعية لهذا المشروع أكبر من الخصم المباشر على الأرض في الهضبة الحبشية فلو كان هو الخصم الحقيقي إذن لَهَانَ الخطب وإنما ثم جهات دولية راعية وممولِّة هي نفسها ! من يَرْعَى النظام الوظيفي في مصر ويموله ، فَثَمَّ جهات دولية راعية هي من منح النظام في مصر مشروعية الحكم ، ولو كَرْهًا ، وَأَمَدَّهُ بأسباب بَقَاءٍ من خارج ، كأي مثال وظيفي تابع ، فانقطاع السبب الخارجي يُفْضِي إلى سقوط النظام الوظيفي دفعةً أو على مكث ، فصارت المقايضة بين بقاء النظام وبقاء الحياة ! ، وبقاء النظام بداهة أولى ، وتلك دعاية لا تَنْفَكُّ تَتَكَرَّرُ في كل جيل ! ، تأمل ما قال الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل ، كاهن المثال السياسي في زمانه ! ، فكان من سياق تبريراته لمشهد 5 يونيو ، أن المفقود حباتُ رملٍ في صحراء جرداء ، فهل يعدل ذلك عند العقلاء ! ، رحيل الزعيم وانهيار النظام ، فالأرض تُسْتَرَدُّ ولو بَعْدَ حينٍ فهي مما يأتي ويذهب ، ولكن الزعيم خالدٌ لا يَفْنَى فإذا ذهب فمن للأمة بعده ؟! ، وذلك ما استخدمته القيادة في دمشق فقد نجح العدو في الاستيلاء على هضبة الجولان ولكنه فشل في إسقاط حزب البعث الحاكم ! ، فهو المعيار الحاكم ، وبقاء النظام هو أعظم المكاسب ! ، وذلك ما يُسْتَنْسَخُ الآن ، وإن على خجلٍ لايطيق أن يُصَرِّحَ فالفضيحة أكبر ! ، فما المانع أن يدفع الجيل كله ومن جاء بعده ثمن بقاء النظام ؟! ، بل هو في أحيان يجاوز إذ يُحَمِّلُ المجتمعَ ما صَنَعَ أو يمكر مكرا آخر يلطف ، كما يشير بعض الفضلاء ، فهو يطلب الاصطفاف خلفه في معركة المفاوضات ، فإذا فشلت فقد سُجِّلَ الفشل باسم الجميع لا باسمه ! ، والقياس أن يُقَالَ : إن من وَقَّعَ وحده على الوثيقة هو من يخوض وحده معركة المفاوضات التي يُرَادُ منها فقط حفظُ ماءِ وجهه لئلا يُفْتَضَحَ ، وذلك فَخٌّ وقعت فيه أطياف المعارضة أو قد تَقَصَّدَتْ ذلك في سياق اتفاقٍ غير معلن بوصفها جزءا من النظام وإن حملت عنوان المعارضة ، فهي ، كما تقدم في مواضع ، جزء أصيل من النظام ، فَثَمَّ صوت يُفْسَحُ له الآن على منابر الإعلام أن تلك معركة الأمة التي تستوجب نسيان الخلافات ، وكأنها خلافات شخصية في زواج أو طلاق ! ، وهو ما يجعل الجميع يمنح النظام شرعية التفاوض ، فَتُقِرُّ الأطراف ضمنيا بمشروعية سياسية أعم ومشروعية إجرائية أخص في التوقيع على الوثيقة محل النزاع ، فالجميع خلف النظام ، ولو كرها ، والجميع يد واحدة في معركة التفاوض الخاسرة سَلَفًا ! إذ لا تبدأ البداية المنطقية بالانسحاب الرسمي من الاتفاقية ، بل ثم دفاع معلن عن الاتفاقية ، تأمل تصريح وزير الخارجية المصري الحالي أن مصر لا تنسحب من اتفاقيات أَبْرَمَتْهَا بإرادتها الحرة ! فهو يقدم التبرير القانوني للخصم أَنْ ليس ثَمَّ أي إلجاء أو عيب في الإرادة يجعل الاتفاقية باطلة طبقا لمعايير القانون الدولي ، كما يحكي بعض الفضلاء من المختصين وثم وزير ري سابق ، في مشهد آخر ، يُعَلِّلُ أن تلك هي الاتفاقية الوحيدة بين الدول المعنية فأين الاتفاقيات التي نصت على الحقوق المائية التاريخية لا الاتفاقية الحالية التي جعلت ذلك تحت عنوان فضفاض : حصص معقولة تضمن الاقتسام العادل للموارد المائية ! دون نص على رقم أو نسبة أو أي شيء إلا حسن النوايا الذي لا يكاد يخلو بَنْدٌ من الاتفاقية منه ! وكأنها جلسةُ صُلْحٍ عرفية لحل شجار بين الجيران ! ، فذلك ، كما تقدم ، يستلزم الانسحاب أولا من الاتفاقية لا الدفاع عنها ، فهو دفاع عن المصالح السيادية للجهات الدولية الراعية ، أو هو مما يستوجب رحيل النظام فقد أصبح هو والاتفاقية على حد سواء ! فإما أن يَرْحَلَا جميعا أو يَثُبُتَا جميعا وهو ما يروم النظام بداهةً ، وإنما يستعير الاصطفاف الوطني في مشهد التفاوض لِيُضْفِي المشروعية مُقَدَّمًا على فشله في معركة التفاوض فلا يقال آنذاك إِنَّهُ قد خسر وحده كما خسر في جولة التوقيع وحده ، وإنما خسر الجميع فَتَوَزَّعَتِ الخسارة على جميع الأطراف لئلا يتحملها وحده والمعارضة كالعادة ، كما يتندر بعض الفضلاء ، شريك في الجناية ! .

    وهو ، من وجه آخر ، مما يفسر مشهد التهدئة ، ولو صورية ، فكان ثم قَبْلَ حملة القتل الأخيرة ، كان ثم أجواء تهدئة غير معتادة فُسِّرَتْ آنذاك أنها بداية انفراجة ولو محدودةً لتخفيف حدة الانتقاد الحقوقي في الخارج ، وربما كانت ، والله أعلم ، طبقا لهذا التأويل ، ربما كانت فَخًّا تَقَعُ فيه المعارضة كالعادة أو هي تَتَقَصَّدُ ذلك ، والحكمة ألا يشارك أحد في تحملِّ مسئولية جناية اقترفها غيره فكيف بخصمه أو من يُفْتَرَضُ أنه خصمه ، ولو في إطار القسمة السياسية بين سلطة ومعارضة لا سيما والراعي الأمريكي الأكبر يميل ، ولو في الجملة ، إلى مالك السد الحقيقي ! فلا يبدي ، كما تقول بعض التقارير ، حماسا في دعم الجانب المصري والسوداني وهو ما يجعل الأمر ، كما تقدم ، صورة تفاوضٍ يضيع الوقت ويجمل صورة الخصم لا أكثر ، ومن ثم كان الانقلاب المفاجئ على المصالحة ! ، وهو ما فَسَّرَهُ بعض أنه أثر مباشر لزيارة داعمٍ إقليمي من الخليج ، لا يروم أي استقرار في مصر إذ ذلك مما يخالف عن مصالحه المباشرة في مصر أو مصالحه المجاوزة في بقية الإقليم ، وربما وعد المجموع الوظيفي الحاكم في مصر بحزم مساعدات لا سيما وهو يمر بأزمة تمويل كبيرة ، مع تَعَهُّدٍ ، ولو من باب التخدير ، بِتَوَسُّطٍ في أزمة الاتفاقية المائية مع أنه طرف أصيل فيها ولو باستثمارات مباشرة في تمويل المشروع أو في محيطه الزِّرَاعِيِّ ! ، فكان الشرط طبقا لهذا التحليل هو قطع أي طريقٍ يُهَادِنُ فضلا أن يصالح الخصم السياسي الذي يعتبره ذلك الداعم الخليجي خطرا وجوديا ، فضلا عن قطع طريقِ تَقَارُبٍ آخر مع تركيا ، وهو ، كما يقول بعض المتابعين ، مما تُؤُوِّلَ مباشرةً في خطاب إعلامٍ في مصر عاود الهجوم على تركيا ، ولو من طرف خفي في سياق إدانة مذابح الأرمن جريا على إدانة الرئيس جو بايدن في إطار تحرشه الناعم حتى الآن ! بالقيادة التركية الحالية تمهيدا لإسقاطها سياسيا في جولة 2023 القادمة ، فكانت دماء أولئك الأفاضل دليلا يصدق فالداعم الخارجي لا يريد وعودا وإنما يريد إجراءات حاسمة تواطئ ، من وجه آخر كما يقول بعض الأفاضل ، رغبةَ أجنحةٍ في النظام ، أجنحة الصقور التي لا تريد أي مصالحة أو تهدئة ولو حدا أدنى .

    وذلك مما يجب النظر فيه بمعيار أوسع ، تأمل ، والشيء بالشيء يذكر ، ما يتداول الآن من رغبة النظام في مقاصة ديونه الداخلية 4,3 تريليون جنيه مصري بأخرى خارجية فتباع الديون الداخلية لجهات دولية وترهن بأصول ثابتة هي أصول البلاد ! وهو ما يعني لزوما بيع هذه الأصول لأولئك الملاك الجدد الذين اشتروا الدين الداخلي ، فتصير الأرضُ قسمةً بينهم إذا عجز النظام عن الدفع وهو لا بد عاجز إذ ليس ثم إنتاج يعدل الدين الذي يستغرق الآن 90% من الموازنة العامة أو يزيد ، فَتُسْتَكْمَلُ حدودها الدنيا في بند الخدمات والنفقات الضرورية بالاقتراض المتراكم ذي الفائدة المتراكبة مع إعلان أخير لم يعد مَثَارَ استفزاز كما كان قَبْلًا ! عن صفقة أسلحة جديدة مع الجانب الفرنسي الصديق ! فهو ما يُنْعِشُ اقتصاد الحليف كالعادة : ثلاثين طائرة جديدة من طراز رافال هدية للأصدقاء في باريس ! ، فلا يزداد الوضع إلا سوءا وإن كان ثم تأجيل مؤقت لا أكثر فذلك ما يصنع الاقتراض من الداخل أو من الخارج على تفصيل فَنِيٍّ يدركه أهل الشأن الاقتصادي ، فذلك ، أيضا ، مما يزيد من حدة الاحتقان بما تصنع الأزمة الاقتصادية ، سعيا في المثال آنف الذكر : الصراع الأهلي منخفض الحدة الذي يُنْضِجُ الثمرة على مكثٍ ، وهو ، لو تدبر الناظر ، المثال الذي يلائم دولة مركزية كمصر يؤثر انفجارها المباشر في موازين القوى الرئيسة في هذه المنطقة الحساسة من العالم ، فلا يكون الانفجار دفعةً ، وإنما يكون على أقساط ، ويكون التقسيم على الأرض مع تَرَهُّلِ السلطة المركزية وانسحابها من المشهد شيئا فشيئا وانحيازها إلى قرى محصنة تحتمي خلف جدرها من أي اضطرابات على الأرض ، فَلْتَدَعِ المجتمعَ يتآكل من داخله على مكث ، ويكون التقسيم حقيقة على الأرض وإن لم يكن رسميا على الخرائط ، لا سيما إن أوصلت السلطة المجتمع أن يطلب ذلك بنفسه فِرَارًا من قمعها المباشر ، فهو يفرح بانهيارها أو ضَعْفِهَا لِيَجِدَ فسحةَ حريةٍ فيكون احتفاؤه بها ولو أفضت بعد ذلك إلى فوضى فذلك خير من القمع ! ، وإذا كان ثَمَّ من يؤيد السلطة إذ تعطيه حقه أو ما يَتَوَهَّمُ أنه حقه فذلك فساد آخر في التصور : تصور الحقوق والواجبات التي لا تستقيم إلا على مبدإ التشاركية والتوافقية شورى جامعة في المثال الرسالي محلِّ الاقتداء في الشرق بما له من إرث متراكم من حضارة الوحي ، فإذا كان ثَمَّ من يؤيد السلطة على هذه القاعدة فلا يَلُومَنَّ في المقابل من لا يُؤَيِّدُهَا إذ لا تعطيه حقه ، فذلك قياس العدل ، فعلام الإنكار على المخالف في خلاف بدهي سائغ ؟! .

    وهو ، لا تماهيا مع الرأي آنف الذكر الذي يُفْضِي إلى حال سيولة عامة تبلغ في أحيان حدَّ الفوضى ، لا تماهيا معه التماهي الكلي وإنما نظرا واقعيا ، هو ما يَعْنِي كلَّ أحدٍ من نفسه ، فمع تراجع المسئولية الاجتماعية وانكفاء كلٍّ على ذاته في مُثُلِ الاستبداد المركزي الخشنة ، فلا أَحَدَ يُعْنَى إلا بشأنه الخاص أن يعيش في حرية وأمان ، ولو نسبيا ، فليس ثم حد أدنى من الولاء لسلطة تقمعه ، فهو يَتَمَنَّى زوالها من المشهد عاجلا وإن لم يجاوز بِنَظَرِهِ ما بعدها ، فمن يتألم ألما شديدا فهو يَتَمَنَّى زواله ويباشر أسباب علاجه دون نظر فيما بعده فما يعنيه حالا هو زوال الألم ، وذلك من شؤم الاستبداد المركزي الذي يضيق النظر ويحجم الرؤية فلا تجاوز اللحظة .

    والهوية الأصلية في مشهد يثير السخرية في المثل الوظيفية التابعة في الأطراف ، الهوية الأصلية في هذه المثل لا تظهر إلا إذا انهارت السلطة المركزية التي انحصرت وظيفتها الرئيسة أن تقمع هذه الهوية الأصيلة ! ، فإذا انهارت ، ولو باحتراب أهلي واسع النطاق ، بلاد الشام مثالا يؤلم ، فإن الهوية الأصيلة تظهر لا سيما في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام ، ولو مناطق لجوء تَتَفَاقَمُ فيها الأزمة الإنسانية التي تبلغ حد المأساة ومن رحمها تولد الهوية الأصلية فَتُوضَعُ ولو كَرْهًا فلا ولادةَ بلا ألم ، ولو حدا أدنى في الولادة القيصرية فضلا عن نظيرتها الطبيعية ، فيستدعي أيُّ مجتمعٍ حال النازلة العامة ، يستدعي مخزونه الحضاري الحقيقي الذي يُفْرِزُ تلقائيا هويته الأصلية بعد زوال المؤثر الخارجي الذي يمثله النظام الوظيفي التابع ، وتلك سنة جارية في كل أمة ، لا سيما أمة الرسالة في الشرق فمخزونها الحضاري أكبر ، وهي ، كما يقول بعض الفضلاء ، مما يَنْتَعِشُ في الحرية ، ولو فرجةً ، وتلك خاصة الرسالة التي تملك أسباب القوة الذاتية فلا تفتقر إلى أسباب من خارج ، بل إنها في أضيق الأحوال لا تنفك تحظى بأعلى نِسَبِ الانتشارِ مع قِيَامِ الموانع من النظم الحداثية اللادينية الناعمة أو ضد الدينية الخشنة وحملات التنفير ...... إلخ ، ففي الحرية ، ولو نسبيةً ، تأويل للآي آنف الذكر : (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) ، فمجيء الحق في نفسه يؤذن بزهوق الباطل بِنَفْسِهِ ! دون حاجة إلى مواجهة فلم يكن ثم في العطف فاصل من قبيل : وقل جاء الحق فَحَشَدَ قوته وحشد الباطل قوته في المقابل واصطرعَا فَغَلَبَ الحق وزهق الباطل ، وإنما اختصر الباطل الأمر ونظر في الأمر نظرة واقعية ! فإذا منح الحقُّ حريةَ حركةٍ ، ولو نسبيةً ، زهق الباطل وحده ! .


    والشاهد أن الرأسمالية النيوليبرالية لا بد أن تفرز ما تَقَدَّمَ من المآسي الإنسانية إذ خاصة الأثرة فيها أصيلة ، ومركزية المال فيها تقضي باحتكار أسبابه ، فَيُفْضِي ذلك لزوما إلى نخبة مركزية تَسْتَأْثِرُ بأسباب القوة والثروة ، وتملك الفكرة التي تَتَحَوَّلُ إلى سلعة ، وَلَوْ غَيْرَ محسوسةٍ في الخارج ، فمجالها العقول والنفوس التي تتداولها قبولا أو ردا ، إيمانا أو كفرا ، مع ما يكون من زخرفِ قولٍ بَعْضُهُ حَقٌّ وآخر باطل ، فالحق ، كما الباطل ، لا بد له من ثَوْبٍ يُلَائِمُ ، فكان من حَدِّ البلاغة أنها مراعاة حال المخاطَب ، فهي عامل رئيس في اختيار الألفاظ والعبارات وبه البلاغة تتفاوت لا اضطرابا في معيارها ، وإنما خطابا يلائم كلَّ مخاطب فلا تستوي العقول في دَرَكِ العلوم والمسائل ولا تحتمل النفوس جميعا الحقائق ذاتها ، وإن كانت ثابتة في نفس الأمر ، فَوَجَبَتِ الحكمة في الطرح ، أَنْ يَتَوَسَّلَ المتكلم بعبارة تلائم المخاطَب فقد يكون بسيطا فَيَرْضَى بالعبارة البسيطة ، وتلك هي الجادة والطريقة التي لا تروم التكلف في حكاية الحقائق بلا قِيمَةٍ تُضَافُ في العلم والفهم ، وقد يكون ذا فهم مُرَكَّبٍ لا يَقْبَلُ الحقيقة ، كما يقول بعض الباحثين ، إلا من طريق وعرة فلا يروم تسويته بالعامة ! فهو من كبار النظار فكيف يُسَلِّمُ بِمَا يُسَلِّمُ به البسطاء من الخلق وإن كانوا أعلى منه درجة في الإيمان إذ رجعوا إلى أصول الفطرة الأولى في الاعتقاد والفقه ، فما يعنيهم هو بلوغ الحق في نفس الأمر ولهم من بساطة النفوس ما يجعلهم يسارعون إلى قبول الحق ، فعندهم من التجرد ما ليس عند كثير من النظار وأربابِ الحكمة الذين يَرُومُونَ أبدا الامتياز من الخلق أنهم نخبة النظر والفكر ! ، ومنهم من لا يُرَاِئي ولا يَتَكَلَّفُ وإنما اعتاد الاستدلال المركب فلا يكون خطابهم ليفقهوا كخطاب عموم الخلق ، فلكلٍّ ، كما تقدم ، عبارة تلائم ، وتلك حكمة البيان أن يخاطب كل بما يفقه فتوضع الألفاظ في مواضعها التي تَنْفَعُ ، وذلك ما يستخدمه الْبَرُّ في الدعوة إلى الحق ، والفاجر في تَزْيِينِ الباطل ! ، وبهما تأول أهل الشأن قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا" ، فَحَمَلَ بَعْضٌ على معنى يحمد وهو ما يكون من حسن البيان والعرض فالحق لا بد له من آلة دعاية تُفْصِحُ في أحيان ما لا تُفْصِحُ السيوف ، وإن كانت الأخيرة أصدق إِنْبَاءً في خبرها ، كما قال أبو تمام مَادِحًا المعتصم ، والفكرة في أحيان تَصْنَعُ ما لا تَصْنَعُ القوة ، فهي ، في مواضع ، تجدي ما لا يجدي السيف ، فيكون بيانها في النفوس أمضى من السيوف ، وقد قال الملك الناصر صلاح الدين يوسف يوما وهو يمدح قاضيه الفاضل عبد الرحيم البيساني وكان من أفصح أهل زمانه وقد ولي أمر الكتابة ، فـ : "لا تظنّوا أني ملكت البلاد بسيوفكم بل بقلم القاضي الفاضل" ، فحصل من بَيَانِهِ ما لم يحصل من سيوف كثيرة ، وإن كان الأمر ، كما تقدم مرارا ، كتابا هاديا وسيفا ناصرا ، فلو لم يَحُطِ السيفُ كتابَ الفاضل بِعِنَايَتِهِ ما أحدث أَثَرَهُ ، ولو كان سيف صلاح الدين بلا كتاب الفاضل ما رَشَدَ وَأَنْجَزَ ، فلا بد من رأي أول وبعده الشجاعة تالية في الموضع ، فذلك بَيَانٌ يُحْمَدُ ، وثم آخر يُذَمُّ ، فذلك السحر المحرم الذي يُخَيِّلُ الحقَّ باطلا والباطل حقا ، وذلك الزخرف المذموم في محكم الآي المتواتر : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) ، فكان من احتكار أولئك آلة الدعاية ما صنعوا به الفكرة ، وهي ، كما تقدم مرارا ، معيار الحسن والقبح فمن احتكر مصادرها فَقَدْ صَارَ هو مصدر التشريع إذ وحده من يميز الحسن من القبيح بما مَلَكَ من معيار الوصف والحكم أو غَصَبَ ، أيا كان أمره ، فاحتمل السحرُ في الخبر آنف الذكر : السحرَ المحمود تارة ، فَمَا حَقٌّ يَرُوجُ إلا وثم مِنْ بَيَانِهِ ما يَحْسُنُ فهو يصنع للفكرة أنصارا ، ويقهر لها خصوما أو يحيِّدهم وَيُقَلِّلُ شَرَّهُمْ ، ولو تَقِيَّةً تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا من باب : "إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ" ، فتلك الفكرة التي تصنع في الخارج ما لا تصنع السيوف ، وهي سلعة العقول التي تُؤَثِّرُ في أصحابها ما لا تُؤَثِّرُ سلعة الجسوم ، فكان من فعل الرأسمالية أَنِ احتكرت الفكرة وهي سلعة العقل كما احتكرت سلعة الجسد بما تَبْتَكِرُ من فنون الرَّفَاهِ التي تجتذب طَالِبِي اللَّذَّةِ ، فَثَمَّ خطابُ دِعَايَةٍ يُزَخْرِفُ وَيَخْدَعُ فهو السحر الذي يُخَيِّلُ ما ليس بكائن ، فيجعل الحسن قبيحا ، والقبيح حسنا ، وتلك حكاية الأثرة والشح ، آنف الذكر ، خاصَّةِ النفسِ التي تهيجها الرأسمالية التي لا يستقيم أمرها إلا باحتكار القوي لأسباب السلطة والثروة وبها يستجيز سحق الضعيف في حكاية تخالف عن معيار الحضارة التي يَنْتَسِبُ إِلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ ، ولو كان أشد الخلق همجية وبدائية ، فلا ينفك يكتسي لحاءً في الظاهر والمنطق يُرَائِي به وَيُسَمِّعُ ، وذلك ما تعظم به البلوى في أجناس من الخلق جُبِلُوا على أَخَسِّ الْخِلَاِل وإن حكى ظاهرهم حال العجز استقامة وأدبا ! ، فكم من ظالم باغ في نفسه لو حصلت له الأسباب لكان أظلم الخلق وإن كان أذلهم في الصورة والحقيقة ، وإنما تخفي هذه النفس الوضيعة من المعاني المرذولة ما لو حصل له أدنى مكنة لحصل في الخارج تأويله بلوى تعم الخلق جميعا ! ، فَيَتَأَوَّلُهُ من القوة إلى الفعل ، كما يقول أهل النظر ، فالمادة حاضرة وإنما لم تستوف بَعْدُ سَبَبَهَا فإذا اسْتَوْفَتْهُ كان الابتلاء العظيم بها في الدنيا والدين ، وتلك حال تحكي أَخَسَّ المثل الأربعة في قول صاحب الشرعة المحكمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ" ، ولا بد مع استيفاء الشرط من انتفاء المانع ، فثم من الموانع ما يحول دون ظهور هذه الأوصاف المذمومة ، ومنها مانع الاضطرار آنف الذكر ، العجز لا التقوى ، فَلَوْ قدرت لَفَجَرَتْ ، وثم آخر اختياري يُحْمَدُ ، فَثَمَّ من يحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظلم إِنْ قَدَرَ ما انْتَحَلَ من الديانة فحصل له منها كمال الرقابة الذاتية المجاوزة من خارج ، فهو يراقب الإله الحق ، جل وعلا ، كما أنه قد أخضع العقل لمرجع الوحي المجاوز من خارج ، فذلك معنى آخر يلطف في معيار الحسن والقبح بين الوحي والحداثة ، فإن خاصة الفقر الذاتي في الإنسان تحكي العجز والفجور ، آنف الذكر ، إن لم يكن ثم من الوحي عاصم يقمع هذه النَّوَازِعَ ، وبضدها تَسْتَبِينُ الأشياء ، إذ فَقْرُ المخلوقِ يحكي غنى الخالق ، جل وعلا ، فَفَقْرُ ذاتي في الأرض يدل على غِنًى ذَاتِيٍّ في السماء ، وذلك مرجع الحكومات العادلة التي تُؤْمَنُ فِي جميع أحوالها إذ تَنَزَّهَتْ عن العوارض والأغيار التي تحمل النفوس المحدَثة على الظلم والبغي وما يكون من شح وأثرة واحتكار لأسباب القوة والثروة ، فحصل بهذه المقابلة أو الطباق إيجابا كما يقول أهل البديع : فَثَمَّ فَقْرٌ وَغِنًى ، فذلك طباق الإيجاب بين المتقابلين في الوصف وبه حصل الثناء في حَدٍّ والذم في آخر ، وبه استبان القدر الفارق بين الأضداد إذ امتاز كلٌّ بالآخر ، فذلك حد أول به التصور يصح ، وثم ثان في باب المراقبة ، فمن رَاقَبَ الخالق ، جل وعلا ، وقد علم من اسمه ووصفه ما جاءت به النبوات وقد أبانت عن الكمالات المطلقة ، فمن كانت تلك حاله فهو بداهة صحيح النظر فضلا عن عِظَمِ الورعِ ، فهو يُرَاقِبُ الأعلى المجاوز من خارج ، مع ما اعتقد من كمال أسمائه وصفاته ، كمال السمع والبصر والعلم ...... إلخ ، وهو ، وذلك محل الشاهد في باب الحسن والقبح ، هو يخضع لهذا الأعلى المجاوز من خارج إذ ثم من مرجع حكومته ما سلم من أَغْيَارٍ وَعَوَارِضَ لا تسلم منها الحكومات الأرضية المحدَثة ، فالمراقبة ، من هذا الوجه ، تجاوز الأعمال حال التكليف إحسانا حَدَّهُ جبريل عليه السلام : "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" ، فتجاوز الأعمال حال التكليف إلى الحكومات حال التشريع فَيَرْقُبُ العقلُ مرجعَ الوحي المجاوز من خارج فلا يغادر منه صغيرة ولا كبيرة ما استطاع ، فهو المعيار في الأعيان والأحوال حسنا وقبحا ، والأحكام إباحة وحظرا فذلك معنى مراقبة يجاوز الرقابة الأرضية ، وإن كانت الأخيرة حتما لازما مباشرة لأسباب التكليف في الدنيا ، وبها الاحتياط من الظلم في الحكومات الخاصة والعامة ، لا سيما الأخيرة إذ أَثَرُهَا أعظم فهي مما تعم بَرَكَتُهُ عدلا أو شؤمه ظلما ، كما المثل يُضْرَبُ في عدالة الجباية حال النهضة وَفُحْشِ مَغَارِمِهَا حال النكسة أو الانحدار الذي يُفْضِي إلى الانهيار والاضمحلال ، فالعدل في هذه الحكومة ، حكومة الجباية مثالا ، دليل نهضة وفتوة ، والظلم فيها دليل انحدار وقرب نهاية ، وهو ما ذكر صاحب المقدمة ، رحمه الله ، وعليه حَدَّ العالم الأمريكي آرثر لافر منحناه الذي حمل اسمه ، فإن فرضَ جبايةٍ تبلغ الصفر يُفْضِي إلى انعدام مداخيل الدولة ، فإذا زادت فإن المداخيل تزيد حتى تبلغ نسبة عظمى من التحصيل إذ كَثُرَتْ الأوعية ، أوعية الجباية وَقَلَّتْ نسبتها ، فكان المجموع كثيرا إذا ضمت الأجزاء الصغيرة إلى بعضها ، وإنما السيل اجتماع النقط ، والنقط الصغيرة لا تضر أصحاب الأموال فلا يخشون الاستعلان بها والاتجار إذ نسبة الجباية صغيرة لا تضر بأموالهم ولا تَلْتَهِمُ أرباحهم ، وذلك أمر يربطه صاحب المقدمة بأخلاق الدولة في المنشإ : خلق البداوة وما يكتنفه من الشهامة وَالتَّغَافُلِ والتعفف عن أكل الأموال أو انْتِهَاكِ الحرمات وذيوع العدل فلا دولة تقوم في المبدإ إلا على العدل ، وذلك مأخذ لطيف من صاحب المقدمة أن لم يَقْصُرِ الأمر على الجانب المادي البحت ، وإنما رَبَطَ ذلك بالجانب الأخلاقي وهو جانب معنوي لا تقيم له الحداثة المادية وزنا فلا يجاوز حسابها عَدَلَتْ أو ظَلَمَتْ لا يجاوِزُ حَدَّ الأرقام ، فهي مناط الحسن والقبح في أي معيار مادي ، فَأَرْقَامٌ أعلى تكافئ نجاحا أكبر ، وإن كان في هذه الأرقام أكلٌ لحقوقٍ واحتكار لأخرى ومنع لثالثة بما يواطئ النظرية الرأسمالية النيوليبرالية القياسية التي تقوم على نظرية الاحتكار : الجمع والمنع ، وهو ما يُرَاكِمُ أسباب القوة والثروة في يد النخبة التي تُشَكِّلُ النواة الصلبة لهذا المثال ، وهو ، بداهة ، مثال براجماتي شحيح لا يتحلى بأخلاق الكرم والمروءة إلا رياء في العمل الخيري ذي الطابع الدعائي الذي لا يسلم من المن والأذى ، ولا يخلو من مكاسب إذ يُجَمِّلُ الصورة وإن قَبُحَتْ وَيَسْتُرُ عوار الرأسمالية بما تُبَاشِرُ من أعمال خيرية تساعد ضحاياها ! فما كانت تلك الحالات إلا نِتَاجًا لاحتكار الرأسمالية فهي من يصنع الأزمة ثم يَتَصَدَّقُ بفتاتٍ ليعالج منها أعراضا طفيفة مع ما تقدم من المن والأذى والرياء والسمعة ، وما يكتنف هذا العمل الإغاثي من أبعاد أيديولوجية وسياسية موجهة تضمن للمركز مزيد ولاء وسيطرة ، فهي حلقة مفرغة لا تملك الأطراف الخروج عنها إلا أن تكسرها ، وذلك كسر لقواعد النظام الدولي المحكمة ! .
    وعلى جانب آخر لا يخلو من اعتبار ، يربط صاحب المقدمة ما يكون أواخر الدول من جباية تكثر فتكون نسبتها عالية ، وهو ما يُفْضِي إلى صفر لا يخلو من اعتبار ، يَرْبِطُ صاحب المقدمة ما يكون أواخر الدول من جباية تكثر فتكون نسبتها عالية وهو ما يفضي إلى صفر مداخيل ، كما المبدأ ، وهو ما ذكر آرثر لافر في منحناه الذي يبدأ من الصفر ثم يبلغ القمة العليا في أعصار الازدهار وقانونها الجامع أبدا : نسبة جباية صغيرة مع كثرة المموِّلِينَ ، فَمَا جدوى أن تَرْفَع الضرائب فَتَبْلُغَ نسبةً عالية ولا أوعية منها تُجْبَى فكلٌّ قد أحجم أن يستعلن بماله أو يتجر إذ السوق غير آمنة وبيئة الاستثمار غير ملائمة ، فلا يجد إلا أن يضعها في المصرف ، الاختراع الربوي القياسي الذي يَلْتَهِمُ ثروة المجتمع بسياسةِ إقراضٍ هي أقرب إلى الورطة المتعمدة التي تجعل المجتمع ، كما يقول بعض الباحثين ، يكد ويسعى لِيُثَمِّرَ رءوس الأموال الربوبية ويزيد فيها وهو ما يزيد من تَرَكُّزِ الثروة في فئة قليلة فيكون المال دولة بينها في مثال نخبوي شديد المركزية يضمن للنخبة السيطرة على المجتمع وتوظيفه كله لخدمة أموالها وتثميرها ، فإن من يقترض ليتجر أو يصنع سلعة ، فَثَمَّ هامش فائدة يلتهم جزءا من فائض القيمة الذي يسعى في تحصيله فهو ربحه الذي يستهدف ورأس المال الربوي يشاطره هذا الربح دون أن يجهد أو يخاطر فهو في كل حالٍ رَابِحٌ ، وذلك ما يجعل الصانع يُقَلِّصُ من نفقاته ليحقق هامش ربح ما استطاع فَعَيْنُهُ أبدا أن ثَمَّ قسطا من هذا الربح سوف يذهب إلى المقرِض الربوي ، فلا يتوسع في العمالة ولا يوفر فرص عمل بل يسعى في تقليل النفقات ما أمكن وهو ما يجعل إنفاقه ومشاركته في ضخ المال في المجتمع ، ما يجعل ذلك يَقِلُّ ، فتضيق دائرة الانتفاع بالمال إذ تقل القوة الشرائية لدى الأفراد فلا سيولة في أيديهم إذ كل يحاذر أن يَضُخَّ أموالا في سوقِ استثمارٍ كهذه ، فضلا أنه يدخر ما استطاع في الخامات ومعايير الجودة فيكون ذلك على حساب المستهلِك إذ يقدم مُنْتَجًا لا يطابق المواصفات بما ادخر في الخامات والجودة ، مع ما يكون من سِعْرٍ مرتفع يروم به المصنِّع تحقيق ربح زائد يُقَلِّلُ من خسائره إذ يُسْتَقْطَعُ قسطُ الربا تلقائيا ، وهو ما يرفع الأعباء على المستهلِك فَيُسْتَنْزَفُ المال الذي في جَيْبِهِ الذي يشتري به احتياجاته الضرورية ، وليته يذهب إلى السوق وَيُضَخُّ أخرى في دورة اقتصاد صحية ، بل يذهب المال إلى المصنِّع الذي يسلمه تلقائيا إلى رأس المال الربوي الذي ربح ولم يتحرك في السوق أي حركة وإنما تضخم من جيوب صغار المستهلكين الذين تحولوا إلى أدوات تمويل لهذا المال الساكن الذي لا يتحرك ، وهو ما يجعل المصنِّعَ آخر أمره يُصَفِّي نشاطَه في السوق لا سيما إن كان ثم رءوس أموال كبيرة تُنَافِسُ وتحتكر بما تحظى به من إعفاءات لا سيما إن كان رأس المال من النوع السلطوي الذي جَمَعَ إلى رأس المال سلطةَ الحكم والإنفاذ فلا يجشم نفسه بداهة أي عناء ، فمنتجه خارج المنافسة لا لجودةٍ أو قيمة مضافة تستحق ، وإنما لمعاييرِ تَنَافُسٍ غير عادلة تُفْضِي إلى خسائر كبيرة لرءوس الأموال المتوسطة والصغيرة ، وهي عمادُ أيِّ اقتصاد وهي في علم الاجتماع عماد أي مجتمع بما اصطلح في أدبيات الاجتماع الحديثة أنه الطبقة الوسطى ، فلها وصف اجتماعي وآخر اقتصادي ، وهي في كلتا الحالين عماد المجتمع ، ومعاييرُ صِحَّتِهِ أن تكون هذه الطبقة هي الطبقة العظمى الغالبة ، فهي تُفَضِّلُ في الحال السُّوقِيَّةِ آنفة الذكر إذ لا مَعَايِيرَ تَنَافُسٍ عادلة ، تُفَضِّلُ : التصفية والإغلاق والهروب من بِيئَةِ استثمار كهذه ، فإما أن تهرب إلى الخارج طلبا لأسواق ذات معايير أعدل ، وهو ما يؤدي إلى قلة في السيولة لا سيما العملات المعتبرة ، وهو ما اصطلح أنه النقد الأجنبي أو العملة الصعبة ، وذلك ما يُفْضِي إلى زيادة الطلب الذي يضغط على احتياطيات الدولة مع ازدهار السوق السوداء مما يُفْضِي إلى رَفْعِ أسعار الصرف أمام العملات الأجنبية فالطلب عليها يزيد إذ كلٌّ يَرُومُ الحفاظ على مدخراته فلا يأمن عليها وهي بِنَقْدٍ محلي مكشوف لولا ما تُنْعِمُ به الجهات الدولية من قروض ! ، توهم الناظر ، بادي الرأي ، احتياطيا نقديا كبيرا تَتَبَجَّحُ به الأنظمة الفاشلة إذ ليس حكايةَ ثَرْوَةٍ حقيقية فمثله كمثلِ من استعار ثوب جاره لِيَتَبَاهَى به أمام الخلق ، فَلَهُ حظ من الذم في قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ" ! .

    وليست تلك الديون إلا قيودا تُحْكِمُ السيطرة على القرار السيادي : السياسي والاقتصادي ، تأمل ، والشيء بالشيء يذكر كما يقول بعض الباحثين ، تأمل الإشكال المائي الحالي في مصر وله بُعْدٌ اقتصادي سياسي إذ الجهات الدولية المقرِضة لمصر هي من يمول مشروع قطع المياه عنها في هضبة الحبشة ! ، وقد نجحت في تأطير السلطة الوظيفية الحالية في مصر على سنن يواطئ مصالحها وإن خالف عن مصالح البلاد بل وَهَدَّدَ وجودها في الخارج ! ، فلا يَعْنِيهَا ذلك في شيء ، فكان الضغط بما تقدم من قروض فالتوقيع على وثيقةٍ تُضْفِي شَرْعِيَّةً سياسية على هذه الجناية ، ذلك التوقيع في مقابل القروض المتدفقة بشدة ، فإذا كان ثَمَّ تململٌ أو تَبَرُّمٌ ، ولو رياءً وسمعةً يستر الجناية من باب التشبع بما لم تعط من شجاعة وحرص على الحقوق ..... إلخ ، فإذا كان ذلك فالقرض جاهز ! فَسَوْفَ تطالب به الجهات المانحة دفعة فَتُفْلِسُ السلطة دفعةً ويكون انهيارها في لحظة ! ، فليس إلا أن تُمْضِيَ الأمر كما تروم الجهات المانحة التي نجحت في السيطرة على المقترِض إذ أغدقت عليه القروض ، ولكن بشروط ! ، منها السياسي ومنها الاقتصادي ومنها الأمني ...... إلخ كما يقول بعض من احترف هذه المهنة فاصطلح أنها الاغتيال الاقتصادي للأمم أو القرصنة التي يسطو بها المركز بجهاته المانحة على الأطراف .

    والشاهد أن رءوس الأموال في هذه البيئة الاستثمارية غير الآمنة ، وآيتها الرئيسة زيادة الجباية التي تُحْجِمُ بِهَا رءوس الأموال أَنْ تُضَارِبَ وَتَتَّجِرَ فتدور في السوق دورة الاقتصاد الصحية آنفة الذكر ويكون المال دولة بين الجميع لا بين الأغنياء وحدهم ، فزيادة الجباية تلجئ هذه الأموال أن تهاجر إلى الخارج وهو ما يزيد الطلب على النقد الأجنبي فلا أحد يهاجر بنقد محلي لا يساوي قيمة المداد والورق ! ، فيزيد الضغط وتكون أزمة الصرف ، وهو كما يذكر بعض الباحثين ، ما لم تسلم منه مُثُلٌ اقتصادية ناجحة فهي رأسمالية نيوليبرالية لا تَنْفَكُّ تحمل بذرة الفناء بما يكون من زيادة الضرائب ، تركيا مثالا وأمريكا من وَرَائِهَا مثالا أكبر ، وهو ما فَسَّرَ به بعض الباحثين ، طرفا من أزمة الصرف الحالية في تركيا ، فَثَمَّ زيادة في الجباية كأي نظام رأسمالي نيوليبرالي فتكون النتيجة آنفة الذكر : هجرة رءوس الأموال إلى بيئة ذات شروط أفضل فَتُهَاجِرُ بداهة بالعملة الصعبة فيزيد الضغط عليها وتكون أزمة الصرف وتوابعها في التضخم وزيادة الأسعار وضعف القوة الشرائية للنقد المحلي وكساد في حركة السوق يُفْضِي إلى زيادة معدلات البطالة إذ لا إنتاج ولا رغبة في الاستثمار فَعَلَامَ الاستكثار من العمال ؟! ..... إلخ ، وكذلك الشأن في أمريكا الآن ، وهو مثال أشد تعقيدا يجعل مسألة الضريبة آنفة الذكر ، مسألة قِيَمِيَّةً أكثرَ منها إجرائية ، فهو صراع أيديولوجيات بين اليمين واليسار ، ولكلٍّ منها سلبيات ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، اتجاه في الإدارة الديمقراطية الحالية يَرُومُ زيادة الضرائب على أساس تصاعدي يستهدف 35% على خلاف ومساومة تروم ، كما تقدم في مواضع ، خفضها إلى 21% ، وذلك ما قد يحقق عدالة ، من وجه ، إذ يخفف الأعباء على الشرائح الضريبية الأضعف ، الأفراد والموظفين ، لا سيما والنظام في نفسه غير عادل ، كما يُنَوِّهُ بعض الباحثين ، فإن معيار القوة وهو معيارُ حُسْنٍ وَقُبْحٍ حاكمٌ في المثال النيوليبرالي ، ذلك المعيار يجعل رءوس الأموال الأكبر تحظى بإعفاءات أكبر فهي الأقوى خلاف صغار المموِّلين فهم أفراد أو شركات صغيرة لا قوة لها تضغط بها على السلطة التي تضع التشريعات الضريبية ، فذلك وجه يحمد ، ولكنه ، من آخر ، يذم إذ زيادة الضريبة فوق الحد يُفْضِي إلى الظاهرة آنفة الذكر في مصر وتركيا : هجرة رءوس الأموال الكبيرة وهي عماد رئيس في الاقتصاد المحلي ، فتهاجر إلى بيئة استثمار أقل في الضرائب ، فَحُمِدَ للرئيس السابق دونالد ترامب ، من هذا الوجه ، أَنْ خَفَّضَ الضرائبَ من 35% إلى 15% ، وإن ذُمَّ من آخر ، فقد زَادَ من نفوذِ هذه الشركات الكبرى التي تحتكر الثروة وتضغط على السلطة أو هي شريك فيها أيضا ! ، فمثال الفساد واحد في الرأسمالية الليبرالية وإن على تَفَاوُتٍ تَبَعًا لقوة المؤسسات الرقابية ومعدلات الشفافية .... إلخ ، ولكن أصل الداء واحد ، وهو ، لو تدبر الناظر ، داء أخلاقي قبل أن يكون إجرائيا إذ يَنْزِعُ إلى أخلاقِ الشح والأثرة آنفة الذكر ، فضلا عن وضع القوة كمعيار حُسْنٍ وَقُبْحٍ يُؤَثِّرُ في تشريع الحكومات ، فتلك الشركات الكبرى تمتلك أدوات الضغط والقوة وهو ما جعلها تُؤَثِّرُ في المشرِّع الضريبي لِيَسُنَّ من القوانين ما يواطئ مصالحها وإن على حساب المجتمع ، فالرئيس السابق ترامب ينظر بِعِنَايَةٍ في موازين القوى ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الباحثين ، فَيُخَفِّضُ من نسبة الضرائب في حق الشركات وهي الطرف القوي في المعادلة ، يُخَفِّضُ منها 20% دفعة ! : من 35% إلى 15% فقط ، وأما الأفراد وهم يمثلون الطرف الضعيف فلا يحظون في أطروحة الرئيس ترامب إلا بنسبة تخفيض لا تجاوز 4% فقط ، من 39% إلى 34% إن لم تخن الذاكرة ، مع أنهم الأولى بالتخفيض الأكبر إذ هم الطرف الأضعف الذي يستحق الحماية والدعم في مثال ضريبي تصاعدي لا آخر تنازلي يضغط على القواعد الأضعف في الهرم الاجتماعي الذي تتحمل فيه القواعد القسطَ الأكبر من الأعباء الاقتصادية ، وذلك ، أيضا ، مثال يَتَكَرَّرُ في كل مثال رأسمالي نيوليبرالي من المركز إلى الأطراف على تفاوت في حجم هذه الأعباء تَبَعًا لما تَقَدَّمَ من الوفرة التي تُخَفِّفُ حدة الأعراض في المركز دون أن تعالج أَصْلَ العلة ، وفي مقابله تستهدف إدارة الرئيس بايدن عكسَ ذلك وهو أمر يُحْمَدُ في القواعد ولكنه ، من وجه آخر ، قد يُفْضِي ، كما تقدم ، إلى هجرة رءوس الأموال الكبيرة نظرا لزيادة الضريبة فتهاجر إلى بيئة استثمار أفضل ذات نسب في الضرائب أدنى ، وذلك يحكي ما تقدم من نظرية صاحب المقدمة إذ ذلك مئنة من شيخوخة الدولة وهرمها فلا تزيد الأعباء الضريبية هذه الزيادات الكبرى إلا وأخلاق الدولة قد فسدت ، كما يذكر صاحب المقدمة ، بما أصابها من الترف والتحذلق وحب التأنق والتبجح بآيات الملك والسطوة ..... إلخ من أخلاق الدول في خواتيمها ، وهو ما يستوجب زيادة في النفقة بما يُفْرَضُ من الضرائب ، فتكون النتيجة آنفة الذكر : هجرة رءوس الأموال إلى الخارج ، أو أخرى إلى الداخل ! ، إلى المصارف الربوية التي تحقق العوائد دون مخاطرة بالاتجار أو المضاربة في سوق استثمار غيرِ آمنة ، فينضم أصحابها إلى قائمة المرابين الذين يستنزفون ثروة المجتمع إن بالقروض الخاصة أو إقراض الدولة التي تُسَدِّدُ من مُوَازَنَتِهَا العامة وهي ما تستقطعه من ثروة المجتمع ودخول الموظفين والتجار .... إلخ ، فتستنزف ثروة المجتمع في كل حال إن إقراضا خاصا أو عاما ، بل إقراض الدولة أشد ضررا على المجموع ، إذ تسدد الدولة من مُوَازَنَةِ الخدمات وهو ما يجعلها تَسُوءُ وَتَتَرَدَّى وليس يَتَضَرَّرُ من ذلك إلا عموم الخلق ، وفي جميع الأحوال فالمال يتراكم في جيوب كبار الرأسماليين الربويين في حلقةٍ مفرَغَةٍ محكمة تجعل الخروج عن قانون الحداثة الاقتصادي : القانون الربوي ، تجعل ذلك حتما لازما ، فلا بد من الخروج عنه إلى قانون النبوة المحكم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:13-05-2021
    الساعة:01:21 AM

    المشاركات
    4,991
    العمر
    43

    وذلك ، كما تقدم ، داء واحد في المركز وفي الأطراف جميعا ، وإن كانت حدته في المركز دون نظيرتها في الأطراف إذ ثم مثال عدل في المركز وَإِنْ حَدًّا أدنى يَنْهَضُ بهذا المثال السياسي ويستقر ، ولو من الناحية الإجرائية ، مع ما يكتنفه من مخالفة عن القيم الْعُلْيَا الرسالية في مسائل التشريع والحكم ، وهو أمر ، كما تقدم مرارا ، يَرُدُّ أَيَّ خِلَافٍ في الدنيا إلى المعيار الأول الذي يحكم في الأشياء حُسْنًا أو قُبْحًا ، وذلك معنى مركزي في أي نظرية تشريعية أو سياسية فهو مبدأُ النظر في فكرة ، وما بعده من الحركة ليس إلا الحكم الذي يعقب التصور ، فالعدل مع إجماع العقلاء كافة على حسنه لم يخل من خلاف في الحد والتفصيل ، وهو ، مع ذلك ، لا يخلو من قيمة عليا مجردة لا يمكن تجاوزها ، واستمساك المركز بهذه القيمة سبب في بقائه وتفوقه إذ ليس ثم مثال يناجزه فضلا أن يجاوزه ، فمثال الوحي مُغَيَّبٌ ، لا سيما في حقوق السياسة والحكم وهي مناط الشح الذي لا تخلو منه نفس ، فالاستبداد خاصة كل أَحَدٍ إن وَلِيَ من الأمر شَيْئًا ، فسرعان مَا تَسْتَفِزُّ الولاية فيه غَرِيزَةَ الاستبداد ، فكان من المشاحةَّ التي قامت عَلَيْهَا حقوق البشر مَا أَفْرَزَ مُدَافَعَةً في كلِّ أمَّةٍ ، فَحَصَلَ من ذلك خصومة لا تَنْفَكُّ تطلب مرجعا يحكم فيها بالعدل ، وكان من حركة التدافع التاريخي في المركز ما بلغ به في العصر الحاضر صيغة سياسة لا تخلو من معاني العدل الذي ضمن للمركز بَقَاءً وَتَفَوُّقًا ، وهو في نفسه دليل يشهد لقيم الرسالة التي أبانت عن حكومات رَبَّانِيَّةٍ جارية في الأمم كافة ، فـ : (مَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) ، فالظلم ، وهو الشرك ، أعظم الذنوب ولكن أهله إذا تَعَاطَوا الحقوق بينهم بالعدل والنصفة ، ولو في الجملة ، فذلك إصلاح يُؤَخِّرُ العذابَ بل ويقيم لهم في الدنيا دولة ، وهو ، كما يقول بعض المحققين ، من سعة الرحمة الربانية التي وسعت كل شيء ، فإن حقه ، جل وعلا ، يقوم على المسامحة ، لا أنه يغفر الشرك فهو أعظم الظلم فلا يُغْفَرُ ، وإنما لكل دار حكم يلائم ، فمن طلب الدنيا بالعدل نالها ، ولو لم يكن له في الآخرة خلاق ، فـ : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، وذلك معنى يَلْطُفُ كما ذكر بعض أهل الشأن إذ يبين عن نوع دقيق من الرياء لا يكاد يسلم منه أحد ، فَثَمَّ مَنْ يُخْلِصُ في أمره فهو يصدق في خبره ويعدل في حكمه فيحصل له من أسباب الحق ما يستجلب الخير ، فذلك أصل عام يستغرق كل أحد ، آمن بالوحي أو كفر ، فَثَمَّ من استجمع أسباب الخير وأخلص في القصد ولكنه لم يجاوز بذلك الشهادة فلا يَرَى ما بَعْدَهَا من دارِ الغيب فذلك معنى في الجنان يدق ، وهو الإخلاص المجاوز لهذه الدار ، فلا بد له ، بداهة ، من مرجع يجاوز هذه الدار ، فمرجعها لا يجاوز عالم الشهادة والحس ، وإن صَحَّ القصد وَرَامَ صاحبه الصدق والعدل ، فلا يجاوز عطاؤه هذه الدار إذ لم يجاوز مرجعها ، فمعياره في العدل معيار الشهادة ولا يخلو من معان محمودة تُوَاطِئُ ما جاءت به الرسالة ، بل إن هذه المعاني لا تَصْدُرُ وَتُؤَثِّرُ في الحكم إلا عن فطرة أولى هي آثار الميثاق الديني الذي جاء الوحي يُذَكِّرُ العقل به وَيُصَدِّقُ ما صح منه ، وَيُبِينُ عَمَّا أحكم منه وَيُقَوِّمُ ما اعْوَجَّ منه ، وذلك أصل جليل يجب استصحابه أبدا ، فإن ثم معادن في النفوس لمعان من الحسن والقبح لا يَنْفَكُّ الإنسان يُعَظِّمُهَا ، وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من الجهل والظلم ، فهي مَعَانٍ متواترة قد اتصل إسنادها جيلا عن آخر ، وعلمُها : علمُ الضرورة الملجئة التي يقبح بأي عاقل أن ينكرها ، ولو كان من أشد خصومها ، فإنه لا يطيق إنكارها صراحة إلا أَنْ يَنْبِزَهَا بألقاب تُنَفِّرُ ، وهو في ذلك إنما يَلْجَأُ إلى الفطرة التي تشهد للرسالة ! ، فلا يَنْفَكُّ يُفَتِّشُ عن لقب يَقْبُحُ به يُنَفِّرُ الناس من الخصم ، فلا يمكن أن يُنَفِّرَ الناسَ من خصم يستمسك بأصول حضارته ويصدر عنها صدورَ عِزَّةٍ واستعلاءٍ ، فمن ذا يَسْتَقْبِحُ هذا المعنى ؟! بل ذلك مما يُعَظِّمُهُ الناس بداهة ، فلا يطيق ذو عقل أن يجحده فضلا أن يكون ذا حظ من شَرَفِ النَّفْسِ وأصالة المعدن ، فكانت الفطرة أبدا هي الحكم في هذه الخصومات ، فلم يجد بُدًّا إلا أن يَنْبِزَ الخصم وتلك حاله التي أجمع العقلاء عَلَى حُسْنِهَا ، لم يجد بُدًّا إلا أن يقترح لَقَبًا يَقُبُحُ بالمعيار نفسه ، معيار الحسن والقبح الأول الذي رُكِزَ فِي كلِّ نَفْسٍ فطرةً أولى لا تَتَبَدَّلُ وإن عبث بها من عبث ، بل إن عبثه بها لا يكون إلا بمعان تُوَاطِئُهَا ! ، فَاقْتَرَحَ مَنِ اقْتَرَحَ لمن استمسك بأصول ديانة أو حضارة ، اقترح له لقب الرجعية والتخلف في مقابل الحداثة والتقدم ، فلم يجد المخرَج إلا أن يستخدم من المعاني مَا أجمع العقلاء على حسنه وقبحه ، وإن أساء القصد والتأويل ، فالتكذيب والتأويل ، كما يقول بعض المحققين ، وصاية خصوم الوحي في كل جيل ، فإما أن تُكَذِّبَ وَتُشَكِّكَ فإن لم تطق فَتَأَوَّلْ بتحريف الكلم عن مواضعه التي عليها نَزَلَ وبها المتكلِّم نَطَقَ ، فَسَمَّى المحرِّف وإن زعم أنه يَتَأَوَّلُ فيرجع بالكلام إلى أصوله ، وإنما خَرَجَ به عن جادَّتِهِ المحكمة إلى أخرى متشابهة تحتمل ، فذلك تكلف أول ثم أتبعه بِثَانٍ إذ حمله على وجه من الاستدلال يواطئ ما يهوى ، فَسَمَّى كُلًّا بغير اسمه ، فصار الْحَسَنُ من الاستمساك بالأصول قَبِيحًا يحمل لقب الرجعية والتخلف وهو معنى أجمعت النفوس كَافَّةً على قُبْحِهِ ، وصار القبيح من الانخلاع والخروج عن قواعد الفكر والحضارة ، صار حَسَنًا فهو دليل التقدم والحداثة ، ومعاني التقدم والتحديث مما أجمعت النفوس كافة على حسنه ، فكان التَّحَايُلُ في إطلاق الأسماء والأحكام حُسْنًا وَقُبْحًا مَعَ تحري المحتال ألا يخرج عن قانون الفطرة المحكم ! ، فلا يطيق تقبيح الحسن وهو يصفه بمعنى يحسن فما يَقْبَحُ منه وقد أَقَرَّ الخصم بحسنِه ؟! ، كمن يسب الجميل أنه جميل فَيُعَيِّرٌهُ بهذا الوصف ، وهل الجمال لقب يُذَمُّ فتصدق فيه تهمة النابز المعيِّر ؟! ، فلا يَنْفَكُّ يَقْتَرِحُ أيَّ معنى آخر يُذَمُّ لِيُنَفِّرَ منه الخلق ، فهو ، لو تدبر ، لا يَنْفَكُّ يصدر عن الفطرة الأولى التي تشهد للرسالة : خصمِه في الفكر والسياسة ، فَثَمَّ خصومة أولى في الفكرة التي يصدر عنها كل طرفٍ ، فهي ، كما تقدم ، التصور بين يدي الحكم ، فلا حكم يحصل في النفس ساذجا بلا معنى أول ، ولو كان في نَفْسِهِ سَفِيهًا يدل على خفة في النفس والعقل ، ولكنه حتم لازم وإلا انحط الإنسان إلى دركة الحيوان الأعجم ، بل الحيوان لا يَنْفَكُّ مع نَقْصِ عقله ، لا ينفك يصدر عن معان أولى ، ولو غرائزَ حسٍّ دُنْيَا فَهِيَ بواعثه في الحركة ، فلا يمكن لإنسان أن يصدر عفوا بلا فكرة إلا أن تكون تلك حركة الاضطرار لا الاختيار ، أو حركة الإكراه الملجئ الذي يسلب الإرادة وَيَرْفَعُ الأهليَّةَ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيمَا يَرْفَعُهَا وما لا يَرْفَعُهَا ، فكان من الإلجاء الضروري في الْحِجَاجِ الْعَقْلِيِّ مَا ألجأَ خصمَ الرسالة أن يستخدم الفطرة التي جاءت الرسالة تُوَاطِؤُهَا ، فلا بد أن يكسو مادته الحداثية عناوين أخلاقية ، وإن كانت المادة ، بادي الرأي ، لاأخلاقية ! ، فهو أبدا لا يَنْفَكُّ يُغَادِرُ قَوَاعِدَ الفطرة الأولى ، وتلك المعاني الرسالية التي أجمع على حسنها العقلاء ، ومنها العدل محل الشاهد ، وهو ما ابْتَغَاهُ أقوام وَنَصَحُوا في القصد والقول والفعل ، ولكنهم لم يجاوزوا به دار الشهادة إذ لم يكن ثم من الوحي مرجع يجاوز العقل فَيَبْلُغُ به منازلَ من الغيب هي الأشرف وابتغاؤها يحسن من باب أولى ، والعدل سبب إليها يُوصِلُ كما لصلاح الدنيا يُوجِبُ ، فمن خلق الدنيا هو من شرع العدل الذي يصلحها وهو بِمَاهِيَّتِهَا أعلم وبما يُصْلِحُ أحوالها أَخْبَرُ ، ولكنه إذ لم يجاوز العقل مرجعا في الحسن والقبح مع ما ركز فيه من مادة فَهْمٍ وقياسٍ صحيحة بها يدرك الكليات الجامعة في الباب : باب التحسين والتقبيح ، فإذ لم يجاوز العقل مرجعا في الباب ، فعدله لا يجاوز هذه الدار ، فلم يكن الوحي رائدا في الأحكام التي تصدر عن هذه الأوصاف حُسْنًا أو قُبْحًا ، فَفِي العقل قوة بها يدرك الحسن من القبيح ، فذلك ما لا يُجْحَدُ له ، وتلك ، كَمَا تَقَدَّمَ ، مادة فطرة يولد عليها كل أحد ، فهي ، من هذا الوجه ، تدخل في عموم اللفظ : لفظ "الفطرة" في قول صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسَانِه" ، فهي فطرة الصدق والعدل كما التوحيد ، فكل أولئك مما يميز فيه العقل ضرورةً الحسنَ من القبيح ، ولكنه لا ينفك يخضع لمؤثر من خارج يَحْرِفُ ، فَيُخَالِفُ به عن الجادة الأولى ، لا جرم كان الوحي قَيْدًا به الاحتراز ، فهو يأطر الفطرة الأولى على سنن الحق المحكم ، فَيُصَدِّقُ وَيُبَيِّنُ ، وهو إذا حاد عن الجادة يُقَوِّمُ ، لا جرم كان الوحي حاكما وإن كان العقل ناصحا يُدْرِكُ ، فلا ينفك يسترشد بالدليل الناصح فلا يغش ، فالوحي رائد صدق لا يكذب العقل بما ركز فيه من معيار صحيح في النظر والحكم ، وتلك ، أبدا ، خصومة الدنيا ، فلا يسلم العقل في أحكامه إلا أن يكون الوحي رائدا له ، حكايةً تُصَدِّقُ الفعل الكوني فذلك خلق العقل ، فمن خلقه بعلم أول يُقَدِّرُ هو الخالق جل وعلا ، وتصدق الحكم الشرعي ، فمن خلق العقل بكلمة الخلق التكوينية هو من يعلم ما به يَصْلُحُ وَيَنْصَحُ فكان من كلمة الحكم التشريعية ما يعدل ، والحداثة ، كما تقدم مرارا ، قد تسلم بالأولى دون الثانية ، فيكون من تَنَاقُضِهَا ما لا يخفى ، فإن التسليم بالكلمات يستغرق : الكونيات الخالقة والشرعيات الحاكمة إذ الجنس واحد وهو كلمات : الربِّ الخالق الإلهِ الشارع ، فهذا هو ذاك إذ ليس في الكون اثنين : واحد في السماء يخلق وآخر في الأرض يُشَرِّعُ ، كما اقترحت الحكمة اليونانية القديمة إذ كان من أطروحاتها ما ابْتَعَثَتْهُ الحداثة المعاصرة من مَرْقَدِهِ ، فَزَعَمَ من زَعَمَ أن العلة الأولى الفاعلة التي عنها صدر الكون قد خَلَقَتْ وَأَوْجَدَتْ عَلَى سنن محكم ثم تركت الكون يتحرك بِمَا رُكِزَ فِيهِ من قوة أولى ، فهو يسير على السنن ولا حاجة له لمن يَرْعَى وَيُدَبِّرُ ، فآل أمر التدبير إلى العقل إذ قوة السماء قد انتهى فعلها عند الخلق فلا أثر لها في الحكم والشرع ، فذلك فعل الخلق إذ هم الأعلم بما يصلح شأنهم ، وذلك تأصيل حداثي لا ينفك يصدر عن قاعدة تعطيل في الإلهيات ، فإن لازمه الذي التزمه القوم فَلَمْ يَتَنَاقَضُوا ! ، لازمه نَفْيُ العلم عن العلة الأولى التي خلقت ، فلا علم لها يجاوز حد الخلق الأول ، وإن مبدأَ أمرٍ لا يجاوز الوجدان إخراجا لهذا الكون من العدم إلى الوجود لا أكثر ، فكان من القول المحدَث الذي احتملته الحداثة جيلا عن آخر ، كان منه حكاية العلة الأولى الفاعلة بالطبع الذي ركز فيها ، فلا اختيار لها في خلق أو تدبير ، والاختيار لا يكون إلا عن إرادة ، والإرادة لا تكون إلا عن علم به تصور المراد قبل الاختيار والترجيح ، فآل الأمر أبدا إلى خاصة العلم فلا بد فيها من النفي والتعطيل ليسلم لصاحب الدعوى الحداثية منصب السلطة التشريعية التي لا ينهض بها إلا عالم ، فلو أثبت للخالق الأول علما يجاوز ما تقدم من الخلق الاضطراري لَلَزِمَهُ أن يُفْرِدَهُ بمنصب التشريع المفصل كما قد أَفْرَدَهُ بمنصب الخلق المحكم الذي استغرق دقائق المحال والأحوال بما أجرى من الأسباب وأجرى من السنن ! ، فذلك ، بداهة ، ما يجاوز الخلق الاضطراري فليس ذلك بعلم ، فالعلة الفاعلة اضطرارا تَفْعَلُ طَبْعًا لا اختيارا ، فلا يشترط في فعلها علم ، والنار كما المثل يضرب تحرق بالطبع الذي رُكِزَ فِيهَا ، فلا تعقل لِتَعْلَمَ فتختار ما تحرق وما لا تحرق ! ، فهي تحرق الجيد والرديء ، النفيس والخسيس ... إلخ إذ لا تميز هذا من ذاك ، فلا يكون ذلك إلا بعلم يزيد على مطلق الفعل والتأثير في الأشياء ، والتأثير ، لو تدبر الناظر ، جنس عام تَنْدَرِجُ تحته أنواع فَثَمَّ : التأثير بالعلم ، وذلك الوصف الاختياري الذي يُرَجِّحُ في باب الممكن ، كما يقول النظار ، فإن أي خلق في السماء أو الأرض فهو الممكن ، بادي الرأي ، فيمكن أن يُخْلَقَ زيدٌ فيكون موجودا في الخارج فهذا احتمال ويمكن في المقابل ألا يُخْلَقَ فيكون معدوما فذاك آخر وقد استويا ، بادي الرأي ، فليس ترجيح أحدهما بأولى من الآخر ، بل ذلك ، من وجه ، يجري مجرى الدعاوى بلا بَيِّنَاتٍ ، فهي محض التحكم إذ لا دليل يرجح ، فما دعوى وجدان زيد في الخارج بأولى أن تُقْبَلَ من دعوى عدمه ، فإذا ادُّعِيَتِ الأولى بلا دليل يُرَجِّحُ فذلك محض التحكم فيجزئ في إبطالها دعوى أخرى تعارض أنه معدوم لم يوجد ، ولا يلزم صاحبها أن يقيم دليلا يُرَجِّحُ ، فالأول لم يُقِمْ منه ما يُصَدِّقُ ، فكلٌّ قَدِ ادَّعَى دعوى مجردة من الدليل ، فاستويا في المقدار واختلفا في الاتجاه بين إثبات ونفي ، فتعادلا في القوة وتساقطا فكلٌّ يقضي في الآخر بالرد ، وما أحدهما ، كما تقدم ، بأرسخ دليلا أو حجة من الآخر ، فذلك الممكن الذي اسْتَوَى طَرَفَاهُ إِثْبَاتًا أو نَفْيًا ، فلا بد من مرجِّح من خارج ، وإلا ادَّعَى كلٌّ ما يشاء وكانت دعواه هي الدليل ، فـ : "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أصل جليل في باب الجدال وَالْحِجَاجِ ، فإنك لو تدبرت عامة الشبهات لوجدتها اقْتِرَاحًا بلا دليل ، فهي دعاوى مجردة يجريها صاحبها مجرى الأصل المحكم ، فيجعلها مقدمة ضرورية في الاستدلال وليست ابتداء بمحل إجماع بَيْنَ الخصوم بل قد تكون إلى الامتناع والرد أقرب ، بل وإلى الخرافة في أحيان ألصق ، ومع ذلك يسردها صاحبها سَرْدَ الدليل الضروري الذي لا يقبل اعتراضا أو استدراكا ، وذلك من قَلْبِ الحقائق التي فُطِرَتْ عليها النفوس ، فَاقْتَرَحَ مَنِ اقْتَرَحَ ما يخالف عنها ، وهو الأولى بالإنكار والتوبيخ ، ثم لم تَمْضِ الأيام حتى صارت هذه الدعوى المجردةُ من الدليل المخالفةُ لكل وجه من الاستدلال ، حتى صارت هذه الدعوى هي الأصل المحكم ! ، وصار الحق ذو الدليل الناصخ نقلا وعقلا هو الشبهة التي تُسْتَنْكَرُ ! ، وذلك مكر الليل والنهار إذ يوسوس فلا يمل ولا يفتر ، حتى تتحول النفس عن الفطرة الأولى ، وَتَنْشَأَ أجيال لم تعلم الباطل الأول لتميز الحق منه ، و : "إنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً إذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْجَاهِلِيَّةَ" ، كما أُثِرَ عن عمر ، رضي الله عنه ، وذلك مما يتراكم جيلا بعد آخر حتى يتبدل معيار الحكم ، ويصير الحق المحكم الذي بَلَغَ حَدَّ الضرورة ، يصير هو الدعوى التي تفتقر إلى دليل ، ويصير الباطل الذي كان بالأمس شبهة اقْتَرَحَهَا مَنِ اقْتَرَحَهَا دعوى بلا دليل ، يصير هو المعلوم من الدين والحكمة بالضرورة ! ، فمن يخالف عنه فهو المخالف عن الفطرة التي اختل معيارها إذ توصل إليها الخصم بأسباب الفساد والتبديل ، وقد كان يجزئ بادي الرأي في دحض تلك الشبهة التي أصبحت أصلا في الاستدلال وعلما ضروريا لا يخالف عنه إلا الجاحد أو المسفسط ! ، قد كان يجزئ فيها لو سُلِّمَ ابتداء أنها من الممكن ، فاقترح صاحبها أنها قد وجبت بالفعل فانتقلت من الممكن المحتمل إلى الواجب المحتم ولو ترجيحا بلا مرجح ، قد كان يجزئ في ردها دعوى مثلها لا دليل عليها ، فهما يَتَسَاوَيَانِ في المقدار ويختلفان في الاتجاه وقوانين العقل والحس تَقْضِي بِتَسَاقُطِهِمَا فكلٌّ يَقْضِي على الآخر بالبطلان وتكون محصلة الأمر صفرا .

    فالممكن ، وهو محل الشاهد ، لا بد له من دليل من خارج يرجح الوجود فيكون زيد موجودا في المثال آنف الذكر ، أو يرجح العدم فيكون زيد معدوما ، فلا بد من مرجِّح من خارج وذلك في باب الخلق والإيجاد هو العلم الأول ، علم التقدير فهو التصور الذي يَتَقَدَّمُ بين يدي الحكم ، وذلك وصف الله ، جل وعلا ، في النبوات ، فقد خلق الخلق بالعلم الذي استغرق فهو المحيط بالكليات والجزئيات ، وهو ما يستوجب في الباب : إثباتا : إثباتا لوصف العلم المحيط بأمور التكوين والتدبير وذلك ما يُلْزِمُ الخصمَ بآخر في التشريع ، فَمَنْ عَلِمَ العلم المحيط في التكوين والتدبير فهو ، بداهة ، الأعلم بما يصلح الشأن : (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ، لا جرم كانت عناية الحداثة في كل جيل أَنْ تَسْلُكَ سَبِيلَ التعطيل في المسائل الإلهية بما يجاوز الخلافات النظرية التي تَتَبَادَرُ أنها مسائل لا تجاوز قاعات البحث إذ لا أَثَرَ لها في حياة الخلق ، وذلك قد يصح إذا انصرفت إلى دقائق يغلب فيها التشدق وتشقيق المسائل بلا غاية إلا الجدال المحض فضلا أن يكون ذلك في حضرة من لا يفقه وجوه الخلاف الدقيق فيكون له فتنة ، فـ : "ما أنْتَ بمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إلَّا كانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً" ، ولكنها ، مع ذلك ، لا تخلو من أَثَرٍ نافع إذ تبين عن جوهر الخلاف بين النبوة والحداثة ، فهو العلم الذي استغرق مادة التوحيد الرسالية كافة ، وهو مما يدخل في توحيد الاسم والوصف فآثاره تظهر في فعل الرب إذ يخلق ويدبر ، وذلك توحيده بأفعاله فآثاره تظهر في فعل الإله إذ يشرع ، وذلك كما تقدم مرارا مناط الخصومة الرئيس بين النبوة والحداثة ، وذلك ، من وجه آخر ، توحيد الإله الشارع ، جل وعلا ، توحيده في المرجع فلا شرع إلا مِنْ وَحْيِهِ خبرا وحكما ، وتوحيده بأفعال الخلق إذ التكليف أن يؤمنوا بِوَحْيِهِ الذي جاءت به النبوات خَبَرًا يُصَدَّقُ وحكما يُمْتَثَلُ ، وهو ما عم الحكومات كافة ، فذلك الدين الذي استغرق الشأن كله فهو مثال الحياة الجامع مثال : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) .
    فكان التأثير ، كما تقدم في دين النبوة ، كان التأثير في الخلق بالعلم الأول المفصَّل فهو المحيط بالكليات والجزئيات كافة ، وكان ضده في دين الحداثة ، فهو التأثير بالطبع كما تَقَدَّمَ من فعل النار ، فكان الخلق على حَدِّ الاضطرار بلا اختيار يُرَجِّحُ في الممكن فيجعله واجبا بعلم وقدرة ، فتلك أوصاف إثبات تخالف عن سبيل التعطيل التي لا تنفك الحداثة تسلكها في كل جيل وإن تذرعت بعناوين تخدع فهي ، كما تقدم ، الزخرف الذي يكسو القبيح لحاءَ حُسْنٍ لِتَقْبَلَهُ النفوس بما رُكِزَ فيها من قوة تحسين وتقبيح لا تنفك تحكي آثار الفطرة الأولى ، فكان عنوان التحديث الذي اشتقت منه الحداثة بالنظر في الجذر الأول "حَدَثَ" مع الاختلاف الحاد بين المعنيين ، ولكن زخرف القول قد غَرَّ مَنْ غَرَّ فَسَلَّمَ بدعوى الخصم ولو تحكما بلا دليل ، وصار القول المحدث هو الأصل المحكم ، وقل مثله في عنوان العدل ، وهو محل الشاهد الأول ، فالعدل ، وإن قيمةً مجملة في النفوس ، سبب في حصول الملك ، وإن كان الخلاف في حده مع التفريق بين وجوهه نسبيةً لم تخل منها الحداثة فصار العدل حكما يَتَفَاوَتُ باختلاف المحكومين ، فالعدل في المركز ليس هو الحَكَمَ في الأطراف ، فثم معيار آخر يحكم بما يواطئ مصالح المركز ، فصار العدل هو ما يحفظ مصالح القوي فهو من يمتلك حق القوة وإن لم يكن له ما يعدله من قوة الحق ، فلا يستقيم ملك في الدنيا استقامة مُثْلَى تجاوز دار الشهادة إلى الدور كافة ، لا يستقيم هذا الملك إلا بقوة الحق كتابا يهدي وحق القوة إذ تحوط الكتاب فلا يُنَالُ من جنابه ، فالكتاب أول والسيف ثان ، ولا يكون ذلك إلا وثم مرجع من أعلى يجاوز فهو يحكم بالعدل المطلق ، إذ لا غاية له في حظ من جاه أو رياسة ..... إلخ من أغراض الخلق التي لا يسلم منها حاكم في الدنيا وإن بَلَغَ مَا بَلَغَ من العدالة إلا ما كان من عصمة النبوات وما كانت إلا لمقام البلاغ والبيان للرسالات التي نَزَلَتْ لتحكم بالعدل المطلق : (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) ، فلا يستقيم ملك إلا بحد أدنى من العدل ، وهو ما حصل الآن في المركز إذ الحكم بمطلق العدل لا بالعدل المطلق ، فَاغْتَرَّ مَنِ اغْتَرَّ ممن نَشَأَ في مهاد استبدادٍ وَأَثَرَةٍ كما الحال في الأطراف أعصارَ الانحطاط المتأخرة ، فلا حكومة بعدل مطلق ولا مطلق عدل فليس إلا الظلم بل والظلم المطلق الذي عَطَّلَ حكومات الدين والدنيا جميعا فأفسد الأديان والأبدان كافة ! ، فَظَنَّ مَنْ ظَنَّ ، علم أو جهل صحَّ قصده أو فسدَ ، ظَنَّ في حكومة المركز ما يكمل ، والصحيح أن فيها ما يحمد بما كان من العدل ولو مطلق عدل أول ، وأما العدل المطلق فذلك ما لا يكون إلا من مشكاة الوحي المنزل ، فإذا قدمت لجائع طعاما يضر وهو مع ذلك لا يخلو من نفع ولو حفظا لمهجته في مخمصة ، فإذا قدمت له هذا الطعام في هذه الحال ثم رُحْتَ تحكي له أضرارَ هذا الطعام ، فذلك ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الفضلاء ، من الخطل ، فإنه جائع لم يجد الطعام ابتداء لا نافعا ولا ضارا ، فَخَيْرٌ لك وله أن تشتغل بتحصيل طعام يَنْفَعُهُ ولا يضره لا أن تجتزئ بِذَمِّ الطعام الذي قُدِّمَ له فلا يخلو من نفع على ما فيه من ضرر ، ولو حفظا لمهجته ضرورة تقدر بقدرها من باب : (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) ، وهي قاعدة حكاها بعض المحققين في باب الدعوة إلى الحق ، فإن النفوس قد خلقت لتفعل لا لتترك فلا تُصْرَفُ عن فعل إلا إلى آخر ، فلا تصرف إلى عدم ، وهو فحوى النهي ، فلا بد من الاشتغال بِضِدٍّ ، فقبل النهي عن المنكر لا بد من تصور لازم له يَتْبَعُ في الوجود ، وهو الأمر بمعروف يضاهيه فيشتغل المحل به ، وذلك من المتلازمات العقلية الضرورية ، كما حَدَّهَا أهل الشأن تَلَازُمًا لا يَنْفَكُّ طرفاه ، فالنهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده ، كما نفي الشيء يستلزم إثبات ضده ، وهو ما يستوجب أبدا حكاية البلاغ والبيان المفصل لأدلة الحق وحججه فتلك قوة الحق في ساحات الجدال كما حق القوة التي تصون جنابه في ساحات الجلاد ولا فكرة في الدنيا تنهض إلا بهذين المتلازمين الضروريين : كتاب الحكم وسيف العدل ، ولو في الجملة ، فعدل المركز ، لو تدبر الناظر ، لا يخلو من نقد ومراجعة ، وهو ما وليه شهود من أهلها من نظار المركز ، وهم يَتَنَاوَلُونَ نَقْدَ النظرية السياسية الحاكمة ، وما تستبطنه من أسباب الانهيار ، ولو على مكث ، إذ لا يخلو أي مثال أرضي ، كما تقدم مرارا ، من أخلاقِ شُحٍّ وَأَثَرَةٍ ورغبة في احتكار الأسباب وأخرى في الطغيان والتأله الذي يَتَنَاوَلُ أَوَّلَ ما يَتَنَاوَلُ نظامَ الحياةِ فكلٌّ يروم صناعته على المثال الذي يواطئ هَوَاهُ وَحَظَّهَ في الجاه والرَّفَاهِ ، وهو ما تَتَعَارَضُ فيه الرغائب لا محالة إذ جُبِلَتِ النفوسُ على الشح آنف الذكر ، وهو ما يُحَجِّرُ الواسع وَيُذْكِي روح التصارع إذ ليس ثم مرجع من خارج المشهد ، فَرَغْبَةُ الإنسانِ في الاحتكار لا منتهى لها ، وهو ما تقابله أخرى تناجز وتنافس ، فيكون التصارع على قاعدة صفرية لا تقبل القسمة على اثنين لا سيما في مواضع السيادة التي لا تقبل الشركة ، فيجب رَدُّهَا إلى واحد في السماء أو في الأرض ! ، ولكلٍّ واحدُه الذي إليه يرجع ، ولكلٍّ مستمده في الفكر والتشريع وليس الحق إلا واحدا في الجميع ، ولا يستقيم الملك إلا وثم واحد يحكم وهو قبل ذلك عن مرجع حكم يصدر ، فلا بد من أول في الفكرة والتأصيل قَبْلَ التَّفْرِيعِ في أمور التشريع وما يَسْتَتْبِعُهَا من حكومات القضاء والإنفاذ فهي تأويل مباشر على الأرض لِمَا تَقَدَّمَهُ في العقل ودوائر الفكر والتشريع والسياسة والحرب ، فاستقام الملك في المركز ، ولو إلى حين ، بما استجمع من أسبابه وما كان من عدل في إجرائه ، ولو حدودا دُنْيَا تضمن حدا أدنى من الاستقرار والديمومة ، خلاف الحال في الأطراف لا سيما المثل المركزية المستبدة التي لا تملك حد أدنى من الرقابة الإجرائية ، فالعوار الاجتماعي الذي تحدثه الرأسمالية النيوليبرالية أشد ، مصر مِثَالًا مشهودا الآن وقد تحولت سلطتها إلى سلطة جباية واستلاب في الداخل ، وَاقْتِرَاضٍ وَتَسَوُّلٍ في الخارج ، وتلك مصادر التمويل في أي نظام وظيفي تابع ، فضلا أن يكون من النوع الرأسمالي الطفيلي غير المنتج ، مع ما يكتنفه من عوار أخلاقي يجاوز حد الخلل الإجرائي أو الفساد الإداري فَثَمَّ خَلَلٌ مركزي في أصل النظرية الحاكمة ، ولو حدا أدنى من العدالة يَسْتَنِدُ إلى معيار الحداثة التي تَنْتَسِبُ إليها هذه الأمثلة الوظيفية التابعة وهو ما يجعل الأمر قصورا ذاتيا في الحركة ، فاستمرار المثال إنما هو بِقُوَّةِ دفعٍ مؤقتة لا تملك أسباب الحس أو المعنى التي تواصل بها الحركة ، فليس إلا القمع المتزايد في الداخل حكايةَ فَشَلٍ يَتَجَدَّدُ على المستويات كافة : الأخلاقية والإجرائية ، فلا يكون البديل إلا جرعةَ قَمْعٍ تخمد روح المعارضة أو المقاومة حينا إذ لا يملك صاحبها الحل الأخلاقي أو الإجرائي فليس إلا آخر خشن يستوعب به مساحة السخط المتجدد بقمع أوسع ، حتى يَتَّسِعَ الخرق على الراتق وَتَتَعَذَّرَ على القوة استيعاب المساحات الواسعة من السخط التي تَتَمَدَّدُ ، ولو على مكثٍ ، مع مَا يكون من سنن رباني محكم فَثَمَّ حكمة في جريانِ سُنَنٍ تَتَرَاكَبُ من إملاءٍ وأخذٍ بالسنين واصطفاءٍ لآحادٍ من المتقين وعقابٍ جامع يستأصل بَعْضًا وَيُهَذِّبُ آخر فهو واحد في صورته مُتَعَدِّدٌ في غَايَتِهِ ، فليس ثَمَّ في الداخل إلا القمع ، مع الدعم المشروط من الخارج ، فتلك حكايةٌ تُوجِزُ أَيَّ مثالٍ وظيفي تابع ، وهو ما تعظم فيه الأثرة ، ويكون من مثال الاقتصاد النيوليبرالي ما يعمق الأزمة الإنسانية التي تحصل تلقائيا في أي مثال رأسمالي ، ولو المثال الأمريكي القياسي ، ما تَقَدَّمَ من كلام الرئيس جو بايدن الذي يستشهد في كلامه بحالة إنسانية ! في المجتمع الأمريكي : حلم الجيل الناشئ أَنْ يَشُدَّ إليه الرحال ولو بوصف اللاجئ ! ، وذلك ، والشيء بالشيء يذكر ، ما انعكست آثاره على الأداء السياسي والعسكري الأمريكي ، فإن الأمة التي لا تجد فيها العجوز نَفَقَةَ العلاجِ وهي تزعم أنها المعيار الحاكم ! ، فإن هذه الأمة لا بد أن تظهر آثارُ ضَعْفِهَا في الداخل على أَدَائِهَا في الخارج ، تراجع دور الإمبراطورية الأمريكية سياسيا وعسكريا في الخارج على خلفية تراجعها في الداخل عدالة اجتماعية وأمانا ، ذلك التراجع مثالا يحكي السنن الرباني المحكم في تداول الأيام بين الدول والممالك .

    فلا أمة تستقر على حال ، دُنُوًّا أو علوا ، وإنما حركة التاريخ سنن محكم يجري بإرادة تجاوز إرادة البشر ، فهي تأويل العلم والحكمة والقدرة وتلك أوصاف يشترك فيها الخالق والمخلوق بالنظر في الجنس المطلق الذي يجرده الذهن ، ولكن حظ المخلوق منها وإن بَلَغَ ما بَلغَ فهو محدود بما له من حس لا يجاوز الشهادة وقوة لا بد لها من ضعف ، وعلم لا يحيط لِضِيقِ المدارك وإن حصل لها ما حصل من الوسائل ، وقدرة لا تطيق إحاطة بالمقدُورَاتِ ، فَثَمَّ أوصاف عليا لا يطيق البشر حَدَّهَا ، وإن حصل الاشتراك في أصول المعاني المجردة ، فتلك أوصاف بها الكونُ يُدَبَّرُ على هذا السنن المحكم ، وهو الذي جاوز الأرض من خارجها ، وذلك ، أبدا ، مناط الخصمومة بين الكلمات الرسالية والكلمات الحداثية ، فالكلمات الرسالية تامة قد أحاطت وبها تدبير الكون وَتَنْزِيلُ الشرع ، وهما مادة الصلاح الخالصة وبهما استقامة الدنيا والآخرة ، فكان منها تأويل هو محل الشاهد : تأويل السنن المطرد في الدول والممالك ، فلا أمة تَثْبُتُ ، وإنما هي أبدا تَدْفَعُ وَتُدْفَعُ ، تَغْلِبُ وَتُغْلَبُ ، كما كان من فارس والروم : (الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) ، فكان القرن الماضي هو القرن الأمريكي وقد بَلَغَ المثال كماله مع نهاية حرب الخليج الثانية ، ثم كان القرن الجديد وقد دَشَّنَتْهُ أمريكا تحت عنوان "القرن الأمريكي" ، فكان قرن الانحدار الأمريكي ! ، ولو على مكث ، لا سيما بعد التورط في الحربين في بلاد الأفغان ثم العراق وهما ما استنزف الإمبراطورية بعد أن بَلَغَتْ غاية التمدد فكانت بداية الانكماش ، وإن شيئا فشيئا ، ثم تسارعت الوتيرة إبان حكم الرئيس السابق دونالد ترامب ، وهو ، لو تدبر الناظر ، دليل من جملة أدلة كاشفة لا مُؤَسِّسَةٍ ، فهي تكشف عن العيوب الأصيلة في الحضارة الغربية التي ورثت الحضارة اليونانية وهي المثال الوثني القياسي الذي بَاعَدَ من الوحي ما لم يُبَاعِدْ غيره ، فكان مثاله القائم على نظرية الصراع ، ولو صراع الإنسان مع الآلهة التي خلقت الإنسان ثم فقدت السيطرة عليه ! إذ تَمَرَّدَ وَرَامَ انْتِزَاعَ المعرفة التي حَجَبَتْهَا عنه الآلهة إذ تروم تجهيله وَتَرْكِيعَهُ فهي تستخدمه استخدام السيد للعبد فلا بد من تَقْيِيدِهِ لئلا يخرج عن الحد ويروم الحرية التي تخرجه عن الدائرة الوظيفية الخادمة فتلك آلهة اليونان في مقابل وصف الرحمن ، جل وعلا ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ، وهو ما يكشف أخرى عن فارق آخر جوهري بين الرسالة التي صدرت عن الغني الحميد ، والحداثة التي لا تَنْفَكُّ تحمل روح الافتقار إن في الآلهة أو في الخلق ! ، وتلك نظرة حداثية ! إذ ثم خصم يَرُومُ استجماع أسباب القوة العلمية والمادية ، ويروم الاستمتاع بآثارها من لَذَّاتِ حِسٍّ ومعنًى ! ، وتلك أركان النظرية الليبرالية وهي نظرية عنصرية لا تَرَى في الآخر إلا أداة : أداة كسب ، وأداة تأمين ، وأداة لذة وخدمة ، فهو كائن وظيفي تابع ، وتلك نَظَرِيَّةٌ انْتَقَلَتْ من السيد اليوناني في أثينا إلى السادة كافة ومنهم إلى المثال السياسي : مثال الدولة الحديثة ، دولة الحداثة المركزية التي تستنزف طاقات المجتمع ، ومنها إلى المثال الإمبرطوري : الإمبراطورية الأمريكية التي تَسْتَنْزِفُ الدول جميعا على قاعدة التَّبَعِيَّةِ الوظيفية ، لا سيما في مُثُلِ الأطراف التي لا تملك حَدًّا أدنى من الاستقلال ، فَثَمَّ تَبَعِيَّةٌ حضارية ، فهي المثال الذي نَشَأَ على قواعد الحداثة الوافدة ، فلا رؤية لها تجاوز رؤية المركز ، بل هي الأداة التي يحقق بها المركز نَظَرِيَّتَهُ في الحكم ، فالتبعية تجاوز الفكر والحضارة ، وذلك أول ، فَثَمَّ التَّبَعِيَّةُ التَّنْفِيذِيَّةُ ، وهي ثان ، فذلك عنوان الحداثة في مُثُلِهَا كافة : السياديِّ في المركز والوظيفي في الأطراف ، وهو يَبْقَى ما بقيت العدالة ، ولو حدا أدنى يحفظ الاسم ، اسم الدولة والسلطة والسيادة ..... إلخ من عناوين السياسة ، فالعدل يحجب انحراف الفكرة ، ولو إلى حين ، فإن الانحراف لا سيما إن كان في الأصل ، لا بد أن تظهر آثاره ، ولو على مكث ، والدول كالجسد فإن أسباب المرض قد تسكنه حالَ قُوَّتِهِ فلا يجد آثارها إلا بعد أن يهرم ويضعف ، تأمل مثالا يضربه بعض الباحثين وهو يحكي الامتيازات الأجنبية في الدولة العثمانية ، فإنها في سياق التكتيك السياسي قد لجأت إلى إعطاء بَعْضِ الدول الأوروبية ، فرنسا ابتداء ، تحالف السلطان سليمان القانوني مع فرانسوا الأول مثالا وقد وجد في الدولة العثمانية حليفا قويا ضد جاره المتوثب كارلوس الخامس ملك إسبانيا وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة ، وهو ، من وجه ، مما خفف من وطأة الإمبراطورية الرومانية الكاثوليكية ضد الحركة البروتستانتية الإصلاحية التي نشأت في ألمانيا وقد كانت داخلة في أملاك الإمبراطورية ، وهو ما عدته أوروبا المسيحية الكاثوليكية خيانة فرنسية مركبة ! ، فهي خيانة للمسيحية بالتحالف مع خصمها الأيديولوجي والحضاري الأول : الإسلام ، وهي خيانة للكاثوليكية إذ أسهمت في ازدهار خصمها البروتستانتي داخل الدائرة المسيحية الأخص ، فكانت فرنسا هي المثال الأول لهذه التحالفات العثمانية التكتيكية مع بعض الدول الأوروبية والتي لم تخل من امتيازات ، فكانت علائق فرنسا بالدولة العثمانية جيدة إبان ولاية السلطان سليمان القانوني وقد كانت الدولة في أوج الاتساع والقوة والتمدد الجيوعسكري والجيوسياسي في أوروبا ، مع قصور في آخر وهو الجيوثقافي وهو الذي يَعِيبُهُ الصديق والعدو مَعًا ، فكلاهما يعيب على الدولة أنها لم تَسْعَ في تأصيل ثقافتها الإسلامية في البلاد التي دخلت في سلطانها ، فَعَدَّهُ بَعْضٌ تسامحا مع الآخر صار مضرب مَثَلٍ في الجدال الحضاري من هذا الوجه ، في مقابل الإكراه الملجئ العنيف الذي لجأت إليه أوروبا في قهر الآخر على دينه وحضارته ، محنة المسلمين في غرناطة خاصة والأندلس عامة بعد زوال حكمهم نهاية القرن التاسع الهجري ، فَعَدَّهُ بَعْضٌ تسامحا في هذا المشهد وَعَدَّهُ آخرون منهم مستشرقون وتلك شهادة من خصم ، عَدَّهُ تخاذلا حضاريا إذ لم تَسْعَ الدولة في تمدد ثقافي وحضاري يضاهي تمددها السياسي والعسكري خلاف الفتح الأول الذي كان الكتاب فيه هو الأصل وكان السيف هو التابع ، وليس ذلك تقليلا أو تشويها لفتوحات الدولة العثمانية وقد أشاد بعدالتها الخصوم ، ولكنه ، في المقابل ، حكايةُ نَقْصٍ في الفعل لِنَقْصٍ في التصور إذ فاته الدور الأخلاقي لهذه الأمة التي يجاوز دور الفتح والحكم إلى الأمر والنهي وهو عنوان الخيرية الرسالية : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فدورها يجاوز الفتح والحكم إلى الأمر والنهي ودعوة الخلق إلى الحق لا إكراها ، وسيادة الوحي حكما وإن لم يقهر المحكوم أن يدخل في دينه وذلك ما يمكن القول إن الدولة قد أنجزته ، ولكنها لم تُنْجِزْ مثله في دعوة الخلق إلى الحق لِنَقْصٍ في تَصَوُّرِهَا الثقافي أَرْجَعَهُ بَعْضٌ إلى تقاعسها عن التعريب ، والوحي قرين العربية في البيان والفقه وما يكون من روح ثقافة وحضارة تنعكس آثارها لزوما في دعوة الخلق إلى الحق ، فكان تمدد الدولة ، وهو محل الشاهد ، مما جعل خصومها في أوروبا يكثرون فلجأت في أعصار القوة كعصر سليمان القانوني وقد بدأت في عهده الامتيازات ، لجأت إلى إعطاء امتيازات للدول الأجنبية ، اقتصرت ، بادي الرأي ، على الامتيازات التجارية ، فَاخْتَصَّتِ الدولة بها فرنسا ابتداء ، وتلك العدوى التي لم تظهر آثارها في أعصار القوة ثم لم تلبث أن ظهرت بعد ضعف الدولة فكان من جملة أدواتها في المناورة السياسية أن تُعْطِيَ هذه الدولة الأوروبية أو تلك امتيازات لِتُحَيِّدَهَا في مواجهة مع دولة أخرى وهكذا ، وهو ما جعلها تُفْرِطُ في إعطاء الامتيازات التي جاوزت التجارية إلى القضائية : المحاكم القنصلية مثالا وهي قادح مباشر في السيادة القضائية لأي دولة ، المحاكم المختلطة في مصر مثالا آخر إبان الاحتلال البريطاني ، فظهرت أعراض المرض الحادة بعد أن ضَعُفَ الجسد مع أن العدوى ابتداء كانت موجودة ولكنها كانت كامنة إذ كانت الدولة قوية فتية .

    فَثَمَّ أسباب تمرض الدول كما الأجساد ، وثم من الانحراف في القيم والأخلاق ما لا تظهر آثاره إلا بعد جيل أو أجيال ، فقوة الملك مبدأ الأمر تسكر العقل أن يَتَدَبَّرَ الفكرة ، فإذا لم تسلم من الانحراف فإنه يَبْطُنُ حينا ثم يظهر إذا وجد فرجة ، ولا يكون ذلك إلا حال ضعف وغفلة يَتَصَيَّدُهَا الخصم المتربص كما يَتَصَيَّدُ الوسواس من الإنسان لحظات الغفلة والسكرة فرحا شديدا أو حزنا شديدا ..... إلخ من الأحوال الخارجة عن حد الاعتدال ، لا جرم كان من مادة الصلاة والمناجاة كما ينقل بعض الفضلاء عن باحث مستشرق لهذا المعنى الجليل قد اسْتَخْرَجَ ، فالصلاة ، كما يقول ، تهذب طبائع النفس فلا تفرح زيادةً فَتَطْغَى ، ولا تحزن زيادةً فَتَيْأَسَ وتقنط .

    فكذلك الدول ولها هَنَّاتٌ أعظمها الظلم والاستبداد الذي يضعف السلطان فتظهر آثار العدوى الكامنة ، المثال الأمريكي آنف الذكر ، فَثَمَّ خلل في أصل النظرية السياسية التي تحملتها الحضارة الغربية عن الفكر اليوناني القائم على نظرية الصراع مع الآلهة ، فَثَمَّ عقل حداثي يأبى الانقياد لمرجع يجاوز من خارج ، فليس إلا الآلهة التي تروم استرقاقه وإذلاله فتحجب عنه العلوم والمعارف وأسرار الحكمة ، وليست تلك بداهة ، آلهة حق ، فهي في حَدٍّ والإله الذي أَنْزَلَ الوحي في آخر ، فَقَدْ زَادَ العقل نُورًا بما تَنَزَّلَ من كلمات العلم والحكمة ، فـ : (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، فلم يحجبها كما حجبتها آلهة الإغريق ، فذلك الخلل الذي انْتَقَلَ جيلا عن آخر ، وهو ما جعل العقل يطغى في رَدِّ فِعْلٍ مضاد لهذا الاضطهاد الإلهي وذلك ما انفكت آثاره تظهر في كُلِّ نسخةٍ حداثية يقع العقل منها موقع الجنان من الأركان ، فالعقل أول في الفكرة والشرعة وذلك أصل محكم نهضت عليه الحداثة المعاصرة ، فإن الأول في الرسالة هو الله ، جل وعلا ، الحقيقة العليا : حقيقة الذات التي قامت بها صفات الكمال المطلق أولا وآخرا ، فالأولية الرسالية أولية الله ، جل وعلا ، فكان من الدعاء المأثور في كلم الوحي المعصوم ، وهو من دعاء الثَّنَاءِ على الرب المعبود ، جل وعلا ، فـ : "أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ" ، وذلك ، كما تقدم ، ما اجتهدت الحكمة الأولى أَنْ تَنْفِيَهُ فكان ذلك من جملة التعطيل الذي اطَّرَدَ في كُلِّ مقالٍ أرضي محدَث ، وذلك قياس العقل المحكم ، فإنك لا تُعَطِّلُ معنى في باب ، الإلهيات مثالا ، إلا وثم إثبات لمعنى محدَث في مقابل ما نَفَيْتَ من المعنى الرسالي المحكم ، فكان اجتهاد الحكمة الأولى والحداثة الآخرة أن تُبْطِلَ الخاصة الإلهية المحكمة : خاصة الأولية المطلقة ، فكان القول بقدم العالم ، فهو المعلول لعلة فاعلة بالطبع لا بالاختيار والعلم ، كما تقدم من مثال النار التي تحرق طبعا لا اختيارا إذ لا عقل لها لَتَخْتَارَ مَنْ تحرق وَمَنْ لا تحرق ، فذلك نفي العلم الإلهي المحيط الذي به كان التكوين ومنه كان التشريع ، وهو المعلول لعلة يقارنها في الوجدان فليست هي الأولى القديمة ، وإنما العالم الذي صدر عنها قديم مثلها ، فذلك نفي الأولية : الأولية الإلهية المحكمة التي جاءت بها الآي المنزلة ، فـ : (هُوَ الْأَوَّلُ) ، ودلالة "أل" كما يقول أهل الشأن : دلالة الاستغراق لمعاني الأولية التي أبان عنها عنوان الأول ، فأبانت "أل" عن جنس المعنى وهو الأولية واستغرقت وجوهه فهو الأول : الأولية المطلقة ، وهو ما رفدها بمعنى ثالث يزيد وهو معنى العهد الخاص ، فذلك أول لا أول مثله قد انْفَرَدَ بالمعنى من هذا الباب ، الباب الجامع المستغرق لوجوه المعنى على حد الكمال المطلق فليس ذلك إلا لواحد ، وهو الخالق الحاكم ، جل وعلا ، وذلك الخلاف الذي يجاوز التأطير الفلسفي المجرد ، فليس الكلام فيه ، كما تقدم ، تَشْقِيقًا في باب الجدال ، وإنما ظهرت آثاره في نظرية السياسة والحكم ، فالأولية فيها مناط خلاف مستحكم في باب السيادة ، فجاوزت أولية الوجود التي اجتهد الفلاسفة أن يَنْقُضُوهَا بِمَا تَقَدَّمَ من القول بِقِدَمِ العالم ، فمع اجتهادهم في سلب الخالق ، جل وعلا ، أوصاف العلم والحكمة والقدرة .... إلخ ، كان اجتهادهم في سلب الخالق ، تبارك وتعالى ، وصف الأول القديم ، فليس وحده الواجب بنفسه الذي لا يفتقر إلى سبب من خارج ، فوجوده الذاتي الأول أوليةَ الإطلاقِ فليس قبله شيء ، كما تقدم من الدعاء المأثور ، ذلك الوجود قد استهدفته الحكمة الأولى أن تُبْطِلَهُ فَيَسْتَوِي الخالق والمخلوق ! ، فالعالم قديم كما العلة التي عنها صدر ! ، وليس ثم علة تَتَقَدَّمُ الخلق ، بل الخلق والخالق كلاهما قديم ، وإنما الخلق قد صدر عن الخالق صدور المعلول عن العلة مع اقترانهما في الوجود ! ، وذلك مما يخالف عن بدائه المعقول ، فإن العلة ، بداهة ، تَتَقَدَّمُ المعلول ، فإذا جاع الإنسان ثم أكل ، فالأكل سبب في الشبع ، وهو بداهة ، يتقدمه في الوجود فيقال أكل فَشَبِعَ ، فلا بد من عاطف يدل على تفاوت في الوجود ، فحقيقة الشبع تَلِي عِلَّةَ الأكل ، فلا يَقْتَرِنَانِ ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فـ : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فَثَمَّ كلمة تكوين هي الأولى ، فهي علة الخلق ، وهي ، من وجه آخر ، حكاية تأويل محكم لأوصاف الكمال المطلق ، فكلمة الخلق تأويل اسمِ الخالق ووصفِ الخلق الذي اشْتُقَّ منه ، فآثاره كلمة تكوين هي العلة التي تَتَقَدَّمُ فهي الأولى ، فإذا صدرت عن الخالق بالإرادة والمشيئة كان المخلوق فهو أثرها في الخارج ، وهو تال لها في الوجود وفي الرتبة ، كما تقدم من مثال الأكل والشبع ، فلا يخالف في ذلك عاقل حتى يكاد الكلام في هذا الباب يجري مجرى الثرثرة فهو معلوم ضروري يدركه كل عاقل ! ، أَنْ لا معلول في الخارج يُقَارِنُ العلة ، وإنما يأتي أبدا بعدها ، وهو ما اجتهدت الحكمة الأولى أَنْ تَنْفِيَهُ فقالت بقدم العالم وخالفت عن البدائه : أَنَّ العلة لا بد أن تتقدم المعلول فكيف يقترن المعلول بالعلة ، فيكون الشفاء مع تَنَاوُلِ الدواء ؟! ، والصحيح أن الدواء يَتَقَدَّمُ والشفاء يأتي بعده .

    ثم كان التحايل الثاني أن قالوا إن ثم تقدما للعلة ولكنه تقدم في الرتبة لا في الوجود ، فلا ينفك العالم في مقالهم يكون قديما في الأزل ، فليس ثم أول قد انفرد بوصف الأولية المطلقة بل الكون كله قد قارنه في هذا الوصف ، حكايةَ مناجزةٍ تقدمت فهي تجاوز التأطير الفلسفي المجرد ، فالعقل لا يسلم بأسبقية الوحي ، بل هو يناجزه ويساويه في الوجود ، فليس الوحي هو الأول وعنه العقل يصدر ، بل العقل أول كما الوحي فهو يشاطره الوصف بل ويصارعه في المقال اليوناني القديم إذ يَرُومُ الوحي حجبَ العلوم والمعارف عنه ، فنشأت الحضارة الغربية في ظل هذه الأجواء المتوترة التي تَتَّسِمُ بالعداء والتَّرَبُّصِ ! ، والعقل مع ذلك لم يُسَلِّمْ للخالق ، جل وعلا ، أنه وحده واجب الوجود بنفسه فلا يفتقر إلى سبب من خارج فهو الغنى غنى الذات المطلق ، بل الكون ، أيضا ، واجب الوجود بنفسه فلا حاجة له إلى سبب من خارج ، فلا يفتقر إلى خالق يخلقه فهو قديم ، وهو ما طردته الحداثة المعاصرة فلا يحتاج إلى حاكم يضع له نظرية في الحكم والتشريع ، فالعقل قديم قِدَمَ الوحي ، وليس الوحي بأولى منه أن يشرع ويحكم ، فتلك معان جاوزت التَّنْظِيرَ الفلسفي فظهرت آثارها في نظريات الحكم والسياسة ، وقل مثله ، والشيء بالشيء يذكر ، قل مثله في مقال كمقال خلق القرآن ، وهو ما تَنَاوَلَهُ الدرس الاعتزالي القديم لا سيما زَمَنَ المأمون العباسي والمعتصم والواثق ابنه من بعده حتى أبطله المتوكل في حكاية تاريخ يُؤْثَرُ ، فَعَلَامَ تحتفي به الحداثة الآن فَتَبْتَعِثُهُ هو ، أيضا ، من مرقده ؟! ، مع أنه خلاف قد انْدَثَرَ والصواب ألا يُحْيَى ذكرُه إلا في إطار الدرس النظري في قاعات البحث ، فما انفكت الحداثة تحتفي به وَتُحْيِي ما أُمِيتَ من ذكره حكايةً تجاوز احتفاءها بالدرس الاعتزالي الذي احتفى بالعقل كما الحداثة وإن لم يَبْلُغْ ما بَلَغَتْ من الوقاحة في التصريح بازدراء الوحي ، فالاعتزال قد تلطف في العبارة وَكَنَّى فلم يُصَرِّحْ مع أن كثيرا من رجالاته لم يكونوا على هذا الاعتقاد المارق ، بل كان منهم من يعظم الوحي وكانت له ، كما يقول بعض المحققين حكايةَ عدل وإنصاف للخصم ، كانت له مباحث نافعة في التفسير واللسان .... إلخ ، وإن ضلوا في هذا القول فلم يكن ثم سوء قصد يجاوز الإعجاب بالرأي الذي لا يسلم منه أحد ، إلا من رحم الله جل وعلا ، وإن عظم جُرْمُهُمْ لَمَّا صيروا رأيهم مناط امتحان للخلق بل وجعلوه آيةً تميز الإيمان من الكفر ! ، وذلك ، أبدا ، حال كل محدِث فإنه يجعل محدثته مناطَ ابتلاء للخلق كافة ، وبها يميزهم وَلِيًّا من عدو ، فأحدثوا الأصل ثم امتحنوا به الخلق ولايةً وعداوةً فإذا صار لهم سيف جعلوا ذلك فُرْقَانًا بين الحياة والموت ! ، ومن عَجَبٍ أن تحتفي الحداثة التي تحترم الآراء كافة ! فترحب بالرأي الآخر في حوار حضاري هادئ ! ، من عَجَبٍ أَنْ تحتفي بمقال ذلك تاريخه فليس إلا الرياء بما لم تُعْطَ من الخلاف المتحضر ! ، وذلك ما تصنع الحداثة في نسختها الحديثة ، لا سيما النسخ الوظيفية التابعة في الأطراف ، فَتَسْتَعْلِنُ بما يخجل المركز أَنْ يُبِينَ عنه ، فهي أدواته في القمع والاستبداد المباشر مع ما يمارس من رياء يحفظ ماء الوجه انتقادا لما تُقَارِفُ أدواته الحداثية جدا ! ، فهي تَتَأَوَّلُ النظرية الحداثية في استئصال الآخر كما تأولها المعتزلة في خصومهم قتلا وسجنا وتشريدا مع رياء يَتَشَدَّقُ باجتهاد العقل وحرية الرأي ...... إلخ ، فذلك قاسم مشترك أعم ، وثم آخر أخص فهو في محل النِّزَاعِ الرئيس بين الوحي والحداثة ، فالقول إن القرآن مخلوق يَنْزِعُ عنه قداسة المرجع المجاوز من خارج ، فَبِمَ امتاز من العقل وكلاهما مخلوق ؟! ، كما أن الخالق لا يمتاز من المخلوق فكلاهما قديم أول واجب الوجود بنفسه قد استغنى عن كل سبب من خارج ، وهو ما يفضي إلى معنى حداثي مركزي وهو نَزْعُ الصفة التشريعية عن الكلام الإلهي ، بعد أن صار من الكلام المخلوق فهو كأي رأي يصدر عن العقول المخلوقة ، وذلك ما حمل عناوين حداثية معاصرة من قبيل "أَنْسَنَةِ الوحي" ، فهو عمل رائع ولكنه أرضي حادث فقد صدر عن الإنسان إذ اجتهد في اكتساب النبوة نظرًا وفكرًا ورياضةً بالجوع والسهر وَقِلَّةِ النوم وكثرة العبادة والتنسك ..... إلخ حتى صار المحل أهلا أن يَقْبَلَ الفيوضات الإلهية فهي إشراقات الحكمة العليا ، وتلك جادة في الفلسفة حملت عنوان "الفلسفة الإشراقية" ، فصارت النبوة صنعة من جملة صنائع يجتهد النبي ! أن يحصل أسبابها فَتَتَجَسَّد له في الخارج مَلَكًا يأخذ من العقل ، فليس إلا حكاية لِمَا حدث في العقل من الفكرة ، فانقلبت خيالا يخاطبه ، فقد فاضت الحكمة من أعلى وصار العقل لها أهلا ، فهو مصدر الوحي الذي يَتَجَسَّدُ في الخارج ، فذلك المخلوق الذي يخاطب العقل وحيا قد صدر منه أولا فهو يخاطب نفسه ! وليس ثم مرجع يجاوز من خارج ! ، وذلك عين ما استهدفت الحداثة ، فهي أبدا تَرُومُ أَنْسَنَةَ الوحيِ فليس إلا رد فعل يحكي حاجات الإنسان الذي يجتهد في تَلَمُّسِ الحلول لما يطرأ من أشكالات ، تأمل مثالا من جملة أمثلة ، تأمل احتفاء الحداثة بأسباب النزول لا أنها مَعَانٍ بها يدرك العقل وجوه الحكمة في التشريع ، وإنما هي دليل أن الوحي ليس إلا رَدَّ فِعْلٍ فَلَمَّا طرأ الإشكال اجتهد العقل في صناعة الوحي الذي يحل هذا الإشكال ! ، مع أن الجمهرة الأعظمى من الآي والأخبار قد نَزَلَتْ وَوَرَدَتْ لا على سبب أول يتقدم ! .
    فكانت قوة النظر في نُبُوَّةِ الفلسفة ! فقوة التخييل بعدها ، فذلك الملَك الذي يخاطب النبي بما يملك من أدوات التاثير في الخلق فقد وجد الحل وحيا وإن لم يخرج إلا من عقله فليس ثم مرجع يجاوزه من خارج ، لا جرم احتفى الدرس الاستشراقي في مواضع ، اجتهد في الثناء على الرسالة وصاحبها صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا أنه رسول يُوحَى إليه من السماء وإنما أنه حكيم فيلسوف يُوحَى إليه من العقل فيحل كل إشكال في العالم لا عن الوحي وإنما على العقل ! فليس ثم مرجع يجاوز من خارج ، وذلك ، أبدا ، الخط الحداثي الأحمر الذي لا يمكن الحداثة أَنْ تَتَجَاوَزَهُ وإن في ألطف مُثُلِهَا التي تكيل المدح والثناء على الوحي العقلي ! فذلك قيد حداثي محكم فلا حداثة تُثْنِي على الوحي السماوي المجاوز من خارج ، تأمل ، والشيء بالشيء يذكر ، مقال بعض المعاصرين وهو يعتبر نفسه مسيحيا ، ولكنه مع ذلك لا يؤمن ، كما تقول بعض الموسوعات حكايةً لسيرته الذاتية ، لا يؤمن بالمعنى الكلاسيكي للوحي ! ، فليس الوحي كلام الله للبشر ، بل هو كلام البشر عن الله ، فهو كلام مخلوق صدر عن البشر حكاية لحاجات إلهية ملحة ، وتأمل ، في المقابل ، مقالَ الفيلسوف الألماني لودفيغ فويرباخ وهو يُفَنِّدُ فكرةَ "الإله" ! ، فليس إلا تَعْبِيرًا عن حاجات الإنسان فلما كان جاهلا فقد اقترح في خياله عَلِيمًا ، وَلَمَّا كان ضعيفا فقد اقترح في خياله قويا ، ولما كان عاجزا فقد اقترح في خياله قديرا ..... إلخ ، فتلك أوصاف الإله العليم القوي القدير ... إلخ ، فليس إلا انعكاسا لأوصاف الإنسان الذي اقترح في خياله مثالا أعلى يسد به احتياجاته ويستكمل به ما نقص من أوصافه ! وبضدها تتمايز الأشياء ، وتلك منظومة فكر متكاملة تَسْبِقُ أي تطبيق حضاري أو سياسي أو عسكري ، فذلك جوهر الحداثة الذي احتملته الحضارة الغربية جيلا عن آخر ، وهو جوهر معيب عيوبا ذاتية فليس ذلك من العارض الطارئ بل هو العيب في الجوهر ، وهو ما انتقل إلى محل الشاهد : الإمبراطورية الأمريكية المعاصرة ، فهي حكاية حداثة مجاوزة لحدود الحضارة والجغرافيا ، وأدواتها في استهداف الخصم هي الأدوات الحداثية التقليدية ، وإن اكتست لحاء الحرية والإخاء والمساواة ..... إلخ ، فعند التطبيق تَسْتَبِينُ حقائق الأفكار والأخلاق ، فروح الحداثة روح الأثرة والاحتكار : احتكار أسباب القوة التي يُخْضِعُ بها القويُّ الضعيف لتحقيق مآربه لذَّةَ حسٍّ ومعنى ، فتلك ، أبدا ، أجزاء القسمة الحداثية في الخارج : القوة وسيلة واللذة غاية ، وهو ما يُفْضِي ، ولو بعد حين ، إلى انهيار المثال الحضاري والسياسي إذ احتمل روح الظلم والاستبداد وإن تظاهر بالعدل والإنصاف ، وإنما حَجَبَ ذلك حِينًا ما يَتَعَاطَى المركز من عدل ولو في اقتسام الغنائم المنتهبة من الأطراف ! ، فذلك ما يضمن للمثال حدا أدنى من الاستقرار دون علاج لأصل الداء ، فهو ، كما تقدم ، عيب ذاتي في جوهر النظرية الحداثية ، فلا تنفك آثاره تظهر بعد حين ، كما الحال الآن في المثال الأمريكي المتراجع إذ بدأت آثار الرأسمالية النيوليبرالية المحتكرة ، بدأت في الظهور وهي حكاية الصدق في تأويل الحداثة في السياسة والحرب والاقتصاد وقواعد الاجتماع والعمران ، فالمثال الذي ضربه الرئيس جو بايدن وهو يحكي قصة العجوز التي لم تجد قيمة العلاج لِعَيْنَيْهَا ، ذلك المثال ، كما تقدم ، مثال مفتاحي تجاوز دلالته الدلالةَ المباشرة فهو دليل على تراجع المثال الأمريكي خاصة وتراجع المثال الغربي عامة ، بعد تمدد وتصاعد في منحنى السيادة فَلَيْسَ بعده ، كما تقدم مرارا ، إلا التوقف والثبوت برهة ، وليس ذلك إلا الاستثناء في تَدَافُعِ الخلق أَفْرَادًا أو أممًا ، فمن لا يتمدد فلا يثبت أبدا وإنما مآله أن ينكمش ، ومن لا يصعد مُنْحَنَاهُ فهو يثبت فذلك ، أيضا ، ما يكون برهة ، وليس بعدها إلا الانحدار ولو على مكث بادي أمره ثم لا يلبث أن يَتَسَارَعَ في أعصار الاحتضار التي تسبق الموت .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 10-05-2021 في 12:56 AM

  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:13-05-2021
    الساعة:01:21 AM

    المشاركات
    4,991
    العمر
    43

    والصورة ، كما تقدم مرارا ، واحدة ، صورة الحداثة النيوليبرالية ، فهي تجري مجرى المقدمة التي تفضي إلى النتيجة ، فالمقدمة الواحدة تفضي إلى نتيجة واحدة ، فحيث وجدت الحداثة وجد الاستبداد والأثرة في الرياسات والأموال .... إلخ من رغائب النفوس التي جُبِلَتْ على حبها ولم يكن لها من الوحي والعدل قيد يحكم لجامها فلا تَنْفَلِتُ ، وهو ما يفضي إلى الاحتكار والمركزية ، مركزية رأس المال وإن في المثال النيوليبرالي الذي يقدس الحرية وهي بطبيعتها لامركزية تأنف من تحكم مركز سلطة سياسية أو اجتماعية بل وَتَنْحُو نحو الفوضى والانفلات السياسي والاجتماعي في أحيان ! ، فطبائع النفوس إِنْ أُطْلِقَ لها العنان فهي أبدا تسعى في استجماع أسباب القوة والسلطة والثروة وهو ما يفضي إلى المركزية آنفة الذكر : مركزية رأسل المال ، ومركزية السلطة ناعمة أو خشنة ، فتلك النتيجة التي تصدر عن المقدمة الحداثية آنفة الذكر ، والحداثة بطبيعتها الذاتية الملازمة لا تجيد طريقة لتغيير وضع سياسي أو اجتماعي إلا العنف المفرط الذي يحمل عناوين تَقَدَّمَ ذكرها في مواضع : الصدمة العنيفة التي تجاوز الحس إلى المعنى مع إفراط في جرعات القمع والتنكيل واستخفاف بالقيم الأخلاقية المستقرة فضلا عن نظيرتها الرسالية فهي الخصم الأبرز الذي يجاوز الإطار الأخلاقي إلى آخر أشد إحكاما فهو المرجع الأعلى الذي يؤطر النظريات الأخلاقية والتشريعية والسياسية جميعا ، فلا يقدم معان مجردة لا تجاوز الفكرة والباعث ، فهي إطار جامع للأحكام كافة ، وهو دين الفكرة والحركة ، فالحداثة لا يمكنها أن تستقر وثم قواعد أصيلة في أي مجتمع فهي موانع تحول دون الدين الحداثي الذي يقترح إطارا بديلا جملة وتفصيلا ، فَلَهُ نظرية ومرجعية ، وله قواعد أخلاقية وسياسية .... إلخ ، وله منظومات تشريع وقضاء وإنفاذ ، وله لوائح إدارة وإجراء بها يحكم السيطرة على المجتمع بعد نسخ المنظومات المستقرة ، والعنف ، أبدا ، وسيلة الحداثة أن تغزو العالم ، وكل تطبيقاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية تَتَّسِمُ بالبراجماتية الشديدة التي لَا تَرَى في الإنسان إلا رقما يُضَافُ إلى رصيدها أو آخر تَتَخَلَّصُ منه إذ لا قيمة مضافة لَهُ ، تجارب الحداثة الاستعمارية في العصر الحديث مثالا ، وهو الشيء بالشيء يذكر ، وهو محل شاهد يستحضر الآن في الأرض المقدسة ، فالحداثة تقف منه موقف تأصيل وتطبيق ، وهو ما يُفَسِّرُ تداعي النظام الدولي بِنَفْسِهِ أن يدافع عن المثال الحداثي الذي استثمر فيه ما استثمر فيكاد يكون مشروعه الوظيفي الأبرز في القرن الماضي ، لا سيما وقد دشنه في قلب العالم القديم وعلى أرضه كُتِبَ التاريخ ولا زال فهو مخزون الحضارة الإنسانية عامة والرسالية خاصة ، وهي ، كما تقدم مرارا ، العدو الناجز للحداثة ، فنجح المركز على حين غفلة وضعف في الأطراف بعد تَخَلِّيهَا عن دورها الحضاري المركزي وزوال كيانها السياسي والعسكري الجامع ، فتحولت طبقا لسنة التداول من مركزي حضاري رائد إلى طرف وظيفي تابع ، وذلك ما سبق إنشاء الكيان ، كما يقول أهل الشأن ، فإنك إذا أَرَدت إنشاء كيان في الخارج يجاوز الفكرة الباعثة إلى الحركة الفاعلة على الأرض ، فلا بد أن تهيئ له بيئة استراتيجية تلائم ، فلا يزرع محاصيل كالفاصولياء الخضراء والفجل والكرفس والفول الأخضر والفراولة على سبيل المثال في أرض مالحة فهي محاصيل شديدة الحساسية للملوحة ، فلا بد ابتداء من اختيار البيئة الاستراتيجية الملائمة ، أو معالجة البيئة المالحة حتى تقبل زراعة هذه المحاصيل ، وإلا فَالتَّفْتِيشُ عن بِيئَةٍ أخرى تلائم ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أصل في أي دعوة فلا تشرع الذكرى في موضع لا يلائم فهو لا يقدرها حق قدرها أو هو من أشد الخلق خصومة لها لهوى أو حظ نفس جاءت تَسْتَلِبُهُ أو تهذبه بأطره على جَادَّةٍ تُلْجِمُ نوازعه ، فكان من المأثور أن الرسالة أمر تكرهه الملوك ، فالملوك تكره أي إطار يُقَيِّدُ حركتها بأمر ونهي يلزم فضلا عن إنكار وزجر يَرْدَعُ فتجتهد في حرب الرسالة كما الحداثة المعاصرة لا سيما في الأطراف وهي مهاد الرسالة الأول ، وثم علم ضروري يفيد اليقين الجازم أن يقظة الأطراف ولا تكون إلا بالرجوع إلى محكم النبوات ، أن ذلك خطر وجودي وإن آجلا ، فقد يكون ثم من الأخطار السياسية والعسكرية والاقتصادية ما يشغل المركز الآن ، ولكنه ، أبدا ، يَرَى ذلك من الخلاف في دائرة حضارية واحدة ، أو دوائر متقاربة وإن كانت في مشاهد متصارعةً ، فالأصل الأرضي المحدَث واحد ، وهو القاسم المشترك الذي يخفف حدة العداوة في مشاهد ، ولو من باب : عند الشدائد تذهب الأحقاد ، لا سيما إن كان الخصم على ضِدٍّ بل وَنَقِيضٍ في الأصل والمرجع ، فهو وحي من السماء قد تَنَزَّلَ في مقابل الحداثة ، فاجتهدت الحداثة في المثال المعاصر أن تَنْقُلَ المعركة إلى أرض الخصم في قلب الشرق ، وكان من ذلك تأويل يَتَجَدَّدُ أَنَّ هذا الأمر مما تكرهه الملوك ، وهو ما جعلهم في كل جيل يتواصون بحربه وَتَنْفِيرِ الخلق منه بدعايات الجنون والخرافة والتعصب والانغلاق والرجعية وضيق الأفق وَقِدَمِ المثال فلا يواطئ حركة التحديث ..... إلخ ، فكان من البيئة الاستراتيجية شديدة الملوحة ! ما لا يصلح في أحيان لنبت الرسالة ، فإما أن تُفَارِقَ هذه الأرض هجرة بَعْدَ أَنِ اسْتَنْفَدَتْ أدواتها دعوةً ، فلا تُذَكِّرُ في مواضع لا تنفع فيها الذكرى ، وذلك ما تأولته الرسالة امتثالا للأمر أَنْ : (ذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) ، فَثَمَّ المفهوم أن لا تُذَكِّرْ إن لم تَنْفَعِ الذكرى فذلك وقت ضائع وجهد بلا طائل يخالف عن سنن الحكمة أَنْ يُوضَعَ الشيءُ في المحل الذي يَقْبَلُ ، فلا يوضع نبت الفاصولياء ، كما تقدم ، في أرض مالحة ، ولا يزرع الشوك طلبا للعنب فإنك لا تجني من الشوك العنبَ ، كما في المثل السائر ، فلا يضيع الوقت والجهد في بذرٍ وسقاية ورعاية وليس ثم ثمرة إذ البيئة الاستراتيجية ، بادي الرأي ، لا تلائم ، لا جرم اعْتَبَرَ مَنِ اعْتَبَرَ من المحققين ، اعْتَبَرَ المفهومَ من منطوق الآي آنف الذكر : (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى) ، فذلك منطوق ، وثم المفهوم أَنْ لَا تُذَكِّرْ إن لم تَنْفَعِ الذكرى فحصل اليقين أو غَلَبَ على الظن أَنَّ الذِّكْرَى لا تَنْفَعُ بل قد تضر في أحيان فَيَلْحَقُ الأذى بصاحبها بلا عوض يُكَافِئُ ، فإن لم تكن مكة مِثَالًا من الرسالة ، إن لم تكن بيئة استراتيجية أن تقبل آثار الرسالة إلا رجالات من الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وقد دَرَجُوا في مهاد الشدة والابتلاء ، لا أنه قدر محتم أو أنه في نفسه مطلب يُسْتَجْلَبُ بل هو عارض يُسْتَدْفَعُ فلا يعدل عاقل شيئا بالسلامة في الدين والدنيا ، فأولئك غايةٌ استخرجت من أرض مكة وقد أجدبت فليست البيئة الاستراتيجية التي تقبل آثار الرسالة ، فكانت إرهاصات تُنْبِئُ أن ثم خيارات أخرى تَنْفَعُ : (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) ، و : (مَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) ...... إلخ ، ثم كان الخروج إلى بِيئَةٍ استراتيجية جديدة بِرَسْمِ : (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) ، فإذ استحال غرس الرسالة في أرض مكة فليست البيئة الاستراتيجية التي تلائم ، فلا خيار يجاوز اثنين : إما أن تنجح في صناعة بيئة استراتيجية تلائم ولو حدا أدنى يضمن بقاء الفكرة والحركة ، فإن لم تَنْجَحْ فلا بد من الانتقال إلى بيئة أخرى أفضل وإن لم تكن المثلى فهي أَلْيَقُ بالبذرة التي تَرُومُ اسْتِنْبَاتَهَا ، وهو ما كان من هجرة الرسالة إلى يثرب إذ الذكرى هناك تنفع ما لا تنفع في مكة ، فامتنعت الرسالة أَنْ تُذَكِّرَ في مكة فلم يعد ثم جدوى ، وباشرت التذكير مبكرا في يثرب فهي بيئة استراتيجية تَقْبَلُ آثارها ، وإن استغرق ذلك زمنا وجهدا فلم تكن بيئة يثرب استراتيجية مثلى ، وإنما جهدت الرسالة في استصلاحها ، ولو على مكث ، حتى صارت في المجموع الغالب أو الفاعل قابلةً لآثار الوحي النازل ، ثم كانت حركة استصلاح فاعلة في الجوار بلغت مكة وهي المهبط الذي لم يقبل آثار الوحي بادي الرأي ، فكان استصلاح بِيئَتِهَا بالفتح إذ لم تُجْدِ الذكرى شيئا ، فَصُنِعَتْ بِيئَةُ يثرب الاستراتيجية بالذكرى ، وصنعت بيئة مكة الاستراتيجية بالفتح ، ولكل بِيئَةٍ من أدوات الاستصلاح ما يلائم ، ولكلِّ محل من الأحوال ما يُوَاطِئُ ، قوةً أو ضعفًا ، دعوةً أو سيفًا ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، تأويل الحكمة في الخارج ، أَنْ تَضَعَ الشيء في المحل الذي يلائم ، وهو من العلوم الضرورية التي أجمعت عليها الطرائق كافة : الرسالية والحداثية ، وذلك عين ما صنعت الحداثة في الأرض المقدسة ، فلم تخرج قيد أنملة عن قانون الحكمة المطرد ! ، فكانت أوائل القرن الماضي بل وربما قبله من لدن دشنت حركة الاستعمار الحديث ، أواخر القرن الثامن عشر ومطالع القرن التاسع عشر ، الحملة الفرنسية على مصر عنوانا رئيسا في تَغَيُّرِ موازينِ القوى وتدشين مشروع الحداثة العسكري ضد الشرق الرسالي بعد تراجعه وترهله وانتقال مركز الحضارة والتأثير إلى الغرب الحداثي ذي الجذر المسيحي ، فلم يكن كل أولئك ، لو تدبر الناظر ، إلا استصلاحا مبكِّرًا لبيئة الشرق الرسالية أن تقبل الآثار الحداثية ، فأرض الرسالة ليست بادي الرأي ، بيئة استراتيجية تلائم نَبْتَ الحداثة ، فإما أَنْ تُفَتِّشَ الحداثة عن يثرب أخرى تكون هي المهجر ، تأمل الأقاليم المقترحة مطلع الحركة الأم التي دشنت بعد ذلك الكيان في بيت المقدس ، تأمل الأقاليم المقترحة من أوغندا في إفريقية إلى الأرجنتين في أمريكا اللاتينية ، وكأن صاحب هذه المقترحات يَتَحَلَّى بقسط وافر من الموضوعية ، فالبيئة الرسالية في الشرق شديدة الملوحة لا تقبل بذرة الكيان ! ، فكان التفتيش عن بيئة استراتيجية أخرى ، ثم كان العدول عن هذه الفكرة لظرف أيديولوجي وسياسي مركب ، فإن اختيار هذه البقعة لا يخلو من نظر ، لا سيما والمركز يستثمر فيها الاستثمار الأيديولوجي ، البروتستانتية البريطانية ثم الأمريكية مثالا ، واستثمارا سياسيا فهو نسخة جديدة من الكيانات الصليبية التي نجح الغرب اللاتيني الكاثوليكي آنذاك في إقامتها في مواضع مختارة بعناية وإن حملت عناوين الديانة ، فتلك الدعاية الشعبوية التي جُنِّدَتْ بها قطعان الأوروبيين ، وإلا فَثَمَّ معنى حداثي براجماتي لا يعلمه إلا رءوس القوم في الكهنوت والسياسة والاقتصاد ، ومحل الشاهد منه تمزيق الوحدة الجيوحضارية والجيوسياسية والجيوعسكرية بين شرق العالم الإسلامي : بلاد الشام ومن ورائها العراق ، وغربه : مصر وما وراءها حتى سواحل الأطلسي ، وثم ، لو تدبر الناظر ، خط حضاري تستهدفه الحداثة في كل جيل ، وهو في الشرقِ يمتد من بغداد إلى دمشق إلى القاهرة ، فتلك مراكز صناعة الحضارة في الشرق ، وهي ذات ملوحة شديدة جدا فَلَا تلائم البذرة الوافدة من خارج إذ تَفْتَقِرُ إلى ظرف مغاير ، فكان العمل الدءوب لا سيما مع ضعف الشرق آنذاك ، وانهيار حواضره آنفة الذكر : بغداد العباسيين ، ودمشق ، وقاهرة الفاطميين ، مع مناجزة داخلية تأرز إلى خصومة أيديولوجية وسياسية مستحكمة بين خلافة بغداد التي تمثل ، ولو رمزا ، روح الرسالة الأولى ، وقاهرة المعز في طرف آخر وهي تمثل روح باطنية محدَثة آنست في الشرق ضعفا روحيا وعلميا وسياسيا فَنَجَحَتْ في استثماره وملأت الفراغ الذي خلفته بغداد بعد أن صارت خلافتها ألعوبة ، ولم يكن لقرطبة من موطئ القدم القريب ما يجعلها فاعلة في الحدث السياسي والعسكري المباشر فضلا أن مجد قرطبة كان في النصف الأول من القرن الرابع الهجري 300_350 ، إبان ولابية عبد الرحمن الناصر لدين الله ، وحينا من الدهر ولو بقوة الدفع الذاتي إبان خلافة ابنه الحكم المستنصر إلى 367 ومن بعده حكم المنصور بن أبي عامر المتغلب إلى 392 ومن بعده ابنه الحاجب المظفر حتى 399 ، فتلك نهاية قرطبة السياسية وقد بدأت الحملات الصليبية بعد ذلك أواخر القرن الخامس الهجري ، أبي بعد قرن من مجد قرطبة الزائل فلم يكن لها إبان الحملات الصليبية على الأرض المقدسة لم يكن لها كبير دور في سياسة أو حرب وإن بقيت رمزا حضاريا في المغرب حتى السقوط الأخير 633هـ .

    فضعفت آثار الرسالة من الداخل ، وذلك ما تَبَرَّعَ به الشرق مختارا ! لتهيئة البيئة الاستراتيجية التي تقبل آثار المشروع الصليبي الوافد ، ثم كان اجتهاد الغرب اللاتيني الكاثوليكي ، كان اجتهاده الذاتي أن يمزق الوحدة الحضارية آنفة الذكر ، فكان إنشاء الإمارات والممالك الصليبية التي حالت دون وحدة نوعية بين الشام ومصر ، بين شرق العالم الإسلامي وغربه ، فتلك بيئة استراتيجية تلائم ، وقبلها كان مجموع مركب من ضعف ذاتي في الشرق المسلم تَبَرَّعَ بقسط من الإعداد ، ثم كان الإجراءات الصليبية التي استكملت فصارت البيئة استراتيجيةً تُلَائِمُ أَنْ تَقْبَلَ آثار ذلك المشروع الوافد ، وكان استصلاح الأرض أن تقبل البذر ! ، ولو بُذِرَ حَالَ قوةٍ وتماسكٍ والأرض الشرقية محتفظة بخصائصها الذاتية ما نَبَتَ ولا أثمر بل ما بُذِرَ ابتداء فالأرض تَلْفِظُهُ لَفْظًا ، وهو ما ظهر بعد ذلك لما كانت مشاريع الصحوة التي أعادت للشرق روحه الذاتي الأصيل فاستصحلت الأرض رجوعًا بها إلى الأصل ، مشاريع الزنكيين ثم الأيوبيين ثم المماليك ، فتخلصت الأرض من مادتها الفاسدة واستصلحت أن تَسْتَرْجِعَ روحَ فكرتها وحضارتها ، فزالت الممالك الصليبية واندثرت لأنها زرعت في غير البيئة الاستراتيجية ، وإنما صمدت قرنين أن وَاتَتْ ظروفٌ استثنائية مع جهود ذاتية للمركز لا يمكن جحدها فقد باشر الأسباب الكونية في استصلاح الأرض الشرقية شديدة الملوحة أن تقبل آثار نَبْتِهِ ، ولو مُؤَقَّتًا ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، عين ما وقع بعد ذلك مطالع الاستعمار الحديث ، فكانت التهيئة المبكرة لأرض طالما لفظت بَذْرَ الغرب المسيحي أو الحداثي ذي الجذر المسيحي في النسخة الجديدة ، فكان العمل الدءوب لاستصلاح الأرض ، إما مباشرة من المركز بما دشن من حركة الاستعمار الحديث ، أو عبر وكلاء وظيفيين في الإقليم ، على تفاوت في أدوارهم بين خشن وناعم ، طبقا لنظرية تَبَادُلِ الأدوار التي يَتَنَاوَبُ عليها كلٌّ تَبَعًا لطبيعة المرحلة وهوامش المناورة وقوة الممانعة في الفكرة والمدافعة في الحركة مع نَفَسٍ طويل هادئ لا يستعجل الثمرة فهي نِتَاجُ يَظْهَرُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، ولا ينضج إلا على مكث ، حتى بَلَغَ المشروع مرحلة متقدمة أوائل القرن الماضي ، فكانت الحرب العالمية الأولى ولولاها ما تَغَيَّرَتِ البيئة الاستراتيجية في الشرق أَنْ تَقْبَلَ آثار المشروع الجديد الذي يُكَرِّرُ المحاولة الصليبية ذاتها في البقعة نفسها لتمزيق الخط الحضاري المتصل من بغداد إلى دمشق إلى القاهرة ، فَقَدْ سقطت جميعا بعد الحرب العالمية الأولى ، إعلان الحماية البريطانية على مصر 1914 ردا على انحيازها آنذاك للدولة العثمانية بِوَصْفِهَا الكيان الإسلامي الجامع ، ولو اسما آنذاك بلا مسمى ، فكان إعلان الحماية إعلان احتلال رسمي ! بعد الاحتلال الفعلي 1882 ، وسقوط العراق في قبضة البريطانيين ، ودخول القوات البريطانية المظفرة ! دمشقَ بعد معركة دمشق الكبرى أواخر سبتمبر 1918 بعد دخولهم بيت المقدس نوفمبر 1917 بعد معركة القدس بِدَعْمٍ فاعل من جيش مصر المحتلة ! الذي تحول إلى أداة وظيفية لم تُنْكِرْ في الجيل الوظيفي الحالي دَوْرَهَا الفاعل في الحرب الحداثية على القوى الرجعية التي تمثلها آنذاك الدولة العثمانية فهي الخصم في معركة القدس كما كانت بعد ذلك الخصم في معركة دمشق 1918 ، فدخلتها القوات البريطانية صحبةَ الأمير فيصل الأول ابن الشريف حسين قائد الثورة العربية : الأداة الساذجة التي استخدمها المشروع الحداثي الغربي في تهيئة البيئة الاستراتيجية لقيام الكيان الوظيفي الْأَبْرَزَ فِي الشرق الأوسط .

    ومحل الشاهد ما تَقَدَّمَ من نظرية البيئة الاستراتيجية التي تَسْبِقُ إِنْشَاءَ أَيِّ كيانٍ ، فلا بد من صناعتها قبل تدشينه وإلا فلا مستقبل له في بيئة استراتيجية لا تلائم ، وعنوان المشهد في الشرق لا يخرج عن الحواضر الثلاث آنفة الذكر : بغداد دمشق القاهرة ، وكانت تلك حالها مع تدشين المشروع الوظيفي ، مشروع الكيان ، فصدر وعد بلفور 1917 ذو البواعث البروتستانتية الأيديولوجية الأخلاقية ! من وجه ، والسياسية الحداثية البراجماتية من آخر ، وهو ما ورثته الإمبراطورية الأمريكية بعد ذلك ، تأمل تصريح الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون وهو محسوب على الجناح الجمهوري البروتستانتي المحافظ فأشاد بالواجب الأخلاقي ، فثم واجب أخلاقي يَتَحَتَّمُ على أمريكا أن تنهض به حماية للكيان فثم واجب أخلاقي قبل الاستثمار السياسي والعسكري والاقتصادي ذي الطابع البراجماتي ، سواء أصدق الرئيس نيكسون فكان ذا أيديولوجية أم كذب فَتَصَنَّعَهَا رياءً لتحقيق مآرب سياسية براجماتية ، فلا يخرج الباعث البريطاني الأنجلوساكسوني البروتستانتي الأبيض ومن بعده الباعث الأمريكي الأنجلوساكسوني البروتستانتي الأبيض أيضا ! ، لا يخرج عن هذه القسمة الثنائية : إما الأيديولوجية البروتستانتية أو البراجماتية الحداثية ، أو هما معا في مركب دقيق تلائمه البروتستانتية ذات النفس الحداثي العلماني الذي يقصر الدين على الفكرة الباعثة دون تدخل في إجراءات الحركة الفاعلة ، فذلك عنوان رئيس في المشهد ، الاستثمار الأيديولوجي والبراجماتي المركب ، مع عنوان آخر رئيس وهو إعداد البيئة الاستراتيجية على مكث ، لا سيما في حواضر الشرق آنفة الذكر : بغداد دمشق القاهرة ، ودول الطوق الملاصق وأخرى تَلِيهَا بما لها من مركزية روحية في الشرق : الجزيرة العربية عامة بوصفها الحاضنة الأولى للرسالة وأرض الحرمين خاصة ، وهي الآن تقطع أشواطا واسعة في مشروع الحداثة الراديكالية بعد عقود من العمل على مكث في مشروع حداثة معتدل ! .
    فَكَانَ التدرج في صناعة هذه البيئة ، فَقَبْلَ صناعة الكيان نفسه لا بد ، كما تقدم ، من صناعة البيئة الاستراتيجية التي تحتضن فلا تلفظ ، فالشرق آنذاك مع ضعفه الأيديولوجي والسياسي والعسكري لم يكن ليقبل هذا الوافد الجديد الذي يمزق أواصره الحضارية والاجتماعية ، فكانت الدولة العثمانية على ضعفها الشديد فهي آنذاك الاسم بلا مسمى ، كانت مع ذلك عنوان الأيديولوجيا والسياسة والحرب الجامع ، ولو باعثا روحيا لا أكثر ، فهي تمثل الرجعية والتخلف الذي يحول دون المشروع الحداثي الغربي ، تأمل احتفاء المجموع الوظيفي الحاكم في مصر بعد ذلك بعقود ! وهو يُرَائِي الغربَ بالذكرى التاسعة والتسعين ! فقد استعجل الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى لظرف سياسي قاهر ! ، فاحتفى بها كما تَقَدَّمَ أنها الحرب ضد قوى الرجعية والتخلف فَوَقَفَتْ مصر الحديثة كما اقترحها اللورد كرومر في كتابه المشهور "modern egypt" ، وَقَفَتْ في صف الحداثة والتجديد ، وَثَارَ الحجاز ، مهد الرسالة ! ، ثَارَ على قانون الحداثة ضد الرجعية ذاتها ، وانتفضت دمشق ، وسقطت بغداد في قبضة بريطانيا بعد ذلك وكان ثم خيانات حداثية في الدولة العثمانية أفضت إلى عزل السلطان عبد الحميد الثاني فلم يكن أحد يجرؤ أن يدشن هذه المرحلة المتقدمة من المشروع وهو على سدة الحكم رغم ما كان من حاله لينا ورخاوةً بلغت حد الضعف فكان وجوده ولو رمزا مع فعل سياسي لا ينكر وَإِنْ حَدًّا أدنى حَفِظَ به للكيان الإسلامي الجامع بقايا الحشمة والهيبة .

    فكان كل أولئك مانعا دون صناعة البيئة الاستراتيجية الملائمة لقيام الكيان ، فلا بد من عَزْلِهِ وهو ما تَوَلَّتْهُ الحركة الحداثية ذات الطابع القومي العنصري في تركيا الجديدة في تَمَاهٍ مع أخرى قومية عنصرية خرجت من الحجاز ، فَتَمَاهَى الاثنان على قاعدة الاقتتال القومي العنصري ، في فِعْلٍ وَرَدِّ فِعْلٍ جاهلي ! نجح الاستعمار الحداثي في استثماره كبدايةٍ لمشروعه الوظيفي في الشرق ، وهو ما أَفْرَزَ مشهدا مغايرا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى فكان من آثارها القريبة كما يقول بعض الباحثين : زوال الكيان الجامع للشرق المسلم واستبدال دول وظيفية حداثية تابعة به ، وهي ما استخدم بعد ذلك أداة وظيفية لتهيئة المشهد لقيام الكيان ، ولو بعد ثلاثين عاما ، من نهاية الحرب العالمية الأولى 1918 إلى إعلان قيام الكيان في هذا الوقت : منتصف مايو 1948 وهو من الأسباب المباشرة للمواجهات المحتدمة الآن في بيت المقدس على خَلْفِيَّةِ الاحتفال باحتلال الجزء الشرقي من بيت المقدس وضمه إلى نظيره الغربي تحت سلطة الكيان الذي صار حقيقة وظيفية بعد أن كان فكرة بَاشَرَتْ أسباب الحركة وَمِنْ وَرَائِهَا المركز الذي تَدَرَّجَ ، فَثَمَّ كياناتُ ما بعد الحرب العالمية الأولى التي هَيَّأَ بها المركزُ البيئة الاستراتيجية لإنشاء الكيان بعد زوال الكيان الجامع للشرق المسلم عقيب الحرب العالمية الأولى ، فاستبدلت به وقامت بالأمر خير قيام بعد سقوط الحواضر الثلاث وهي أبدا كلمة سر مركزية في المشهد : بغداد دمشق القاهرة ، فكانت تلك الدول الوظيفية الناشئة تحت الحكم المركزي المباشر ، فلا زال الاحتلال يحكم ، ولو عَبْرَ سلطة وظيفية تابعة ، ومن ثم جاءت نسخة جديدة من هذه المجموعات الوظيفية تَوَلَّتِ الحكم مباشرة من وجه ، وإن بالنيابة عن المركز من آخر ! ، بعد مغادرته بِقُوَّتِهِ الخشنة فقد استبدل أخرى بها : سلطة وظيفية احتكرت أدوات القوة الخشنة والناعمة في إطار حداثي متقدم احتكر معيار الحسن والقبح على قَاعِدَةٍ حداثية فَأَطَّرَ الفكرة بأدوات الصورة والكلمة ، وَتَأَوَّلَهَا في الخارج بما امتلك من أدوات التشريع والقضاء والإنفاذ ، فَتِلْكَ النسخ هي من شهد الميلاد الرسمي للكيان ، وهي من نجح في تثبيت أركانه عبر سلسلة من الملاحم ! من 48 إلى 56 إلى 67 إلى 73 التي استثمرت مع مشاهد الفعل الميداني المؤثرة على قاعدة فكرية تُعَبِّرُ ، ولو في الجملة ، عن روح الحضارة والهوية الذاتية ، ولو من باب مُكْرَهٌ أخاك لا بطل ! ، فذلك ما اضطرت إليه السلطة الوظيفية اضطرارا حتى تحدث تَغْيِيرًا تكتيكيا في المشهد العسكري يُعْطِيهَا ذريعة إلى تَغْيِيرٍ آخر جذري في مشهد السياسة أَفْرَزَ التطبيع الرسمي مع الكيان وأخرج أكبر قوة في المنطقة من المشهد بما لها من مركزية حضارية لا تُنْكَرُ ، وهو ، والشيء بالشيء يُذْكَرُ ، ما يجعل الناظر يتدبر في المشهد الكائن الآن في بيت المقدس ، فهو يتساءل : هل كان ذلك ليحدث بهذه الحدة والوقاحة لو أن ثم في مصر روحا رسالية ، ولو باهتة ؟! ، وهو ما يفسر مجددا حتمية ما وقع في يوليو 2013 من وجهة النظر المركزية بعد أن لعبت مصر في 2012 حتى يوليو 2013 دورا فاعلا ، وإن لم يكن كاملا ، ولكنها أحدثت في هذا الملف تغييرا نوعيا وإن لم يكن جذريا فضلا أن المشروع في الجملة كان باهتا في الفكرة ولو طِبْقًا لأدبياته المركزية من لدن النشأة عشرينيات القرن الماضي ، ضَعِيفًا في الحركة لا أدوات له على الأرض ومع ذلك فقد لعب دورا سياسيا لا ينكر ، فكان إجراء يوليو 2013 حتما لازما وهو ما يفسر الحال الراهنة في مصر الواهنة ! وقد كَتَبَهَا بعض على الجدران أَنَّ المشهد في كلا الطرفين متماثل فهو مشهد الاحتلال ، وإن كان في طرف مباشرةً وفي آخر عَبْرَ مجموعٍ وظيفي تابع يحول دون روح الحضارة والهوية فضلا عن الحركة السياسية والميدانية الفاعلة ، وَذلك ما يَرُدُّ عجز كلام إلى صدره ، فتلك بيئة استراتيجية متقدمة جدا ، يوجزها شيمون بيريز في طرحه السياسي المتداول الآن : طرح الشرق الأوسط الجديد ، أو الشرق الأوسط الكبير الذي اقترحته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في مارس 2004 في قمة الدولة الصناعية الثمانية ، فلا بد له من بيئة استراتيجية جديدة فهو جديد ! ، ومصر وتركيا أبدا هدفان رئيسان في هذا الشرق الأوسط الجديد بَوَصْفِهِمَا أكبر قوتين سكانيتين سُنِّيَّتَيْنِ في الجغرافيا السياسية لهذا الشرق الجديد ومن وَرَائِهِمَا إيران فَلَهَا دور مؤثر في المنطقة وإن على قاعدة أيديولوجية مذهبية مخالفة بل ومناجزة لا سيما في النسخة الثيوقراطية الأخيرة ، نسخة الملالي ، ولكنها ، مع ذلك تقف ثالثة في القوة البشرية في هذا الشرق بعد مصر وتركيا .
    فتلك ، كما تقدم ، بِيئَةٌ استراتيجية جديدة لشرق أوسط جديد لم يكن يمكن بداهة الوصول إليها في يوم وليلة ، فَلَمْ يكن معشار ذلك يمكن في عهد السلطان عبد الحميد الثاني مثالا تَقَدَّمَ مع ضعفه إذ كان العنوان السياسي الرسالي حاضرا في المشهد فَلَمَّا غاب وسقطت حواضر الشرق الرئيسة : بغداد دمشق القاهرة وَتَوَالَتْ عَلَيْهَا المثل الوظيفية من نسخة أولى هَيَّأَتِ البيئة الاستراتيجية لولادة الكيان إلى تالية تَرْعَاهُ وَتَدْفَعُ عنه أي هبة حضارية متطرفة ! ، فلم يكن ذلك يمكن والسلطان عبد الحميد الثاني يحكم ، فكيف لو كان ثم صلاح الدين المحرر ؟! ، أو كان ثم عمر الفاتح الأول ، فالبيئة الاستراتيجية الأصيلة في الشرق لا تقبل هذا الكيان الوظيفي إن في النسخة الصليبية في العصر الوسيط أو في النسخة الحداثية الحالية ، ولكن المجموعات الوظيفية قد نجحت في تهيئة هذه البيئة الاستراتيجية ، لا جرم كان التحرير وإن خرج وهجه من الداخل إلا أن ثم تحريرا أَوْلَى فلا بد من تحرير حواضر الشرق المركزية أولا من قبضة الحداثة الوظيفية التابعة لا سيما بغداد دمشق القاهرة حتى تَلْتَئِمَ الوحدة الحضارية والاجتماعية في الشرق ، وما بعد ذلك يسير إذ انقلبت محددات البيئة الاستراتيجية وصارت بداهة لا تقبل الكيان ، وهو ما تُنَافِحُ الإمبراطورية الأمريكية دونه الآن ، فالكيان بالنسبة إليها دُرَّةُ تَاجٍ كما كانت الهند دُرَّةَ التاج البريطاني ، وهو ما يفسر الدعم القوي للكيان ، وإن تَفَاوَتَ من جمهوري محافظ يَنْظُرُ أَوَّلَ ما ينظر إلى البعد الأخلاقي في كلام الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون آنف الذكر إلى ديمقراطي براجماتي ينظر أول ما ينظر في الكسب السياسي والعسكري والاقتصادي .

    والمعادلة بسيطة لا تفتقر إلى كبير نظر : ظرف استراتيجي وهو مقدمة تفضي إلى نتيجة ضرورية : الظرف الوظيفي التابع في حواضر الشرق المركزية بغداد دمشق القاهرة يُفْضِي ضرورة إلى النتيجة الحالية ، فذلك الطرد ، فإذا كان عكسه وتبدل الظرف الاستراتيجي في هذه الحواضر فتلك مقدمة أخرى تُفْضِي إلى نتيجة أخرى ضرورية وهي التحرير والتمكين من بعده ، فالقياس يطرد وينعكس ، فَغَيِّرِ الظرف وهو المقدمة تَتَغَيَّرِ النتيجة له تَبَعًا إن إيجابا أو سَلْبًا ، فالحكم يدور مع علته ، كما يقول أهل الشأن ، وجودا وعدما ، فتلك ضرورة عقلية ورياضية تطرد في الأقيسة والمعادلات كافة إن في الفكر والسياسة والحرب أو في الكيمياء والفيزياء وسائر فروع البحث ، مع وجود حوافز بَعْضُهَا إيجابي يُسَرِّعُ من وتيرة التفاعل ، وبعض آخر سلبي وهو ما اصطلح في الكيمياء أنه الحافز السام الذي يُبَطِّئُ التفاعل أو يُوقِفُهُ ، وسنة الرب ، جل وعلا ، واحدة ، إن في المعقولات أو في المحسوسات ، وإن رصدتها الحواس في علوم التجريب رَصْدًا مباشرا ، فَفِي العقليات يكون الرصد بما رُكِزَ في النَّفْسِ من قوة النظر والتدبر .
    ولا ينفك الصراع أبدا يرجع في المبدإ : إلى معيار التحسين والتقبيح وما يَتَفَرَّعُ عنه من أحكام التشريع ، وما يعضدها من أدوات القضاء والتنفيذ حكاية لصورة في الخارج هي أدوات السلطة في تأطير الفكرة وَتَفْعِيلِهَا إيجابا أو سلبا ، فلا بد من فكرة أولى ، ولو باهتة ، فهي كتاب هاد ولا بد له من سيف ناصر قد استجمع أدوات الفعل السياسي والميداني والاجتماعي في الخارج ، فتلك سنة أخرى ربانية إِنْ في المثل الرسالية أو نظائرها الحداثية ، ولكلٍّ فكرته التي عنها ينافح إن جدالا في مواضع الدرس أو جلادا في مواضع الحرب ، ولكلِّ ساحة ، كما تقدم مرارا ، أدواتها الفاعلة التي تصلح في موضع ما لا تصلح في آخر حكايةً أخرى تبين عن ماهية الحكمة المطردة في كل حال : أن يُوضَعَ الشيء في المحل الذي يلائم فهو يقبل آثاره بما رُكِزَ فيه من قوى الفعل الاضطراري في الحس أو الاختياري في العقل .
    فاطردت السنة الربانية في معادلات الحياة كافة وذلك عنوان يحكي وحدانية ذاتٍ وأحدية اسم ووصف بها يدبر الرب الخالق ، جل وعلا ، الكون ، فذلك في توحيد النبوات المحكم شطر ، وثم ثان وهو ، كما تقدم مرارا ، مناط الخصومة بين الوحي والحداثة ، توحيد الإله الحاكم في كلمات الشرع : كلمات الحسن والقبح وما يكون عنها من أمر ونهي وإباحة وحظر ، فذلك شطر ثان في قسمة التوحيد في محكم التنزيل الذي جاءت به النبوات جميعا ، فكان من خصومة الحداثة لها ما استحكم ولا يَزَالُ في كل جيل يَتَجَدَّدُ وإن اتخذ في كلٍّ من الاسم والأداوات ما يلائم فالمسمى والجوهر واحد من لدن خُلِقَ آدم عليه السلام وإلى أَنْ يَرِثَ الله ، جل وعلا ، الدنيا وما عليها ، فالتدافع بين الْقَبِيلَيْنِ : الرسالة والحداثة ، التدافع بينهما حتم لازم ولو ضرورة في العقل أن المتغايرين يَتَنَاجَزَانِ لا سيما في مواضع السيادة التي لا تَقْبَلُ الشركة فلا يحتمل منصبها إلا واحدا ، ولهذا جاء الوحي يصدق إذ يحكي سنة التدافع في محكم الآي المنزَّل ، فـ : (لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 13-05-2021 في 01:19 AM

  4. #4
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:13-05-2021
    الساعة:01:21 AM

    المشاركات
    4,991
    العمر
    43

    فالمثال النيوليبرالي ، كما تقدمر مرارا ، واحد ، وله مظاهره في السياسة والحرب ، كما يرى الناظر في حركة الاستعمار الحديث ، وآخرها ما يقع الآن في الأرض المقدسة حكاية تَتَجَدَّدُ لِسَنَنِ التدافع آنف الذكر ، فَثَمَّ انهيار يعقبه لا محالة مشروع بناء يكتمل ، ولو على مكث ، والمبدأ أبدا : كيانات صغيرة في جغرافيا سياسية سائلة سُيُولَتُهَا ، لو تدبر الناظر ، سيولة الفكرة قبل الحركة ، فكانت جغرافيا الشرق إبان الحملات الصليبية في العصر الوسيط ، كانت أجزاءً مُبَعْثَرَةً بعد تراجع الصحوة السنية التي مثلتها الدولة السلجوقية ، فبدأ الكيان السلجوقي في التَّفَتُّتِ بعد وفاة السلطان ملكشاه ووزيره الفذ نظام الملك في عام واحد : 485هـ ، فانهار هذا الملك الواسع الذي نجح في استنقاذ خلافة بغداد من قبضة الدعوة الشيعية الإسماعيلية ، ونجح في صد القوة الرومية الشرقية شمالا في آسيا الصغرى ، وتمدد غربا تجاه الشام ونجح في تَقْلِيصِ نُفُوذِ الشيعة الباطنية فكريا وميدانيا ، وبدأت الكتلة السنية في التماسك ثم لم تلبث أن أصابها الداء المستحكم ، داء الجيل المترَفِ الذي لم يشهد الملك البدوي الخشن ، فتلاعب بالأرض تجزئةً تُضَاهِي الإرث ! ، فانفرط العقد الجامع على حبات متناثرة ، وهو ما هيأ البيئة الاستراتيجية لإنشاء الإمارات الصليبية كَرُءُوسِ حَرْبَةٍ وظيفيةٍ متقدِّمَة ، ونقاط إنذار مبكر على الساحل الشرقي للمتوسط مع تأمين خطوط الإمداد والتموين البحرية ، ولم يكن في الشرق آنذاك رأس في السياسة والحرب ، وإن كان ثم رَمْزٌ روحي يمثله الخليفة العباسي في بغداد ، ثم كانت بداية التماسك والنهوض المتدرج من الموصل في العراق ومنها إلى حلب في الشام ، فكان مشروع الزنكيين الذي نجح في تكوين نواة صلبة في هاتين الحاضرتين : الموصل وحلب ، وهما يعدلان في الرمزية : بغداد ودمشق ، فَثَمَّ رمزية عراقية في الموصل كما بغداد ، وَثَمَّ رمزية شامية في حلب كما دمشق ، مع ما واجه المشروعُ من نُفُوذٍ شيعي إسماعيلي باطني في حلب امتد أثره بعد ذلك بعقود فلم يَنْتَهِ ، كما يذكر بعض الباحثين ، إلا على رأس المائة السادسة 600هـ ، وهو ما اسْتَلْزَمَ خطة عمل محكمة تدرجت من صناعة الوعي الرسالي السني الأصيل ، فَلَعبت المدارس الفقهية التي دشنها نظام الملك ولآثارها اقْتَفَى الزنكيون في مدارسهم العلمية ، لعبت دورا بارزا في صناعة هذا الوعي ، وذلك أول الصحوة ، فمبدؤها في الفكرة قبل الحركة ، فالكتاب بين يدي السيف رائدَ صدق لا يكذب ، والسيف تال فهو يحوط جناب الفكرة ، فكان سيف السياسة والحرب الذي نجح في صناعة جغرافيا سياسية جديدة تواطئ السنن التاريخي المطرد في هذه البقعة من العالم ، فالمبدأ أبدا من هذا الخط الحضاري : العراق الشام مصر ، فبدأ الزنكيون في الموصل ومنها إلى حلب ، ومنها إلى دمشق ، حاضرة الشام الكبرى ، وبعدها توجهت الأنظار تلقائيا إلى مصر ، فهي العمق الاستراتيجي لأي كيان يجاور في الشام ، سواء أكان كيانا أصيلا يحكي الهوية والحضارة أم وظيفيا تابعا ، فلا بد أن يُؤَمِّنَ الجبهة المصرية ، بل كانت وصاية بعض الآباء الكاثوليك وقد صَنَّفَ ، كما يقول بعض الباحثين ، في الحملات الصليبية الأولى بعد انتهاء جولتها فلم تخل من عبرة في السياسة والحرب ، فكانت وصايته أن الخطأ في الحملات الأولى أنها بدأت من الشام ثم تَطَلَّعَتْ إلى مصر ، فَبَدَأَتْ من أعلى تجاه القاعدة الأقوى ، والصحيح أَنْ يُسْتَأْصَلَ البنيان من القواعد فلا بد من تأمين مصر أولا ، إما باحتلال مباشر أو آخر وظيفي تابع ، كما الحال بعد انقضاء الحرب العالمية الأولى وزوال الكيان الإسلامي الجامع ، فَبَرَزَتِ الدول الحداثية الوظيفية المعاصرة التي صدقت رؤية ذلك الأب الكاثوليكي ، ومن قَبْلِهَا صَدَّقَ نابليون فَبَدَأَ الحملة من القاعدة المصرية جنوبا ، وتوجه إلى الشام عبر البوابة الشرقية لمصر ، ثم اتجه شمالا حتى انكسرت الحملة وتراجعت حدتها بعد التحالف العثماني البريطاني الذي نجح في استثمار التناقضات التاريخية بين المشروعين الاستعماريين الأبرز آنذاك : المشروع البريطاني الأنجلوساكسوني البروتستانتي والمشروع الفرنسي اللاتيني الكاثوليكي .

    فكانت مصر ، وهو محل الشاهد ، قاعدة صلبة لا بد من فتحها أو احتلالها ، ولكلٍّ وجهة هو مُوَلِّيهَا ، ولكلٍّ فعل جيوعسكري قد يتماثل أو يَتَشَابَهُ في العنوان العام : العنوان الميداني في الحركة على الأرض ، وثم ، من وجه آخر ، الاختلاف في الغاية التي تحمل عنوانا أخص يحكي مخزون حضارة وتاريخ يميز المزيف من الأصيل ، إذ لكلِّ حركَةٍ فكرة تَتَقَدَّمُهَا وهي عنوان الهوية ، هوية المشروع الذي يميزه فَتْحًا أو احتلالا ، وهو ما استوجب الرجوع إلى الأصل ، المرجع والمصدر الذي عنه تخرج الحركة ، وتلك حكايةُ تاريخٍ أخرى تميز الفاتح ذا المبادئ من المحتل ذي المصالح ، وإن كان للأول قسط من المصالح فليس بأول ، وإن كان للثاني تأطير مبادِئَ ، ولو رياءً في القول يستر به قبح الفعل على الأرض ، فكان تأمين الجبهة المصرية أبدا غاية رسالية أو أخرى حداثية ، تأمل دور مصر الوظيفي في العصر الحديث ، فهي قاعدة تأمين لمشروع المركز الوظيفي في الأرض المقدسة ، جهود التهدئة التي تقودها مصر أبدا ! مثالا سياسيا يَتَكَرَّرُ بَعْدَ كلِّ تصعيد ، فَتَلْعَبُ مصر فيه أبدا دور العقل ! فهي قاعدة الاتصال الوظيفي المباشر مع الخصم في الأرض المقدسة ، وهو الخصم المشترك : الهوية الأصيلة التي تحكيها انتفاضات المجتمع فلا تَنْفَكُّ أبدا تحمل روح الهوية ولو بَاعِثًا يُحَرِّكُ ، وتحكيها ، أيضا ، أي تحركات تقاوم باستخدام القوة ، وإن كان ثم من براجماتية السياسة أو ضروراتها ما يَفْرِضُ نفسه بالنظر في موازين القوى المادية على الأرض ، فَأَيًّا كانت الغاية والاسم ، فالقوة لا تُقَاوِمُ إلا وثم قاعدة هوية وحضارة تُنَاجِزُ ، وليس يسلم أحد من النقد أو الاستدراك ، ولكلِّ مقامٍ مقال فلا يحسن النقد والاستدراك في موضع الصدام على خط مواجهة مباشر ، فلا يحسن ذلك لا سيما إن كان الناقد بَعِيدًا عن البؤر الساخنة آمنا من تبعاتها المباشرة ، وليس ذلك ، في المقابل ، بمانع من النقد والمراجعة لأي فكرة أو حركة لا سيما والعمل السياسي والميداني محل اجتهاد يتفاوت ، والحق أبدا وسط بين طرفين فَثَمَّ الغالي وثم نقيضه الجافي .

    فَثَمَّ ، وهو محل شاهد تقدم ، ثَمَّ خصم مشترك للمركز وأطرافه الوظيفية في الشرق ، إن الطرف الأقوى في الأرض المقدسة أو التوابع من درجة أدنى كسائر أنظمة الحكم المجاور لا سيما دول الطوق المباشر ، وَخُصَّ مِنْهَا بالذِّكرِ : المجموع الوظيفي في مصر ، فهي القاعدة الصلبة التي يحسن تأمينها ابتداء قبل الشروع في أي عمل سياسي أو عسكري في الشام ، كما وصاية الأب الكاثوليكي آنف الذكر ، فيلعب المجموع الوظيفي في مصر دوره أن يحاصر ويضيق تارة ، وَيُوَسِّعَ أخرى رياء لا يخلو من توازنات سياسية براجماتية يروم بها المجموع الوظيفي في مصر تأمينَ نفسه بالحفاظ على بعض الأوراق ، ولو حلقةَ اتصال مع الخصم المشترك في المواجهة ، فيلعب هذا الدور في جولات المواجهة الساخنة إن جرت الريح الميدانية بما لا تشتهي السفن السياسية ، فَثَمَّ رغبة مشتركة في القضاء على الحراك في الأرض المقدسة ، أو تحجيمه إلى حد أدنى دون الإجهاز عليه فلا ينفك يلعب دورا في توازنات القوى في المشهد ، ولو اضطرارا هو من الحكمة الربانية أَنْ يَحْتَاجَكَ الخصم فلا غنى عنك في مواضع ، وإن احتاجك بقدر معين فهو ساع في إضعافك وتحجيمك وحصارك ثم الضغط الشديد بقوة خشنة لفرض معادلة ميدانية جديدة تَرْفَعُ سقف الغالب على الأرض في جهود السياسة والتهدئة على قاعدة الغالب ، فيكون الحصار والإفراط في العنف مع تأمين القاعدة الصلبة في مصر بل ومشاركتها بالحصار والدعم ، ولو دعم العاطفة الصادقة ! فَثَمَّ عدو تاريخي مشترك ، العدو الحضاري الذي يحكي الهوية الأصيلة في المشهد خلاف المجموعات الوظيفية سواء أكانت وافدة كما الحال في الأرض المقدسة أم محلية كما الحال في مصر ، فإذا لم يؤت الحصار والعنف المفرط ثمرته أَنْ يكونَ التفاوض على قاعدة الغالب ، فَثَمَّ دور وظيفي تال ، ولو خطة ثانية ، وهو ما تقدم من جهود التهدئة التي تقودها مصر الحكيمة التي تشفق من جريان الدم المحرم ! ، وإن كانت شفقتها رياءً إذا جرى الدم الأصيل ، فذلك خطاب السياسة ذو الديباجة الإنسانية ! ، فليست جهود التهدئة التي تقودها مصر في مثل هذه المشاهد ، مع الدعوات إلى استئناف محادثات السلام من جديد ! ، ليست في الغالب إلا نجدةً للكيان الوظيفي في الأرض المقدسة إِنْ تَوَرَّطَ في مشهد ورام الخروج المشرِّف بلا ماء وجه يُرَاقُ ، فذلك الدور الوظيفي الحديث الذي يلعبه المجموع الحاكم في مصر من لدن اتفاقية السلام نهايةَ السبعينيات من القرن الماضي ، فهو حلقة الاتصال على قاعدة النصح الكاذب لأصحاب الأرض ، والنصح الصادق للمحتل الوظيفي فهو أقرب في النسبة فكلاهما وظيفي يحكي مصالح المركز وهي أبدا ضد المبادئ الأصيلة والمصالح المعتبرة في الأطراف .

    وذلك ، لو تدبر الناظر ، وإن أساء لدور مصر الحالي إلا أنه ، من وجه آخر ، يبين عن ثقل تاريخي وجيوسياسي فالمكان لا يتبدل والتاريخ لا يُنْسَخُ ، والقاعدة المطردة في هذا المشهد أن تأمين الطوق الملاصق عامة ، ومصر خاصة ، حتم لازم قبل مباشرة أي عمل سياسي أو ميداني في الأرض المقدسة ، ونظر الفاتح أو المحتل ، نظره أبدا يَتَوَجَّهُ إلى مصر ، وهو ما يَرُدُّ عجز كلام إلى صدره ، رجوعا إلى مشهد الزنكيين بعد أن دشنوا خط الموصل حلب دمشق جنوبا فلم يَبْقَ ، كما يقول أهل الشأن ، إلا مصر ، لا سيما وقد فطنت مملكة بيت المقدس الصليبية لهذه الضرورة السياسية والميدانية ، فلا بد من تأمين مصر ، وَتَأْمِينُهَا يبدأ من عسقلان فكان استيلاء الصليبيين عليها 548هـ وطرد الفاطميين منها وهي آخر نقاط تمركزهم في بلاد الشام ، كان ذلك إعلان حرب مبكر يروم الاستيلاء على مصر تأمينا لعمق استراتيجي رَئِيسٍ ، فلا تستقر مملكة بيت المقدس إلا أن تستولي على مصر بِنَفْسِهَا ، أو تُؤَمِّنَ جَبْهَتَهَا بحكمٍ وظيفي تابع : المثال المعاصر ، فكان سقوط عسقلان مما حفز الزنكيين أن يبادروا بفتح مصر ، كما صنع بلدوين الثالث ملك بيت المقدس الطموح ، كما يصفه الباحثون ، فهو رجل ذو رؤية جيوسياسية ثاقبة تمثلت في رغبته في تهديد دمشق ومدينة بانياس مفتاحها ، فكان هجومه عليها 552هـ ، وهو الذي نجح الزنكيون في إبطاله ، وكان هجومه قَبْلَهَا على عسقلان ليفتح الطريق إلى مصر بعد أن امتدت السيادة الصليبية على ساحل المتوسط الشرقي ، الساحل الشامي ، من الإسكندرونة شمالا حتى غزة جنوبا ، كما يحده بعض الباحثين ، وليس بعد ذلك بحكم الجغرافيا والتاريخ ، ليس بعد ذلك إلا مصر ، وهو ما يقطع خط الحضارة آنف الذكر : الموصل حلب دمشق القاهرة ، فكانت مسارعة آل زنكي أن يفتحوا مصر ، وهو ما استكمله الملك الناصر صلاح الدين ، واتصال هذا الخط الحضاري يكمل المرحلة الأولى من المشروع الأصيل كما يرصده بعض الباحثين : مشروع الدولة الرسالية الجامعة ، فمبدؤها : نواة صلبة تُقَاوِمُ ، وثانيها : إجلاء المحتل الذي يحول دون اتصال جغرافيتها السياسية ، وثالثها : توحيد لجغرافيا سياسية بعد تطهير من آثار الاحتلال وقضاءٌ على الأذناب والمجموعات الوظيفية التابعة أو الخاضعة التي لا تمانع في التحالف مع الخصم نظرةً سياسة تضيق فلا تجاوز الحفاظ على الملك ، ولو صغيرا في الحد خفيفا في ميزان القوى المعتبرة ، وذلك استنساخ يضاهي التجربة الأندلسية بعد انقطاع السلك الجامع ، الدولة الأموية في الأندلس الإعلان الرسمي عن زوالها 422هـ وإن سقطت فعليا 399هـ ، قبل أن يَتَبَلْوَرَ مشروع وحدة آخر في المغرب قاده المرابطون من القاعدة : قاعدة المغرب ، وهي ، لو تدبر الناظر ، للأندلس ، كمصر للشام ، فالقاعدة في المغرب والامتداد في الأندلس ، كما القاعدة في مصر والامتداد في الشام فتلك حقائق حضارة وتاريخ وجغرافيا لا يمكن تجاوزها إِنْ مِنْ قِبَلِ المحرِّر الفاتح أو من قبل المحتل الغازي ، فالعمل على الأرض واحد وإن اختلف العنوان في العقل بل وَتَنَاقَضَ في الغاية والفكر من تحرير أو فتح إلى احتلال أو غزو ، ولكلٍّ ، كما تقدم ، وجهة هو موليها .

    تأمل ، والشيء بالشيء يذكر ، تأمل ما تقدم من دور الأمير فيصل الأول ثم الملك لاحقا في بلاد الشام بعد دخوله صحبة الاحتلال البريطاني إلى دمشق لتأمين الجبهة الشامية بعد أن نجح البريطانيون في تأمين الجبهة المصرية مبكرا بل قد اشتركت قواتها الحداثية ! في تأمين القوات البريطانية الزاحفة على بيت المقدس بما له من مركزية حضارية في صراع الشرق الرسالي والغرب المسيحي : الكاثوليكي الفرنسي أو البروتستانتي البريطاني بعد ذلك ، فكانت الاستعانة بفيصل الأول الذي لعب أدوارا وظيفية شتى ! فهو رجل المركز في مشاهد كثيرة ، فهو رجله في الدخول إلى دمشق 1918 ، وهو رجله في التطبيع المبكر جدا ! مع الكيان الوافد ، وثيقة فيصل وايزمان 1919 في مؤتمر باريس للسلام ، فيصل الأول وحاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية من 1920_1946 وأول رئيس لدولة الكيان في 1949 ، وهي ما ذُيِّلَ بمرجعية جديدة ! إذا كان ثم خلاف بين الطرفين ، فبريطانيا هي المرجع إذا كان ثَمَّ خلاف ، تأمل اتفاقية السلام مارس 1979 والمرجع فيها هو الوثيقة الأمريكية المكتوبة باللغة الإنجليزية فهي الحكم حَالَ الخصومة ، فلا تخلو هذه العبارة في الاتفاقيتين من رمزية حداثية وإن كان ظاهرها سياسيا ، فالمركز الأنجلوساكسوني البروتستانتي الأبيض ، وهو معدن الحداثة المعاصرة ، هذا المركز قد صار المرجع في خلافات تقع في الشرق : أرض الرسالات ، فلم يعد الوحي هو المرجع وإن في أرضه ووسط جمهوره ! ، فَثَمَّ أيديولوجيا جديدة قد فَرَضَهَا الغالب ، وهي ما جاوز الفكرة إلى الشرعة ومنها إلى تَرَاتِيبِ السياسة والحرب والاقتصاد والإدارة باستخدام الأداة الحداثية القياسية : الدولة المدنية الحديثة .

    فكان استخدام فيصل الأول في هذا التطبيع المبكر ، ثم كان ما كان تخذيل الناس أن يناجزوا المحتل الفرنسي بعد اتفاق فرنسي بريطاني على تقاسم التركة العثمانية في الشرق ، فكانت دمشق من نصيب فرنسا ، وكانت استجابة فيصل السريعة لمطالب الجنرال هنري جورو وعلى رأسها حل الجيش ليدخل جورو بلا حرب ، وإن سارت الأحداث بعد ذلك في اتجاه تكوين جيش بديل لم يكن بداهة على ذات الكفاءة والاحترافية فهو جيش مقاومة غير نظامية مع فارق كبير في القوة ، فنجح الجيش الفرنسي في حسم المعركة سريعا في ميسلون 1920 ، ومن ثم تم استدعاء فيصل إلى بريطانيا بعد انتهاء دوره الوظيفي القياسي في بلاد الشام ، فقد أدى المهمة بنجاح وسقطت دمشق ! ، ومن ثم اشتعلت ثورة العشرين في العراق وكانت تحت الاحتلال البريطاني ، فعقدت بريطانيا مؤتمر القاهرة 1920 بحضور ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطانية آنذاك ، وكان الوضع متأزما إذ تكبدت بريطانيا خسائر فادحة ، فَاسْتُدْعِيَ فيصل الأول في مشهد وظيفي جديد أن يكون أول ملك للعراق المستقل ! بعد جلاء القوات البريطانية ! ، مع بند في الاتفاقية يضمن لبريطانيا بعض التسهيلات العسكرية في أوقات الحرب ، وبعض الامتيازات الاقتصادية ! ، ومن عجب أن رَحَّبَتِ الجماهير العراقية بالعنصر الوظيفي الذي وفد للالتفاف على ثورتها ! ، ومن عجب أن يَتْلُوَ بيرسي كوكس المندوب البريطاني السامي أَنْ يَتْلُوَ بنفسه قَرَارَ مجلس الوزراء العراقي بِتَنْصِيبِ الملك فيصل الأول ملكا على العراق الجديد المستقل ! ، فذلك احتلال بوكالة وظيفية عربية بل وهاشمية تحظى بالشرعية الأخلاقية بل ولها نسبة إلى صاحب الرسالة السماوية صلى الله عليه وعلى آله وسلم ! ، وهو مشهد تكرر بعد ذلك ولا زال في الأردن ، فَالْمُلْكُ الوظيفي يضمن للراعي الرسمي امتيازات سياسية وعسكرية واقتصادية منها المعلن ومنها غير المعلن ! ، وذلك ، أيضا ، ما حدث في مشاهد مماثلة : الأسرة الحاكمة في الجزيرة العربية فكانت تحت الرعاية البريطانية إذ لعبت الدور الوظيفي في مناجزة خصوم بريطانيا في الجزيرة العربية إذ قطعوا خطوط إمدادها من مصر غربا إلى العراق شرقا ، والحكم الوظيفي الجمهوري في مصر : اتفاقية السلام ومن قبلها البروتوكول الأمني في سبتمبر 1978 فقد أعطى الولايات المتحدة الأمريكية امتيازات أمنية كبيرة تضمن حرية الملاحة لقطعها العسكرية وإن تَوَجَّهَتْ بعد ذلك لغزو العراق واحتلاله في 2003 ! ، فَثَمَّ الأسطول الأمريكي السادس المرابط في مياه المتوسط محاذيا مطار نابولي في إيطاليا ، وله ، كما تقول بعض الموسوعات ، له دور رئيس في ضمان الأمن والاستقرار في أوروبا وإفريقيا والبحر المتوسط ولا يخلو الأمر من دعم وإمداد للأسطول الأمريكي الخامس المرابط في الخليج ولا يكون ذلك إلا وثم تأمين للممرات المائية : قناة السويس ومضيق باب المندب ومضيق هرمز ولكلٍّ مجموعه الوظيفي الْمُؤَمِّنُ ، ومحل الشاهد منه مصر التي تَتَوَلَّى تأمين قناة السويس في جملة أدوار وظيفية تلعبها مصر كما يقول عنصر استطلاع مصري سابق وهو في رُتْبَتِهِ قائد ! : حماية الكيان الوظيفي في بيت المقدس حكاية للحقيقة التاريخية والجغرافية آنفة الذكر : مصر القاعدة التي يجب تأمينها بادي الرأي ، ومكافحة الإرهاب والتطرف حكايةً لهوية الشرق الرسالية التي تخالف عن الهوية الحداثية الوافدة ونظيرتها الوظيفية التابعة في الأطراف ، وتأمين الممرات المائية ، وهو محل الشاهد ، فَلِكُلِّ كيان وظيفي جملة أدوار يلعبها ، فإن أداها بكفاءة فهو يحظى بفترة خدمة جديدة ، وإن لم ينجح أو كان ثَمَّ من هو أفضل ، أو استوجب المشهد تغييرا صوريا في هياكل السلطة ، كان الاستغناء عن بَعْضٍ حفظا لكلٍّ ، فتلك قاعدة محكمة في باب المقاصد والغايات ! ، فَتُحْتَمَلُ المفسدة الصغرى بالتضحية بالرأس درءا لمفسدة كبرى أَنْ يَزُولُ الهيكل الوظيفي كله ، فتستبدل رأس جديدة بالقديمة ، ولو ضرورةً تُقَدَّرُ بقدرها ، وفي التاريخ ، كما تقدم ، عبرة تَنْفَعُ فإن النظرية واحدة وإن اختلفت الشخوص في الخارج .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •