ومن قوله تعالى : (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) ، فذلك من العموم المستغرق نصا ، ولا يخلو من إضافة استفاد بها العموم نوع تخصيص وإن لم يبلغ به حد التعريف ، فالإضافة إلى النكرة تفيد المضاف تخصيصا يقربه من المعرف فجاز الابتداء به ، وإن كان العموم في نفسه مسوغ ابتداء بالنكرة ، فانضاف إليها ما تقدم من التخصيص بالإضافة ، وذلك قانون يستغرق ، فإن كل مكلف يحاسب أوَّلَ ما يحاسب عن نَفْسِهِ ، وإن كان ثم من الولاية ما تعم به البلوى وإن على تفاوت فكلما عَمَّتْ عَمَّتْ بَلْوَى صاحبها ، فله ولاية فيما تحت يده من الأبدان والأموال ..... إلخ ، فيسائل عنها أقام بالتكليف أم خالف عن التشريع فهو المؤتمن على ما وَلِيَ أن يسلك به جادة الخالق الأول ، فهو الملك الذي ذرأ وأعد المحال وأجرى الأسباب فكان من سنن التكوين بما به صلاح الدنيا ، وبه الابتلاء بما يكون من تدافع بين الخلق فلا يَنْتَظِمُهُ برسم الإصلاح والعدل إلا وحي من السماء قد تَنَزَّلَ فهو المرجع المجاوز للخلق بما جبلوا عليه من النقص والشح الموجب للاختلاف والتنازع فلا تؤمن حكومة هذا مرجعها إذ لا تنفك يعتريها من الهوى وحظ النفس ما لأجله تَتَأَوَّلُ إن في الشرع المبتدِئ أو في تأويله في آحاد النَّوَازِلِ المستجدة ، ومناطُ التكليف هو الثاني ، فإن للحكم مستويان في الخارج : مستوى التأصيل والتشريع فهو ما به المناط يَتَعَيَّنُ سواء أكان من التوقيفي الذي لا ينال إلا من مشكاة الوحي الرسالي ولا يَتَعَدَّى إلى غيره إذ لا معنى فيه يدركه العقل على حد التعيين المحكم بما يجاوز العرفان المجرد لصلاح يجده المكلف حالَ الامتثال حكمةً أعم من مناط التعليل الأخص ، فإن في الامتثال لما تَنَزَّلَ من الوحي المحكم الذي صدر عن رب عليم يَخْبُرُ من حال الخلق ما يصلحهم فَأَنْزَلَ من التكليف ما يأطرهم على الجادة وبها استقامةٌ بِهَا النفس تسعد في الأولى وتنجو في الآخرة ، فإن هذا الامتثال الجاري على سنن الحكمة أن الأعلم هو الأحكم ، وأن الأرحم هو الأعدل ، فإن هذا الامتثال مما يجد المكلف آثاره في نفسه صلاحَ حالٍ ، وإن لم يؤمن الإيمان المجزئ ، فجريانه على قانون الفطرة المحكم عدلا وإحسانا وإن عادة تفتقر إلى النية المخصوصة في التكليف ، فإن ذلك شاهد عدل على وجود الإله الحق إذ رَكَزَ في الفطرة حبَّ العدل والإحسان ، وذلك وجدان أعم من التكليف الأخص ، وتلك الحكمة آنفة الذكر التي يجدها الإنسان في نفسه ضرورةً لا ينكرها إلا جاحد أو مسفسط ، فمن أحسن إلى الخلق ، وإن لم يكن على جادة إيمان يجزئ ، فإنه يجد من انشراح الصدر والفرح جَزَاءً معجلا يواطئ الحكمة المنزلة ، وإن لم يكن على الجادة المحكمة ، وله من عاجل الثواب ما به الجزاء يُوَفَّى عدلا فلا يظلم ربك أحدا ، فَثَمَّ من رضي بالجزاء العاجل ، وثم آخر جاوز نظره الباطن مدارك حسه الظاهر بما صدق من وعد الخبر الصادق ، وَثَمَّ رِكْزُ فطرةٍ أعم من تكليف الديانة الأخص ، وهو ما يحكم ، ولو في الجملة ، على مواضعِ حُسْنٍ وَقُبْحٍ قد علمت بالضرورة وإن كان ثم خلاف في مواضع التفصيل ، فمحل الشاهد الحكمة الأعم في جميع أفعال الخير ، سواء أكانت من التوقيفيات التي لا تُنَالُ إلا من مشكاة النبوات أم المعقولات التي يدرك الناظر فيها معنى أخص هو مناط التعليل الذي يدور معه الحكم وجودا وعدما ، فذلك المستوى الأول آنف الذكر : مستوى التأصيل في الحكم ، وبه درك المناط الذي يدور معه الحكم معقول المعنى وجودا وعدما ، فذلك مستوى من التأصيل لا تحصل فيه كفاية إلا بمرجع أعلى يجاوز من الديانة قد سَلِمَ من آفات الأرض فَقْرًا وشحا .... إلخ ، وإن اجتهد العقل في مواضع فَفِي اسْتِنْبَاطِ ما هو ثابت ، فإن من العلل ما قد نَصَّ عليه الوحي مفردا ، ومنه ما نص عليه في جملة أوصاف طردية فَوَجَبَ تَنْقِيحُ المعنى المؤثر في الحكم بما اصطلح أنه السبر والتقسيم : أَنْ تُحْصَى الأوصاف وأن تُخْتَبَرَ فَيُدْرَكَ مِنْهَا المؤَثِّرُ في حصول الحكم ، فهو المعنى الذي يدور معه وجودا وعدما ، وذلك من قياس العقل المحكم الذي اطرد في كلِّ الحكوماتِ الدينية والعقلية والحسية ، وثم مستوى ثان في الباب ، وهو تحقيق المناط في محل خصومة معين ، وذلك ابتلاء الوحي المنزَّلِ ، امتثال الوحي بالتصديق والاحتكام ، وبه ارتهن كل أحد ، كما تقدم من عموم قوله تعالى : (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) ، فكان من العموم ما استغرق ، كما تقدم ، وهو ما جاوز الدلالة الوضعية الأولى لمادة "امرئ" المذكرة ، فَثَمَّ قرينة عموم تجاوز فهي تستغرق كل محل صح تكليفه ، على تأويل : كل أحد بما كسب رهين ، فأطلق بَعْضًا وهو المرء وَأَرَادَ كُلًّا وهو الواحد من البشر ذكرا أو أنثى ، المرء أو المرأة ، فيجري ذلك مجرى المجاز عند من يثبته في الوحي واللسان ، ومن ينكر فهو على أصل يطرد في الخطاب ، وهو التغليب في خطاب التذكير ، فلا يخلو من عموم يستغرق الجميع ، فليس ثم مجاز إذ اشتهر الاستعمال فَلَوْ سُلِّمَ بأنه من المجاز فهو من الجنس المشتهَر الذي يجري مجرى الحقيقة العرفية ، وهي أخص في الدلالة من نظيرتها اللغوية ، وقد يجري ذلك مجرى الحذف ، حذف المعطوف على تقدير : كل امرئ وامرأة ، فدل المذكور من المعطوف عليه على المحذوف من المعطوف ، كما في قوله تعالى : (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ، أي : تقيكم الحر والبرد ، فدل شطر من القسمة على نظيره على حد التلازم باستقراء المعنى في الخارج فليس إلا الحر والبرد على حد الطباق إيجابا ، فكذلك جنس الخلق ذكرا وأنثى ، فذلك استقراء القسمة في كل شيء ، كما أبان عنه محكم الوحي أن : (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، وذلك عموم آخر يستغرق فهو أصل في الخلق والتكوين وبه عموم الخلق الذي استغرق الأضداد والأزواج جميعا ، وذلك ما حَسُنَ معه الإسناد إلى ضمير الفاعلين في عامل الخلق "خَلَقْنَا" مَئِنَّةً من التعظيم ، وبعده التكليف بالتذكير ، وهو ما حُدَّ حَدَّ التعليل على تقدير : لِتَتَذَكَّرُوا ، وكذا الشأن في قوله تعالى : (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى) .
وثم من الحصر والتوكيد ما استفيد من تقديم ما حقه التأخير "بما كسب" ، فمتعلقه عنوان "الرهين" المتأخر ، إذ الأصل : كل امرئ رهين بما كسب ، ولا تخلو الباء من دلالة مجموعة بها يستأنس من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فهي دليل السببية ولا تخلو من المصاحبة ، فكل امرئ وما اكتسب فهو مرتهن بما عمل ، وثم من إيجاز الحذف ما اطرد في هذا الباب ، كما يذكر النحاة ، فحذف عائد الصلة المفعول على تقدير : كل امرئ رهين بما كَسَبَهُ ، وَثَمَّ من العموم نص ، وهو "ما" : الموصول الاسمي العام فاستغرق الأحوال الاختيارية كافة فهي محل الكسب ، ولو فعل الجبلة ، فلا يخلو من معنى تكليف أخص ، ولو اقتران النية والقصد بما يكون من قول وفعل ، فذلك ما استغرق وجوه الكسب كافة ، ما بطن وما ظهر ، ما خص وما عم ، فدخل فيه أصحاب الولايات كل بما له من سلطان ينفذ فيما تحت يده مما قد وَلِيَ أمره ، وثم من عنوان الكسب مَئِنَّةُ قَصْدٍ تجاوز كسب الاقتران بلا تأثير كما اقترح بعض المتكلمين في باب القدر ، فثم الكسب القرآني المنزل فهو بإرادة تُؤَثِّرُ تَأْثِيرَ السبب في حصول المسبَّب ، فكلٌّ مرتهن بما كسب ، فكان من مجاز آخر يزيد في الدلالة إذ حد "مفعول" وهو "المرتَهَن" على حد فعيل وهو "الرَّهِينُ" ، وذلك من مجاز التعلق اشتقاقا ، أو هو ما اصطلح أنه التَّنَاوُبُ في الصِّيَغِ ، إذ نابت واحدة عن أخرى ، وثم من جعلها "فاعلا" من "فعيل" فهو راهن مستمر وذلك ، كما يقول بعض أهل الشأن ، مما يلائم السياق إذ ديمومته على العمل تَقْضِي ألا يفارقه ، ومن لازمه ألا يُنْقِصَ ذلك من ثواب الآباء شيئا فكان من الاحتراز في قوله تعالى : (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، ما رجح تأويل فعيل بفاعل ، خلاف آخر تأول الناظر فيه فعيلا بمفعول ، وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، يصح إذ لكلٍّ وجه من الدلالة يعتبر وفيه ، كما تقدم مرارا ، شاهد آخر به يستأنس من يجوز العموم في دلالة اللفظ المشترك ، فثم فعيل المؤول بمفعول على حد المجاز ، وإن قيل فيه ، أيضا ، ما يقال في كل موضع يخرِّجه منكر المجاز على الحقيقة فلا مجاز ، إذ اشتهر في الاستعمال ، وذلك ما يجريه مجرى الحقيقة العرفية ، وثم فعيل بمعنى فاعل ، وهو محل الشاهد ، فاستعملت صيغة واحدة في أكثر من معنى على وجه صحيح يعتبر ، وذلك ما يزيد في السياق وَيُثْرِي إذ تواردت معان صحيحة على مبنى واحد في لفظه .

فكان من العموم صدر الآية ما يجري مجرى الأصل المطرد ، فـ : (الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) ، فذلك ما أُجْمِلَ وصلًا وَأُبِينَ عنه بالصلة فهي مناط التَّبْيِينِ وَالتَّعْلِيلِ ، فالإيمان عنوان في الباب ، باب الشفاعة أن يلحق الفرع بالأصل ، وهو جار على قانون القياس المحكم ، فَثَمَّ أصل وهو الآباء ، وثم فرع وهم الأبناء ، وثم حكم وهو الشفاعة : شفاعة الآباء للأبناء أن يلحَقوا بهم ، وذلك القياس أَنْ يُلْحَقَ الفرع بالأصل لعلة جامعة وهي الإيمان ، فَانْتَفَى المانع إذ لا شفاعة لكافر ، فلا يكون ذلك إلا بإيمان يجزئ في حصول اسم ديني معتبر ، اسم الإيمان الذي حُدَّ على ما اطرد في التَّنْزِيلِ حَدَّ العنوان المذكر تغليبا يدخل فيه كل أحد يكلف ، فكان من ضمير الجمع المذكر ما أسند إليه الإيمان ماضيا في لفظه "آمنوا" فتلك حكاية ما يكون من الإلحاق ، إلحاق الفرع بالأصل ، ومناطه الإيمان المتقدم ، فحكاه حكاية الماضي بالنظر في محل آت من الحساب والجزاء ، فكان من عنوان الإيمان ما أنيط به الحكم على حد التعليل فهو شرط في الأصل والفرع ، فالإيمان شرط في الشافع والمشفوع له ، في الأصل الملحَق به والفرع الملحَق ، فكان من الإيمان ما اشتقت من الصلة المبيِّنَة في الأصل ، وكان منه ما قُيِّدَ به الفرع من الذرية على حد الحالية "بِإِيمَانٍ" في قوله تعالى : (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ) ، ولا تخلو الباء فيه من دلالة المصاحبة والملابسة ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، فالإيمان ، كما تقدم ، شرط في الأصل والفرع جميعا ، في الأصل الملحَق به والفرع الملحَق ، فكان من الخبر إلحاقا ، وهو ما تعدى بالهمز في قوله تعالى : (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) ، وذلك وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة ، وهو ما يكون يوم الحساب والجزاء فَحُدَّ مَاضِيًا مَئِنَّةً من كمال التحقق فذلك الوعد المصدَّق ، ولا يخلو من مِنَّةٍ تَعْظُمُ فَحَسُنَ ، من هذا الوجه ، أن يُسْنَدَ العامل "ألحق" إلى ضمير الفاعلين دليلَ تَعْظِيمٍ فالمنة تعظم من العظيم إذ يعطي ما يليق به ، فلا يكون من العظيم إلا عظيم ، ولا يكون من الكريم إلا عطاء وفير فهو يفيض ويزيد فمن الأصل إلى الفرع الذي يُلْحَقُ ، وثم من الاحتراز ما تقدم ، فـ : (مَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، فَذَلِكَ من العموم الذي استغرق إذ تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل "أَلَتْنَا" ، وذلك آكد في الاحتراز فلا يُنْقَصُ من أجر الأصل إذا أُلْحِقَ به الفرع ، بل ذلك محض الفضل رِفْعَةً في الدرجة شفاعةً بها إكرام الأصول بإلحاق الفروع ، وهو ما أسند ، أيضا ، إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، وَثَمَّ عموم آخر في القياس إذ تسلط النفي على النكرة "شيء" ، وهو ما استغرق القول والعمل وكل ما اكتسب الفاعل من وجوه الاختيار الباطن والظاهر ، وثم من زيادة "من" في المبنى أخرى في المعنى ، فذلك أصل يطرد في كل زيادة ، فضلا عن معنى أخص في هذا الموضع إذ أفادت "مِنْ" التنصيص على العموم ، فإن النكرة في سياق النفي ، بادي الرأي ، مئنة العموم آنف الذكر ، وهو ظني الدلالة وذلك وإن أجزأ في الباب ، إلا أن ثم من زيادة "مِنْ" في قوله تعالى : (مِنْ شَيْءٍ) ما رَقَى بهذا الظن الراجح فَبَلَغَ به اليقين الجازم فصارت الدلالة قطعية كالخاص فهو نص في الباب ، فصار العام الظني إذ دخلت عليه "مِنْ" ، صار كالخاص في دلالته القطعية المستغرقة لجميع آحاده فلا يقبل التخصيص ، وإن قَبِلَهُ العام ، بادي الراي ، بما تقدم من دلالة الظنية المحتمِلَةِ لخروج أفرادٍ منها بدليل يخصص ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، ومن ثم كان الإطناب زيادة في الاحتراز أن : (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، أن يكون جوابا لسؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة ما تقدم من التوفية فلا نقص ؟! ، فكان الجواب على حد الاستئناف : (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) .

والله أعلى وأعلم .