اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: من نصوص الاستجابة

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:08:21 AM

    المشاركات
    5,046
    العمر
    43

    من نصوص الاستجابة

    ومن قوله تعالى : (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) ، فَثَمَّ من زيادة الألف والسين والتاء في مادة "اسْتَجَابَ" ما يُرَادُ به الطلب مَئِنَّةً من التَّقَصُّدِ ، فَثَمَّ نِيَّةٌ تجزم وهي للرب ، جل وعلا ، تطلب ، فتجيب داعيه المبلِّغ ، كما أجابت الجن إذ خوطبت أن : (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) ، فذلك من عموم أبان عن استغراق الرسالة الخاتمة الثقلينِ جَمِيعًا ، فَثَمَّ نداء للبعيد مَئِنَّةً من تَنْبِيهٍ ولا يخلو من تأليف ، تأليف قَلْبِ المنادَى فلا يخلو نداء البعيد من دلالة التعظيم ، فضلا عن إضافة القوم إلى ضمير المتكلمين في "قَوْمَنَا" فَثَمَّ من الرحم ما اتصل فهم واحد في النسبة ، كَمَا أَضَافَ النبي المبلِّغ لفظ القوم إلى ضميره إِشْفَاقًا ورعاية لمن لهم إليه سبب ، فـ : (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) ، فَنَادَى الجمع المنذِر نظيره المنذَر ، نداء الآل والقومَ ، في قوله تعالى : (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) ، فَهُوَ واحد في الجنس والنسب ، وبعده كان الأمر على حد الإيجاب أَنْ : (أَجِيبُوا) ، ولا يخلو من دلالة الإرشاد والنصح ، وثم من عنوان الداعي : "دَاعِيَ اللَّهِ" ، وهو المبلِّغ الأول ، فأضيف إلى اسم الله ، جل وعلا ، وتلك إضافة التعظيم إلى الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فهي إضافة مخلوق إلى خالق لا على جهة العموم التي يشترك فِيهَا كُلُّ أحد ، من آمن ومن كفر ، وإنما على جهة أخص ـ جهة التعظيم ، وهي على معنى "إلى" فهو الداعي إلى الله ، جل وعلا ، والدعوة إليه دعوة إلى وَحْيِهِ ، تصديقا وامتثالا ، فهو داعيه إذ تَحَمَّلَ دعوته التي عمت الثقلين جميعا ، فَأُضِيفَ الداعي إلى صاحب الدعوى الأول بما أَنْزَلَ من الوحي المحكم ، فالإضافة ابتداء : إضافة مخلوق إلى خالق ، وهي تاليا : إضافة رسول إلى مرسِل ، فكان من الأمر أَنْ : (أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) ، وَتَوَجُّهُ الخطاب إلى قَبِيلِ الجنَّ لا يقصره عليهم ، بل التكليف يعم كل محل صَحَّ تكليفه ، بادي الرأي ، فذلك من الخاص الذي يُرَادُ به عام يستغرق ، وهو مما يَسْتَأْنَسُ به من يجوز المجاز في اللسان والوحي ، ومن يُنْكِرُ فَهُوَ أَبَدًا يَرُدُّ الأمر إلى سياقٍ يَزِيدُ في الدلالة المعجمية المفردة أو يُنْقِصُ مِنْهَا ، فَزَادَ في هذا الموضع ، فضلا عن سياقات أخرى تجري مجرى النص في الباب ، فَثَمَّ من العموم الذي استغرق كلَّ مكلف ، كما في تكليف العبادة وهو الأول ، وأصله التوحيد المحكم ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، وثم من عمومات أخرى ما يَرْفِدُ هذا التأويل : تأويل العموم المجاوز لقبيل الجن في قوله تعالى : (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) ، فَثَمَّ عمومات أخرى تجاوز كما في قوله تعالى : (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) ، فاسم العالمين دليل يستغرق من يعقل جميعا ، إِنْسًا أو جِنًّا ، فَفِي باب التكليف لا يجاوز عموم العالمين : القبيلَ العاقل إذ هو مَنْ يُكَلَّفُ بالتوحيد والتشريع ، وفي باب التكوين يجاوز العموم فَهُوَ يَسْتَغْرِقُ كلَّ مخلوق ، مَنْ يَعْقِلُ وَمَا لا يَعْقِلُ ، الحي والميت ، الساكن والمتحرك ... إلخ من الأضداد المتقابلة ، كما في صدر الفاتحة أَنِ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فعنوان الربوبية خلقا ورزقا وتدبيرا ، عنوانها يستغرق كل مخلوق ، وكذا يقال في عنوان "النَّاسُ" في قوله تعالى : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) ، فَثَمَّ من دلالة "أل" في "الناس" ما يجاوز المتبادر من عقلاء الإنس ، فإن مادة النوس على القول بالاشتقاق في عنوان "الناس" ، فإن مادته دليل الحركة ، ومنه حديث أم المؤمنين حفصة وفيه قول أخيها عبد الله : "دَخَلْتُ عَلَيْهَا وَنَوَّسَاتُهَا تَنْطُفُ" ، وهو ما يصدق في الإنس والجن ، فكلاهما يتحرك ، وقد يُقَالُ إن ذلك يجاوز إلى ما لا يعقل ، فالحيوان الأعجم يتحرك ، بل والحجر الأصم يتحرك من أعالي الجبال إلى أسافلها ، ويجاب إن النوس في باب التكليف لقرينةِ الخطابِ المكلِّف ، إن هذا النَّوَسَ هو نَوَسُ الاختيار الذي يجاوز حاجة الجبلة أن تَتَحَرَّكَ طَلَبًا لسبب به حفظ الذات أو النوع ، فَثَمَّ حاجة أشرف ، حاجةُ الشرعةِ : خَبَرًا وَحُكْمًا ، وهي ، بداهة ، ما لا يكون إلا في محل يعقل فهو يقبل آثار التكليف الملزِم ، فكان من النَّوَسِ جِنْسٌ عام يستغرق ، وتحته أنواع فمنه نَوَسُ الحي ولا يكون إلا بإرادة ، وإن كان ثم من الحيوات الدنيا في الدقائق ما لا إرادة له إذ لا يعقل ، فَثَمَّ من رِكْزِ الجبلة الكونية أن بُثَّتْ فِيهِ حياة بسيطة , وبها يَتَحَرَّكُّ على ذات السنن والطريقة ، فَسُنَّةُ الخلق واحدة من الأدنى إلى الأعلى مع تَفَاوُتٍ بِهِ يستبين الناظر وجوه حكمة أخص في كل جنس ونوع وعين ، فَثَمَّ نوس الحي ، وثم نوس الميت الذي لا حياة فيه فهو يتحرك في أفلاك محكمة كما الأجرام التي تسبح ، وثم نوس الاختيار وثم آخر على حد الاضطرار ، ومن الاختيار ما يكون في الكون طلبا لأسباب الحياة والحفظ ، ومنه ما يكون في الشرع فذلك الأمر والنهي ، فدخل في هذا العموم كُلُّ مَنْ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةَ الاختيارِ بالعقل بما يجاوز أسباب الحس التي تحفظ الأبدان ، فَثَمَّ أخرى أشرف وبها تحفظ الأديان بالخبر والحكم ، بالأمر والنهي ، فكان من العموم ما جاوز المخاطب الأول في قوله تعالى : (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ) ، فَثَمَّ الجمع الأول الذي شهد خطاب التنزيل المواجه ، وهو ما اصطلح أنه خطاب المواجهة ، وذلك ما يجاوز ، أيضا ، فَثَمَّ وضع أول قد دلت عليه الواو ، واو الجمع المذكر في "اسْتَجِيبُوا" ، فخطاب التكليف يجاوز أولئك إلى كلِّ محل صح تكليفه ، فكان من العموم ما استغرق النساء كما الرجال ، فَدَخَلْنَ في عموم الخطاب بما اصطلح أنه التغليب ، أو هو مما يجري مجرى القياس : قياس النساء على الرجال بجامع العموم في التكليف ، وهو ما استند إلى نص عام يستغرق ، فـ : "إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ" ، فذلك أصل أول في الباب ، وهو ما يُسْتَصْحَبُ ، بادي الرأي ، حتى يَرِدَ الدليل الناقل الذي يُضَيِّقُ دائرةَ التكليف في مواضعِ استثناءٍ من الأصل ، فَيَقْصُرُهُ عَلَى جِنْسٍ دون آخر ، بل قد يقصره على واحد بالعين ، وهو ما اصطلح أنه وقائع الأعيان فلا عموم لها ولا يقاس عليها ، من وجه آخر ، إذ هي الاستثناء الذي يجري مجرى الضرورة ، فَلَا يُقَاسُ عليها ، فالأصل اختيار والاستثناء اضطرار ، فكان من العنوان العام : عنوان التسوية بين الرجال والنساء ، كان من ذلك أصل يستصحب حتى يَرِدَ الدليل الناقل إذ يُخَصِّصُ ، فَتُقَاسُ النساء على الرجال في خطاب التكليف الذي ورد على حد التَّذْكِيرِ بما اصطلح أنه التغليب ، أو هن يدخلن ، بادي الرأي ، فالتغليب قرينة تُدْخِلُهُنَّ في الحد ، حد التكليف ، وأيا كان التخريج فَهُنَّ يدخلن حتى يَرِدَ الدليل المخصِّص ، وهو ما به يستأنس من يقول إن العمل بالعام يَلْزَمُ حَتَّى يرد الدليل المخصِّص ، فَيُسْتَصْحَبُ العموم حتى ترد قرينة التخصيص ، كما في الخبر المشهور : "عليهنَّ جِهادٌ لا قِتالَ فيه؛ الحجُّ والعُمرةُ" ، فخرجت النساء من عموم التكليف بالقتال ، فَانْتَقَلَ الناظر من أصل عام يستغرق بادي الرأي بما يُسْتَصْحَبُ من قرينة العموم الأولى في نحو قوله تعالى : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، فَانْتَقَلَ الناظر من هذا الأصل العام إلى أصل آخر جعل القتال تكليفَ الرجال ، فذلك الأصل الجديد الذي يستصحب حتى يرد دليل آخر يستثني في أحوال اضطرار ، كما قال أهل الشأن في جهاد الدفع إذا داهم المحلةَ العدوُّ ، فَثَمَّ عموم يجاوز فالواو : واو الجمع ، دليل استغراقٍ للجمع المذكر ، وهي ، من وجه آخر ، تنصرف ، بادي الرأي ، إلى الجمع المواجه ، فذلك خطاب المواجهة الذي تَنَاوَلَ الجمع الحاضر زَمَنَ التنزيل ، وهو ما استغرق ، من وجه آخر ، الجمع الذي شهد تَنَزُّلَ النجم القرآني خاصة ، وسائر الجيل الذي شهد الرسالة ، فذلك عموم أول ، وثم آخر يجاوز الجمع المؤمن إلى الكافر ، وذلك ما وقع الخلاف فيه إذا كان الخطاب فَرْعًا ، وأما الأصل التوحيدي الأول فالجميع فيه على حد سواء ، فهو أول واجب على العبيد : معرفةً للرحمنِ ، جل وعلا ، بالتوحيد ، وثم عموم يجاوز الرجال إلى النساء على التفصيل آنف الذكر ، وثم عموم يجاوز الشاهد إلى الغائب زمن التَّنَزُّلِ ، وثم آخر يجاوز الموجود إلى المعدوم الذي لَمَّا يُوجَدْ بَعْدُ ، وثم عام آخر يستغرق الثقلين جميعا ، فذلك عنوان عموم لا أعم منه ، وهو ما وَرَدَ على حد القصر بأقوى الأساليب : النَّفْيِ والاستثناءِ في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .

    فكان من زيادة الألف والسين والتاء في "اسْتَجِيبُوا" ، كان منها زيادة مبنى تدل على آخر يضاهي في المعنى ، وكان من زيادة الدلالة في واو الجمع ما استغرق كل أحد على التفصيل آنف الذكر ، وثم من إطلاق العامل ما جاوز التكليف الأول ، وهو التوحيد ، إلى التشريع عامة أصلا وفرعا ، واجبا ومندوبا ومباحا ومحرما ومكروها بما استغرق قسمة التكليف كافة ، علما وعملا ، نطقا وصمتا ، فعلا وكفا ، خاصةَ فَرْدٍ أو عَامَّةَ جمعٍ بما تَنَاوَلَهُ عنوانُ الدين الجامع الذي يجاوز ، كما تقدم مرارا ، الاعتقاد والشعائر فَثَمَّ من الشريعة عنوانٌ يَسْتَغْرِقُ دقائق الحياة كَافَّةً ، فهو دين من السماء قد تَنَزَّلَ في مقابل آخر من الأرض محدَث قد اقْتَرَحَهُ الخلقُ بما نجم من باعث الهوى والحظ ، وهو محل الاضطرب والتناقض ، إذ لكلٍّ من الرأي ما يَسْتَحْسِنُ وَيَسْتَقْبِحُ بما جُبِلَ عليه الخلقُ من الحاجة والشح ، فَكُلٌّ يتأول ما يهوى أنه الحق ، فإما أن يَرُدَّ حكومة الوحي بما أحدث من الرأي والذوق ، وإما أن يَتَأَوَّلَ حكومتها بما يبطل دلالتها فَيَحْرِفَهَا عن جادتها المحكمة إلى سُبُلٍ تَتَشَابَهُ ، ولكل سَبِيلٍ رائدٌ في الأصل وشارع في الفرع ، إذ لكلٍّ عقل ووجدان ، فصار الشرع الواحد على شَرَائِعَ شَتى ، وكان من تعارضها ما به الفوضى ، فلا يحسم مادتها إلا حكم من خارجها قد بَرِئَ من عَوَارِضِهَا ، فليس ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلا الوحي المحكم بأخبارِ صدقٍ وحكومات عدلٍ .

    فالإجابة مبنى أول قد جرد من الزيادة وهو مئنة من التصديق والامتثال في الديانة ، فإذا زِيدَتْ حروف الطلب ، الألف والسين والتاء ، في الاستجابة فذلك قدر يَزِيدُ في المبنى لا يخلو من آخر يضاهيه في المعنى وهو ما يجري مجرى الزيادة التي ترفع المجاز ، أن تكون الإجابة عرضا بلا نِيَّةٍ ، فَيُضَاهِي صاحبُها صورةَ الفعل دون حقيقته ، فهو فاعل في الظاهر بما قام بالجوارح من ماهية تضاهي الحد المشروع دون معنى زائد مقصود ، هو ما يميز الفعل الشرعي الذي يقع تَعَبُّدًا بمواطئة التكليف باطنا بالقصد ، وظاهرا بالفعل أو الترك ، فكان من زيادة الألف والسين والتاء في "اسْتَجِيبُوا" مَا رَفَعَ احتمال الموافقة عرضا ، فكان من القصد المخصوص ما سلك به جادة المشروع من المقول والمفعول ، فتلك زيادة تُحَرِّرُ النِّيَّةَ والقصد ، وَتَزِيدُ فيه ما يَخْرُجُ بِهِ عن محض الفعل المجرد من الباعث الألطف وهو ما يقوم بالجنان من معنى التعبد والتنسك ، فالنية على أنحاء فمنها ما يميز العبادة من العادة ، ومنها ما يزيد في العادة معنى أخص يجعلها مناط المدح أو الذم في الشَّرْعِ ، فَيَكُونُ مناط الثواب والعقاب ، ولو من باب الوسائل ، فَلَهَا حكم المقاصد ، فَمَنْ تَوَسَّلَ بشيء إلى مقصد فَلَهُ حكمه ، إيجابا أو تحريما ، فذلك قصد مخصوص زاد في العادة فَصَيَّرَهَا عبادة مخصوصة ، فِعْلًا لمأمور أو تَرْكًا لمحظور ، فالنية والمقصد قد زَادَا في العادة ما صَيَّرَهَا عَلَى حَدِّ العبادةِ ، وكذا النية تميز الواجب من المندوب ، بل وفي المندوب مَرَاتِبُ تَمِيزُهَا النية على أنحاءٍ تَتَفَاوَتُ فَمِنْهَا في الصلاة الراتبُ وهو المؤَكَّدُ وقبله الْوِتْرُ فهو آكد السنن بَلْ ثَمَّ من جعله واجبا وإن دون الفرض من المكتوبات ، وثم ذو السبب العارض كالكسوف والخسوف والاستسقاء ، وثم آخر ذو سبب راتب كما تقدم من الرواتب بعد المفروضات وكذا الضحى والوتر فَلَهَا وقت مخصوص ، ولو لم تكن من الواجب المفروض ، وإن قال بإيجاب الوتر بَعْضٌ من أهل الفقه ، وهم الحنفية رحمهم الله ، فاستدلوا بظاهرِ الأمر في الخبر أَنْ : "يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا" ، وهو ما يَلْزَمُ أهلَ الظاهر إذ أجروا الأمر على ظاهره إيجابا ، فذلك الواجب الثابت بدليل الآحاد الظني ، وهو ، عند الحنفية ، دون الفرض الذي لا يثبت إلا بدليل التواتر القطعي ، وثم ذو السبب وإن لم يكن ثم وقت مخصوص كما يقال في ركعتي الوضوء ، فليس ثم وقت مخصوص للوضوء ، وإن كانت المفروضات مَظِنَّةً له فهو مما يَتَقَدَّمُهَا ، ولو استحبابا ، وضوءًا على مثله ، وَثَمَّ ما هو مطلق من النفل فلا وقت له ولا حد بعدد مخصوص وإن شُرِعَتْ له هَيْئَاتٌ أخص كافتتاح القيام بِرَكْعَتَيْنِ خفيفتين ، فذلك ، كما تقدم في مواضع ، محل النهي في أوقات الحظر ، وإلا فقضاء الفوائت ، ولو من النوافل ، وذوات الأسباب ، ولو من العوارض ، وأداء الفرائض إذا تضايق الوقت ، كل أولئك مما خرج عن حَدِّ النهي في أوقات التحريم ، وكذا يوم الجمعة فَلَهُ من الخاصة اتصال الجواز من الضحى إلى دخول الظهر ، فَاسْتُثْنِيَ مِنْ نَهْيٍ قد اطرد في غيره وهو إذا بلغت الشمس كَبِدَ السماءِ وقتَ الزَّوَالِ فذلك وقت العذاب إذ تُسَعَّرُ جهنم ، فلا تشرع العبادة في وقت عذاب ، فكان من القرينة ما اسْتَثْنَى ، وذلك ، بداهة ، محلُّ تَوْقِيفٍ فلا يثبت إلا بدليل ، وهو ما كان من حديث سليك ، رضي الله عنه ، أن حضر الجمعة وجلس فأمره صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَنْ يَقُومَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ، فَثَمَّ أصل أخص ، وهو النهي عن الصلاة وقت الحظر ، فذلك باب توقيف لا يثبت إلا بدليل وهو ما كان من حديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي ، فَشُغِلَتِ الذمة بهذا النهي المخصوص ، فلا يكون الانتقال عنه إلى إباحة إلا بدليل وهو ما كان من حديث سليك مثالا اخْتَصَّ يوم الجمعة بمعنى زائد به كان الانتقال من النهي إلى الإباحة بل والندب فذلك قدر زائد استفيد من أمر صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ" ، فأمره في الخطبة ولو كان مَنْهِيًّا عنه ما أمر ، ولو كان اجتهادا خالف الْأَوْلَى ما سكت عنه الوحي الأعلى إذ لا يجوز تأخير البيانِ عن وقتِ الحاجة فسكوت الوحي عن أمر صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم إقرار له ، فضلا أَنْ يُقَالَ إِنَّ ذلك إنما يكون في مواضع اجتهاد أعم لا في نص أخص من نصوص التوقيف في الصلاة فأمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم في نَفْسِهِ يجزئ في حصول التكليف دون نظر في توقيفِ الوحي فذلك إنما يكون في اجتهاداتٍ من الشرع لا نصوص فيها تأمر وَتَنْهَى ، وإن كان ثم اجتهاد في تَعْيِينِ الدلالة أإيجابا أم ندبًا حال الأمر ، أكراهةً أم تحريما حال النهي .
    وكذا يقال في قضاء الفوائت ، فكان من دليل التوقيف الأخص ما أُطْلِقَ فَيُصَلِّيهَا حالَ الذِّكْرِ ، فـ : "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا" ، وَثَمَّ أصل أول أعم ، وهو ما يستصحب من الأصل في العبادات وهو التحريم ، فلا عبادة إلا بدليل إذ الأصل بَرَاءَةُ الذمة من عهدة الشرعة ، فلا تُشْغَلُ إلا بدليل ناقل عن أصل البراءة المستصحَب ، فإذا جاء الناقل فمع صاحبه علم زائد يجاوز حد الدعوى المحضة المجردة من دليل التكليف الأخص ، فإذا جاء الناقل المعتبر وَجَبَ العمل به زيادةً في التكليف فاشتغلت الذمة بما لم تشتغل به بادي الرأي ، فالأصل ، كما تقدم ، العدمُ المستصحب ، فَمَنِ اقْتَرَحَ عبادةً مخصوصة ذات ماهية مخصوصة أو وقت مخصوص أو عدد مخصوص ، فتلك الدعوى التي لا تُقْبَلُ إلا بِالْبَيِّنَةِ ، فلا يجزئ اقْتِرَاحُهَا مجردةً في إثباتها ، وإلا ادَّعَى كلٌّ ما يَرُومُ في الدين أو الدنيا ، وأمر الدين أعظم ، فوجب الاحتياط فيه ما لم يجب في غيره ، فَثَمَّ ظاهر أول يُسْتَصْحَبُ حَتَّى يَرِدَ الدليل الناقل عن الراجح من المعنى الظاهر إلى المرجوح من المعنى المؤول ، وذلك ، كما قَرَّرَ الأصوليون ، حد التأويل المعتبر ، فلا بد من قرينة معتبرة ، ولا تكون في التَّوْقِيفِيَّاتِ من العبادات والحكومات غير المعقولة في المعنى والدلالة ، لا تكون القرينةُ فِيهَا إلا دَلِيلَ تَوْقِيفٍ ، فلا يجزئ فِيهِ اقْتِرَاحُ العقلِ المجرَّد إذ لم يدركِ ابتداء المعنى المحقق الذي لأجله شُرِعَ الحكمُ فَيَقِيسَ عليه غيره ، فكيف يَقِيسُ على أصلٍ لم يُدْرِكْ عِلَّتَهُ ، بادي الرأي ، ولو رُدَّ الأمرُ إلى اقْتِرَاحِ العقلِ في هذا الباب لاقْتَرَحَ كُلٌّ ما يُوَاطِئُ هَوَاهُ وَذَوْقَهُ ، وهو ما يُفْضِي إلى تَعَدُّدِ الشرائعِ فهي بعدد العقول المشرِّعة لِمَا تَسْتَحْسِنُ تَجْوِيزًا أو تَسْتَقْبِحُ تحريمًا ، إذ لكلٍّ هوى وذوق فما يحسم النِّزاَعَ بَيْنَهَا ؟! ، وما يوجب تقديم بعضها دون بعض ؟! ، فذلك الترجيح بلا مرجح ، فلا بد من مُرَجِّحٍ من خارج يجاوز فهو يَقْضِي في محال التَّنَازُعِ ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، الوحي فهو مرجع السيادة والفصل في الحكومات المختلِفَةِ ، وذلك ما يجاوز حد الفصل والتحكيم فَثَمَّ منصب السيادة في التكوين والتشريع ، وهو معنى أول يجاوز الحكم في وقائع مخصوصة ، فلا بد ابْتِدَاءً من معنى سيادةٍ يجاوز ، فهو مقام أول في باب التسليم والانقياد والإذعان والاستسلام ، وتلك المعاني المقيِّدَةُ لِمَا أُطْلِقَ مِنْ جِنْسِ التصديق الذي حُدَّ به الإيمان أولا ، فَلَيْسَ عِرْفَانًا مجردا من معنى أخص ، وهو الإذعان والاستسلام ، فلا يكون إلا خضوعا لسيد يحكم في العباد حكومةَ الإطلاق فلا يُرَاجَعُ ، فهو الأعلم بالمصالح والمنافع ، ولا يَرْضَى الحر الشريف من الخلق أن يخضع لِوَاحِدٍ من البشر يُضَاهِيهِ في الْخِلْقَةِ والفكرةِ فَبِمَ امتاز ليكون إلها تصدر عنه الشرعة الملزمة أَخْبَارًا تُبِينُ عن مَحَالِّ التحسين والتقبيح ، وأحكاما تكافئ الأوصاف المستقِرَّة من الحسن والقبح ، فَنَظِيرُهَا في الحكم الإباحة والحظر ، فهل من عاقل شريف يَعْتَقِدُ في بشرٍ مِثْلِهِ منصبَ التشريع الذي يجعل المشرِّع سَيِّدًا من أعلى يجاوز بَقِيَّةَ الخلقِ ، وهو مثلهم في الحد ، فلا يكون ذلك إلا لسيد من أعلى يجاوز الجميع من خارج فَقَدْ بَانَ منهم وامتاز في الماهية فَثَمَّ الحد بين الخالق ، جل وعلا ، والخلق ، فذلك المعنى الذي يَثْبُتُ في عنوان "الحد" وهو من المجمل الذي يفتقر إلى البَيَان المفهِم ، فَثَمَّ حَدٌّ يُنْفَى وهو ما يضاهي الجهة المخلوقة فلا يكون ذلك بداهة في حق الخالق ، جل وعلا ، جائزا ، إذ كيف يُحَدُّ الخالق ، جل وعلا ، بِحَدِّ المخلوق ، فلا يحيط المخلوق بالخالق بداهة ، لا علما ولا إِدْرَاكًا ولا احْتِوَاءً ، وعليه يُحْمَلُ النَّفْيُ في قوله تعالى : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) ، فلا تدركه دَرَكَ الإحاطة وإن كانت تَرَاهُ يوم القيامة رؤيةَ تَنَعُّمٍ لا تحيط بالمرئي الأعلى ، عَزَّ وَجَلَّ ، فلا يلزم من مطلق الرؤية رؤيةٌ مطلقة ، وكذا الجهة فلا يُتَصَوَّرُ في القياس الناصح أن يحيط المخلوق من الجهة العليا المنظورة ، جهة السماء العليا التي يدركها المخلوق بحسه ، لا يتصور أن يحيط المخلوق بالخالق ، جل وعلا ، وله ، وَحْدَهُ ، عز وجل ، العلو المطلق الذي يجاوز الحد المخلوق ، فهو ، تبارك وتعالى ، في جهة عدم مطلق تجاوز المخلوق ، فَهِيَ عَدَمٌ من كل محدَث من الخلق فليس إلا الرب الخالق ، جل وعلا ، عاليا العلو الأعم ، مستويا على العرش الاستواء والعلو الأخص ، فاستوى وعلا على وجه يليق بجلاله ، استوى على العرش أعظم مخلوقاته وهو سقف الكون المخلوق فذلك ، أيضا ، حَدٌّ يميز الخالق ، جل وعلا ، من المخلوق ، فَثَمَّ سقف المخلوقات وما علاه فليس بمخلوق بداهة ، فليس إلا الخالق ، جل وعلا ، مستويا عليه بَائِنًا من الخلق كافةً ، فتلك جهة العدم المطلق ، فَثَبَتَ الحدُّ ، من وجه ، وهو ما به امتاز الخالق ، جل وعلا ، من الخلق ، وَانْتَفَى الحد من آخر إذا حُمِلَ على الحد المخلوق كجهة العلو المخلوقة لا جهة العدم العليا ، فَثَبَتَ الحد ، من وجه ، وَانْتَفَى من آخر ، وليس ثم تَعَارُضٌ إذ الجهة ، كما يقول أهل الشأن ، قد انْفَكَّتْ ، فَجِهَةُ الإثباتِ تُخَالِفُ عن نظيرتها من النفي ، فلا تعارض بل كلاهما قد صح ، فكان من الإطناب تَفْصِيلٌ يُبِينُ عن مواضع الإثبات والنفي في الألفاظ المجملة ، وكذلك الشأن في الجهة آنفة الذكر ، فهي تَثْبُتُ ، من وجه ، وَتَنْتَفِي من آخر ، فَإِذَا قِيلَ : "الله في السماء" ، كما في قوله تعالى : (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) ، فذلك ما يحتمل حقا وآخر يَبْطُلُ ، فالإثبات يصح إِنْ حُمِلَتْ "أل" في "السماء" على عموم يستغرق فذلك العلو المطلق ، إذ كلُّ ما علا فهو سماء ، وثم سماء مخصوصة قد علت فلا سماء تجاوزها فَتِلْكَ جِهَةُ العدمِ من كل مخلوق محدَث وهي ما يَثْبُتُ للرب الأعز الأكرم ، جل وعلا ، فهو في جهة العلو المطلق غير المخلوقة وتلك سماءٌ مخصوصة تُحْمَلُ بِهَا "أل" في "السماء" على دلالة العهد الأخص ، وأما حملانها على السماء المخلوقة المشاهدة أنها جهة تحيط بالخالق ، جل وعلا ، فذلك ، بداهة ، مما بَطُلَتْ دلالته نَقْلًا وَعَقْلًا فلا يحيط المخلوق بالخالق لا ذاتا ولا اسما ولا وصفا ولا فعلا ولا حكما ، وإن أَدْرَكَ من ذلك معان صريحة جاءت بها الرسالة الصحيحة خَبَرًا مَدَارُهُ التوقيف فلا يثبت ، كما تقدم ، إلا بدليل أخص في الباب يجاوز محض الإمكان ، فَثَمَّ واجب مجمل في الباب وهو ما ثبت له ، جل وعلا ، من الكمال المطلق الذي لا نَقْصَ فِيهِ من وجه ، فَعَمَّ الجلال والجمال في الوصف ، وهو ، مع ذلك مما افْتَقَرَ إلى البيان في مواضع ، فجاءت النبوات تُبِينُ عَمَّا أجمل منه رِكْزَ فطرةٍ أولى تَنْصَحُ ، فجاءت ابتداء تُصَدِّقُ ما استقر منها ضرورةً في العلم لا يخالف عنها إلا المنكر أو المسفسِط ، وجاءت تُبِينُ عما أُجْمِلَ ، وجاءت تُقَوِّمُ ما اعْوَجَّ مِنْهَا بِمَا يكون من التَّعْطِيلِ وَالتَّشْبِيهِ إن في الخبر أو في الحكم ، فَمَنْشَأُ الشِّرْكِ كافةً في العلم والعمل : تشبيه الخالق ، جل وعلا ، بالخلق ، وذلك ما يجاوز المتبادر من الذات والاسم والوصف إلى ما قد عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى في متأخِّرِ العصر مِنْ تَعْطِيلِ حكوماتِ الشرع المنزل واستبدال أخرى محدثة بها ، فلا يكون ذلك إلا بالجفاء ، من وجه ، أَنْ شُبِّهَ الخالقُ الأعلى ، جل وعلا ، في وصف الشارع والحاكم من أعلى ، أَنْ شُبِّهَ في ذلك بالمخلوق الأدنى ، فَعُطِّلَ وحيُ السماء وَاقْتُرِحَ آخرُ محدَث في الأرض يضاهيه بل وَيَرْجُحُهُ ! ، فذلك الجفاء في حق الخالق ، جل وعلا ، في وصف من أخص أوصافه وهو التشريع والحكم وما يصدران عنه من السيادة المطلقة في الكون والشرع ، مناط الخصومة أبدا بين ذي الملكوت الخالق وكل طاغوت حادث يَرُومُ منازعة الحاكم الأعلى وصف حكمه المطلق ، وإن لم يُطِقْ أن يضاهيه في اسم الخالق الأعلى الذي قَدَّرَ وَأَوْجَدَ وَأَعَدَّ وَأَمَدَّ ، وَرَزَقَ وَدَبَّرَ كلَّ شأنٍ ، فإذ انفرد بهذه الأوصاف الربانية فَوَجَبَ إفرادُه بأخرى إلهية أن يكون له وحده السيادة والحكم ، ويكون التأله له بالقول والفعل ، وذلك ، كما تَقَدَّمَ صدرَ الكلامِ ، مما استغرقه إطلاق العامل "اسْتَجِيبُوا" في قوله تعالى : (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) ، وكان من حسن التلاؤم في الدلالة أَنْ أُنِيطَ عنوانُ الاستجابة المطلقة بعنوان الربوبية الذي أضيف في "رَبِّكُمْ" فَهُوَ نَصٌّ في العموم ، كما قَرَّرَ أهل الأصول ، فاستغرق المربوبات جميعا ، وهو ما جاوز العقلاء من المخاطبين إلى كلِّ شيءٍ ، كما قد أبان عنه الوحي في موضع آخر من الذكر ، فـ : (هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) ، فَذِكْرُ الضميرِ مخاطبا مجموعا في قوله تعالى : (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ) ، ذِكْرُهُ ، من هذا الوجه ، يجري مجرى العموم المجاوز للقبيل المخاطب فَثَمَّ عموم يجاوز الشاهد إلى الغائب ، والموجود إلى المعدوم ، بل والحي إلى الميت ، فَثَمَّ ربوبية أعم لا عموم بعدها في الحد ، وذلك ما به يجري ذكر الضمير في "ربكم" مجرى ما تَقَدَّمَ في مواضع من الخاص الذي يُرَادُ به عام ، وهو ما به يَسْتَأْنِسُ مَنْ يُجَوِّزُ دلالة المجاز في الوحي واللسان ، وَمَنْ يُنْكِرُ فهو على أصلٍ أول قَدْ تَقَدَّمَ مِرَارًا ، أن ذلك مما قد علمه المخاطب بداهة ، بل ثم من القرينة اللفظية ، ولو في سياق آخر ، ما يبين عن ذلك العموم المستغرق ، كما تقدم من قول الرب المهيمن جل وعلا : (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) ، وثم عموم آخر ألطف ، وهو عموم أوصاف الربوبية خلقا ورزقا وتدبيرا ..... إلخ ، فكل أولئك مما حَسُنَتْ إناطة التكليف استجابةً بِهِ ، فتوحيده في الاستجابة تَأَلُّهًا فَرْعٌ عن توحيده في الخلق والرزق والتدبير ربوبيةً ، فإذ كانَ الرب الذي استغرقت رُبُوبِيَّتُهُ كل شيء ، فهو الإله الذي وجب الالتزام بحكمه وخبره في كل نص ، فكان من التلازم ما يجري مجرى البدائه ، فالاستجابة لازم والربوبية ملزوم ، فالأول تكليف والثانية علة عنه تُبِينُ ، وبه كان الفرقان المبين بين الخالق المشرِّع ، جل وعلا ، والمخلوق المكلَّف ، فكان الشرك آنف الذكر ، إما بالجفاء في حق الخالق ، جل وعلا ، تَعْطِيلًا لوحيه فذلك تعطيل له في كلامه وعلمه ، وهما من وصفه ، وثم غلو يلازمه ، فإذا جفا المكلَّف في حق الخالق ، جل وعلا ، غَلَا في حق المخلوق في مقابله ، فَاتَّخَذَ الطاغوت المحدَث من الخلق إلها وخلع عليه وَصْفًا من أخص أوصاف الإله المعبود ، فذلك التشبيه للمخلوق بالخالق ، جل وعلا ، في وصف من أخص أوصافه ، وصف السيادة والحكم ، وَثَمَّ التعطيل للخالق ، جل وعلا ، أَنْ جُرِّدَ من وصفٍ من أخص أوصافه ، وهما ، أيضا ، مما يتلازم في الباب ، فَكُلَّمَا غلا المخلوق في حق مخلوق مثله فَانْتَحَلَ له من الأوصاف ما يجاوز ، كلما غَلَا في حقِّ المخلوقِ جَفَا في حق الخالق ، جل وعلا ، أَنْ عَطَّلَهُ من وصفِ الكمال الذي انْتَحَلَهُ في حق مخلوق مثله ! ، فكان من مخالفة العقل الصريح أَنْ أَسْنَدَ إليه عنوانَ السيادة وهو مخلوق مِثْلُهُ ، وقياس العقل أَنْ يُسْنِدَ ذلك إلى سيد أعلى يجاوز الاثنين فهو يحكم فيهما بالأمر والنهي ، فحكومات الخلق مما تَشَابَهَ ، فَوَجَبَ في النقل والعقل الناصح رَدُّهَا إلى محكَمٍ من أعلى يجاوز وهو الوحي لا جرم كان الأمر بالاستجابة على حد الزيادة ، استجابة للرب الخالق ، جل وعلا ، بالتصديق والامتثال ، فخبره صدق وحكمه عدل .

    فكان الأمر بالاستجابة وَانْتِهَاءُ غَايَتِهِ إلى عنوان الربوبية المستغرق بما تقدم من إضافته إلى ضمير الجمع المخاطَب في قوله تعالى : (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ) ، وثم من القيد الذي يجري مجرى الاحتراز مما لا يستدرك إذ وَقَعَ فاستجيبوا : (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) ، فذلك مما احتمل ، كما يذكر بعض أهل الشأن ، فلا يَرُدُّهُ الله ، جل وعلا ، بعد إذ وقع ، أو هو مما يأتي فلا يمكن رده من المخلوق ، فهو قدر الخالق المهيمن ، جل وعلا ، فَالرَّدُ إما أن يكون من الخالق فلا يَرُدُّهُ وإما من المخلوق فلا يُطِيقُ رَدَّهُ ، وكلا الوجهين يَصِحُّ ، فالجمع ، أيضا ، يسوغ ، بل هو الأولى إِثْرَاءً لسياق واحد بمعان عدة تصح في بَابِهَا ، فَثَمَّ نفي قد عم إذ تسلط على النكرة "مَرَدَّ" ، فأطنب في وصف اليوم بالجملة : (لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ) ، وثم عموم آخر استفيد من وجوه في قوله تعالى : (مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ) ، فَثَمَّ نَفْيٌ قد تسلط على النكرة "مَلْجَإٍ" ، وهو مما نُصَّ عليه بما جاوز به دلالة الظن إلى القطع فَزِيدَتْ "مِنْ" إذ تُفِيدُ التَّنْصِيصَ على العموم ، وَزِدْ عليه تقديم الظرف "لَكُمْ" وحقه التأخير دلالة قياسية تفيد الحصر والتوكيد ، وكذا القول في شطر ثَانٍ جَرَى مَجْرَى التِّكْرَارِ ، تِكْرَارِ النَّفْيِ في قوله تعالى : (وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) ، وكذا التَّنْصِيصُ على العموم فتلك دلالة "مِنْ" ، وتقديم ما حقه التأخير من الظرف "لَكُمْ" ، فكل أولئك من الإطناب تحذيرا يحمل المخاطب على تأول الأمر استجابة مطلقة للشرعة المحكمة .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:08:21 AM

    المشاركات
    5,046
    العمر
    43

    وكذا كان الأمر في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، فَثَمَّ نداء البعيد الذي احتمل دلالة مركبة ، فَثَمَّ تعظيم المنادي ، وهو في آي التنزيل الربُّ الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، إلا ما كان من حكايةٍ لِنِدَاءِ غيره ، وإلا فالأصل أنه يُنَادِي الناس عامة أو القبيل المؤمن خاصة ، مع استصحاب القرينة التي بها يعم خطاب الوحي كلَّ محل صح تكليفه ، فَنِدَاءُ القبيل المؤمن حكايةُ المثال لعام ، ونداء الناس على الأصل فهو نداء الجمع إن في مكي الآي أو مَدَنِيِّهَا ، وإن غلب على المكي لقرينة التغليب إذ الجمع المؤمن آنذاك قليل ، وغيره كَثِيرٌ غَالِبٌ ، فيشبه ، من وجه ، ما قِيلَ في نداء الذكر مفردا أو مجموعا ، كما في الآي محل الشاهد إذ خاطب الجمع المؤمن المذكر تَغْلِيبًا لقرينة العموم في خطاب التكليف فوصف الإيمان وصف التكليف الأعم الذي يستغرق الجمع المكلف عامة ذَكَرَهُ وَأُنْثَاهُ ، فحصل من النداء ما به استحضر العبد مقام العلو والجلال ، أن ثَمَّ مُنَادِيًا من أعلى قد جاوز الشهادة إلى الغيب ، والخلق إلى العدم ، فهو في جهة العدم إذ لا مخلوق فذلك العلو المطلق على الخلق كافة وهو العدم إذ لا تُطِيقُهُ مداركهم ، فصار فِيهَا عدما ، وصار منهم عدما فلا مخلوق وليس لهم من الفهوم ما به يدركون الحقائق المغيبة ، وإن مخلوقةً ، فكيف بخالقها ، جل وعلا ، فَلَهُمْ من العقل ما به درك الظاهر وفقه اللطيف بما ساغ من التأويل ، لطيف المعاني دون الحقائق فلا يَتَوَجَّهُ التكليف بِدَرَكِهَا إذ تجاوز مَدَارِكَ البشر ، فلا يكلفون إلا بما أطاقوا ، فَثَمَّ تكليف بما رُكِزَ فِي العقل من قوة الحفظ والفهم ، وَثَمَّ مادة تُحْفَظُ وَتُفْهَمُ بِمَا كان من خطاب الوحي المحكم الذي صَدَّقَ فطرة الخلق الأولى وأبان عن مجملاتها وأجاب عن سؤالاتها ، وَدَحَضَ ما يَعْرِضُ من شبهاتها التي يُزَيِّنُهَا الوسواس في لحظات الغفلة والفتور ، إذ لا يكون المحل حاضرا ، فَيَقْنُصُ منه الوسواس لحظة وَيَأْنَسُ محلا قابلا يُصْغِي ، أو هو له يُحْزِنُ ويحرج بما يكون من عِدَةِ السوء والفقر ، وما يُلْقِي في روعه من شك وحيرة ، فتلك اللمة المذمومة في قول ذي الشريعة المعصومة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" ، فَلَا يَرُدُّهَا إلا أخرى من الملَك تصدق ما نَزَلَ به من الوحي على قَلْبِ النَّبِيِّ المبلغ المبين ، فلا تجدي إلا أَنْ يُهْدَى المحلُّ بَادِيَ رَأْيِهِ إلى مادة النبوات الناصحة ، فَيَصِيرَ أهلا أَنْ تَتَنَزَّلَ عَلَيْهِ اللَّمَّاتُ لِتُثَبِّتَ ، فَهِيَ إلهامٌ لِوَارِدِ النبوةِ يُصَدِّقُ ، وإن لم يكن بداهة على وِزَانِهِ ، فَلَيْسَ مَوْضِعَ تَكْلِيفٍ أخص ، وليس يَثْبُتُ بِهِ أمر ولا نهي ، فذلك عنوان الشرع المحكم الذي اختصت به محال النبوة بَلَاغًا وَبَيَانًا في المبدإِ بما كان من وحي يَتَنَزَّلُ ، فصار لهم من عنوان الطاعة ما شُفِعَ بطاعة المرسِل ، جل وعلا ، كما أَمْرُ الاستجابة في الآية ، فهو لله ، جل وعلا ، فهو المشرِّع الأول الذي تكلم وأنشأ من الأخبار والأحكام ما به صلاح المحال والأحوال جميعا ، وهو لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما له من خاصة البلاغ والبيان الأول ، وبه الحجة تُقَامُ على الخلق كافة ، وبعدهم كانت الاستجابة لمن حَمَلَ من هذا الوحي دليلا ، لا أنه في نفسه يعصم ، فلا عصمة بعد قَبْضِ صاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وارتفاع الرسالة من الأرض ، ولا شرع يُتَلَقَّى ابتداء من مشكاة أخرى تجاوز ، قياسا أو كشفا ..... إلخ من مصادر التلقي المحدثة ، لا أنها في نفسها لا تصدق ، بل منها ما هو حق من أَقْيِسَةِ العقل وإلهامات الخير التي يبثها الملك في روع المؤمن ، ولكنها لم تعصم لِيَجُوزَ اتباعها مطلقا بل لا يستقيم أمرها وهي ما احتمل وتشابه ، لا يستقيم أمرها إلا أن تُعْرَضَ على الوحي فتطلب منه الشاهد المصدق ، كما أُثِرَ عن أبي سليمان الداراني ، رحمه الله ، فـ : "ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة" ، فلئن أطلق الأمر بالطاعة والاستجابة في حق الله ، جل وعلا ، وحق رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يطلق في حق غيره بل يقيد ، فطاعة ما سِوَى الوحي لا تكون إلا بما يواطئ حكوماته في المنصوص أو يلائم مقاصده في غير المنصوص بما يستوجب العدل والتحري فلا يُتَّخَذُ المقصد الكلي ذريعةً إِلَى نَقْضِ الحكم الجزئي استدراكا على الوحي بمصالح يتوهمها العقل ، فقد ألغاها الوحي فلا يعتبرها إلا من خرج عن الجادة المحكمة إلى سُبُلٍ شَتَّى من الهوى والذوق وإن اجتهد أن يكسوها لحاء الشرع ، فقد بَتَّ الصلة بها كلا أو جزءا ، وكان من اختلال المعيار في الخبر والحكم ما أفضى إلى استبدال المحدَث بالمنزل ، فصار المتشابه من المراجع أصلا يَقْضِي فيما أحكم من الشرائع ، وصارت دولة الأمر والنهي لما أحدث الخلق من حكومات الوضع لا اجتهادا في محل يسوغ أخطأ صاحبه فَلَهُ الأجر ، وإنما خروجا عن قانون الوحي في الاستدلال والفقه ، واتخاذ آخر عوضا منه إن في اللفظ أو في المعنى ، فَثَمَّ من عطل الألفاظ ابتداء ! ، وثم من تَحَايَلَ فأظهر لَهَا التعظيم ثم تَسَلَّطَ عَلَى مَعَانِيهَا بالتأويل ، فَأَثْبَتَ المبنى دون المعنى ، وذلك من التفريق بين المتلازمين ، وفي صاحبه يصدق الإنكار الموَبِّخُ في قول الرب المهيمن جل وعلا : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) ، فالكتاب ألفاظ ومعان ، حروف وحدود لا يستقيم أمر المكلف إلا أن يُقِيمَهَا جَمِيعًا في العلم والعمل ، في الباطن والظاهر ، والكلام كما حَدَّهُ أهل اللسان لَفْظٌ وَمَعْنَى فَمَاذَا يستفيد القارئ إِنْ تَلَا الكتاب أَمَانِيَّ فَلَمْ يَفْقَهْ مَعَانِيهِ ، فأقام الحروف تجويدا ولم يقم الحدود تكليفا ، فلا يصدق فيه والحال تلك أنه قد استجاب لداعي الوحي ، كما تقدم من نداء القبيل المؤمن أَنْ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، فاستجيبوا له ، جل وعلا ، فذلك أصل الأصول الجامع ، واستجيبوا لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما احتمل من الكلم الجوامع ، فـ : (مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) ، وذلك أصل التَّشْرِيعِ الثَّانِي ، وهو ما قُرِنَ باستجابةٍ أولى ، والعامل قد أطلق في الحالين فَثَبَتَ لصاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المنصب ما يُضَاهِي الوحي فلا ينطق في مقام التبليغ والتبيين إلا به ، وإن كانت الأخبار ثانية في الأصول إلا أن الكتاب قد شَهِدَ لها بالحجية المطلقة في سَنِّ الحكومات الملزِمة ، كما الآي المتواتر ، فكان من الأمر بالطاعة ما أُفْرِدَ به صاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مواضع من الآي المتواتر ، فـ : (أَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، فكان من الأمر بالصلاة والزكاة ما تقدم في السباق أَنْ : (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، فذلك من تكليف أخص لا يُنَالُ إلا من مشكاة الوحي الذي جاءت به الرسالة ، فكان من الأمر بالطاعة ما عَمَّ بعد خاص ، فَأَمْرٌ بالطاعة يَعُمُّ وثم من العلة ما يَرْفِدُ ، وهو جواب سؤال يقدره الذهن على حد الاقتضاء الملزِم ، فكان الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة خاصة ، وبعده الأمر بالطاعة عامة ، وهو ما أُطْلِقَ عاملُه فاستغرق الخبر والحكم ، العلم والعمل ، وبه يستأنس من طرد الاستدلال بالآحاد فلم يقصرها على الأحكام دون الأخبار ، كما تَوَسَّلَ مَنْ تَوَسَّلَ من المتكلمين أن يَتَوَسَّعَ في التأويل ، فالنصوص تحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ ما يَتَأَوَّلُ ، فاحتال أن يَرُدَّ منها ما أمكن ، فكان الأمر العام بالطاعة بعد آخر خاص بالصلاة والزكاة ، فأفردهما بالذكر تَنْوِيهًا ثم أطنب بالعام بعد الخاص ، ولا يخلو ذلك من إطناب بالتكرار منصوصا عليه من تكليف الصلاة والزكاة ، ثم مُضَمَّنًا عمومَ الطاعة التي أُطْلِقَ عاملها ، فخص ثم عم ، وختم بالرجاء وضعا أول في اللسان : (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، فلا يخلو ، كما تقدم ، من دلالة التعليل جوابا عن سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة ما تقدم من الأوامر ؟! ، فجاء الجواب : لعلكم ترحمون ، فاستعير الرجاء للتعليل على تقدير : لِتُرْحَمُوا ، وهو ما حُذِفَ فاعله للعلم به ، بداهة ، فلا يرحم العباد في مقام الحساب والجزاء يوم الحشر إلا الرب الرحيم ، جل وعلا ، وثم من جعله على الأصل الأول فكان من وضع "لَعَلَّ" الأول ما يجري مجرى الاشتراك في الدلالة ، فَيَدُلُّ على التعليل كما الرجاء ، وذلك إجمال يَفْتَقِرُ إلى بَيَانِ معدنُه ما يكون من قرينة السياق الذي رَجَّحَ في هذا الموضع دلالة التعليل ، وثم من جَمَعَ في الدلالة ، فإن ثَمَّ رجاء أن يُرْحَمُوا ، فيرجو لهم الله ، جل وعلا ، رحمته ، فضلا منه لا افتقارا لطاعتهم ، فهو يرجو لهم ما ينفعهم ويصلح بالهم لا ما ينفعه فلا يطيق الخلق نفعه لينفعوا ولا ضره ليضروا ، فهو الغني العزيز ، فلا يفتقر إلى سبب فهو الغني ، ولا يُنَالُ بِضُرٍّ فهو العزيز ، وَثَمَّ مع الرجاء التعليلُ آنف الذكر ، فصح حملان "لعل" على كلا الوجهين ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، شاهد به يستأنس من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فكان من رَفْدِ الأمرِ بالعلة ، وذلك في البيان أنصح إذ يُرْشِدُ المكلَّف إلى معنى تَتَشَوَّفُ إليه النفوس وذلك آكد في انبعاث الهمم رجاء نَوَالِ المطلوب الأسمى من رحمة الرب الأعلى ، وكذا يقال في إطلاق الأمر بالاتباع في قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، فَأَطْلَقَ الأمر "فَاتَّبِعُونِي" ، فاتباعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مطلق في العلم والعمل ، وذلك ما يواطئ الأمر في الآي محل الشاهد أَنْ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، فنادى الجمع المؤمن كافة أن يستجيب لله ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حكومات التشريع كافة ، وهو ما يدخل فيه تَبَعًا أن يستجيب الخلق لمن احتمل من الوحي بلاغا أو بَيَانًا يَتْلُو فهو تَبَعٌ للأصل ، نافع في الدرس ، ناصح فيما استجد من نوازل الشرع اجتهادا في درك المناط وتحقيقه في آحاد الوقائع في الخارج .

    فالاستجابة منها المطلق ومنها المقيد ، كما الطاعة وهي دليل الانقياد والاستسلام الذي يكافئ العبودية الاختيارية ، عبودية العابد المتنَسِّكِ ، فكان من الطاعة ما أطلق في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) ، فالأمر قَدْ أطلق فاستغرق ، وكان من تكرار العامل ما أَفْرَدَ الرسول بطاعة تَسْتَقِلُّ في الدلالة بما استأنفت السنَّةُ من أحكام تكليف ملزِمَةٍ وإن لم يكن لها أصل مخصوص في الآي المتواتر ، فَثَمَّ أصل عام يستصحب في الحكومات الخاصة ، أصل : الاتباع والأخذ والطاعة .... إلخ من أجناسِ القَبولِ والرِّضَى الاخْتِيَارِيِّ ، وهو المعتبر في التكليف الشرعي ، أن يكون ثَمَّ من الانقياد الباطن علما وإرادة وَرَضًى ومحبةً ما يَتَأَوَّلُهُ العبد بحركات الظاهر قولا وعملا وذلك المجموع الديني المجزئ ، الاعتقاد والقول والعمل ، أو العلم والعمل ، فَثَمَّ طاعة مطلقة لله ، جل وعلا ، ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك من جنس الاستجابة ، محل الشاهد ، أَنْ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، فَثَمَّ لام الاستحقاق والاختصاص في "لله" و "لِلرَّسُولِ" ، فتكرار اللام من جنس تكرار العامل ، عامل الطاعة في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) ، فإطلاق في موضع : (أَطِيعُوا اللَّهَ) ، وتكرار للعامل في ثان : (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) ، وَتَبَعٌ في موضع تَالٍ : (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ، فكان العطف بلا إعادة لِلْعَامِلِ "أَطِيعُوا" ، فلم يُفْرِدِ الولاة بالأمر ، أمر الطاعة ، إذ طاعتهم تَبَعٌ لطاعةِ الوحيِ فَلَيْسَ ثَمَّ سواه مرجع يجاوز ، وليس ثم مَتْبُوعٌ الاتباع المطلق إلا الكتاب المهيمن الذي جاوز في الدلالة الآي المتواتر إلى الخبر الآحادي ، فَثَمَّ كتاب الشريعة الأعم فلا طاعة تطلق إلا لكتاب وحي مُنَزَّلٍ يَفْصِلُ بين الخصوم كافة ، فَحَالَ الاختلافِ يُرَدُّ الأمرُ إلى الوحي وَيَبْطُلُ سلطان الولاية الأرضية فَلَيْسَ ثَمَّ إلا طاعة سماوية ، فـ : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) فكذلك الاستجابة ، وهي ما أُطْلِقَ في هذا الموضع فاستغرق العبوديات كَافَّةً ، وثم خاص يُبِينُ في آخر ، فـ : (إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) ، فكان الأمر بالاستجابة لداعي الإيمان ، وهو ما يجري مَجْرَى المكافأةِ ، لا المعاوضة فلا عوض من نِعَمِ الله ، جل وعلا ، فَثَمَّ مقابلة في المعنى كما قَرَّرَ بَعْضُ المحققين في الباب ، فكما يجيب الله ، جل وعلا ، دعاء الداعين ، فالفرض أن يجيبوا داعي الإيمان إِذَا دَعَا ، فكان الأمر بالاستجابة نَصًّا ، إذ اللام ، لام الأمر في "فَلْيَسْتَجِيبُوا" : نَصٌّ في الباب ، كما الأمر في الآي محل الشاهد أَنْ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، فَوَرَدَتْ مادة الاستجابة في التَّنْزِيلِ فِعْلَ أمرٍ تارة ، وآخر مضارعا مجزوما بلام الأمر في "فَلْيَسْتَجِيبُوا" ، وَذَانِكَ ، كَمَا قَرَّرَ أهل الشأن ، من صيغ الأمر القياسية في الأصول ، بل هي الأكثر في الاستعمال من المصدر النائب عن فعل الأمر ، واسم فعل الأمر ، فكان أمر بالاستجابة في آي البقرة : (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) ، وثم إطناب بالعطف مع تكرار اللام ، لام الأمر في "وَلْيُؤْمِنُوا" ، فيجري ذلك مجرى المبيِّن بعد المجمل ، فَبَيَانُ مَا أُجْمِلَ من مادة الاستجابة هو الأمر بالإيمان ، وإطلاقه ، كما تقدم ، مجموع ديني مركب من الاعتقاد والقول والعمل ، فكل أولئك من العناوين الجامعة في باب التكليف .

    فالله ، جل وعلا ، قَرِيبٌ بالعلم فيسمع الدعاء ويجيبه فذلك قُرْبٌ أخص ، قُرْبُ الإجابةِ ، فَثَمَّ القرب الأعم الذي يضاهي معية العلم العامة التي تستغرق كل أحد ، المؤمن والكافر ، البر والفاجر ، كما في قوله تعالى : (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، فالقرينة السياقية تُرَجِّحُ المعيةَ العلمية دون أخرى انْتَحَلَهَا المحدِثة في الديانة إذ ضلوا في جُمَلٍ من الإلهيات فَمِنْ مُقِلٍّ ومن مستكثر ، فكان مِنْ أولئك مَنْ جَاوَزَ الحد فَوَقَعَ في الحلول والاتحاد الخاص أو العام ، فجعلوا المعية في هذا السياق معية الذات التي تستوجب المخالطة أو المجاورة بما يُخَالِفُ عن صحيح النقل الرسالي إذ يُثْبِتُ الحدَّ بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فَثَمَّ القرب العلمي الأعم الذي يستغرق كل أحد ، وهو ما وَرَدَ فِي مَوَاضِعَ من التَّنْزِيلِ ، فـ : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) ، وذلك مما أُكِّدَ باللام التي استجلبت القسم المقدر صدرَ الكلام ، فهي لام الابتداء المخصوصة ، ابتداء القسم ، على تقدير : والله لقد خلقنا الإنسان ..... ، وثم التحقيق في موضع جلال إذ دخلت "قَدْ" على العامل الماضي "خَلَقْنَا" ، ولا يخلو مقام الجلال من إسناد إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، وهو ما أطلق فَاسْتَغْرَقَ أجناسَ الخلق كافة ، التقدير الأول وهو من العلم ، فَثَمَّ علم أول به يكون الخلق ، وثم علم محيط بما تحتمله النفوس من الْأَغْيَارِ والوساوس ، فأحوالها تختلف وتكثر فلا يكاد يحصيها محصٍ إلا من خَلَقَهَا أولا ، فكان من علمه الأول المحيط ما استغرق دقائق الأبدان والأديان ، فَمِنْ كَلِمَ التكوين ما به بُرِئَتِ الأجساد ومن كَلِمِ التشريع ما نَزَلَتْ بِهِ الأخبار والأحكام التي تعمر المحال الباطنة والظاهرة بالصدق والعدل ، فكل أولئك من العلم ، فمنه الكوني ومنه الشرعي ، فكان الخلق الأول ، وما بعده من الإيجاد والإعداد والإمداد ، وما يكون بعده من جَرَيَانِ الأسباب على سَنَنِ القدرةِ والحكمة وبها استصلاح المحال الباطنة والظاهرة ، فكان خلق الإنسان الذي ائْتَلَفَ من الروح والجسد ، فدلالة "أل" في "الإنسان" : دلالة بَيَانٍ أول لماهية المدخول المؤتلفة من الروح اللطيف والجسد الكثيف ، وهي ، مع ذلك ، دليل عموم يَسْتَغْرِقُ الآحاد كافة ، آحاد النوع الإنساني ، فاستفيد العموم من وجهين ، إطلاق العامل الذي استغرق أجناس الخلق كافة : خلق التقدير وخلق الإيجاد وخلق التدبير ، ودلالة "أل" العامة المستغرِقة ، فَثَمَّ عموم الخلق الْإِنْسَانِيِّ ، وثم آخر قد جاوز ، فـ : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، فَذِكْرُ الإنسان في هذا الموضع يجري ، من وجه ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، وثم من قرينة العلم ما حُدَّ مُضَارِعًا في : "نَعْلَمُ" وبه استحضار الصورة ، ولا يخلو من ديمومة واستمرار ، وإن كان العلم بالنظر في جنسه الأعم ، وصف ذات لا يُنَاطُ بالمشيئة ، ولكنه بالنظر في آحاده إحاطةً بالمعلومات المحدَثة ، ولكنه بالنظر فيها مما يُنَاطُ بالمشيئة فهو من وصف الفعل الذي يُحْدِثُ الله ، جل وعلا ، من آحاده ما شاء كيف شاء متى شاء ، فَثَمَّ من العلم بما خفي من الوساوس وهو ما يدل ، من باب أولى ، على عِلْمٍ بما ظهر من الأقوال والأعمال ، وذلك ، أيضا ، من موضع الجلال الذي حَسُنَ فيه إسناد العامل إِلَى ضَمِيرِ الفاعلينَ مَئِنَّةَ تَعْظِيمٍ ، فاستكَنَّ ضمير المتكلمين المجموع "نَحْنُ" في العامل "نَعْلَمُ" إِذْ دَلَّتْ عَلَيْهِ النون ، نون المضارعة صدر العامل "نَعْلَمُ" ، فهو وإن حرف مبنى فلا يخلو من دلالة معنى وإن لم يكن حرف معنى يستقل في الحد ، نطقا وَكَتْبًا ، سواء أعمل فيما بعده أم لم يعمل فكان من هذا العلم ما استغرق الخفي والظاهر ، وتلك ، وهو محل الشاهد ، تلك القرينة التي حَمَلَتِ الْقُرْبَ في الآية على الْقُرْبِ العلمي المحيط ، فَلَيْسَ قُرْبَ الذَّاتِ وما يزيد في ذلك ويؤيد ما كان بعده من تَلَقِّي الملكين ، وهو يشبه ، من وجه ، الْبَيَانَ بَعْدَ الإجمالِ ، فيشبه أن يكون جوابا عن سؤال يقدره الذهن على تقدير : وكيف يكون هذا الْقُرْبُ ؟ ، فكان الجواب : (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ، فذلك القرب بالملكين إذ يحصيان الأعمال ما خفي منها وما ظهر ، وكذلك الشأن في قوله تعالى : (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) ، فذلك القرب العلمي ، وثم آخر بالملك إذ يَنْزِعُ الروح ، وكل أولئك من القرب العلمي الأعم الذي يستغرق كل أحد ، خلافا للقرب الأخص ، قرب الإجابة في قوله تعالى : (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ، فذلك ما يجري ، أيضا ، مجرى البيان لِمَا أُجْمِلَ من القرب ، فهو يحتمل القرب الذاتي وذلك ما انْتَفَى بِقَرَائِنَ تَوَاتَرَتْ في الآي والخبر وفيها إثبات العلو المطلق للرب المهيمن ، جل وعلا ، ذاتا واسما ووصفا وفعلا وحكما ، ويحتمل القرب العلمي الأعم ، ويحتمل آخر وهو قرب الإجابة الأخص ، إجابة الداعي فأطنب بخبر ثان في الآية : (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ، فذلك ما قَيَّدَ الْقُرْبَ بِقُرْبِ الإجابة ، وكل أولئك مما به الاستجابة تكتمل فمنها الاستجابة بالمسارعة إلى دعاء الله ، جل وعلا ، دعاء الثناء والمسألة ، فالاستجابة بالمسارعة في الدعاء فَرْدٌ من أَفْرَادٍ عامٍ ، وهو ما أطلق من عامل الاستجابة في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، فكان نداء الرب ، عز وجل ، وهو الأعلى ، فأفاد نداء البعيد تعظيمَ المنادي وإثبات العلو المطلق ، وَثَمَّ تَنْبِيهُ المنادَى ، وهو ثان استفيد من النداء آنف الذكر أَنْ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، وإن مؤمنا حاضرا فلا يخلو من غفلة ، فيكون النداء دليل تأسيس إذ يُنَادَى الغافل ، وَكَذَا لو زِيدَ في الدلالة فاتسعت لِتَسْتَغْرِقَ كل مكلف ، مؤمنا أو كافرا ، فالكافر من جنس الغافل ، فيكون الخطاب تأسيسا في حقه ، وأما نداء المؤمن حاضر الذهن ، فهو خطاب التَّوْكِيدِ ، فَيُنَبَّهُ المنبَّهُ زيادةً ، ولا يخلو من آخر تعظيما في الدلالة ، فَجَمَعَ نداء البعيدِ تَعْظِيمَ المنادِي والمنادَى ، لا على حد التعارض إذ الجهة قد انفكت ، فتعظيم المنادي تعظيم العالي بالذات والوصف ، فالنداء البعيد لا يكون إلا من جهة تَبْعُدُ وهي جهة العلو المطلق في حق الرب المهيمن ، جل وعلا ، وهي ، كما تقدم ، جهة العدم : العدم من أي مخلوق فليس إلا ذا الملكوت ، تبارك وتعالى ، بحد يميزه من المخلوق ، وذلك فُرْقَانٌ لا زال يَثْبُتُ في الخارج في كُلِّ موضع من مواضع الوحي النازل إن بالنص أو باللازم ، بل ذلك ، لو تدبر الناظر ، قُطْبُ رَحَى الرسالة ، فقد جاءت تُفْرِدُ الربَّ الخالق ، جل وعلا ، توحيدَ ذاتٍ واسم ووصف وفعل وحكم ، وهو ما وَقَعَ فِيهِ الخلاف في كُلِّ جيلٍ ، فَثَمَّ الشرك الذي نَالَ من الجميع ، توحيد العلم وتوحيد العمل ، توحيد الذات والاسم والوصف ، توحيد الشرع والحكم ، فجاء الوحي لِيَمِيزَ كُلًّا من الآخر ، فَيَحُدُّ الحدَّ الذي به يمتاز الخالق ، جل وعلا ، من المخلوق ، في التوحيد العلمي الخبري وذلك ما يحسم مادة التشبيه والتعطيل ، وهما ، أيضا ، مما يتلازم ، فإن تشبيه الخالق ، جل وعلا ، بالمخلوق ، إما جفاء في حق الأول ، عز وجل ، أو غلوا في حق الثاني ، ولو كان شريف الذات والوصف ، كالأنبياء والصالحين وأصحاب الولاية الحقة ، فإن هذا التشبيه يَسْتَلْزِمُ التعطيل ، تَعْطِيلَ الخالق ، جل وعلا ، من وصف كماله إذ انْحَطَّ به المشبِّه إلى دَرَكَةِ المخلوق المحدَث ، وهو ما جَاوَزَ الذاتَ والاسمَ والوصفَ ، فذلك تعطيل الأولين من الفلاسفة والباطنية والمعطلة من سائر الإسلاميين على تفاوت بين المتجهمة والمعتزلة وبعض المتكلمين ، فَنَالَ كُلًّا من ذلك ما يُوَاطِئُ انْشِعَابَهُ عن الجادة المثلى ، إذ بِقَدْرِ مَا يَحِيدُ ويخالف يكون تعطيله الذي يَتَرَاوَحُ بَيْنَ تعطيلٍ تام وآخر في الجزء كمن تأول الوصف بلازمه ، ولازمه جُزْءٌ من معناه يصح ، ولكنه ليس المعنى المحكم الذي لا يُفَرِّقُ بين الملزوم واللازم ، فكان تعطيل المتكلمة في الباب الخبري ، وكان نظيره وهو ، لو تدبر الناظر ، له لازم ، كان نظيره من تعطيل المحكِّمَةِ في باب الشرعيات ، وهو مما عمت به البلوى في هذا الجيل المتأخر فَنَفَى صاحبه الحد الذي يميز الشرع المنزَل من نظيره المحدَث ، فكان التعطيل ، لو تدبر الناظر ، في وصف العلم والحكم والكلام ، وإن أَثْبَتَ صاحبُه هذه الأوصاف إثباتَ التصديق المجرد فلا ينفك يُكَذِّبُهَا بِلِسَانِ حالٍ هو الأصدق ، فما جدوى أَنْ يُثْبِتَ الكلام وصفا ، ويعطل دلالته شرعا إن خبرا يصدق أو حكما يعدل ، أو يفرق بين المتماثلين فيصدق بكلام التكوين النافذ خلقا ورزقا وتدبيرا ، ويعطل كلام التشريع خبرا وحكما ، أمرا ونهيا ، فيؤمن بالرب الخالق ويجحد الإله الشارع وفي ذلك من التحكم ما لا يخفى تَفْرِيقًا بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ في الباب ، فكلاهما من وصف الله ، جل وعلا ، فَوَجَبَ فيهما جميعا الإثبات على حد سواء ، فذلك حدُّ التصديقِ النافع الذي يجاوز العرفان المجرد إلى القول والعمل المصدِّق ، وهو ما به حد آخر يميز الرب من العبد ، فَثَمَّ ذات الخالق في حد ، وذات المخلوق في آخر ، وثم وصف الخالق في حد ووصف المخلوق في آخر ، وثم شرع الخالق ، جل وعلا ، في حد ، وثم شرع المخلوق في آخر ، والأول عن علم محيط يصدر ومن عَالٍ العلو المطلق يَتَنَزَّلُ ، فذلك وجه النداء البعيد صدرَ الآية ، والثاني لا يجاوز الأرض السفلى إذ يأبى الانقياد لمرجع يجاوز من أعلى ، فالعلو المطلق قَيْدُ احتراز يميز الخالق ، جل وعلا ، من المخلوق بالحد ، فكان من نداء البعيد ما رَفَدَ هذا الحد ، وهو ، لو تدبر الناظر ، أمان من الغلو والجفاء جميعا ، وبه بطلان المقالة الاتحادية ونظيرتها الحلولية ، إن حقيقة أو معنى ، فلا تَحلُّ ذات الخالق ، جل وعلا ، وهي العليا الكاملة ، لا تحل في ذات أرضية ناقصة ، وإن بلغت ما بلغت من الشرف والكمال ، فلا تخلو مِنْ نَقْصٍ ، ولو جِبِلَّةً ، بالنظر في أصل التكوين والنشأة ، فهي من العدم وما سُبِقَ بالعدم فهو فقير إذ احتاج إلى من يُوجِدُهُ فَيُخْرِجُهُ من العدم إلى الوجود ، من الغيب إلى الشهادة ، وذلك ما أَقَرَّ به العقلاء كافة ، وإن الفلاسفةَ وهم الغلاة في التعطيل ، فلم يَنْفَكَّ مقالهم يُثْبِتُ أولا يصدر عنه هذا العالَم ، فهو يفتقر إليه ، وإن علةً أولى تَفْعَلُ اضطرارا بلا علم ولا إرادة فهي معطلة من الوصف جميعا إلا علما كليا لا يستغرق الجزئيات إذ تحصل بلا علم ولا إرادة أولى ، فهي خارجة عن الخلق الرباني ، وذلك تعطيل في باب الربوبية ، فضلا عن آخر في وصف الأولية إذ جاوزوا المعقول في هذا الباب فَقَالُوا إِنَّ العلة تُقَارِنُ المعلولَ في الوجود ، فالعالم قديم قِدَمَهَا ، وإنما تقدمت عليه في الرُّتْبَةِ لا في الوجود ، فذلك الشرك في وصف الأولية الذي أَفْرَدَتْ به النبوات ربَّ البريةِ ، جل وعلا ، ومع هذا التعطيل لا ينفك العالم في المقال الفلسفي يَفْتَقِرُ إلى سبب من خارج به يوجد من العدم ، وإن علةَ اضطرارٍ بلا علم ولا إرادة ، على تفصيل في ذلك ، فالفقر إلى الأسباب : أسباب الإيجاد ابتداء وما تَلَا من أسبابِ الإمداد ، ذلك الفقر وصف ذات لا يُعَلَّلُ فلا يفارق ذات المخلوق أبدا ، فالفقر وصف ذات له يلازم ، وإن بَلَغَ مِنَ الكمالِ وَالشَّرَفِ مَا بَلَغَ ، وإن ذواتَ الملك والأنبياء ، عليهم السلام ، فهي تفتقر ، ولو إلى سبب يوجدها ، فالفقر ، كما تقدم ، وصف يلازمها أبدا ، في مقابل ذات عليا تُفَارِقُهَا بما امتازت من الحد حقيقة ومعنى ، فلا تحل ، لا نقلا ولا عقلا ، لا تحل في الذات الأرضية المحدثة ، فلا تحل ذات الخالق ، جل وعلا ، في المخلوق ، لا كما زعم النصارى المثلثة ومن سلك جادتهم في الغلو من أرباب التشيع والرياضة ، فغلا الأولون في علي وآل بيته ، رضي الله عنهم ، وغلا الآخرون في الشيوخ وأرباب الحالِ المحدَث الذين فَنَوا فناءَ الوجود في ذات المعبود فسلكوا من جادة الرياضة حسا ومعنى ، جوعا وعطشا ، تدبرا وسهرا ..... إلخ من الأحوال الغالية التي لم تشرع ، فليست إلا رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعَهَا المحدِثة في الباب ، فسلكوا من هذه الجادة ما اضمحلت به ذواتهم الأرضية ! ، ولطفت مادتها وصارت أهلا أن تدخل الحضرة الإلهية بل وتمازجها ، حسا أو معنى ، ذاتا أو وصفا ، وهو ما جاوز به المتَشَرِّعَةُ في نحلة الحداثة المعاصرة ، فقد مارس أصحابها من رياضة العقل واجتهدوا في البحث والحد : حد المعيار الواصف حُسْنًا وَقُبْحًا ، وآخر في الحكم أمرا ونهيا ، فصارت المحال أهلا أن تُحْدِثَ من الشرائع ما به تناجز الوحي بل وتعزله عن المنصب الحاكم فتأبى الانقياد لأي مرجع يجاوز من خارج ، فذلك معنى حلولي اتحادي حداثي يجاوز المقال الأول في الباب ، فقد جاوز به المتأخرون الذاتَ والوصف ، فجاوزوهما إلى الحكم ، وتعضدوا بمعنى ديني ، ولو باطلا ظاهر البطلان يخالف عن النقل والعقل جميعا ، تعضدوا بهذا المعنى ، وهو الحلول والاتحاد إن حسا في المقال القديم أو معنى في المقال الحديث ، فقد حلت بالحاكم الأرضي روح تشريع إلهي تجاوز ، بداهة ، إنفاذ الحكومات إلى اسْتِئْنَافِهَا على قاعدة من الهوى والذوق وإن اجتهد صاحبها أن يكسوها لحاء الوحي ، ولو مقاصد مجملة ، وذلك ما يبطل دلالة النداء آنف الذكر ، نداء البعيد في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، إذ لم يعد ثم أعلى يمتاز من الأدنى بالحد ، في الذات والاسم والوصف في المقال القديم ، وفي الحكم في المقال الحديث ، مقال الحداثة ، فَثَمَّ نَفْيٌ لهذا النداء من بعيد ، فليس ثم بعيد يجاوز من خارج في حكمه النازل ، فالحكم من الأرض حادث ، إذ حلت روح التشريع في المحل الأرضي الأدنى ، فلا يحل الخالق الأعلى في مخلوق أدنى ، كما ذهبت إليه المثلثة غلوا في ذات المسيح ، عليه السلام ، فذلك ما قال بَعْضٌ كما قد حكى الوحي ، فـ : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) ، فذلك قول بعضهم ، إذ ثم آخرون قالوا بحلول الوصف في أقنوم الحياة وهو روح القدس ، وآخر وهو المسيح ، عليه السلام ، فذلك أقنوم الكلمة أو العلم ، وهو ما حده القوم بُنُوَّةً ، فهي بُنُوَّةُ معنى إذ اتحد الوصف ، وصف الكلمة الربانية ، اتحد بذات المسيح الأرضية ، فتجسدت أقنوما في الخارج ، وذلك ، بداهة ، ما يخالف عن البدائه ، إذ الوصف يُنْسَبُ إلى المحل الذي يقوم به ، فَلَوْ فُرِضَ جدلا أن الوصف وهو المعنى الذي يقوم بالموصوف ، ومنه الكلمة التي تقوم بذات المتكلم فكانت في البدء كلمة الخالق العليا ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ هذا الوصف يُفَارِقُ الموصوف ويحل في آخر ، فَنِسْبَتُهُ إلى الأول قد انْتَفَتْ وَاسْتُبْدِلَتْ بها أخرى إلى الثاني فصارت الكلمة كلمةَ المسيح أو هي وصف من أوصافه إذ يقوم بذاته فقد حل بها أو اتحد ، فتجسدت في ماهيته في الخارج ، فكيف تَثْبُتُ النِّسْبَتَانِ على جهة واحدة لا تَنْفَكُّ ، فتكونَ كلمةَ الله ، جل وعلا ، وهي ، مع ذلك ، ماهية المسيح في الخارج ، تكون هذه الكلمة وهي وصف الخالق تكون وصفا للمخلوق الذي خَلَقَهُ فهي تسند إلى المخلوق المحدَث كما الأولى التي تقوم بذات الخالق المحدِث ، جل وعلا ، فصارت وصفا واحدا من ذات الجهة مع انفصالها عن ذات الموصوف الأول واتحادها أو تجسدها في ثان محدث ؟! ، خلاف ما لو أُثْبِتَتْ على جهة تَنْفَكُّ فلا تَعَارُضَ ولا تَنَاقُضَ ، فهي كلمة الله ، جل وعلا ، وصفا ، والمسيح هو الكلمة إذ بها قد كان فذلك من إقامة السبب وهو الكلمة مقام المسبَّب وهو المخلوق الصادر عنها ، فالمسيح هو الكلمة إذ خلق بها ، فلا زالت نسبتها إلى المتكلم الأول ، والمسيح ، عليه السلام ، هو أَثَرُهَا المخلوق المحدَث في الخارج ، فانفكت الجهة وَانْتَفَى التَّعَارُضُ على هذا الوجه ، خلاف آخر لا يسلم من التَّعَارُضِ بل وَالتَّنَاقُضِ أَنْ يُفَارِقَ الوصفُ الموصوفَ فَتَنْتَفِي نسبتُه إلى المحل ويحل في آخر وهو مع ذلك وصف الأول ! ، فكان من مقال الْبُنُوَّةِ معنى إذ أقنوم الكلمة قد امتاز من الأب وهو الأقنوم الأول ، فكان الشرك وإن قُدِّمَ الأقنوم الأول فتقديم الرتبة ، وذلك ، من وجه ، ما يضاهي قول الفلاسفة إذ جعلوا العلة أولى في الرتبة لا في الوجود ، فكان الشرك تَعَدُّدَ قدماءٍ في الأزل ، ثلاثة أقانيم وإن قُدِّمَ الأب في الرتبة ، فتلك بُنُوَّةُ المعنى التي حكاها الآي المحكم ، فـ : (قَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) ، فيجري ذلك مجرى العام الذي يُرَادُ به خاص ، فذلك المجاز عند من يثبته في اللسان والوحي ، أو هو من إيجاز الحذف ، حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه على تقدير : وقال بعض النصارى ، وثم من زاد ، كما تقدم ، فـ : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما قالت الحداثة ، ولو كنايةً لا تُصَرِّحُ ، فثم من قال إن المشرِّع الحداثي هو الله ، فهو الإله الشارع ، فَرْدًا أو سلطانا ، فكلاهما يجاوز الحد في الباب ، باب العلم والعمل ، فيروم ربوبية علم يحيط بالخلق كافة بما اقترح من أسباب التجسس والتحسس ! ، ويروم أخرى بها يتحكم بما احتجز من الأرزاق فمنع بخلا وشحا أحضرته النفوسُ ، ويروم ألوهية بها يحكم بما أحدث من الشرع المفصَّل الذي جاوز المقاصد والكليات إلى دين يستغرق شئون الخلق كافة ، فخالف به عن جادة الوحي المنزل ، وأصل الداء واحد وإن اختلفت الأعراض ، وكل ، لو تدبر الناظر ، يعطل في باب الاسم والوصف والفعل والحكم ، فَيُبْطِلُ الحدَّ الفارق بين الخالق والخلق ، فلا يكون النداء آنف الذكر أن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، لا يكون نداءَ البعيد ، فكيف يستقيم ذلك وقد حَلَّ الخالق ذاتا أو وصفا في المخلوق ، فكان من هذا النداء معنى يلطف به الحدُّ المحكم يثبت ، الحد بين الخالق ، جل وعلا ، وهو الأول ، والمخلوق المحدث من العدم ، الناقص في الوصف وإن بلغ من الكمال ما بلغ ، فهو ، أبدا ، ناقص يفتقر ، ولو جبلةً أولى لا يذم بها ، فلا يحل فيه الكامل بداهة إذ لا ينفك ذلك ، كما تقدم ، يحكي الجفاء في الباب ، فلو سلم أن الكامل يحل في الناقص أو يتحد به ! ، فذلك ما ينحط به عن درجة الكمال المطلق الذي لا ند له فيه ولا شريك إلى دركة دُنْيَا إذ يلحقه من النقص ما لا يسلم منه بمخالطة الناقص ، ولازمه ، في المقابل ، غلو في المخلوق الناقص إذ اتحد بالأعلى الكامل فَحَلَّ به من وصف الكمال ما يجاوز ماهيته الأرضية المحدثة ، فلا ينفك الغلو والجفاء في هذا الباب يتلازمان ، فَثَمَّ غلو في المخلوق يجاوز به حدَّه المحدَث ، نقصا في الوصف وجهلا وظلما في الحكم ، وثم جفاء في حق الخالق ، جل وعلا ، ووحده نداء البعيد ما يحسم هذه المادة الفاسدة إذ يضع كلا في الموضع الذي يليق ، فيضع الخالق ، جل وعلا ، في المحل الأعلى ، ويضع المخلوق في المحل الأدنى ، فالخطاب من أعلى إلى أدنى ، وهو ما يرشح في الأمر : "اسْتَجِيبُوا" ، دلالة الفرض والإيجاب فلا يكون إلا من أعلى يجاوز خلاف ما يكون من خطاب المساوي في الالتماس ، أو الأدنى إلى الأعلى فهو الدعاء ، فَثضمَّ نداء من الأعلى إلى الأدنى ، وإن لم يخل الأدنى من معنى ثَنَاءٍ وتعظيم ، فقد حُدَّ حَدَّ الإيمان في هذا الموضع أَنْ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، وهو معنى به القبيل المخاطب يمدح ، فلا تعارض إذ الجهة قد انفكت ، فذلك خطاب يُنَبِّهُ الغافل من القبيل المؤمن ، من وجه ، ولا يخلو من ثناء ومدح ، من آخر ، فاحتمل الوجهين : خطاب الأعلى إلى الأدنى ولا يخلو من انحطاط في رتبة المنادَى ولو حكاية حال فهو الأدنى في الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، وهو الأدنى في الجهة والحد ، فكان من النداء ما يُثْبِتُ هذا الحد إذ يفصل بين الخالق الأعلى والمخلوق الأدنى ، واحتمل ، مع ذلك ، التعظيم للقبيل المنادَى إذ حُدَّ حَدَّ الإيمان ، وهو مناط ثناء ومدح ، فاجتمع فيه الوجهان وظاهرهما التعارض بل والتناقض ! ، وليس ذلك بكائن إذ الجهة قد انفكت ، كما قال أهل الشأن ، فجهة النداء : نداء الأدنى تُغَايِرُ عن معنى ثناء ومدح هو مظنة التعظيم والتوقير إذ خوطب بعنوان الإيمان ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مما يجري مجرى الأضداد إن على جهة افْتِرَاٍق في الدلالة فلا تجتمع ، بل ثم من الاشتراك المجمَل ما قد بَلَغَ في الإجمال غاية عظمى ، غاية الدلالة المتضادة أو المتناقضة ، كما المثل يضرب بالنداء ، أيضا ، إن في موضع ثناءٍ وتعظيم كما في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، أو في موضع ذم وتحقير كما في نداء الكفار في قول الرب القهار جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، وقد يجري ذلك مجرى الأضداد على جهة عموم في الدلالة وإن لفظا مشتركا قد اجتمعت فيه الدلالتان مع اتحاد السياق لا تَغَايُرِهِ ، وانفكاك الجهة لا اتحادها ، فالسياق في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) واحد ، والمعنى ينفك إذ الجهة تتغاير ، فجهة المدح وصفُ القبيل بالإيمان ، وجهةُ النقصِ ما يكون من خطاب الأدنى فلا يَسْلَمُ من نقصٍ ولو في الجبلة والوصف ، مع ما يعتريه من غفلة في أحيان ، وإن حصل له وصف الإيمان المحمود ، فلا ينفك تعتريه غفلة أو فتور ، وهو ما استوجب النداء من أعلى تَنْبِيهًا لا يخلو من استدراك على حالٍ ناقصة ، ولو طارئةً ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، مما استأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك .


    وثم من الإطناب ، أيضا ، الإطناب بالمنادى "أَيُّ" وصلة يُتَوَسَّلُ بها إلى نداء الموصول "الذين" ، وثم هاء تنبيه في "أَيُّهَا" وهو ما يُعْتَبَرُ حَالَ الغفلةِ آنفة الذكر ، فالتنبية يذكر الغافل ، وثم من الموصول "الذين" ما حُدَّ حَدَّ الجمع المذكَّر بالنظر في وضع اللسان الأول ، ولا يخلو ، كما تقدم في مواضع ، من دلالة التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف ، وهو مما أُطْنِبَ بِهِ بين يدي الصلة ، وهي محل الفائدة ، فمناط النداء المعنى الذي اشتقت منه وهو الإيمان ، فكان من الإطناب بمجملات ثم مُبَيِّنَاتٍ ، وهو ما مَهَّدَ للمعنَى أَنْ يَثْبُتَ في الذهن وَيَرْسَخَ ، إذ تَشَوَّفَ لِبَيَانِ ما قد أُجْمِلَ صدر الكلام .


    وبعده كان الأمر بالاستجابة ، بعد التمهيد بالنداء وعنوان الإيمان ، مع ما تقدم من زيادة في المبنى تحكي أخرى في المعنى ، فكان المنادى المبني على الضم "أَيُّ" وصلةً في اللسان بها يَتَوَسَّلُ المنادي إلى نداء ما صدره "أل" سواء أكانت أداة التعريف أم كانت مزيدة أم كانت من حد اللفظ بالنظر في أصل الوضع ، كما في الاسم الموصول "الَّذِينَ" محل الشاهد ، فَتَوَسَّلَ المنادِي إلى نداء الموصول الاسمي الخاص الموضوع في اللسان مَئِنَّةَ الجمعِ المذكر وإن دَلَّ ، كما تقدم ، على كلِّ أحدٍ يُكَلَّفُ بِقَرِينَةِ التَّغْلِيبِ في الخطاب المكلِّف ، ولا يخلو من دلالة في المعنى ولو زيادة مبنى مجردة تدل على نظير لها من المعنى ، مع دلالة أخص وهي الإجمال وبعده البيان بما به المعنى في الذهن يَرْسَخُ ، فكان النداء ابتداء : نداء البعيد ، وهو ما يستحضر الأذهان ، وثم الزيادة بالمنادى المبني على الضم "أيُّ" ولا يخلو من إجمال إذ يمهد لِمَا بَعْدَهُ ، فَمَهَّدَ لمجمل ثان ! ، وهو الموصول الذي يفتقر إلى الصلة فهي مناط الفائدة والتعليل ، فعنوان الإيمان الذي اشتقت منه الصلة هو مناط الفائدة ، وإن لم يخل ، أيضا ، من إجمال ، فَثَمَّ من قرينة العموم في خطاب التنزيل الخاتم ما جاوز القبيل المؤمن إلى نظيره الكافر ، ومن ثم كان الأمر بالاستجابة ، الاستجابة لله ، جل وعلا ، مخبِرًا حاكما في الأزل فهو الأول بالذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، ومخبرا حاكما بآحاد من النجوم الرسالية تُنَاطُ بالمشيئة الربانية فهي تأويل النوع القديم من وصف الكلام بما حدث من آحاده مُنَاطًا بالمشيئة الكونية النافذة ، والاستجابة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو المخبِر الحاكم الثاني بما احتمل من تكليف البلاغ والبيان ، فَصَحَّ من هذا الوجه أنه صاحب الشرع ، فهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم صاحبه بَلَاغًا وَبَيَانًا ثَانِيًا ، والله ، جل وعلا ، صاحبه أصلا عنه يصدر فَمِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ ، فهو أول من تكلم به ، وهو قَبْلَ ذلك أول من علم في الأزل ، ثم شاء الكلام وصفَ فِعْلٍ يَتَجَدَّدُ وإن كان نوعه قديما قدم الذات الإلهية التي يشاطرها وصف الأولية المطلقة ، فأحدث من الآحاد الكونية والرسالية ما احتملها الملَك فمنه المكلف بالكون ، ومنه آخر يحمل الشرع إلى رسل الأرض ، عليهم السلام ، بما تقدم من حملانهم تكليف البلاغ والبيان ، وذلك ما يَرْفِدُ ، من وجه ، دلالة "أل" في "الرسول" ، فَتَصِيرُ مَئِنَّةً أولى من بَيَانِ جنسِ مدخولِها ، وَيُزَادُ في دلالتها العموم المستغرق لكلِّ رسولٍ بالنظر في دين الرسالة الأعم ، دين التوحيد ، فَمَنْ كَذَّبَ وَاحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الجميع ، فـ : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) ، فكذبوا المرسلين جميعا إذ كذبوا نوحا عليه السلام ، فَذِكْرُهُ ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، أو هو المثال المبِينُ عن عمومه ، فلا يخصِّصه ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، وذلك ، أيضا ، والشيء بالشيء يذكر ، ذلك مما استأنس به من يجوز المجاز في اللسان والوحي ، إذ ذَكَرَ واحدا وَأَرَادَ جَمْعًا ، ومن ينكر المجاز فهو على قوة تأويل ينصح إذ تأيد بالدليل المحكم ، دليل العموم في تكليف الرسالات ، فـ : (لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ، فتلك قرينة تحمل اللفظ على الحقيقة ، فَثَمَّ عموم يستغرق ، فمن كَذَّبَ واحدا فقد كذب الجمع المرسل إذ فحوى الرسالة واحدة ، وذلك ، كما تقدم ، مما يَرْفِدُ دلالة "أل" في "الرسول" فيجاوز بها العهد الخاص المتبادر بالنظر في ألفاظ الكتاب الخاتم التي توجه خطابها ابتداء إلى صاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَثَمَّ قرينة تَفْرِضُ الاستجابة لكلِّ رسول بالنظر في معنى الدين الأعم ، معنى التوحيد الذي خوطب به الخلق كافة ، وإن كان ثم استجابة أخص بالنظر في الشرائع فهي على أنحاء خلاف الدين الواحد ، فـ : "إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، دِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى" ، فتلك استجابة أخص وهي الفرض في كل رسالة ، وآكده ما كان في الخاتمة إذ نسخت ما تقدمها فهي المصدقة المهيمنة ، والاستجابة لها استجابة لِمَا تَقَدَّمَ ولا عكس ، فهي الأعم في دلالتها إذ استجمعت ما تَقَدَّمَ وَزَادَتْ عليه من البيان ما يُفَصِّلُ ، فَمَا فيها يجزئ عما تقدم ، ولا عكس ، وذلك العموم والخصوص من وجه ، فَمَثَلُهَا مَعَ الرسالات السابقة ، كَمَثَلِ الإيمان مع الإسلام فكل إيمانٍ إسلام ولا عكس ، إذ دلالة الإيمان أعم بما استغرق من الباطن والظاهر ، الاعتقاد والقول والعمل ، خلاف الإسلام الذي يَنْصَرِفُ ، بادي الرأي ، إلى الظاهر وإن اشْتُرِطَ له من صحة الباطن ، ولو مطلقًا ، ما يُصَحِّحُ هذا الظاهر بالنظر في أحكام الآخرة لا أحكام الدنيا التي تُنَاطُ بالظواهرِ ما لم يَسْتَعْلِنْ صاحبُها بالنواقض على وجه لا تأويل فيه ولا عذر ، فكان من الرسالة الخاتمة معنى أعم مما تَقَدَّمَهَا ، إِنْ فِي مَادَّتِهَا المبيِّنَةِ أو في دائرة التكليف التي استغرقت الخلق أجمعين ، فالاستجابة لها استجابة تَعُمُّ ، وذلك ما أَيَّدَهُ العطف ، عطف اسم الرسول إذ انصرف إلى العهد الخاص فهو صاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فاستجيبوا لله توحيدا للمرسِل ، أن يكون وحده مرجع التشريع المحكم الذي يخضع له المتخاصمون في كلِّ نَازِلَةٍ ، وتوحيدا للمرسَل ، فتلك الاستجابة للرسول بما كُلِّفَ من واجب البلاغ وَالْبَيَانِ ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، معنى يجاوز الرسول الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى كلِّ رسولٍ تَقَدَّمَ ، بل ويجاوزه إلى معنى ألطف وهو الاستجابة لكلِّ داعٍ يَتَحَمَّلُ رسالتَه وَيُبَلِّغُ مِنْهَا ، ولو آيةً ، فاحتملت دلالة "أل" ، من هذا الوجه ، فإما أن تحمل على عنوان أعم يستغرق الرسل جَمِيعًا ، وإما أن تحمل على عهد أخص فَتَقْتَصِرَ دلالتها على واحد بعينه في الخارج وهو النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بل قد تَتَّسِعُ الدلالة فيدخل فيها كل حامل للرسالة ولو تَابِعًا تَحَمَّلَ مِنْهَا ما يُبَلِّغُ ، وإن لم يكن المعصوم في نَقْلِهِ ، فالعصمة بعد النبوة لمجموع لا لجميع ، فالآحاد غير معصومين ، وإجماعهم هو المعصوم ، فإذا أجمعوا لم يكن إلا الحق ، وإذا اختلفوا فَثَمَّ إجماع ألطف ألا يخرج الصواب عن خلافهم ، فيكون في قول من أقوالهم ، وإن خَفِيَ وَلَطُفَ ، فلا تخلو الأرض من قائمٍ به حجة على الخلق معتبرة بما شَهِدَ لها من أدلة النقل والعقل جميعا ، فمن تحمل من الوحي ما صَحَّ وَصَرُحَ وَبَلَّغَ وَبَيَّنَ فالاستجابة له ، لو تدبر الناظر ، استجابة لله ، جل وعلا ، ورسوله إذ استجاب المستجيبُ لما تحمل الداعي من أدلة الوحي والنبوة ، آيا أو خبرا ، وثم قَيْدٌ يجري مجرى الغالب فلا مفهوم له : (إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) ، فلا يدعو النبي إلا لما فيه الحياة الكاملة ، سعادة في الأولى ونجاة في الآخرة ، وحياة أبدية لا صخب فيها ولا نصب ، وبعده كان الأمر على حد التحذير أَنِ : (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) ، فلا يخلو من دلالة الإيجاب بالنظر في وضع اللسان الأول ، ومعه تحذير يُنَوِّهُ ، فسارعوا بالاستجابة إذ قد يُحَالُ بَيْنَكُم وَبَيْنَهَا ، وفي ذلك من شاهد في الباب يَلْطُفُ أَنَّ : الأصلَ في الأمر الفور ، فَيُسَارِعُ المأمور أن يستجيب ويمتثل فلا يأمن أَنْ يُؤَخِّرَ فَيَفْتُرَ أو يَقْلُصَ فلا يستجيب الاستجابة التامة المجزِئة في بابها ، فكان من الأمر ما يحذر أَنِ : (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) ، وهو ما دخله التوكيد إذ دخل الناسخ "إِنَّ" على الجملة ، فهو وما بعده من مدخوليه في محل نصب ، فسدوا جميعا مسد المفعولين ، فلا يخلو الناسخ من دلالة توكيد انضافت إليها اسمية الجملة فهي دَلِيلُ ثُبُوتٍ واستمرارٍ وما كان من تكرار الفاعل إطنابا في الخبر "يحول" ، ففاعله المحذوف جوازا يَرْجِعُ إلى المبتدإ وهو اسم الجلال الأول اسم الله الأعظم ، والمبتدأ ، كما تقدم مرارا ، فاعل في المعنى فحصل التكرار من هذا الوجه ، وَثَمَّ من المضارعة في "يحول" ما به استحضار الصورة ، من وجه ، وما به حدوث الآحاد ، من آخر ، فذلك من وصف الفعل الذي يُنَاطُ بالمشيئة فنوعه قديم وآحاده تحدث فمن شاء ، جل وعلا ، هدى فأجاب وذلك الفضل ، ومن شاء حال بَيْنَهُ وَبَيْنَ الهدى وذلك العدل ، وَمَرَدُّ ذلك إلى القدرة والعلم والحكمة أَنْ يُوضَعَ الحالُّ في المحل الذي يواطئ إن قبولا أو ردا ، فلا يكون ذلك إلا بعلم أول يحيط وهو علم التقدير لِلْمَحَالِّ وَمَا يُوَاطِئُهَا من الأحوال ، ومحل التكليف مِنْهَا الاختيارُ لا الاضطرارُ ، وثم إطناب يزيد إذ يُذَكِّرُ بالعاقبة : (أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ، فَكَرَّرَ الناسخ وزيادته في المبنى مئنة من أخرى في المعنى فضلا عن دلالته الوضعية الأولى في اللسان دَلِيلَ تَوْكِيدٍ قياسي ، وثم توكيد آخر بتقديم الظرف "إليه" وهو متعلق العامل "تحشرون" ، فَقُدِّمَ وحقه التأخير مَئِنَّةً من حصر وتوكيد ، فانتهاء الغاية حشرا : إليه وحده ، جل وعلا ، والمضارعة على الأصل فَبِهَا استحضار الصورة ، من وجه ، وبها حكاية لِمَا يُسْتَقْبَلُ ، من آخر ، فَلَمَّا يَأْتِ الحشر بَعْدُ ، وهو ما حُذِفَ فاعله للعلم به ، بداهة ، فلا يَحْشُرُ الخلقَ إلا الآخر ، جَلَّ وَعَلَا ، فلا شيء بَعْدَهُ وهو الوارث للأرض وما عليها ، فذلك تكليف إيمان باليوم الآخر ، وهو الركن السادس من أركان الإيمان المجزئ .

    فعنوان الحشر من جملة الوصف ، وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة ، فالحاشر هو الله ، جل وعلا ، وذلك ما يصدق فيه العنوان الأعم في الباب : باب الأوصاف الفعلية ، فكلها مما قَدُمَ نَوْعُهُ فَقَامَ بالذات القدسية قِيَامَ المعنى بالذات فلا يستقل المعنى بالوجدان الخارجي فلا يوجد مطلقا بشرط الإطلاق التام إلا في مجردا في الذهن وبه تَصَوُّرُ الحقائقِ والماهيات فلا يكون ذلك في الخارج إلا مقيدا فمعنى الحشر الذي يجرده الذهن لا يوجد في الخارج إلا قائما بفاعل وهو الحاشر ، فَيُحْدِثُ مِنْ آحاده ما يُنَاطُ بالمشيئة ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى في الباب ، فيحدث منها ما شاء كيف شاء متى شاء ، فكان من الأمر بالعلم : علم اليقين الجازم أَنَّ الخلق إليه يحشرون ، وهو ما حُدَّ في موضع آخر حَدَّ التعليل ، كما في قوله تعالى : (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ، فكان من الإطناب بالموصول "الذي" على حد الوصف ، وهو مما أجمل فافتقر إلى المبين ، فكان مِنَ الصلة ما أَبَانَ ، فمحل الفائدة معنى الحشر الذي اشتقت منه الصلة ، وهو ، من وجه آخر ، مناطُ تَعْلِيلٍ فإن استحضار المعنى ، معنى الحشر ، عِلَّةٌ للأمرِ بِالتَّقْوَى ، فاتقوا الله إذ إليه الحشر وحده وما بعده من الحساب والجزاء ، فلا يخلو السياق من تَقْدِيرِ سؤالٍ قَدْ دَلَّ عليه السياق اقتضاء ، فما علة الأمر بالتقوى ؟! ، فكان الجواب : لأن إليه الحشر وحده .
    وثم من الإطناب في التكليف صلاة أخص ثم تقوى أعم ، فـ : (أَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ، وبعده الختام على حد القصر بتعريف الجزأين "هو" و "الذي" ، فذلك في قوة الإطناب أنه الذي إليه تحشرون وحده فلا تحشرون إلى غيره ، وذلك من القصر حقيقة إذ لا حاشر للعباد يوم البعث إلا الله الباعث الحاشر ، جل وعلا ، وهو ما قُصِرَ في موضع آخر على حد استغراق لأجزاء القسمة في الخارج خلقا أول وهو الذرء ، وبعده الحشر ، فـ : (هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ، فكان قصر الشطر الأول بِتَعْرِيفِ الجزأين "هو" و "الذي" ، وكان قصر الشطر الثاني بتقديم ما حقه التأخير من الظرف "إليه" ، فتقدير الكلام على حد الإطناب أيضا : وهو الذي ذرأكم فلا ذَارِئَ إلا هو خَلْقًا من العدم لا على مثال تَقَدَّمَ فذلك خلق آدم أبي البشر ، وإليه وحده تحشرون فلا تحشرون إلى أحد غيره ، وهو ما استوجب توحيده بأسماء الخالق والبارئ والمصور ، وأفعال الخلق والبرء والحشر ، وذلك مثال يبين عن عنوان أعم : توحيد الرب ، جل وعلا ، بأفعاله جمالا وجلالا ، وهو ذريعة إلى آخر في التكليف وهو الغاية من خلق العبيد ، توحيد العبادة والتأله بما نَزَلَ من كلمات الخبر والحكم ، فذلك عنوان دينٍ يجزئ في العلم والعمل ، وهو ، كما تقدم ، الغاية العظمى من خلق البشر وإرسال الرسل عليهم السلام .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •