الصفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
اعرض النتائج 41 من 47 إلى 47

الموضوع: التفكر

  1. #41
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:30 PM

    المشاركات
    5,169
    العمر
    44

    وهدايةُ البيانِ والإرشادِ هي المبدأ في أي استدلال ، وذلك قياس العقل إذ الحكم ، كما تقدم مرارا ، فَرْعٌ عن التصور ، فلا بد من حصول حجة مجزئة بها العذر ينقطع ، وهو مما يختلف من جيل إلى آخر ، بل ومن سامع إلى آخر لا تفريطا في الباب بما يكون من إفراط يُقَابِلُ فيكون التساهل في التماس العذر ولو فِي مَوَاضِعَ فِيهَا يَنْقَطِعُ ، وإنما العبرة أَنْ تَقُومَ حجة صحيحة صريحة ، وهو مما يجزئ فيه نقل العدل الواحد إذ يفيد الظن الراجح مع انتفاء القرائن المعتبرة في الرَّدِّ بِمَا يَكُونُ مِنْ عِلَّةٍ تَلْطُفُ فهي في صحة الخبر تَقْدَحُ ، فكان من حجية الآي ما تواتر ، وهو ما يجري ، من وجه ، مجرى التواتر العام الذي لا يفتقر إلى استدلال على صحته في نفس الأمر ، وهو ما يعلمه علماء الملة الخاتمة وكل أحد له منها حظ يجزئ ، ومعهم علماء الملة الإسرائيلية إذ عندهم ذكره في الكتاب الأول ، كما في استفهام يجري مجرى التقرير من وجه ، والإنكار والتقريع من آخر : (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ، وذلك مما زيد في حَدِّهِ محذوف أول إذ الصدارة للعاطف ، واو العطف في "أَوَلَمْ يَكُنْ" مع زيادة معنى بما كان من أخرى في المبنى ، على تقدير محذوف من قَبِيلِ : أغفل الغافل ممن جحد حجية الكتاب الخاتم ولم تكن له آية بها يعتبر أن علمه علماء الكتاب الأول فَشَهِدَ الشاهد منهم شِهَادَةَ الصِّدْقِ ، وذلك مما اختص به المفسرون ابن سلام ، رضي الله عنه ، حبر يهود المصدَّق ، فهو سَبَبُ نُزُولٍ حُكِيَ في قوله تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) ، وقد استدرك بَعْضٌ أن الآية مكية ، ولم يُسْلِمْ ابن سلام إلا في المدينة ، فَيَدْخُلُ في حد الآية وإن لم يكن سبب نزولها ، فالشاهد في الآية ، كما يذكر بعض من حقق ، الشاهد في الآية اسم جنس يستغرق فيدخل فيه ابن سلام وغيره من الشهود ، فيدخل فيه شاهد الملَك : روح القدس ، عليه السلام في قوله تعالى : (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً) ، وهو ، أيضا ، من الاستفهام الذي ينكر على قاعدة في التنزيل قد اطردت أن يُفَرَّقَ بين المختلِفَيْنِ ، من كان على بَيِّنَةٍ وهو المذكور ، ومن ضل فلا يهتدي ، وهو المحذوف ، كما يذكر بعض من حقق ، فدل المذكور شطرا من القسمة على آخر به استكمالها في سياق النَّفْيِ في الحكم والمآل إذ اختلف الوصف والفعل ، فَقَضَى القياس المصرح ، كما تقدم ، أن يفرق بَيْنَ شطري القسمة في الخارج إذ اختلفا الاختلاف الواضح ، وحصل من الاستفهام ما يواطئ القياس العقلي المصرَّح أن يفرق بين المختلفين بل هما المتناقضان فإن المحل لا بد له ، كما يذكر بعضُ من حَقَّقَ ، لا بد له مِنْ مَرْكَزٍ في الاعتقاد والنظر ، وتلك هداية أولى في التصور ، فَيُهْدَى كلٌّ إلى ما يَلِيقُ بالمحل وَيُوَاطِئُ ، فَمَنْ صَلُحَ مِنْهُ المحل فقد هُدِيَ إلى الحق في نَفْسِ الأمر حُجَّةَ رِسَالَةٍ تَصْدُقُ في البلاغ والبيان مع ما يكون تاليا من توفيق وإلهام ، ومن فَسَدَ منه المحل فهو على ضِدٍّ ، فكان من الحجة الرسالية المبذولة ما واطأ الطريقة المنقولة والمعقولة وإنما فسد المحل فلم يقبل آثار الحق الذي تواطأت عليه الكتب جميعا ، فكان من ذكر الكتاب الموسوي مَا يجري ، من وجه ، مجرى المثال الخاص الذي يبين عن عام يَسْتَغْرِقُ ، فإن النبوات جميعا قد شهدت للنبوة الخاتمة ، كما في ميثاق آل عمران : (إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) ، فَحُدَّ الأخذُ مَاضِيًا إذ انقضى ، وكان من ذلك دليل يؤكد إذ الماضوية مئنة من صدق الوقوع والتحقق في نفس الأمر ، وقد يقال إن ذكر الكتاب الموسوي ، في قوله تعالى : (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً) ، وهو الإمام لقومه أن هداهم إلى واجب الوقت من التصور والحكم وَزَادَ بُشْرَى بما هو آت من كتابٍ به ختم النبوة مُهَيْمِنًا قد صدَّق الأول وَزَادَ عليه ونسخ جملا منه في الفروع مع مواطئة في الأصول فلا تنسح فهي محكم النبوات المؤبد ، وهو الرحمة ، رحمة النبوة بما كان من كتابها الهادي في العلم والعمل كافة ، فيقال ، من وجه آخر ، إِنَّ ذِكْرَ الكتاب الموسوي في الآي آنف الذكر حكايةُ التغليبِ ، فهو الكتاب الجامع لنبوات بني إسرائيل كافة ، فكان منه أول قد جاء الإنجيل له يُكْمِلُ ، فما جاء لينقض الناموس وإنما ليتمه بما كان من جمال في مقابل جلال قد غلب على الكتاب الموسوي الأول وما كان لنسخ بعضٍ لا يخرج بالتوراة عن حد الاحتجاج فهي الأصل ، وجاء ، أيضا ، لِيُبَشِّرَ بآتٍ بعده اسمه أحمد ، فكان من ذلك دليل آخر على صدق النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذكر الكتاب الموسوي قد استغرق نظيره الإنجيلي إذ هو الفرع المتمِّم فاستغني عن ذكره بذكر الأصل ، فكان الأول في شطري القسمة في قوله تعالى : (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) ، كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ من ربه ، جل وعلا ، وهو ما انصرف ، بادي الرأي ، إلى صاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإن دخل فيه كلُّ مُهْتَدٍ قد استجاب لِدَاعِي الحقِّ من خبر الوحي وحكمه آياتٍ تُخْبِرُ بالصدق وتحكم بالعدل ، فذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجري ، من هذا الوجه ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فيدخل فيه كل من اهتدى بالوحي الخاتم هداية البيان والإرشاد الأولى وما تلا من أخرى وَحْدَهَا ما يجزئ في حصول السعادة والنجاة : هداية التوفيق والإلهام ، ويشهد له الاسم الموصول المشترك "مَنْ" فَهُوَ نص في العموم وحملانه على العموم أولى فلا يصرف إلى الخاص إلا بقرينة ، وانصرافه إلى المخاطَب الأول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يحول دون دخول غيره ، بل السياق يستغرق الجمع المهتدِي الموفَّق كافة ، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَمَنْ صَاحَبَ مِنْ جماعة الإيمان من الصدر الأول الفاضل ، رضي الله عنهم رضى التحقيق المستغرِق ، وهم خير الطباق مُطْلَقًا فِي العلم والعمل فدخولهم في هذا العموم أولى ممن أَتَى بعدهم فلا يَتَقَدَّمُهُمْ فِيهِ إلا الأنبياء ، عليهم السلام ، فكان من هذا العموم ما يَصْدُقُ فِي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحب كافَّةً ، على تَقْدِيرِ أيستوي أبو بكر مثالا إذ هو الأول وهو على البينة من ربه ويتلوه شاهد منه ، أيستوي هو ومن ضل فلم يهتد ساء مثلا إذ يخالف عن المنقول والمعقول كافة فهو ، كما تقدم ، يَقْضِي قضاء الضرورة الملجئة بالتفريق بين المختلفين ، المؤمن والكافر ، المهتدي المتبيِّن والضال المتحيِّر ، فذكر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي يجري ، أيضا ، مجرى المثال لعام يستغرق ، كما فسر بَعْضٌ الجماعةَ في خبر يُؤْثَرُ أنها : أبو بكر وعمر ، فلما روجع أن قَدْ مَاتَا قال : أبو حمزة السكري جماعة ، وهو واحد بالعين فكيف تكون منه جماعة ؟! ، فأجاب المحققون أن الجماعة وصف ومعيار لا شخوص وأفراد فمتى تحقق الوصف ولو في واحد فهو جماعة تشهد ، وبها الكفاية تجزئ في قيام الحجة والاقتداء ، فكذا من كان على بَيِّنَةٍ من ربه ، فيصدق ذلك بواحد قد هُدِيَ وَسُدِّدَ أَنْ يُصَدِّقَ ويمتَثِل ، فلا يستوي هو ومن ضَلَّ وتحير ، وإن حصل له من الحجة ما يجزئ ، فدخل في العموم كل من اهتدى ، وَخُصَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالذكر أن كان المهتدي الأول الذي نَزَلَ عليه الوحي حصرا فَكُلِّفَ في نفسه أن يَهْتَدِي ، وَكُلِّفَ في غيره أن يَهْدِي ، وذلك ، أيضا ، مما يصدق في كل أحد قد احتمل من إرث النبوة ، ولو آية ، كما في الخبر أَنْ : "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً" ، وذلك عنوان الهداية التي بها السعادة والنجاة ، ولو المبدأَ ، بَيَانًا وإرشادا بما يكون من بلاغ ، ولو الأولَ : بلاغَ المباني ، ولو من غير فقيه ، فإنه قد يحمل الفقه إلى الفقيه ، وقد يكون له من الفقه حظ ويحمله ، مع ذلك ، إلى من هو أفقه ، فما استنبط منه فقيه حكما فَثَمَّ آخر يستنبط منه أحكاما تَكْثُرُ ، فيكون الانتفاع أعظم ، وتلك ملكات تُصْقَلُ فَمِنْهَا وَهْبٌ أول بما يكون من اصطفاء الله ، جل وعلا ، المحالَّ فَيَهَبُ بَعْضًا ما لا يهب آخر ، وذلك أمر يستغرق النبوة فما دونها ، لا من جهة التفصيل ، وإنما الإجمال فكلٌّ وَهْبٌ من الله ، جل وعلا ، ولكن النبوة وهب خالص ، فلا اكتساب فيها من وجه ، بل هي الاصطفاء المحض خلاف الحافظة والفهم .... إلخ ، فهي مواهب لا تخلص إذ ثم سبيل أَنْ تَعْظُمَ بما يكون من دربة وكسب بها المحل يمرن في الباب حَتَّى يَصِيرَ ذَا صدارة ، فمنها وهب أول ومنها اكتساب ثَانٍ ، فكان من دعاء صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن : "نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" ، وذلك من الخبر الذي يُرَادُ به الإنشاء دعاءً أَنِ : اللهم نَضِّرْ عبدا سمع مقالتي ..... إلخ ، والنضارة ، كما يقول أهل الشأن ، بهاء ورونق وَبَيَاضٌ وَحُسْنٌ ، وإشراقٌ وبهجةٌ ، وآثار من النعمة ، وكل أولئك مما يجد الناظر آثاره في الأولى بما يكون من بَرَكَةٍ تَعْظُمُ فِي حملان الوحي المنزَّل وَأَدَائِهِ كما قَدْ سَمِعَ ، مع آخر أعظم يَوْمَ البعثِ والجزاءِ ، إذ فِيهِ التأويل التام نِعْمَةً أو نِقْمَةً ، فكان من إطلاق العامل ما استغرق وجوه المعنى ، أن يكون من النضارة جِنْسٌ فِي البابِ يَسْتَغْرِقُ ، فَتِلْكَ نضارة تامة تحصل لا بسبب ، كما أُخْرَى تُصْطَنَعُ بِمَا يكون مِنْ زِينَةٍ لَا تَنْفَعُ شَيْئًا والوجهُ قَبِيحٌ ، وهو ما جَاوَزَ فِي باب النفوس دمامة الْخَلْقِ ، فَثَمَّ أفدح بِمَا يكون من قبح الباطن ، فلا تنفك آثاره تظهر في الوجه ، وإن رُزِقَ حُسْنًا وَتَلَاؤُمًا بَيْنَ أعضائِه ، وهو أمر مشهود مجرب ، لا سيما بعد انقضاء العمر ، فيكون مِنْ قُبْحِ الصورةِ الظاهرةِ مَا يحكي رسوخَ صاحبِها في الشر ، فيكون من جمال الصورة أولا ما يُنْسَخُ بَعْدًا بِقُبْحٍ يُنَفِّرُ ، لا ما يكون من آثار الدهر فإنها لا تزيد الصالح إلا بهاء ووقارا ، فَتُوضَعُ له في النفوس هيبة ، ويكون له من ذلك الحشمة والتعظيم لا عن سلطان يحمل الخلق كَرْهًا ، وإنما دانت له النفوس طوعا ، فَخَالَفَ عن ضِدٍّ قد درج في العصيان والجور ، فكان له في الخلق صولة حال السلطان فَلَمَا زَالَ كان من لعنِه في الجنان ما تَأَوَّلَهُ اللسان نطقا ، فقد أبغضه الخالق ، جل وعلا ، وسلطانه ، بداهة ، أعظم ، والقلوب بين أصبعين من أصابعه يُقَلِّبُهَا كَيْفَ شَاءَ من محبة إلى بغض ، من نصرة إلى عداوة ، فَوُضِعَ لَهُ الْبُغْضُ فِي قلوبِ الخلقِ ، وَكَمْ سَتَرَ الله ، جل وعلا ، خلقا فَأَهْمَلَ ذكرَهم ولم يأبه بهم أحد ، وتلك لهم ، لو فقهوا ، رحمة ، إذ لو اشتهروا في الخلق وَصَارَ لهم من الأمر حظ ، فَثَمَّ الفضيحة التي لا ستر دونها ، إذ خَبُثَتْ نفوسهم قُوَّةً أولى بما جُبِلَتْ عليه نفوسهم في الأزل ، فكان من حكمةِ التقديرِ أَنْ هُيِّئَتْ هذه المحال لما يواطئ من مادة خبث من خارج بما يكون من قولٍ يَفْحُشُ وفعلٍ يَقْبُحُ ، فتأولها أولئك بالفعل تصديقا لما كان أولا في الأزل ، فتأويله خلق متقن وبه تأويل الحكمة أَنْ وُضِعَ في كلِّ محلٍّ من الحالِّ ما يُوَاطِئْ ، وبه استبانَ ضِدٌّ ، وذلك عنوانُ رُبُوبِيَّةٍ فِي التَّكْوِينِ وَالتَّدْبِيرِ ، فَكَانَ مِنَ الأضدادِ في الخارج وما أُحْكِمَ مِنْ سَنَنِ التدافع ، كان من ذلك ما به تأويلٌ آخر يَنْصَحُ ، تأويلُ الحكمة في الخلق والتدبير ، فَثَمَّ ربوبية بها الأضداد توجد ، وَأُخْرَى بِهَا الأغيار تَتَدَافَعُ ، فَقُدْرَةٌ وَحِكْمَةٌ تَحْكِي عناوين الجلال والجمال وذلك حَدُّ الكمال المطلق الذي انفرد به الرب المهيمن ، جل وعلا ، فَحَظُّ ذلك الفاحش الظالم منه أن هَانَ على الخالق ، جل وعلا ، فوضعه في المحل الأدنى ، وإن حَسُنَتْ منه صورة تظهر بأبهةِ مُلْكٍ تَخْدَعُ ، فَثَمَّ مِنْ قُبْحِ الوجهِ ما به تأويل الدعاء أَنْ قَبَّحَ الله وجها يعصي ويفجر وهو بِذَا يَتَبَجَّحُ ، فكان من شؤم المعصية في الوجه ما اجتمع ، فلا تَزِيدُه السنون إلا قُبْحًا يجاوز مَا يَتَبَادَرُ من آثار الزمن ، فَثَمَّ ، وهو المشهود المجرَّب ، ثم من الرجال والنساء كافة ، من لا حظ له من جمال الصورة ، وله من أخرى تَبْطُنُ ما تأويله حَالَ الكبرِ يظهر ، فتجد من نضرة الوجه ما يحكي أخرى في الباطن قد سَلَكَ صَاحِبُهَا الْجَادَّةَ فَصَارَتْ لَهُ دِينًا يَطَّرِدُ في كلِّ قولٍ وعملٍ ، فحصل من ذلك نَضْرَةُ جنانٍ بها نُورٌ في الوجه يسطع ، فلا يزيد صاحبه إلا بَهَاءً في عيون الخلق ، ولو كَرِهُوا منه الدين والمذهب ، فالنفوس لا تملك أمرها وإنما هي بِيَدِ مُقَلِّبِهَا ، جل وعلا ، فإن شاء جمعها على محبةِ عبدٍ ، وإن ناجزته عداوة تَسْتَحْكِمُ ، وهو ، أيضا ، من المشهود المستقرئِ في القديم والحديث ، فذلك سنن جار يطرد ، في مقابل آخر لا ينفك يخالف عن الجادة الرسالية فيكون له من جمال الصورة حظ في المبدإِ ثم لا يلبث الوجه أن يَقْبُحَ بل وآثار المسخ فيه تظهر آخر العمر فتكون الفضيحة على الملأ عَاجِلَ عقوبةٍ في الأولى مع إمعان في الفجور فكلما طال العمر ساء العمل فصار له من وصف الشر اسم التفضيل ، فهو شَرُّ الخلق ، وإن مبالغةً ، فكيف إن استجمع قُبْحَ الصورة وَقُبْحَ المسلكِ إذن لعظمت به البلوى حشفا وسوء كيلة ! .

    فكان من دعاء النضرة ما نَالَ العبد السامع الحافظ المؤدي ، فقد أحسن يَتَحَمَّلُ الخبر وكان له من العدالة ما اكتمل ، فاستوفى حد الراوي الثقة الذي يحسن الرواية ، وإن لم يكن له حظ من الدراية ، فكان من الإطلاق "عَبْدًا" : نكرة في سياق الإثبات ، وهو ، كما تقدم في مواضع ، مما يحكي العموم في مواضع لِقَرِيَنٍة من خارج كما الدعاء فلا يَنْفَكُّ يَطَّرِدُ وَيَنْعَكِسُ ، إذ عُلِّقَ عَلَى سببٍ تَعْلِيقَ الحكمِ على العلة إذ يدور معها وجودا وعدما ، وذلك عنوان العموم المعنوي ، فجاوز في الدلالة الاصطلاحية ما يَتَبَادَرُ من النكرة "عَبْدًا" في سياق الإثبات ، فَثَمَّ إطلاق يصدق ، ولو بواحد ، ولا ينفك يحكي العموم الجامع لآحاد قَدِ اسْتَغْرَقَهُم الدعاء فهو يصدق في جَمْعٍ كَثِيرٍ من الرواة من لدن الجيل الأول ، خيرِ الطِّبَاقِ ، فَلَهُمْ من هذا الدعاء حظ يعظم فهو يَرْجُحُ من تَلَا ، وإن كَانَ لِقَبِيلٍ تال حَظٌّ يَعْظُمُ من التدوين وضبط الاصطلاح والحكم على الأخبار رِجَالًا وَأَلْفَاظًا بعناوين من النقد والتمحيص قد بَلَغَتِ الغايةَ من التدقيق والتحقيق وهي ، أبدا ، تأويل في الخارج يُصَدِّقُ الوعد المتواتر : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، وذلك إما أن يجري مجرى اللازم أو المتمَمِّ ، إذ لو حمل الذكر على عهد أخص ، وهو الذكر المتواتر ، فَثَمَّ لَازِمٌ لا يتخلف فإن من حفظ الذكر حفظ البيان ، ومن بَيَانِهِ ما يكون بالخبر ، إذ يجاوز المتبادر من نقل الألفاظ المدونة ، فثم نَقْلٌ يَتَأَوَّلُ هذه الألفاظ إن خبرية تصدق أو إنشائية تمتثل ، فقد تمثل الجيل الأول بما تَوَاتَرَ من عدالتِه ، تَمَثَّلَ هذا الذكر فَضَبَطَ المبنى وَفَقِهِ المعنى وتأول الألفاظ تصديقا والأحكام امتثالا وكان له من باعث التوحيد أول في كلِّ فكرةٍ وحركةٍ ، فذلك عنوان النبوات الرئيس ، فكان من إتقان الأصل وتأول الذكر في الخبر والحكم اعْتِقَادًا وقولًا وعملًا ، كان من ذلك اسم الإيمان المجزئ ، وهو مناطُ خيريةٍ تجاوز الذات إلى غَيْرٍ يُبَلَّغُ ، فكان من ذلك آخر قد تأوله الجيل الأول إِنْ دعوةً أو فتحًا ، فالذكر قد جاء يأمر بامتثال الكتاب الهادي الذي أمر أولا بإيمان قد استجمع : المرسِل والرسول وَمَا تَحَمَّلَ من كلمات الرسالة ، فـ : (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ، فكان من الإيمان بالله مادةُ غيب لا تُنَالُ إِلَّا من مشكاة الوحي ، فهو المخبِر الصادق والحاكم العادل في مسائل الاعتقاد والشرع ، فمادة الغيب من الإلهيات لا مرجع لها يصدق إلا ما جاوز العقل من خارج وحيا يَتَنَزَّلُ وهو الصادق ، وإن كان ثَمَّ مِنْ رِكْزِ الفطرة ما يَأْطِرُ ، فَقَدْ حكمت ضرورة بما وَجَبَ لَدَى كلِّ عاقلٍ أَنْ يَتَنَزَّهَ الخالق ، جل وعلا ، عن كلِّ نَقْصٍ مطلق ، وهو أول به تخلية المحل مع تال به التحلية أَنْ يُوصَفَ بِكُلِّ كمالٍ مطلَقٍ ، فكان من ذلك عدل بَيْنَ التعطيلِ إِنْ غَلَا الناظر في النفي ، والتمثيلِ إن غلا في الإثبات ، فذلك أصل أول يحصل في كلِّ نَفْسٍ ضرورةً بِمَا رُكِزَ فِيهَا من فطرةِ التوحيد الناصح ، ولا يَنْفَكُّ يَضطَّرِبُ في مواضع التفصيل ، فإن ذلك من التأويل ، وتأويل الغيب لا يكون إلا التحمل عَنْ مرجعِ صدقٍ إذ لا يطيق العقل من بَيَانِ المجمل من فطرة النفوس لا يطيق من ذلك ما به الخلاف يَرْتَفِعُ إذ العقول تَتَفَاوَتُ فِي حَدِّ الحقائقِ والحكم عليها حُسْنًا وَقُبْحًا ، وإن كان ثَمَّ أول هو العنوان الرئيس : الحكم بِحُسْنِ الحسنِ وآخر يُقَبِّحُ القبيح ، ومنه جُمَلُ ضرورةٍ في آحادٍ من الحكومات العلمية والعملية ، فهي ، أيضا ، رِكْزٌ في الوجدان ، كما يضرب الأصوليون المثل بقبح الكفر وهو جحود شكر المنعم فَمَنْ ذَا يُمَارِي فِي قُبْحِ هذا المسلك ، وكذا يُقَالُ في حُسْنِ الصدقِ وَقُبْحِ الكذب ، فَثَمَّ في النفس رِكْزٌ آخر يُضَاهِي التوحيد من قُوَّةِ التحسينِ والتقبيحِ وإن لم يكن لها أثر يجاوز في التشريع أمرا ونهيا حَتَّى يكون ثَمَّ مَرْجِعٌ من خارج يجاوز العقل بما تَنَزَّلَ من ألفاظ الوحي إِخْبَارًا وإنشاءً ، فَرِكْزُ التوحيدِ المجمل في النفوس لا يَنْفَكُّ يفتقر إلى مبيِّن من خارج ، فكان من أخبار الإلهيات مَا بَيَّنَ البيان الواجب إذ لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، وأي حاجة أعظم من بَيَانِ التوحيد ، أول ما يُكَلَّفُ بِهِ العبد فلا صحةَ لِتَالٍ مِنْ قَوْلٍ أو فِعْلٍ إِلَّا أَنْ يَنْصَحَ أول من اعتقادٍ هو الباعث ، فذلك الأصل الجامع فَإِنْ صَحَّ صَحَّ مَا بَعْدَهُ من الفروعِ فكان من فِقْهِ المسدَّد أَنْ يُحَرِّرَ الأصل بَادِيَ الرأيِ قبل الشروع في استنباط الفرع ، كما التصور أول قَبْلَ الحكمِ ، فالأصل يَتَقَدَّمُ والفرع عنه يصدر ، وذلك قياس العقل المحكم ، فَأَبَانَ الوحيُ بأخبار الإلهيات عن المعاني الناصحة في الباب تَأَوُّلًا لِمَا قد أُجْمِلَ من فطرة التوحيد الأولى ، فإنها لا تجزئ في الْبَيَانِ المفصل ، وإن كانت منه الأول بما هُيِّئَ بِهِ المحل فَإِنَّ الفقر الذاتي دليلُ آخرَ يُقَابِلُ من غِنًى ذاتي ، فالمخلوق في نفسه دليل على الخالق الأول ، جل وعلا ، إذ بِضِدِّهَا تَتَمَايَزُ الأشياءُ ، مع آخر فِي العقل يَنْصَحُ إذ المخلوق المحدَث لا بد له ، بداهة ، من محدِث أول ، به التسلسل في المؤثرين يَنْقَطِعُ ، وذلك ، أيضا ، محل إجماعٍ بَيْنَ العقلاء ، ولكلٍّ أول في التصور ، تصور الخلق ، كما لكلٍّ مركز في الحكم ، فلا ينفك يتأول تصوره بما يمتثل من أمر ونهي ، فلا يكون ذلك اضطِّرَارًا كَنَبْضِ القلبِ وهضمِ البطنِ ..... إلخ ، بل ذلك الاختيار الذي يُرَجِّحُ بِمَا رُكِزَ في المحل المكلف من إرادة هي مناط المدح والذم بما يكون من تصديق أو تكذيب ، من طاعة أو معصية ، فهي محل الابتلاء وإن لم تخرج عن مقدور السماء الذي حصل في العلم الأول إحاطةً ، وَسُطِرَ في لوح التقدير كتابةً ، فكان من خَلْقِهِ تَأْوِيلٌ يُصَدِّقُ وله من السبب ما يحدث ، فالإرادة سببٌ فِي الفعل أو فِي التَّرْكِ إذ تُرَجِّحُ هذا أو ذاك ، وهو ما اطرد في العلوم والأعمال كافة ، فَوُضِعَ لَهَا من السبب ما يُبَاشِرُهُ المكلَّف فلا يخرج عن العلم الأول مع حكمة في الإعداد والإمداد ، فـ : (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) ، فكان من أول التكوين محل إجماع بين العالمين كافَّةً ، ولا ينفك ، أيضا ، يحكي غَيْبًا تَتَفَاوَتُ العقول في مستمَدِّه ، وإن جحدَ بَعْضَ الغيب فلا بد له من قصة في الخلق ، ولو تَلْفِيقًا يخالف عن النقل والعقل كافة ، فلا بد من المرجع ، وهو ما الحاجة فيه تَعْظُمُ إلى خبر محكم فهو يعصم النظر أن يسلك جادة التخمين ، فالاحتمال في باب الغيب لا يجزئ في إثباتٍ أو نَفْيٍ إلا ما تَقَدَّمَ من المجمل الوجداني الباطن في مسائل الإلهيات ، كما الاحتمال في باب الشرع لا يجزئ في أمر أو نهي إلا ما تقدم من المجمل الوجداني الباطن في مسائل التحسين والتقبيح ، فَوَجَبَ ضرورةً رَدُّ الخصوماتِ العلمية والعملية إلى أول هو المرجع ، فذلك عنوان إجماع آخر بين العقلاء كافة ، فَجَاءَ الوحي بما أُحْكِمَ من الخبر كلماتٍ قد اسْتَوْفَتِ الغاية في الإتقان ، نَقْلًا وَعَقْلًا ، فَحُفِظَ بِهَا الذِّكْرُ ، وَصَدَقَ بِهَا الوعدُ ، إذ واطأت المعيار الناصح وهو ما أَقَرَّ بِهِ خُصُومٌ الْتَمَسُوا لَهُ رِيبَةً ، ولو شبهةً ، وإن جحدوا ذلك فلا يَنْفَكُّ الإنصاف ، ولو رياء ، يوجب التصريح بما يكرهون ، فالأمر يواطئ ما استقر لديهم من مناهج البحث المحدَث مع ما تَقَدَّمَ من معيار بحث محكم قد انْفَرَدَ به علماء الملة الخاتمة تأويلا لِمَا تَقَدَّمَ من حفظ الذكر المنزل ، فأخفقت مناهجُ البحث المحدث ، كما يقول بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ ، أخفقت فيما أنجزت في نَقْدِ الكتب المبدلة والمذاهب المحدثة ، فَكَانَ مِنْ حِفْظِ الذِّكْرِ خَبَرًا وَإِنْشَاءً ، تَصَوُّرًا وَحُكْمًا ، كان من ذلك ما استوجب تاليا من حفظ الخبر الذي يفصل ، وحفظ اللسان الذي يبين فهو أداة الإفهام بما واطأ زمنه ، فَلَا يُفَسَّرُ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا ، بِتَالٍ محدَث ، وذلك ما اطَّرَدَ ولو في تأويل الرؤى كما بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ يشير في موضع يَلْطُفُ من التأويل ، فإن للألفاظ جذورا في كلِّ لسانٍ لا بد من تَتَبُّعِهَا قَبْلَ تأويل الرؤيا فَهِيَ رُمُوزٌ قد ضُمِّنَتْ إشاراتٍ تَلْطُفُ إِلَى معان تَبْطُنُ فَيَجْتَهِدُ المعبِّر أن يتأولها لا تحكما أو كهانة ، وإنما رجوعا إلى تاريخ الدلالة ، دلالة اللفظ وهو مما يتفاوت بين الألسن بما استقر في النفوس من عرف النطق فَلَهُ حكم الاستعمال فَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي لسانٍ حَسَنًا قد يكون في آخر قَبِيحًا وإن كان اللفظ والمعنى واحدا ، فذلك مما يَأْرِزُ إلى مرجع أول في التصوِّرِ وَحَدِّ القيم الحاكمة فَلِكُلِّ لسانٍ منها مرجع ، ولكلِّ جمعٍ منها مركز عنه يصدر ، ولو في تأويل الروئ ! ، فَحُفِظَ الذكر بحفظ الخبر الذي يُفَصِّلُ ، واللسان الذي يُبَيِّنُ ، وذلك مما به التأويل يجري مجرى اللازم في قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، فلا يكون ذلك إلا بِلَازِمٍ يحفظُ أَدَوَاتِ التفسير والبيان من الخبر واللسان ، وقد يجري ذلك ، من وجه آخر ، مجرى النص ، فإن الذكر يحتمل عهدا أعم ، فمنه ذكر الآي المتواتر ، وما كان من آحادٍ تُرْوَى فهي شطر يقاسم المتواتر عنوان الوحي فمنه آي ومنه أَثَرٌ ، وكلٌّ قَدْ حُفِظَ بِمَا كان من أسبابِ النقل المحكم ، فحصل من ذلك تحرير الكلمات التي آمن بها النبي الأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ : (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ) ، فذلك جمع القلة المزيد بالألف والتاء "كلمات" فكان من الإضافة إلى الضمير : هاء الغائب في "كَلِمَاتِهِ" ، ومرجعه الإله المشرِّع ، جل وعلا ، كان من ذلك دليل تكثير إذ قد عم الكلمات المتواترة والآحادية ، العلمية والعملية ، فكان منها عنوان إيمان يجزئ بكلمات الاعتقاد والقول والعمل ، الإلهيات الخبرية والحكميات الإنشائية ، ولا ينفك يحكي آخر فهو من إضافة الوصف إلى الموصوف ، فتلك كلمات لله ، جل وعلا ، وصفَ فعلٍ بالنظر في آحادها وآخر هو وصفُ الذَّاتِ بالنظر في الجنس العام المستغرِق فهي من العلم الأول المحيط ، فكان الأمر بالإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالعهد خاص بما أطنب من وصف الأمي فذلك وصف النبي العربي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكان من تال هو التصديق بالعمل ، فالإيمان دعوى ، والاتباع بَيِّنَةٌ ، فكان التعاطف تلازما في قوله تعالى : (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ) ، فذلك من عطف المسبَّب على السبب فإذا آمنتم به فالاتباع واجب ، ولا ينفك يحكي عطف الخاص على العام فإن من الإيمان اتِّبَاعٌ في الشأن كله ، فَأُطْلِقَ الأمرُ وذلك دليل عموم قد استغرق وجوه المعنى فذلك الاتباع التام فلا يَتَوَقَّفُ الناظر فَإِذَا ثَبَتَ الدليل فالاتباع حتم لازم ، لا جرم كان حفظُ الذِّكْرِ آيًا وَخَبَرًا أعظمَ ما امتن به الخالق ، جل وعلا ، على عباده ، وأشرف ما اشْتَغَلُوا به حِفْظًا وَفِقْهًا ، روايةً ودرايةً ، فكان من الدعاء آنف الذكر أن : "نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" ، ولا ينفك يجري مجرى التغليب فهو يستغرق الجمع كافة ، ذكرا فهو العبد أو أنثى فهي الأمة ، فَنَضَّرَ الله عبدا وأمة قد تَحَمَّلَا من الوحي ما أطاقوا ، وهو ما استجلب السؤال ، فذلك مما استوجبَ السياقُ اقتضاءً ، فما علة ما تقدم من الدعاء في محل ثناء ومدح ؟! ، فهو ، بداهة ، باعث امتثال بالفعل ، فلا يخلو من دلالة إنشاء آخر أن اجتهدوا في السمع تَتَبُّعًا للأخبار وَطُرُقِهَا وَاحْفَظُوا مِنْهَا ما به حِفْظُ الدِّينِ وَأَدُّوهَا الأداء التام بلا زيادة ولا نقصان ، فما علة الدعاء صدر الخبر ؟! ، فكان الجواب إذ : "رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" ، وهو ما حمل على التكثير ، وبه شهدت الحال فكان من الرواة كثير هم أوعية العلم حفظا وإن لم يُرْزَقُوا فِقْهًا ، فهم يحملونه إلى الفقيه ، وإن رزقوا فِقْهًا فهو يتفاوت فيحملونه إلى من هو أفقه فيكون من النفع ما هو أعظم ، وبه تأويل ما تقدم مِنَ الأمر أَنِ : (اتَّبِعُوهُ) ، فإن الاتباع قد عَمَّ وجوه المعنى ، وَعَمَّ أخرى من المسائل فاستغرق الإلهيات والشرعيات كافة ، فاتبعوه فِيمَا أخبر تصديقا وفيما حكم امتثالا ، وبه حصول الهداية إن الهداية الأعم وهي الأولى : بَيَانًا وَإِرْشَادًا ، أو أخرى أخص بما يكون من توفيق وإلهام ، فأطلق عاملها ختام الآية في قوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) مَئِنَّةَ عمومٍ آخر يستغرق ، مع حكاية تعليل ينصح على تأويل : لتهتدوا ، فهو ، أيضا ، من جواب سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة ما تقدم من الأمر ؟! ، فكان من الجواب ما نَصَحَ ، فآمنوا واتبعوا لِتَهْتَدُوا ، مع رجاءٍ آخر به العناية في باب الربوبية تَصْدُقُ لا حاجة أو افتقارا إلى هدى مُهْتَدٍ فَلَا يَنْفَعُ الخالق ، جل وعلا ، وإنما يَنْفَعُ المهتدِي فإن وجده فليحمد الله ، جل وعلا ، أَنْ زَادَهُ من الهدى أخص بما يكون من التَّوْفِيقِ والإلهام في الاعتقاد الناصح توحيدًا والامتثالِ التام تشريعا ، فحصل من "لعل" : دلالة أولية هي النص في الرجاء وأخرى ثانوية تحكي العلة ، وبه ، كما تقدم في مواضع عدة ، به يستأنس من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #42
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:30 PM

    المشاركات
    5,169
    العمر
    44

    والهداية مما يكون بالتعليم ، وهو ، بداهة ، مما يكون أولا معدوما ثُمَّ يكون منه موجود يَشْغَلُ المحلَّ ، لا جرم كان من شرط التكليف أن يكون معلوما معدوما مقدورا ، فلا يكون تكليف بمجهول لا يدرك حده ، فَكَانَ من هداية البيان والإرشاد ما أبان عن هذا التكليف وإن حصل ، منه ، كما تقدم في موضع ، وإن حصل منه أول في النفس فطرةً قد أجملت فأبان الوحي عنها بِنُصُوصٍ تُفَصِّلُ في المسائل كَافَّةً ، العلميةَ والعمليةَ ، فالمجمل من التوحيد والتشريع لا بد له من مادة تُبَيِّنُ ، فكان من ذلك وحي قد تَنَزَّلَ من الآي والحكمة ، وحصلت به الحجة بما تُلِيَ من النصوص ، وكان من التعليم قَدْرٌ يَزِيدُ ، وبه التزكية التي تَطْهُرُ بِهَا النَّفْسُ وَتَرْقَى في مَعَارِيجِ الكمال ، فالنفس محل أول قد أُجْمِلَ فيه العلم الديني الضروري ، فكان التفصيل بأدلة مخصوصة في مواضع الخبر والحكم ، فتلك من وظائف الرسالة فهي تَتْلُو ما تَنَزَّلَ من الوحي آيًا وَخَبَرًا ، وَتُعَلِّمُ وَتُزَكِّي ، وبها تَنَالُ النفوس عِلْمًا يَزِيد بما محله التوقيف فلا يدرك إلا بكلمات التَّنْزِيلِ التي ترفد النفس بما لا تعلم إذ الجهل فِيهَا أصل وإن ركزت فِيهَا الفطرة فهي المجملة التي تفتقر إلى المبيِّن ، وبيانُها الأوفى بَيَانُ النُّبُوَّةِ القاطع إذ النص صحيح قد كفى الناظر مؤنةَ التَّفْتِيشِ إلا أن يَشْتَغِلَ بما تَقَرَّرَ مبدأَ البحث صحَّةَ الدعوى الرسالية مسلكَ نَوْعٍ يُثْبِتُ الأصلَ ، وآخر في شخص المدَّعِي وهو ما يُثْبِتُ الخاصَّ مِنْ بَلَاغِهِ وَبَيَانِهِ ، وهو ما استوجب تاليا الإيمان الذي فهو تكليف عاجل وهو واجب الوقت بعد حصول الدليل المجزئ في ثبوت الدعوى نوعا وعينا ، فكان من ذلك أمر مِنْ قَبِيلِ الأمر في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) ، فتوجه الأمر ، وهو ما يجري ، من وجه ، مجرى التوكيد إذ خوطب الجمع المؤمن ، فكان من ذلك قرينة ترجح الأمر المؤكد ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) ، فتوجه أمر الإيمان إلى جمع مؤمن ، إذ مادة الاشتقاق واحدة : ماضيا في "آمَنُوا" وأمرا في "آمِنُوا" ، وثم من احتمال التأسيس أَنْ يُحْمَلَ الأمرُ على تال بعد حصول الإيمان المجزئ وهو الثبات عليه ، أو هو مما زَادَ ، فكان من الأمر ما تَنَاوَلَ زيادة بها يبلغ المكلف حَدَّ الإيمان الواجب ، فَثَمَّ إيمان أول يجزئ في حصول اسم ديني هو أدنى ما يصدق فيه اسم الإيمان ، فذلك الأصل الجامع فإذ حصل فهو الأول وما تلا من تكليف فَبِهِ يَتَرَقَّى المؤمن في درجات الإيمان حتى يَبْلُغَ حَدَّ الكمال الواجب فيكون من ذلك تَأْسِيسٌ لا تَوْكِيدٌ ، فَثَمَّ أمر بإيمانٍ تَالٍ يُؤَسِّسُ معنى جديدا هو الكمال الواجب بعد الأصل الجامع ، فإما أن يجري مجرى التوكيد المطابق ، وإما أَنْ يَزِيدَ الأمرَ بالثبات كما قِيلَ في دعاء الفاتحة أَنِ : (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ، فَأُطْلِقَ الأمرُ وهو ما استغرق أجناسَ هدايةٍ مِنْهَا الثبات على الجادة بما ينصح الديانة أَنْ تُنْقَضَ ، فلا يُقَارِفُ المؤمن ما يقدح في الكمال الواجب أو في الأصل الجامع ، والأخير أفدح إذ يَنْقُضُ أدنى ما يجزئ في حصول اسم ديني جامع ، فكلُّ نَاقِضٍ للأصل فهو نَاقِضٌ للكمال من باب أولى ، ولا عكس ، فَثَمَّ من الكبائر أو المعاصي ما يَنْقُضُ الكمال الواجب ولا يَتَنَاوَلُ أولا من الأصل الجامع إلا أن يقرن ذلك معنى هو في نفسه يَنْقُضُ ، كما الاستباحة أو التهكم والاستهزاء ، فالكبائر تجوز في حق المكلفين جميعا إلا ما استثني من النَّبِيِّينَ ، عليهم السلام ، على تفصيل في ذلك ، فيجوز في حق المكلفين جميعا ، يجوز في حقهم من الكبائر ما يعظم ، وهو ، مع ذلك ، لا ينقض أصل الديانة ولا عدالة الرواية لمن عُلِمَ من حاله أنه ثِقَةٌ عَدْلٌ ، وإن قارف من المعصية ما يوجب الحد ، فَثَمَّ من استقراء الحال ما يحكي العدل في الميزان : ميزان الحسنة والسيئة ، فَثَمَّ قَبِيلٌ ممن تصدق فيهم الولاية حقا لا دعوى ، ثَمَّ قَبِيلٌ يُقَارِفُ من الكبيرة ما يَعْظُمُ ، لا استباحةً كاستباحة مَنْ تَبَجَّحَ أَنَّ ذلك من آي الولاية إذ كُشِفَتْ عَنْهُ الحجب وسقط عنه تكليف الأمر والنهي ، وصارت مُقَارَفَتُهُ الكبيرةَ آيةَ بلوغِه الحقيقةَ ، فليست تلك الكبيرة التي يقع فيها الولي الحق ، وإنما صاحب الولاية الدينية الناصحة إذا وقع في الكبيرة فهو على وَجَلٍ فَسُرْعَانَ ما يُعَاوِدُ وَيُرَاجِعُ ، فلا يحتج بالقدر على المعصية إلا إذا تاب منها ، كما حَاجَّ آدمُ الكليمَ ، عليه السلام ، فإذا تاب العبد فهو على حال أحسن مما كان قَبْلًا ، كما في الخبر عن داوود ، عليه السلام ، وإن كان ثم إجمال يفتقر إلى بَيَانٍ يَنْفِي ما افترى يهود من وصمة نالت النبوات كافة بما بُدِّلَ من الكتاب وَحُرِّفَ ، وهو ، لو تدبر الناظر ، تَيَّارٌ قد اطرد من سالف إلى خالف ، إذ كلٌّ يَقْدَحُ في النبوات ليبطل المرجع المجاوز من خارج ، ويتخذ من الهوى أو الذوق عوضا منه كما الحداثة في الجيل المتأخر ، فكان من توبة داوود ، عليه السلام ، ما صَيَّرَهُ خيرا مما كان ، فالمعصية ، من هذا الوجه، منحة ، لا أنها تُرَادُ لِذَاتِهَا أو أنها آية ولاية وحقيقة تخرق الشريعة ! ، وإنما كان منها المنحة بعد المحنة بما رُزِقَ صاحبها من تَوْبَةٍ وَكَفَّارَاتٍ وأعمالِ خيرٍ وَبِرٍّ .... إلخ ، فَمَا كَانَ لِيَبْلُغَهَا لَوْلَا أن عصى ، فَصَحَّ له من هذا الوجه أن يحتج بالقدر ، فهو جائز بعد التوبة ، فيكون من تَوْبَةِ الْوَلِيِّ إذا قارف الكبيرة ما يجعله في درجة أعلى ، ولولا المعصية ما نالها ، وهو قانون يطرد في كل تائب وتلك من حكمة الخالق ، جل وعلا ، فكم من توبة قد صدقت فَذَاعَ خَبَرُهَا وَانْتَشَرَ وعجب الناظر فيها مِنْ صِدْقٍ يَظْهَرُ وحسن خاتمة يَنْصَحُ ، وإن لم يشهد لصاحبها بالتوبة تحقيقا فذلك من العلم المغيَّب ، وإنما استأنس بما احْتَفَّ مِنْ قَرَائِنِ قبولٍ ، فلا يلزم من عدالةِ النقل السلامةُ مِنْ كلِّ إثمٍ ، إذن لكان شرطها شرط النبوة ! عصمة قد رُفِعَتْ من الأرض بِقَبْضِ صاحبِ الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فدعاء الهداية في آي الفاتحة قد أطلق فاستغرق الثبات وليس من شرطه ، كما تقدم ، العصمة ، وكذا الأمر بالإيمان في حَقِّ مَنْ قد آمن في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) ، فذلك مما يحمل على الثبات ، من وجه ، أَنِ اثْبُتُوا على إيمان أول كما من الهداية تَثْبِيتٌ حَتَّى يَلْقَى العبدُ المليكَ ، جل وعلا ، على عمل صالح وتلك المنة العظمى التي يطلبها كلُّ عاقل فإذا نال من الخاتمة ما يحسن ، فقد جَبَّ ما قبله وكان له من النجاة يوم البعث ما به نسخ الآلام كافة ، وإنما يذهل العقل حال الشدة والله ، جل وعلا ، يغفر الزلة بما يكون من الغفلة ، وهو الرحيم إذ لا يكلف إلا الوسع ، ولا يَبْتَلِي الخلقَ إلا بما يعلم فيهم من الصبر ، فلا يستوي القوي والضعيف ، فكان من الرحمة أَلَّا يُكَلَّفَ أَحَدٌ إلا بما يطيق مع بابِ تَرَخُّصٍ قد فتحت ذرائعه في مسائل الإكراه على تفصيل يَسْلَمُ صاحبه من الإفراط والتفريط ، وَمَا يَتَنَزَّلُ مِنْ آيِ تَثْبِيتٍ تُهَوِّنُ آلامَ المرض والفقر ، وما يُسَخِّرُ من الخلق ، فهم جنده الذي يَبْعَثُهُ نجدةً ، وفي رزقهم حظ مقدر لغيرٍ لا يَقْدِرُ ، فَبَعَثَ الله ، جل وعلا ، رِزْقَهُ بِسَبَبٍ من الخلق ، فلا منة لهم في إعطاء ، وإنما هو سبب أجرى به الله ، رزقه على من شاء من خلقة حكمةً من تَدَبَّرَهَا فَلَا يَنْقَضِي حمدُه وثناؤه على الرب الخالق المدبر ، جل وعلا ، وتلك آي تلطف وبها تدبير محكم ، وغاية كلٍّ يعقل أن يكون له من الثبات هداية بها يَنْجُو ، كما الأمر آنف الذكر أَنْ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) ، فكان من ذلك أمر يحمل على التثبيت ، كما قِيلَ في أمر تَقْوَى قَدْ تَوَجَّهَ إلى صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أَنْ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) ، وهو ، بداهة ، أعظم مُتَّقٍ فَهُوَ أعلم الخلق بالخالق ، جل وعلا ، فكان من تقواه حكم ينصح وهو عن تصور أول يصدر ، تصور الإله الحق بما أخبر به من الاسم والوصف والفعل والحكم ، فَتَوَجُّهُ الأمر إليه لا يتصور بداهة أن يكون من باب التأسيس ، إلا أن يُخَاطَبَ الجمع من أمة الإجابة أو الدعوة أَنْ يُخَاطَبَ فِي شخصِه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَذَلِكَ من خاصٍّ يُرَادُ به عام ، إما مع دخول الخاص في خطاب التكليف ، فيكون المخاطب هو الجمع المؤمن كافة ، ومنهم المخاطب الأول ، صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَخُوطِبَ مواجهةً وَخُوطِبَ من بعده تَبَعًا آمن أو كَفَرَ ، فَثَمَّ مِنَ العموم ما استغرق بما تَقَدَّمَ مِرَارًا من قَرِينَةِ الرحمةِ العامة المستغرِقة ، رحمة النبوة الخاتمة ، وهو ما استوجب في التأويل زِيَادَةً في الضمير من مُفْرَدٍ إلى جَمْعٍ ، وهو ما دل عليه الكتاب المحكم في آي آخر قد تَوَاتَرَ ، فـ : (اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فَوَاطَأَ الأمرَ المفردَ أن : "اتَّقِ" ، وَاطَئَهُ في الإطلاق فهو يستغرق وجوه المعنى وآحاد المسائل الدينية : الاعتقادية والقولية والعملية ، وهو ما استجمع في الباب أضدادا بالنظر في الماهيات المجردة في الذهن ، وإن كان اسم الدين يجزئ في التوفيق بَيْنَهَا إذ تَجَرَّدَ فِي البلاغِ وَالْبَيَانِ ، فَالرَّغَبُ وَالرَّهَبُ ظاهرهما التعارض ، بل ذلك هو الحق حالَ التجريد في الحد إِلَّا أَنْ يَأْتَلِفَهُمَا حَدٌّ أعلى هو العموم المستغرق للألفاظ والأحوال كافة ، وذلك عموم الدين المستغرقُ أبوابَه جميعا ، فلا ينفك الكمال يُطْلَبُ من جمال وجلال ، كما في الإلهيات ، وهي أصل في حكومات التشريع ، فالتوحيد أصل ، والحكومات العملية في الفقه فُرُوعٌ عنه تصدر ، وهي مكملات له تَنْصَحُ ، ولها منه حظ أَنْ يكون التوحيد في المرجع المشرِّع ، فالإلهيات أصل في حكومات العمل وإن شاطرتها جِنْسًا أَعْلَى يَتَقَاسَمَانِهِ وهو الكتاب المنزَّل ، فَثَمَّ في كلٍّ من قسمة أخص ، ثم فِي كلٍّ من الجمال ما به الرغب والرجاء ، وثم آخر من ضد فهو عَلَمٌ عَلَى الجلال وبه الرهب والخشية ، فَفِي الإلهيات نصوصٌ في أسماء الجلال وصفاته وآثارهما من أفعال الأخذ والإهلاك والتعذيب وهو ما به النفوس تَنْكَفُّ فلا تجترئ على المحارم ، ولا يغرها الحلم والإمهال فبعدهما الأخذ فلا إفلات ، فَثَمَّ مِنْ خَشْيَةٍ وَخَوْفٍ وهما لازما الجلال وما يكون من آثاره آيًا تَقَدَّمَتْ قَدْ قَصَّهَا التَّنْزِيلُ المحكَم من أخبار الأمم السابقة ، فـ : (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) ، وتلك إشارة إلى ما تقدم من قصص النبوات في آي هود ، فَأَشَارَ إِلَيْهَا إشارةَ البعيدِ وقد انقضت قَرِيبًا على ما تقدم مرارا من سَنَنِ العربية إذ تحكي ما انْتَهَى ذكرُه ولو قَرُبَ به العهد ، تَحْكِيهِ حِكَايَةَ الْبَعِيدِ ، ولا تخلو الإشارة من دلالة في المعنى فذلك البعد تحقيرا في مَقَامِ الذم والإهلاك ، وَثَمَّ من جِنْسِ الْأَنْبَاءِ ما يحكي الخروج عن المألوف ، فَالنَّبَأُ حكايةُ ما لم يُعْهَدْ فَلَا يَنْفَكُّ الإغراب فيه يظهر كما آيٌ في الأخذ والإهلاك وبها الاعتبار لمن نَظَرَ وَتَدَبَّرَ ، فَقَاسَ طَرْدًا وَعَكْسًا ، فمن اعتبر بما نالهم من الجزاء فكان منه الإنباء الذي يقص الخبر المعجِب ، من اعتبر بما نالهم لم يُقَارِفْ ما قَارَفُوا بل صَارَ إلى ضِدٍّ من الفعل وَنَقِيضٍ ، ليحصل له من الوعد عكسٌ ، فإذ قد خالف عنهم في المقدمة ، فقد خالف أخرى في النتيجة ، وذلك قياس العكس في المآلات ، وَبِهِ يَتَدَبَّرُ العاقل أَلَّا يواطئهم فيكون من قياس الطرد ما يَفْجَعُ ، وَثَمَّ من دلالة "أل" في "القرى" : حكاية العهد الخاص ، فتلك قرى مخصوصة قد نالها العذاب ، وقد قَصَّ منه ، جل وعلا ، ما به الاعتبار ، وذلك موضع الجلال فَحَسُنَ ، من هذا الوجه ، إسناد القص إلى ضمير الفاعلين حكاية التعظيم في "نَقُصُّهُ" ، فالفاعل قد اسْتَتَرَ وُجُوبًا على تَقْدِيرِهِ بضمير الجمع المتكلم "نَحْنُ" ، وثم من المضارعة ما يحكي زَمَنَ التَّنَزُّلِ ، من وجه ، ولا ينفك يستحضر من معنى القص ما به الاعتبار يَتَجَدَّدُ ، وثم من القسمة ما استوفى الأجزاء في الخارج طباقَ إيجابٍ فمنها قائم ومنها حصيد ، وهو ما استعير فَعِيلًا لمفعول فهي المحصودة ، وتلك استعارةُ مثالٍ في الاشتقاق لآخر إذ بالأول من المعنى ما يَزِيدُ فحده المبالغة فحصل به من المعنى ما لم يحصل بالمشتق محصود ، فحصل بِطِبَاقِ الإيجابِ استيفاءٌ لأجزاء القسمة ، فَثَمَّ مَا قَامَ كما الزَّرْعُ الباقي فَلَمَّا يُحْصَدْ ، وَثَمَّ ما هو بائد فهو كالزرع المحصود ، فكان من التشبيه ، كما يقول بعض من حَقَّقَ ، كان منه ما به المعنى يَنْصَحُ ، وهو التشبيه البليغ الذي حُذِفَتْ أَدَاتُهُ وَوَجْهُ الشبهِ فيه على تقدير : منها ما هو كالزرع القائم في استوائه فلا زالت آثارها في الأرض ، فحذف أداة التشبيه ووجهه إيجازا يبلغ في العبارة إذ حصل المعنى بأوجز نطق فكان منها ما بقيت آثاره فلم تَدْرَسْ ، فـ : (إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ) ، ومنهم من خُسِفَ بِهِ فهو حصيد لا يبقى ، وبهما جميعا تعظم العبرة إن مشهودة أو محكية خَبَرَ الصدق بما تَنَزَّلَ من آي الوحي ، وبها الاعتبار ، كما تقدم ، طردا وعكسا ، أَلَّا يُوَاطِأَهُمُ العاقل في الفعل فيناله ما قد نالهم من الجزاء ، بل القياس الناصح لمن هُدِيَ وَسُدِّدَ أن يخالِفَ عن جادتهم فيكون له من ضِدٍّ : وَعْدٌ يصدق وبه السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة .

    فَثَمَّ ، كَمَا تَقَدَّم ، مادة خَشْيَةٍ وَخَوْفٍ وهما لازما الجلال وما يكون من آثاره آيًا تَقَدَّمَتْ قَدْ قَصَّهَا التَّنْزِيلُ المحكَم من أخبار الأمم السابقة ، وما كان من سُنَّةٍ تَطَّرِدُ أَنْ نَفَذَ الوعيد بالعذاب إذ أَصَرُّوا واستكبروا وقامت فيهم الحجة الرسالية المنزلة بِنُبُوَّةٍ تَقْطَعُ الشكَّ باليقين ، وَتَرُدُّ الأهواءَ والأذواق إلى محكم التَّنْزِيلِ ، ويكون من آيِهَا ما يلائم كل جيل من البشر ، بداوة أو حضارة ، ويكون من حجتها في الجدال ما يفحم الخصم ببلاغ وبيان يجزئ فهو يعالج الأصل الأول ، أصل التوحيد فهو المبدأ ، وإذا حُسِمَ الخلاف فِيهِ فَمَا بَعْدَهُ أيسر إذ ثم توحيد المرجع والمصدر في النصوص كافة ، الخبرية والإنشائية ، فكلُّ خلافٍ بعد التوحيد فهو أهون ، وإن كان منه ، أيضا ، ما لا يسوغ فالإنكار فيه على الخصم حتم لازم ، ولكنه ، مع ذلك ، لا ينفك يأرز إلى مرجع قد اتخذه الخصمان حكما ، فَلَزِمَ كُلًّا أَنْ يَرْجِعَ إليه وَإِلَّا نُبِزَ بِالتَّعَصُّبِ وَالتَّقْلِيدِ ، وهو ، مع ذلك ، ولو من باب التعظيم دعوى يَبْرَأُ بها من الوصمة ، وهو ، مع ذلك ، لا ينفك يمارس التأويل لِيُخَرِّجَ قولَه المحدَث على أصلٍ رساليٍّ يَنْصَحُ ، كما قال بَعْضُ مُتَأَخِّرِي المذاهب وله قَدَمٌ في الباب تَرْسَخُ إلا أنه لم يسلم من وصمة التعصب ، فَأَرْجَعَ كُلَّ نَصٍّ من الكتاب والخبر يخالف عن المعتمد في المذهب ، أَرْجَعَهُ إلى التأويل أو النسخ ، أَنْ يَصِيرَ نَصُّ المذهَبِ هو الأصل فما خالف عنه فهو منسوخ وليس نَصُّ المذهب بِوَحْيٍ لِيَنْسَخَ فَيَكُونَ هو الأصل المحكم ، وَإِنْ جَازَ تخريجُ قَوْلِهِ أَنَّهُ مَا أَرَادَ ذَلِكَ ، بداهة ، وإنما الكلام يجري مجرى اللازم في الجدال ، وإنما أَرَادَ أَنَّ نَصَّ المذهب يَسْتَنِدُ إلى دليل ناسخ لهذا الدليل المعارض ، فالنسخ لا يثبت إلا بِنَصٍّ ، فلا يثبت بِقَوْلِ إمامٍ ، وإنما الإمام يستند في قوله إلى دليل هو المرجع في إنشاء الحكم ، سواء أكان مُسْتَأْنَفًا في بابه فَهُوَ مِنَ النَّوَازِلِ التي لم تَقَعْ قَبْلًا ، والخلاف فيها أهون إذ ليس ثم نَصٌّ تَقَدَّمَ ، فَعَدَمُ النَّصِّ قَدْ فَتَحَ ذرائِعَ الاجتهاد إِنْ لم يخرج به الناظر عن الأصل فَيُخَالِفَ نَصًّا آخر ، أو يخرج الخروج الْبَيِّنَ عن مقصد من مقاصد الوحي يَجْمَعُ .
    فالإمام يَسْتَنِدُ في قَوْلِهِ إلى دليل هو المرجع في إنشاء الحكم ، فيكون هو الناسخ أو الراجح في مقابل مرجوح يخالف عن قول المذهب ، كما اقترح المحقِّقُ آنف الذكر ، وَإِنْ تَكَلَّفَ مَا تَكَلَّفَ أَنْ يُبَرِّئَ المذهب من الخطإ ما لم يجتهد أَنْ يُبَرِّئَ الدليل المعارِض مِنَ النَّسْخِ ، والدليل أولى بذلك فهو في نفسه أصل ، وليس قول الإمام أو المذهب مجردا بِأَصْلٍ ، ولا يجزئ في ترجيحه دعوى تُطْلَقُ أَنَّ ضِدَّهُ منسوخ ، فتلك دعوى مطلقة لا تُقْبَلُ حَتَّى يَشْفَعَهَا صاحبُها بدليل ، وإلا فهي دعوى مجردة يجزئ في رَدِّهَا أخرى مثلها دون حاجة أن يقيم المعارض دليلا ، فَلَئِنْ قَالَ مَنْ قَالَ من محقِّقِي المذهب إن الدليل المخالف لِقَوْلِنَا منسوخٌ ، فهو يُطَالَبُ أَنْ يَذْكُرَ الدليل الناسخ الذي اسْتَنَدَ إِلَيْهِ قَوْلُ المذهب ، فالنسخ لا يثبت بالاحتمال المجرد أن يقال : يُحْتَمَلُ أَنَّ هذا الدليل المعارض منسوخ ، وذلك احتمال أول ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَ مذهبِنَا يستند إلى دليل ناسخ ، فإذا طولب بالنص انْقَطَعَ فالأمر ليس إلا احتمالا بَعْدَ آخر ! ، وهو ما يجزئ في رَدِّهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، دعوى أخرى تقابل فهي تَنْقُضُ قَوْلَ المذهَبِ ، إذ يجزئ أَنْ يُقَالَ : بل لا نسخ والدليل المعارض هو المحكَم ، وقول المذهب هو المتشابه فَيُرَدُّ إلى محكَمِ النص الذي يَقْضِي فِيهِ قَضَاءَ اليقين في الشك ، إذ الوحي هو المرجع الأعلى المجاوز الذي يَقْضِي فِي أَقْوَالِ الخلقِ كَافَّةً ، وَإِنِ العلماءَ المحققين من أصحاب المذاهب المتبوعة ، بل أقوال أبي بكر وعمر وخلفاء الرشد وجيل الوحي ممن اشْتُهِرَ فِيهِمْ بالفقه ومن لم يُشْتَهَرْ ، رضي الله عنهم جميعا ، أقوالُهم لا تصمد إن خالفت عن الوحي آيا أو خبرا فذلك الأصل الأول فلا أصل يَتَقَدَّمُهُ ، بل من قال إن الإجماع يَنْسَخُ ، ولو تَجَوُّزًا ، فلا يَنْفَكُّ يقيم الدليل الذي إليه يَأْرِزُ الإجماع ، فالإجماع ، عند التدبر والنظر ، لا يَنْسَخُ وإنما يَدُلُّ على الناسخ ، لا جرم كان من قول الشافعي ، رحمه الله ، في رسالته أَنَّ خَبَرَ الآحاد وهو نص ، أنه يقدم على الإجماع إن كان مستنده الرأي ، فَنَصُّ الوحي يقدم على الرأي ، وإن محلَّ إجماع ، مع أن ذلك ، لو تدبر الناظر ، مما لا يُتَصَوَّرُ ، إذ يخالف عن عنوان العصمة ، عصمة الأمة الخاتمة الشاهدة أَنْ تُجْمِعَ عَلَى خلافِ الحق إِنْ في أصلٍ أو في فرعٍ ، لا جرم احْتَرَزَ الشافعي في الباب أَنْ رَدَّ إجماعاتٍ كثيرة تُتَوَهَّمُ وكان من إحكام دائرة الإجماع ما اسْتُوجِبَ في الباب ، فَكَثِيرٌ مِنْهَا لا يَنْضَبِطُ ، لا سيما بعد خروج الجيل الأول من المدينة وانسياحهم في الأمصار زَمَنَ الراشد عثمان ، رضي الله عنه ، فما انضبط من الإجماع زَمَنَ الراشد عمر ، رضي الله عنه ، أَنِ احْتَبَسَ عنده أهل الحل والعقد وهم المعتبرون فِي الإجماع وفاقا أو خِلَافًا ، ما انضبط من الإجماع زَمَنَهُ لم يَنْضَبِطْ بَعْدًا فصارت حكاية الإجماع المنضبط مما يعسر ، وإن لم يُحِلْهُ العقل ، فهو جائز في العقل غير محال ، وهو مناط الاحتجاج إذا ثَبَتَ ، وإنما الشأن أَنْ يَثْبُتَ صريحا بالقول أو سكوتا في موضع الْبَيَانِ مع انتفاء شبهة تمنع كالإكراه أو ظَنِّ الإجزاء من آخرين يَرُدُّونَ ما لم يَرُدَّ المجتهدُ المعتبرُ خلافه في الباب ، فقد يسكت فَيَظُنُّ أن الجمع يكفيه المؤنة أن يَرُدَّ ما قد رَامَ رَدَّهُ ، وذلك ، أيضا ، محل نظر ، إذ كُلٌّ يظن أن الآخرَ يجزئ عنه فلا يَتَكَلَّمُ ، فحاصل الاستقراء في هذه الحال ألا يتكلم أحد ! فيسكتوا جميعا في موضع البيان ! ، فَمَنْ يَنْهَضُ بحجةِ الحق إذا سكت أهله ممن أُوتِيَ علمَه وَفِقْهَهُ ، وكذا يقال إن سكت المجتهِدُ إذ المسألة تَفْتَقِرُ إلى نظر ، فيسكت إذا الْتَبَسَ عليه الحق فلا يَلْتَبِسُ على الجميع بداهة وإلا تَوَجَّهَ القدح في شهادة الأمة الخاتمة ، فمناطها أبدا أَلَّا تُجْمِعَ على خلافِ الحقِّ ، إن صراحةً أو سكوتًا ، فلا يسكت الجميع عن بَيَانِ الحقِّ خوفا من إكراه ، ولا يسكت الجميع إذ كلٌّ يظن الآخر يكفيه ، ولا يسكت الجميع إذ اشتبه الحق عليهم كُلِّهم فلم يَسْتَبِنْ لواحد ! ، ولا تخلو الأرض من قائم لله ، جل وعلا ، بالحجة ، وَإِنْ خَفِيَتْ ، ولا يُتَصَوَّرُ أن تكونَ مسألة وليس لها في الوحي أصل إن نَصَّا يُصَرِّحُ أو مقصدا يعتبر مع أدوات اجتهاد تَتَنَاوَلُ المنقول والمعقول كافة .
    فكان من إجماع السكوت محل اعتبار يدق ، فسكوت المجتهدين في هذه الحال سكوتُ إِقْرَارٍ لا عَجْزٍ ، وهو ما احْتُرِزَ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ وقت يجزئ في القطع أنهم رَاضُونَ فلا سخط ولا معارضة ، ولا مانع يعتبر من إكراه سلطان أو خشية قتل أو سجن أو ضَرْبٍ .... إلخ ، وقد حده بعض ، على تفصيل في الباب ، أَنْ يَنْقَرِضَ الجيل ، جيلُ الإجماعِ ، فيؤمن رجوع أحدهم عن قوله لا سيما إن كان من شبهة الإكراه ما اعتبر فقد يسكت حتى يَزُولَ سلطان الجور فَيَنْقُضَ ما تقدم من فتوى قالها مكرَها ، وإن لم يلزم من ذلك أن الإجماع على الباطل قد يَقَعُ إكراهًا ، وإنما قد يكره واحد أو اثنان ، بل قد يكره المجموع الغالب ولا تخل الأرض ، مع ذلك ، من قائم بحجة الوحي ناطق ، ولو واحدا أو آحادا ، كما فِتْنَةُ خلقِ القرآن مثالا ، فالمشهور أَنَّ مَنْ ثَبَتَ واحدٌ ، وليس ذلك مما يصح ، فقد ثبت آخرون ومنهم مَنْ قُتِلَ في السجن أسيرا كما البويطي صاحب الشافعي ، فكان من التابع مائة ألف اعتذر بهم لوالي الواثق العباسي في مصر ، فما يدرون ما الحق إلا أن يجهر به أولو العلم ، فإذا سكتوا ضاع الدين وانتقض الإجماع وبطلت شهادة الأمة الخاتمة على الخلق أَنْ أَجْمَعَتْ على باطل ، فَحُمِلَ البويطي ، رحمه الله ، في الحديد وكان من ذلك صدقُ تأويلٍ لما تَنَبَّأَ الشافعي أنه يموت في القيد حتى يعلم قوم آتون أَنَّ ثَمَّ من مات في الحديد لِيَنْصَحَ الدين وَيَسْلَمَ من أيِّ قول محدث ، فذلك ، أبدا ، أصل يستصحب في مسائل الدين كافة ، أَنْ يَجْهَرَ بالحقِّ في كلِّ خلافٍ من يَرُدُّ الأمر إلى وحي السماء مرجعا يجاوز من خارج ، ولو مات في القيد ، كما البويطي ، أو مات صبرا كما قُتِلَ أحمد بن نصر الخزاعي ، رحمه الله ، في مجلس الواثق العباسي ، فأثنى عليه أحمد وهو من ابْتُلِيَ كما ابتلوا بل كان هو الأشهر ، كما تقدم ، فَحَمَلَتِ الفتنة اسمه عَلَمًا يَرُدُّ القول المحدث ، وإن كان ثم آخرون بهم اطرد الخبر ألا تجمع الأمة الخاتمة على باطل ، ولو كان أحمد وحده لَكَفَى ، ولو كان البويطي وحده لأجزأ ، ولو كان ابن نصر الخزاعي لَنَهَضَ بالأمرِ وحدَه ، فلا إجماع يخالف عن الحق لا في قول ولا في عمل ، ولو كان من القائم بالحجة الرسالية السالمة من المعارض واحدٌ ، فذلك أصل في الاعتقاد كما الفقه ، فحجية الإجماع وإن كانت مسألة في الأصول فلا تخلو من دلالة تَلْطُفُ فِي بَابِ الاعتقاد وبها رَدُّ كلِّ محدَث في الدين ، فلا يعارضُ إجماعٌ معتبر نصًّا محكما ، إلا أن يكون الإجماع ، إن ثَبَتَ يقينا ، مُسْتَنِدًا إلى ناسخ بعينه لا احتمالا يطلق ، فيكون ذلك الدليل المحكم هو الناسخ ، فليس الإجماع ما نسخَ وإنما نسخَ المتقدِّم دليل مثله قد استند إليه هذا الإجماع نصا لا احتمالا يفتح الذرائع أَنْ يُنْقَضَ الوحي بإجماعات غير معتبرة لا يخلو قائلها من مجازفة في الدعوى ، فمستنده كَلَا مُسْتَنَدٍ إذ لا يجاوز حَدَّ التجويز العقلي احتمالا ، وتلك ، كما تقدم ، دعوى مجردة من دليل يَنُصُّ في محلِّ النِّزَاعِ ، فيجزئ في رَدِّهَا دعوى أخرى تُنَاجِزُ لَا يَتَكَلَّفُ صاحبها دليلًا إذ لم يتكلف الأول ، فَجَازَفَ في دعوى الإجماع نَقْصًا في الاستقراء ، استقراءِ الأقوال في المسألة ، لا سيما في الأجيال المتأخرة التي يعسر فيها ضبط الإجماع بل قد يُحَالُ إِذِ انْتَشَرَ آحاد المجتهدين في الأمصار كَافَّةً وَكَثُرَ أتباعهم فَقَدْ بَلَغَ الفتح غاية تَعْظُمُ ودخل الخلق في دين الحق أفواجا وكثرت نوازلهم ومنها ما اسْتَنَدَ إلى أعراف البلاد المفتوحة ما لم تخالف عن الشريعة المنقولة كما المصالح والذرائع والقياس والاستحسان وسائر الأصول العقلية فَشَرْطُهَا أَبَدًا أَنْ تُعْتَبَرَ ، شرطُهَا أَلَّا تخالف عن الوحي إِنْ آيًا أو خَبَرًا ، فكان مِنْ كُلِّ أولئكَ ما استوجب التوقف في حكاية أيِّ إجماعٍ قد تأخر ، لا جرم كان احتياط أحمد ، رحمه الله ، إذ أنكر على من ادعى الإجماع في زمانه وقد تأخر فما يدريه لعل الخلق قد اختلفوا وهو لا يعلم فَلْيَجْتَزِئْ في الباب أَنْ يَنْفِيَ العلم بالمخالف لا أن يَنْفِيَ المخالف مطلقا ، فَعَدَمُ الوجدان لا يستلزم عدم الوجود في نفس الأمر ، وإنما يَنْفِي بما قد بَلَغَهُ من العلم استقراءً لأقوالِ من عاصر ومن تقدم لا جزما فذلك مما يعسر فغايته أن يكون الاستقراء الأغلبيَّ الذي يفيد غلبة الظن فَوَجَبَ الاحتراز في حكاية الإجماع فَيَنْفِي القائلُ العلمَ بالمخالف بما قد استقرأ من أقوال الناس في الباب أو هو يحكي الإجماع المقيَّد كما فعل ابن المنذر ، رحمه الله ، إذ صَدَّرَ إجماعاته المشهورة ، كما يُنَوِّهُ بعض من حَقَّقَ ، صدرها بقوله : أجمع كل من نحفظ عنهم العلم فحكى إجماعا يطيق استقراءَه وهو قول من تحمل عنهم ولم يتحمل بداهة عن مجتهدي الأمة كافة ، بل ولا مجتهدي عصره فذلك مما يعسر ضبطه ، لا نقضا لحجة الإجماع كما ذهب بَعْضٌ لم يَخْلُ من لَوْثَةِ الحداثة أو انهزامٍ أمام تَيَّارِهَا ليستجيز الخروج عن محال الإجماع التي لا تُوَاطِئُ الهوى والذوق ، فذلك غلو في مقابل آخر قد غلا ، كما تقدم ، قد غلا في ادعاء الإجماع واتخذه ، أيضا ، ذريعة أَنْ يُرَجِّحَ أقوالا تخالف عن الأدلة الصحيحة الصريحة تذرعا أن الإجماع يَنْسَخُهَا أو أنه يستند إلى دليل ناسخ ، وإن لم يعين ، فلم يجاوز في قَوْلِهِ الاحتمال المجرد ، كما تقدم من قول ذلك الإمام المحقق في مذهبه إذ حمله الانتصار لإمامه أَنْ يُصَيِّرَ قولَه أصلا وما خالف ، ولو نصا ، فهو منسوخ ، وإن احتمالا لا ينهض ، كما تقدم ، في إقامة حجة في الباب تسلم ، فلم يغادر حد التجويز العقلي المحض فَأَجْزَأَ في رَدِّهِ آخر يضاهي ، بل ما ادَّعَيْتَ أنه منسوخ إذ خالف عن قول المذهب فهو الناسخ وما استند إليه قول المذهب فهو المنسوخ فَضْلًا أَنْ يُرَدَّ الأمر إلى أصل أحكم وأعلم أن يُقَالَ إِنَّ قولَ المذهب ابتداء : اجتهادٌ يُؤْجَرُ صاحبه الأجر الواحد إذ قد خالف عن النص فهو فاسد الاعتبار وإن كان صاحبه من البررة الأخيار .

    وكذا رُدَّتْ دعوى أخرى فإذ لم يطق النسخ فهو يفتقر إلى دليل بعينه ، فَثَمَّ من الدعوى الناقضة فسحةُ تأويل تَسَعُ في الجدال ! ، فكلُّ قولٍ قد خالف عن قول الإمام فهو مُؤَوَّلُ ، فَلَهُ وجه من الدلالة ، ولو بعيدا يهجر ، ولا يخلو ذلك من احتمال آخر يجرِّده المنافح عن المذهب ، فلا يذكر وجه التأويل بل يطلق القول فَثَمَّ تأويل وإن استأثر به الإمام فهو الأعلم بالنص وما يراد بألفاظه وإن خالف بها عن الظاهر الراجح بلا قرينة معتبرة فليس ثم إلا أخرى مرجوحة ، فضلا أن يكون الباب إطلاقا في الدعوى لا أكثر فإذا طولب بهذا الوجه من التأويل قال : الله أعلم ! ، فضلا أن يقول : وكذا إمام المذهب أعلم ، فَقَدْ صَارَ في نفسه ، ولو إلزامًا في الجدال ! ، صار مرجعا كالوحي وَنُزِّلَ لفظُه لَفْظَ الشرع ، كما يحكي صاحب "المقدمة" رحمه الله ، من حال التقليد الذي عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، من جنس التفويض في الإلهيات ، أَنْ يُقَالَ إِنَّ لها معنى لا يعلمه إلا الله ، جل وعلا ، فَجَاوَزَ فِي البابِ حَدَّ الحقيقةِ فِي الخارج فهي ما يجب فيه التفويض إذ لَا يعلمها إلا الرب الحميد المجيد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَجَاوَزَ بَعْضٌ أَنْ صَيَّرَ المعانِي وهي مناط التكليف بالتصديق ، صَيَّرَهَا هي أَيْضًا مجملات لا تدرك فلا يعلمها إلا من أَنْزَلَ الوحي المحكم ، فَبِمَ يكون التكليف إِنْ جُهِلَ المعنى ؟! ، أن يثبت الناظر أن لها دلالة ولكنه لا يعلمها ، فلا يكلف إذن أن يؤمن بمجهول ، إذ شرط التكليف ، كما قرر أهل الأصول ، وهو ما يعم الأخبار كما الأحكام ، شرطه أن يكون معلوما ، وليس يلزم من علم بالمعاني في باب الإلهيات ، ليس يلزم منه تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف إذ لم يجاوز بها المصدِّق حد المعنى المجرد في الذهن ، فكان من التفويض ما احْتَرَزَ من التمثيل فوقع في ضِدٍّ يضاهي التعطيل ، وإن لم يبلغ حد التعطيل التام فلازم قوله التعطيل لا النص كما المعطِّل الذي يُصَرِّحُ ، وذلك مما أغرى خصما أن يَتَأَوَّلَ ، ويثبت معنى ولو بعيدا ، أو منه ما يصح وإن لم يخل من نقص ، كما صنع بَعْضٌ إذ تأول بعض الصفات بِلَوَازِمَ صحيحة ولكنه لم يحسن القول إذ خالف عن قياس العقلِ الذي ينتحل في تأويلاته ، فكان من مخالفة أولى أن خاض في باب خبري سمعي بالقياس العقلي ، وليس ذلك بابه إذ شرطه أن يدرك أولا ويشهد ثم يكون من قياس تَالٍ مَا يَنْفِي أو يُثْبِتُ ، وكان من مخالفة تالية في تأويله خاصة : تأويل الوصف بلازم من لوازمه يصح ، كما تأويل اليد وهي الوصف الذاتي الخبري ، كما تأويلها بالقدرة أو النعمة أو القوة ، فذلك مما يصح في سياقات تشهد فهي قرائن من ذات النص فلا اعتبار بما جاوز من قرائن العقل فليس لها حظ في بابِ غيبٍ ، ولكنه في المقابل ليس ذريعة أن يَنْقُضَ بهذا اللازم الصحيح : الملزوم الأول الذي عنه قد صدر ، فذلك في القياس كمن يستنبط علة لفرع ينقض بها أصل الحكم ، فكان التفويض في قول القائل : إن ثَمَّ تأويلا لهذا النص الصحيح الصريح ، وَبِهِ يُرَدُّ إلى قول المذهب الذي صَارَ كَنَصِّ الوحيِ المنزل ! ، والإمام به أعلم فليس لنا إلا التقليد كما تقليد الوحي ، وتلك حكاية لازم آخر في القول ، فَلَيْسَ نَصَّ القائلِ بداهة ، وإن لزمه بما غلا من التقليد ، وهو مما قد خالف عن نص الإمام الصريح أَنْ : إذا صح الحديث فهو المذهب لا إن صح فَهُوَ يُؤَوَّلُ بما يواطئ قول المذهب ، فقول المذهب ليس يُعْصَمُ وإنما يُرَدُّ إلى مرجعٍ من الوحي محكم فإذا خالف عنه فالوحي أبدا يُقَدَّمُ مَرْجِعًا من خارج يجاوز ، لا أن يكون التفويض تَقْلِيدًا وهو ، أيضا ، مما أغرى خصوم الوحي في الحكميات كما قد أغرى المؤولة في الخبريات ، فكان من اجتهاد الخصوم إذ قَصَّرَ الأتباع فليس إلا التقليد وقد جَدَّ من نَوَازِلَ ما لا يحتمل التأخير فَقَعَدَ المقلدة وعجزوا ولم يَقْعُدِ الوحي فهو أبدا ينصح إن بالمنطوق أو بالمفهوم ، إن بالنصوص أو بالمقاصد ، فَلَمَّا عجز أولئك كان من اجتهاد الخصم أن جاء بحكمٍ وإن نَقَضَ به الأصل ، فلم يعد يجزئ في هذا العصر تذرعا بحال أتباعه المقلدين وكأن صَنِيعَهم حجةٌ على محكَمِ التَّنْزِيلِ ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، من شؤم التفويض إن في الإلهيات أو في الحكميات كما التقليد في الجيل المتأخر ، وهو مما بَرِئَ منه الوحي المنزَّل الذي استجمع ، كما تقدم ، الرغب والرهب ، الجمال والجلال ، إن في الإلهيات الخبرية ، كما في الأسماء والصفات والأفعال ، فمنها جمال يرحم ومنها جلال يأخذ ، وبكلا الوجهين الكمال المطلق يَثْبُتُ لله ، جل وعلا ، وهو الحاكم المهيمن ، فكان من قَصِّ ما تقدم من حال الأمم إنجاءٌ بوصف الجمال لمن آمن ، وإهلاك بوصف الجلال لمن كفر ، فذلك مما اطرد وانعكس ، كما آخر يطرد وينعكس في تَأَوُّلِ الإلهيات لا التَّأَوُّلَ المحدَث ، وإنما نصح في الباب : تأولها بالتصديق والإثبات لمعانيها فذلك أول ، والتنسك بدلالاتها فما جَمُلَ منها فَنُسُكُهُ الرَّغَبُ رجاءً ، وما جَلَّ منها فَنُسُكُهُ الرهب خشيةً وخوفًا ، وبهما جميعا يطير الجنان إلى خالقه فيستوي وَيَتَّزِنُ ويكون له من اسم التقوى ما جمع ، وذلك ، أيضا ، مما اطرد في الحكميات كما الخبريات ، فمنها حكومات العزيمة جلالا ، ومنها حكومات الرخصة جمالا ، ولكلٍّ من المحل والحال ما يواطئ حكمةً في التَّنَسُّكِ قد استغرقت النصوص كافة ، الخبر والحكم ، فالتكليف في كلٍّ قد استغرق الجلال والجمال جميعا ، إن تصديقا في الخبريات أو امتثالا في الحكميات ، وبه ، كما تقدم ، تأويل التقوى إِنِ المفرَدَةَ في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) ، وذلك خطاب المواجهة لصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يخلو من آخر في المعنى قد استغرق جماعة التكليف كلها ، وتأويله ما كان من أمر عام قد استغرق أَنِ : (اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فَثَمَّ الإطلاق في العامل ، وهو استغرق وجوه المعنى كافة ، إن تَقْوَى الباطن أو أخرى في الظاهر تصدق ، فَعَمَّ قسمة الإيمان المجزئ اعتقادا وقولا وعملا ، وثم الإطلاق المستغرق لمسائل الديانة جميعا ، الخبري المصدَّق والإنشائي الممتَثَل ، وثم عموم الواو ، واو الجمع في "اتَّقُوا" ، وهي في الباب نص ، فاستغرقت جماعة الذكور نصا ، وكان منها تال يدل على جماعة الإناث ، فذلك التغليب لِقَرِينَةٍ أَبْدًا تُسْتَصْحَبُ في نصوص التشريع ، وهي قرينة العموم في خطاب التكليف إِلَّا أَنْ يَرِدَ الدليل المخصِّص ، وليس في التقوى معنى يُخَصُّ به جنس دون آخر بل ذلك تكليف الخلق كلهم ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) ، وهو ما أُرْدِفَ بالعلة في قوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فكان من "لَعَلَّ" ، كما تقدم ، عنوان تعليل إذ احتملت في التأويل نِيَابَةً عن لام التعليل على تقدير : لِتُفْلِحُوا ، وهو ما لا يحول دون حملانها على الأصل ، إذ ثم رجاءُ الخالق ، جل وعلا ، رحمةً بالخلق ونصحا لا احتياجا أو فقرا فهو الغني عنهم وعما يفعلون ، ولا يكون منهم نفع ولا ضر ، فاستوى أن يؤمنوا أو يكفروا ، أن يصدقوا أو يكذبوا ، أن يطيعوا أو يعصوا ، فـ : (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) ، فحسن ، من هذا الوجه ، حملان "لعل" على كلا الوجهين إِثْرَاءً للسياق بما وَرَدَ عليه من معان تَصِحُّ إذ يحتملها إما بأصل الوضع أو بِنِيَابَةٍ معتبرة إذ اطردت في النصوص المحكمة من لسان العرب وهو الحجة في الباب فَبِهِ قَدْ نَزَلَ الكتاب ، وهو مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، ولا يخلو من عنوان آخر في الباب ، باب المجاز ، فكان من مادة "فَلَحَ" وهي الشق ، كان منه ما استعير من الحس إلى المعنى ، فالفلَّاح يشق الأرض ويبذر فهو يطلب من الثمر ما ينفع ، فاستعير لمن يُصَدِّقُ ويمتثل طلبا لثمرة إيمان تجزئ في حصول السعادة والنجاة ، ومن ينكر المجاز فهو أبدا على أصل قَدْ تَقَدَّمَ أن مادة "فَلَحَ" خاصة ، وَمَوَادَّ اللسان عامة مما جُرِّدَ في المعاجم حكايةَ مطلقاتٍ في الذهن لا تَنْصَرِفُ بادي الرأي ، لا إلى محسوس ولا إلى معقول ، حتى تُسْلَكَ فِي نَظْمٍ مُرَكَّبٍ فيكون من قرينة السياق ما يُرَجِّحُ ، فيرجح المحسوس تارة ، والمعقول أخرى كما في هذا الموضع فَقَرِينَةُ الأمر بالتقوى وَبَيَانِ العلة تَبَعًا ، كل أولئك مما يرجِّحُ الفلاح المعقول أن يفوز العامل الذي يمتثل الأمر والنهي كما الفلاح الذي يشق الأرض ويسقي الزرع ، أن يفوز الأول كما الثاني ، فكل يفوز بثمرة تكافئ عمله ، إن محسوسة لدى فلاح الأرض ، أو معقولة لدى من آمن وامتثل ، ولكلٍّ من السياق ما يواطئ فهو ، أبدا ، القرينة المرجحة من خارج ، إذا احتمل اللفظ من المعاني وجوها تكثر ، وبه أبطل من أبطل المجاز إذ القرينة أبدا جزء من الكلام ، فذلك الظاهر المركب من المفرد في المعجم وما انتظمه من سياق يُفْهِمُ .

    والله أعلى وأعلم .


  3. #43
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:30 PM

    المشاركات
    5,169
    العمر
    44

    فحصل من الأمر المفرد في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ) ، حصل منه مجمل يفتقر إلى مُبَيِّنٍ به اتَّسَعَ نطاق الدلالة إذ استغرق كل مكلف لقرينة العموم في خطاب الوحي المنزل ، فكان من البيان ما عَمَّ بدلالة الضمير المجموع في قوله تعالى : (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فخطاب المفرد مما احتمل الاختصاص ، وإن مرجوحا ، فإن خطاب المواجهة الأول لا يقتصر على المخاطَب المواجَه إلا لقرينة توجب العدول عن الأصل المستصحب وهو ما تَقَدَّمَ من العموم المستغرق فإن الشريعة لم تَنْزِلْ وقائع أعيان لا تجاوز ! ، بل ذلك لو طُرِدَ في نصوص الوحي لأفضى إلى نسخ الشرع ! ، إذ انْقَضَى الجيل الأول وفيه أعيان المخاطبين خطاب المرة ! الذي لا يجاوز المعين المخصوص في الخارج والواقعة المعينة في الخارج ! ، فانقضى الوحي بانقطاعه وانقراضِ جيلِه الذي فيه قد نَزَلَ وليس يجاوز إلى تال وإن كان ثَمَّ نَصٌّ مقدس فليس مما يجب الامتثال له في أمره ونهيه ، بل ثم من عنوان التأويل المفتوح الذي جاوز بالملكية الفكرية للنص إن صح الاصطلاح ، جاوز بها المتكلم الأول فأهدرت حقوقه الفكرية ! وهو ما لا يرضاه مخلوق محدَث فِيمَا كتب ولو كلاما ساذجا لا يُؤْبَهُ ، كما القصص الفارغ من الدلالة النافعة إلا التسلية وَلَيْتَهَا تَبْرَأُ مِنْ نَقْصٍ بما يكون من فضول مباح فضلا أن يكون المحرم الذي يفسد النفوس ، ومع ذلك فصاحبه يغضب إن انتحل أحد كلامه ، أو أخرجه على ما لم يُرِدْ فَتَكَلَّفَ له من التأويل جديدا ، فيغضب المتكلم الأرضي إذا حُمِّلَ كلامُه ما لم يُرِدْ ، وَإِنْ احْتَمَلَهُ بالتجويزِ العقليِّ فَلَيْسَ ذَلِكَ ما أراد ، فَضْلًا أَنْ يجاوز المتأول الحدَّ فَيُحَمِّلَ كلامه ما لا يحتمل ! ولو بَعِيدًا مهجورا فيكون مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَاطِنِ مَا يخرج عن قانون اللسان ، ولو مرجوحًا ، فليس ذلك من التأويل في شيء ، ولو بعيدا ، إذ شرطه حملان الظاهر على ضد مرجوح لا آخر مهجور أو محدَث مختلَق لا وجه له في اللِّسَانِ ، فَإِذَا تَأَوَّلَ أحدٌ كلامَ آخر من البشر غضب الأخير إذ تكلم الأول على لسانه بما لا يريد فَأَلْزَمَهُ مَا لَا يَلْزَمُ ، وهذا منطوق كلامه لمن يفهم ، فلا يحتاج مترجما عنه يُبِينُ عَمَّا أراد فهو يحسن الكلام حكايةً لِمَا يُرِيدُ ، فَإِذْ غَضِبَ البشرُ مع أَنَّ كلامهم ليس بذاك فهو مما يطيقه كل أحدٍ فليس بمعجِز ولا مفصِح ، فلا ينفك يعتريه من العجمة والحبسة ..... إلخ ، وصاحبه ، مع ذلك ، يَغَارَ ويأنف أن يستحوذ أحد على عقله ، فالكلام حكايةٌ له تُصَدِّقُ فَمَنْ ذَا يَتَحَكَّمُ فَيُمْلِي لي ما أقول ، وَيُعَيِّنَ المعنى الذي أروم ؟! ، فإذ كان ذلك مما يمتنع في حق المخلوق الناقص فكيف استجاز الخلق مثله في كلام الخالق ، جل وعلا ، أن يحملوه ما لا يحتمل ، ويتأولوه على ما يواطئ الهوى والحظ ولو حملانا على بعيد أو باطن لا وجه له في لسان التنزيل المبين ، فَانْتَفَى ذلك من باب أولى في كلام الخالق ، جل وعلا ، فكلامه الأليق أن يُرَدَّ إلى القائل فلا يتحكم أحد في تأويله وحملانه على ما لم يرد المتكلم الأول فذلك من القول على الله ، جل وعلا ، بغير علم ، وذلك مما عَظُمَ جُرْمُهُ فَكَانَ آخِرًا في محرَّمات قد شنعت في قوله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، إِذِ ارْتَقَى الكلام من الفاحش إلى الأفحش ، فَخَتَمَ بِأَفْحَشِ الخصالِ أَنْ يُقَالَ على الله ، جل وعلا ، بغير علم ، فيكون من التأويل أَنْ يُخَرِّجَ كلامه على جادة من المعنى لا تُرَادُ فهي تخالف عن الظاهر المتبادر بما تَرَاكَبَ من دلالة معجَمٍ مفرَدٍ وما كان من سياق تال يُفْهِمُ فَحَصَلَ بِهَذَا التركيب معنى راجح يَتَبَادَرُ ، فلا يعدل عنه الناظر إلا وثم من القرينة ما يُرَجِّحُ ضِدًّا ، فلا يكون العدول عنه احتمالا يَبْعُدُ فَضْلًا أن يكون من الباطن الذي يُحْدِثُ من الدلالة ما لا أصل له ، فيقترح من المعجم الجديد ما ينسخ آخر قد تَقَدَّمَ ، ولا يكون النسخ إلا بدليل ، بل النسخ يمتنع في جُمَلٍ ضروريةٍ من العلوم والمعارف ومنها لسانُ الْبَيَانِ ، وإن كان ثم تطور في الدلالة يرصده ، كما يقول بعض من حقق ، مَنْ يبحث في طبقات اللسان فهي كطبقات الأرض التي تَتَرَاكَمُ ، فكذا اللسان إذ يطرأ عليه تَغْيِيرٌ حادث ، ولكنه لا يبلغ حد التأويل الباطن الذي ينسخ الأصول الدلالية ذات العهد الخاص بما استقر في الوجدان من قانون النظم والنحو وما تَلَا مِنْ بَيَانٍ يُفْصِحُ عن معان لا تظهر ، بادي الرأي ، بما اصطلح أنه الانحياز الدلالي الذي يستغرق المجازات والاستعارات والكنايات وهي مما لا يقال اقتراحا وإنما يثبت استقراء لما أُثِرَ من المنظوم والمنثور فتلك ذخائر الأدلة المحتج بها في باب المعاني المفردة والمركبة ، فلكلِّ لسانٍ من النظم ما يميز ، وله في الاستعارة أو التصوير جُمَلٌ مخصوصة يدركها الناطق الأصيل ، فهو يلتقط المعنى وَإِنْ لَطُفَ بِمَا استقر في وجدانه مِنْ عُرْفِ لِسَانٍ قد اشتهر ، فإذا قال أحد طرفة ضحك ، كما يقول بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ ، والمجلس قد ضم غيره فلا يضحكون وإن كانوا يدركون من لسانه بَعْضًا معتبرا فيجهدون في فهم المعنى اللطيف الَّذِي يُضْحِكُ ما لا يجهد الأول فَقَدْ فَقِهَهُ بداهة إذ هو المتكلم الأصيل ، وذلك ما يجري في لهجات اللسان الواحد كما الألسن المتعددة ، فصاحب اللهجة يدرك من المعنى الأخص فهو من عُرْفِ نطقِه الدَّارِجِ ، يدرك منه ما لا يدرك غيره وإن شَاطَرُوهُ اللسان الأعم ، فكان من كلِّ أولئك عرفٌ عامٌّ يحكي قانون اللسان وإن دخله اللحن فلا ينفك أهل الشأن يجردون من قواعده ويصفون من اصطلاحه ما دُوِّنَ في معارف مستجدة بِهَا حُفِظَ الإرث الأصيل من النَّظْمِ وَالنَّثْرِ ، لا جرم كان من منهاج الحداثة أن تَتَدَرَّجَ في الهدم فهي تستخف بهذه العلوم الواصفة المحكمة من نحو وبلاغة وأصول واصطلاح في الرواية .... إلخ ، إذ بِهَا حفظ الأدلة المنقولة ووجوه الاستدلال المعقولة ، فَثَمَّ علوم بها حفظت الألفاظ سواء أكانت من الآي والأخبار وحيا ، أم من إرث اللسان نَظْمًا وَنَثْرًا ، لا جرم كانت عناية الرواة في الشعر أن يحرروا النسبة فيميزوا الأصيل من المصنوع أو المدرج ، فَثَمَّ معيار كمعيار المحدِّثِينَ ، وإن خَفَّ الشرط في التاريخ والشعر .... إلخ ، وبه حفظت المادة المأثورة من الأصول التي تحول دون تأويل الحداثة ، فهي تحتال أولا أن تُكَذِّبَ وَتُشَكِّكَ ، كما الانتحال في المنظوم مثالا قد اشتهر في الباب ، فَإِذَا كَانَ من العلم الواصف الناقد ما يحول ، فإنها تعدل إلى التأويل فإذا قانون الاستدلال المحكم نصا وظاهرا ، منطوقا ومفهوما ، عبارة وإشارة ..... إلخ ، فإذا هذا القانون يحول ، فلا يسلم لخصم مَطْعَنٌ في النص إلا أَنْ يَتَوَسَّلَ إِلَى إبطالِ النَّقْلِ فهو مكذوب ، أو إبطال الدلالة فهو مؤول وإن آل إلى بعيد أو مهجور أو مختلَق ، لا جرم كان احتياط المحققين في الدراية كما الرواية ، فكان نَقْلُ العربية المحتج بِهَا لسانَ الوحي الذي به قد نَزَلَ ، وهو ما اسْتَقَرَّ عُرْفُهُ بِمَا تَرَاكَمَ من طبقاتِ نَظْمٍ وَنَثْرٍ ، فحصل من ذلك لسان ناصح به تَنَزَّلَ الوحي الخاتم فالطعن فيه أول والطعن في الوحي ثان ، وهما مما يتلازمان في منهاج الحداثة .

    والشاهد أن خطاب الوحي مما يَعُمُّ بدلالته فذلك الأصل ، فلا يعدل عنه إلى الاختصاص أنه واقعة عين ، لا يعدل عنه إلا بدليل ينصح هو نص في محل النِّزَاعِ ، وإلا فالعموم المستغرق هو المستصحب حتى يَرِدَ الدليل الناقل ، فكان من العموم ما استغرق الآحاد كافة ، من نَزَلَ فيهم الوحي إما أسبابا أو هم الجيل الأول الذي شهد التَّنْزِيلَ المحكم ، فاستغرقهم أصلا وَمَنْ تلا من القرون تَبَعًا ، ولهم من ذلك درجة تعلو إذ التابع أبدا إليهم يرجع ، لا رجوع العصمة في أعيانهم ، وإنما ذلك لإجماعهم وما كان من فقه أخص إذ شهدوا التَّنْزِيلَ فكان لهم من درك المدلول ما عم المفهوم والمنطوق وحيا هو المحكم غير المنسوخ ، وهو العام الذي جاوزهم إلى كل جيل تال ، فَثَمَّ من منطوقه ما استغرق جمهرة عظمى من مسائل الشريعة ، وما جد من نَوَازِلَ فَقَانُونُ الاستنباط المحكم بما كان من المفهوم طردا وعكسا ، وما حُدَّ بَعْدًا من المصالح والعرف والاستحسان والذرائع ..... إلخ إذ تحكي مقاصد أعم في باب الإباحة والحظر وإن لم يكن ثم نص مخصوص فما فاته النص الأخص فَثَمَّ المقصد الأعم مع احتياط قد تَقَدَّمَ مِرَارًا ألا تكون المقاصد والمصالح ذريعة بها يَتَوَسَّعُ المستدل فَيَنْقُضُ أَصْلًا محكما رعايةً لمصلحة أو يَنْقُضُ آخر من نَصٍّ مخصوص فَيُجَاوِزُ بالمصلحة والمقصد حَدَّ التخصيص لعام ، أو التقييد لمطلق ، أو البيان لمجمل ، فَيُصَيِّرُ هذه المصلحة المحدثة ناسخةً لِمَا اسْتَقَرَّ من قانون الشريعة المحكم إذ تَوَهَّمَ فِيهَا وجها يرجح ، وليس ذلك مما يُتَصَوَّرُ إلا أن يَلْتَزِمَ صاحبه لازما يَقْبُحُ أَنَّ الوحي قد جاء بما يخالف عن الصريح من المعاني والمصالح ، فَجَاءَ بما يُضَيِّقُ وَيُحَرِّجُ ، فَفَاتَهُ أَنْ يَنُصَّ على هذه المصلحة المحدثة التي استنبطها تَالٍ محدَث بمعيار تحسين وتقبيح ذاتي لا يجاوز ، وليس يعلم علم الإحاطة بل ولا يَعْلَمُ ما دونه إلا أن يُعَلَّمَ بما ركز فيهم من قوى النظر والتدبر ، فالأصل فيه الجهل فلا يعلم حتى يكون من المدارك ما يكمل ، وليس ذلك الكمال المطلق بل كمال المحل المخلوق المحدَث مما يحصل بالتعلم فليس الذاتي الأول ، فذلك وصف الخالق المهيمن ، جل وعلا ، وحده ، وليس المخلوق إلا المتلَقِّي لعلوم ومعارف لا تكتسب ، فاختص بعضٌ منه بمنصب النبوة مرجع التصور والحكم من خارج ، وكان من آخر من رُكِزَتْ فيه قوى الفطرة الأولى فالوحي لها ينصح وهي له تفقه إن رُزِقَتْ سدادا أَنْ تَنْتَفِعَ بالعقل فلا يكون وبالا إن أُعْجِبَ بالرأي فخالف به عن الكتاب المنزل ، مع سعة في بحث التجريب بها يكتشف ما دق من سنن التكوين فَيَنْتَفِعَ بها أن يتأول التكليف خلافة في الأرض أن يُقِيمَ الوحي ويعمر الدنيا بما نفع من العلوم ولا يكون ذلك إلا أن يكون الوحي المرجع المجاوز من خارج فهو يأطرها على جادة هدى بما صدق في الخبر وعدل في الحكم وأبان عن الغاية والمآل ، فأجاب عما أشكل من سؤالات لا جواب لها يشفي إلا أن يكون الوحي هو المرجع ، فكان من الفساد الذي عم شؤمه في الجيل المتأخر وكلِّ جيل قد خاصم النبوة فعدل عن جادتها ، كَانَ من الفساد ما حَدَثَ من الهوى والذوق حاكمًا في نصوص الوحي أَنِ استحدث لها من معيار الدلالة ما لا أصل له في قانون الاستنباط الأول الذي به الوحي قد تَنَزَّلَ فلا يجاوزه المستدل فَيَتَكَلَّفُ من التأويل ما يخالف عن مراد المتكلم الأول بما تَقَدَّمَ من ذَاتِيَّةِ المرجع أن تهدر الملكية الفكرية ، كما الاصطلاح المحدَث ، فقد صار النص مفتوحا يملكه الجميع المِلْكَ المطلق بلا قَيْدٍ يُحْكِمُ ، فَلَيْسَ النهي أن يجتهد الناظر ، وإنما النهي أَنْ يَسْلُكَ جَادَّةَ اجْتِهَادٍ لا تُوَاطِئُ المعيار الذي نَزَلَ به الوحي ، وإذا خطر له معنى يَلْطُفُ فَلَيْسَ ذلك مما يَحْسُنُ أو يَقْبُحُ لِذَاتِهِ حَتَّى يُعْرَضَ عَلَى مِعْيَارٍ يَمِيزُ ، فلا بد من مرجع من خارج يجاوز إن في التَّنَزُّلِ مَبْنًى أو التَّفَقُّهِ مَعْنًى ، فكان من الدلالة العامة أَصْلٌ يُسْتَصْحَبُ فَلَا يُصَارُ بادي الرأي إلى قَرِينَةِ الواقعةِ الْعَيْنِيَّةِ المخصوصة وإلا أُهْدِرَتِ النصوص المنقولة فَقَدِ انْقَضَى جِيلُهَا فَصَارَ المحفوظ منها تلاوة الأماني تَبَرُّكًا لا حق التلاوة مَبْنًى يُضْبَطُ بما تَوَاتَرَ عن الجيل الأول سُنَّةً مُتَّبَعَةً فالقراءة مما أحكم حروفه فلا مطعن في النقل فكان من تحرير الوجوه وطرائق النطق بما كان من لغات العرب التي نَزَلَ بها الوحي ولا يفتي فيها ، بداهة ، إلا من أحاط بها فَعَلِمَ من أصول الألفاظ ما به يَرُدُّ كل قراءة إلى لسانها الأخص وإن كان من الجامع المؤطر لسان قريش فهو الغالب في الحرف المحفوظ الذي تَوَاتَرَ نَقْلُهُ وإن كان فيه من أخرى فذلك مما ضبطه أهل الرواية لغات هي الأقل ، وهي مما تفاوت نطقه بما لا يخرج عن حد القراءة الصحيحة إسنادا هو الأصل في أي رواية ، ولو آحادا ، فكيف بما تَوَاتَرَ من الوحي المنزل ، ووجها من العربية يُفْصِحُ مما يحتمله الرسم المكتوب ، فحق التلاوة آنف الذكر : تلاوة المبنى ، وأخرى من المعنى المحكم بما استقر من قانون اللسان المفهِم ، فلا يحصل التكليف بِتِلَاوَةِ أَلْفَاظٍ لا يَفْقَهُ القارِئُ مَعَانِيهَا ، لا جرم اجتهدت الحداثة أَنْ تَبُتَّ الصلة بالمنقول من المنظوم والمنثور مع التشكيك في نَقْلِ الوحي المعصوم آيًا وَخَبَرًا ، فلا يسلم لها ذلك إلا أن تطعن في لسان الوحي فَتَزْدَرِيهِ وتحط من شأنه وَتَسْعَى في استبدال آخر به ، ولو لهجة مبتذلة من العربية صاحبها إلى العجمة أَقْرَبُ ، فلا يحسن يقيم حروف التنزيل فضلا أن يقيم الحدود معان يتأولها في خاص الشأن وعامه فيكون مرجع التصور والحكم ، فكيف يَنَالُ ذَلِكَ وهو لا يفقه ، بادي الرأي ، ما يقرأ ؟! ، فكان من حِيَلِ الحداثة ما تَقَدَّمَ في مواضع أنه "تَارِيخَانِيَّةُ النَّصِّ" ، فهو تاريخ يُؤْثَرُ وأساطير تُكْتَتَبُ ، فلا يجاوز حد القصص المروي في مجالس السمر ، كما المغازي والسير في الدرس المتأخر فلم يجاوز بها المصنف حَدَّ السرد فلا معيار للاستنباط أو الفقه ، وإن كان من أَوَّلٍ في التدوين ما نَوَّهَ به بعض المحققين في معيار التصنيف في الباب وهو مما تفاوت بين الأمم ، فكان لأمة الوحي المجيبة التي اتخذت الكتاب أصلا كان لها منه مَرْجِعٌ عنه تصدر فَلَئِنْ نَظَرَتْ في الوقائع فَثَمَّ معيار أول حاكم لا تجهد في اسْتِنْبَاطِهِ بالتحليل وَالتَّرْكِيبِ فهي ، أَبَدًا ، تَرُدُّ إلى سَنَنِ الكتاب المنزَّل الذي جاء يوجز العبارة وبها العبرة في القصص ، فـ : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، وذلك قياس يتعدى إذ طبائع الخلق واحدة بما ركز فيهم الدوافع وما يكون من مؤثر من خارج فهو يحفز هذا الدافع مع ما يحتف به من قرائن مخصوصة من نظم حكم أو اجتماع لا تخرج أيضا عن طبائع الخلق فهي فطرة الفعل والكف في الشأن كله ، وإن لم يكن الحكم كليا فهو أغلبي فَثَمَّ من ينجو من آثار الحكم والاجتماع السالبة كما البلوى قد عمت في الأجيال المتأخرة إذ أفسد الاستبداد المجتمع بما كان من تسلط وقمع ، وهو ما سرى بَعْدًا إلى نظام الاجتماع الذي أصابه من التشويه حكاية أخرى تصدق سنة التكوين إن في المحسوس أو في المعقول ، فإن الضغط الشديد على ما صلب وتماسك فليس ثم إلا الاحتمال والصمود أو التَّشَوُّهُ والقصور ، أو الانهيار والتفتت وصيرورة الشيء إلى مادة لينة يسهل تدويرها في آلة تُنْتِجُ جديدا على مثال الصانع الذي هَدَمَ ثُمَّ بَنَى ، وذلك قانون في الفعل الحيوي في الجسد ، فثم من آلة الهضم والتحليل ما ينهض بالتكسير والتفتيت لِمَا عَظُمَ من أجزاء الغذاء الصلبة ، فيكون من المضغ واللعاب أول ، ويكون في المعدة تَالٍ أقوى به تحليل المطعوم إلى بسيط في المعي ، مع طرد الفضلة التي لم تَتَحَلَّلْ ، ثم يكون الامتصاص فإعادة البناء في جزئيات كبيرة فذلك قانون في الفعل الحيوي إن النباتي أو الحيواني ، فَفِي النبات يُمْتَصُّ الضوء فيكون من طاقة التفاعل ما يكسر روابط وَيُنْشِئُ أخرى في جزئيات أكبر مع تَرَاكِيبَ تَنْفَعُ بها اختزان طاقة تستعمل في أفعال حيوية ، فاطرد القانون الكوني النافذ في الفعل الحيوي المحسوس وفي آخر في الجماد فإنه إِنْ ضُغِطَ فَلَمْ يَصْمُدْ فلا يَنْفَكُّ يَتَفَتَّتُ وَيَتَحَوَّلُ إلى أول بسيط ثم تكون إعادة التشكيل بما يُوَاطِئُ مراد الصانع ، وكذلك السنن يطرد في الجماعات والأمم فما يمارس من الضغط بأدوات منها لَيِّنٌ يُرَغِّبُ ومنها صلب يُرَهِّبُ ، ما يمارس من ذلك فهو يناجز الجمع الذي يصمد فلا يستجيب إن كانت العلائق بين أجزائه ومكوناته قوية ، فيستوجب ذلك زيادة الضغط ، فما لا ينصهر بتسخين محدود فلا بد من نار أشد ، فيكون من الضغط زيادة تُقَطِّعُ أوصالَ الجمع فيصير إلى مادة أولى عنوانها الفرد وهو ما اصطلح في الأدبيات الحداثية أنه المجتمع الذَرِّيُّ ، فَهْوَ ذَرَّاتٌ منفردة لا جزيئات مجتمعة ، فَيَسْهُلُ تشكِيلُهَا في جزئيات ذات علائق جديدة تُوَاطِئُ مراد الصانع الذي هَدَمَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ ، وتأول السنة الكونية في الأجسام الصلبة في أخرى من الجمع إذ لم يَرَ في الإنسان إلا شيئا تجري عليه سنن المادة ، وقد يصدق ذلك في أمور ، فالتجريب في دراسة الشعور والانفعال وهو تال لما يكون من دوافع في الوجدان ومؤثرات من خارج ، ذلك التجريب مما يطرد في مواضع ، ولا يطرد في أخرى ، إذ ثم في الإنسان ، كما يقول بعض من حقق ، ثم شيء يلطف وهو الروح فلا يجري عليها قانون المادة وإن تَأَثَّرَتْ به إذ يَنَالُهَا من الألم ما يكون أولا على الجسد المحسوس ، وقد يَنَالُهَا من آخر لا يقاس بما يكون من تكريم أو إهانة ، وبها الروح تَنْفَعِلُ إيجابا أو سلبا وذلك مما لا يمكن قياسه القياس المادي المنضبط كما المحسوس الذي يقع على الجسد ، مع علائق تلطف لا تدرك بالحس الظاهر وبها سريان الألم والضيق من الجسد إلى البدن ، فَثَمَّ اتصال دقيق بين الماهيتين : الجسدية الكثيفة والروحية اللطيفة ، وإن كان ثم من قانون الاجتماع ما يطرد فمادة الخلق واحدة وإن تغايرت الآحاد في الخارج فمنها السهل ومنها الحزن ..... إلخ من أغيار بها الناظر يحرر عنوان الربوبية إذ بها خلق الأضداد وتدبيرها على وجه محكم لا يكون إلا بحكمةٍ وعلمٍ أول يحيط وتال من الْقَدَرِ يُسْطَرُ فِي لَوْحِ تَقْدِيرٍ محكم ، وقدرةٍ تَأْوِيلُهَا المشيئة وبها الخلق والتكوين وما يكون تاليا من التصوير على صور مخصوصة ، وما يكون بَعْدًا من تدبير محكم تَدَافُعًا بَيْنَ الأضداد والأغيار كافة ، فذلك عنوان ربوبية تطرد قانونَ اجتماعٍ للأفراد جامدة أو حية ، فذلك الاجتماع الذي به المحتوى الذري المنفرد يصير أجزاء تَتَمَاسَكُ وهو ما يحول دون الاستجابة لضغطٍ يطرأ أن يكون من الجمع ما يدفع ، فإذا كان استبداد فَغَايَتُهُ أَنْ يضغط فيكسر صورة الاجتماع ويعود بالجمع إلى المحتوى الذري الأول مفردات يسهل تدويرها وإدخالها في صُورَةِ أجزاءٍ جديدة تُوَاطِئُ مراد الصانع سواء أكان ذلك بِضَغْطٍ يَلِينُ ، كَمَا المثال الحداثي المتأخر الَّذِي رَوَّجَ لهذا المحتوى الذري المفتت تذرعا بحرية الفرد أن يصنع ما شاء ، فأخرجه من قانون الاجتماع الذي يأطر الأفراد على جادة ، إِنْ دِينِيَّةً تَأْرِزُ إلى وحي أو اجتماعية تَأْرِزُ إلى عُرْفٍ ، فأخرجه من هذا المجموع المركب إلى آخر ذَرِيٍّ مفرد يمنح السلطان دَرَجَةً إذ له من الهيئة المجموعة ما ليس لأفراد تَنَاثَرَتْ ، فَسَوَاءً أكان ذلك بضغط يَلِينُ أم آخر يصلب كما الحال في الأطراف لا سيما الأجيال المتأخرة بما كان من قمع يخشن قد فَتَّتَ الجمع المركب وقطع العلائق بين أفراده في محتوى ذري حَضَرِيٍّ عنوانه الفردانية مع ما ينالها من عسف السلطان وذلك مما يُعَزِّزُ الصورة الذرية فكلٌّ قَدِ اشْتَغَلَ بخاصةِ نَفْسِهِ ، وكلٌّ قَدْ أمسك ما عنده فلا يمنح فَعَمَّ الشح والأثرة وكانت الأنا المنتفِعَة ، ولو أَضَرَّتْ بِغَيْرٍ ، وكان تَرْكُ الإنكار لما فِشَا من المنكر تذرعا بالسلامة فَضَعُفَتْ في النفوس القوة الغضبية غيرةً وأنفةً ، وصار من الجبن والبخل عِوَضٌ منها ، لا جرم استعاذ منهما صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَهُمَا قرينان إذ المرجع شح لا يجود بالنفس شجاعة في مواضع البذل لا تهورا لا ينفع بل صاحبه في هذه الحال إلى الإثم أقرب إلا أن يكون من التأويل ما به يُعْذَرُ ، فالشح لا يجود بالنفس شجاعة في موضعها ولا بالمال إنفاقا يكرم وهو مع ذلك لا يُبَذِّرُ ولا يُسْرِفُ فَيُحْسِنُ يَضَعُ المال في المحل الذي لأجله قد خلق ، فصار الجبن والبخل آفة في الجيل المتأخر ، وضاقت المعايش بما احتكر السلطان فهو سَاعٍ أَبَدًا في إضعاف الجمع وَإِفْقَارِهِ ، فلا يكون الاجتماع لذراته ، وكل أولئك من سَنَنٍ رَبَّانِيٍّ يطرد في الأمم كلها ، إن لم يكن ثَمَّ مؤثر آخر من خارج يُبْطِلُ فِعْلَ الحداثةِ إذ تُفْسِدُ ، فكان من النبوة في كلِّ جيلٍ : خصم يُنَاجِزُ قد جاء بما يصلح الفرد والجمع ويجبر ما انكسر من العلائق فَيَصِيرُ من الجمع قُوَّةُ أمرٍ ونهيٍ وجهادٍ تَرْفَعُ الظلمَ وَتَنْشُرُ العدل في الآفاق رسالةً تجاوز بِهَا النَّفْسُ إلى غَيْرٍ بما استغرقها من الشأن العام الذي تحمل هَمَّهُ وإن لم تحزن فهي تجاهد وتدفع ، وَتَسْعَى فِي إصلاحِ مَا تَهَدَّمَ ، فَلَهَا من طاقة الفعل ما خَرَجَ عن قانونِ الاستبداد ، وإن لم يخرج عن قانون الكون المحكم فإن النبوة أبدا معيار يجاوز الأرض فَيَقْضِي في أهلها بما يصلح ويجبر ، ويكون من ذلك سنن آخر يطرد ، فَلَئِنْ كَانَ من سنن الاستبداد في الأرض ما يُفْسِدُ رَصْدًا واستقراءً وتحليلًا في كلِّ جيلٍ ، فَثَمَّ مادَّةُ وحيٍ ورسالةٍ تُبْطِلُ مَا صَنَعَتِ الحداثةُ فذلك سنن آخر إذ يكون التدافع بين الأضداد ، وثم من وَعْدِ الرِّسَالَةِ وعدٌ بالظهور والنصر ، فـ : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) ، فذلك هدى الاعتقاد الخبري ودين الحق الحكمي بما استغرق الفرد والجمع فصح منهما التصور والحكم ، وكان من المؤثر من خارج ما جاوز قانون الأرض المحدَث بما جاء من وحي السماء المنزَلِ قَاضِيًا في الأول قضاءَ المحكَم في المتشابه ، وكان من طَرْدٍ لِعِبْرَةٍ في القصص ، وهي محل شاهد تقدم ، ختام آي يوسف ، فـ : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ، فكان من المعنى الشريف سنة تجري فذلك من معيارِ تَفَكُّرٍ يَنْصَحُ إذ يَطَّرِدُ الحكم وَيَنْعَكِسُ فَهُوَ يدور مع العلة وجودا وعدما ، فَقَصَصُ الأمم قانون به يَسْتَشْرِفُ العاقل تَالِيًا لم يقع لا تخرصا وظنا أو كهانة ، وإنما فراسة واستنباط يَسْتَنِدُ إلى مقدمات تَنْصَحُ بها يتوسل الناظر إلى نَتَائِجَ تُوَاطِئُ السنن الرَّبَّانِيَّ المطَّرِدَ ، وإن كان ثَمَّ من يد القدرة النافذة ما يمنع فيكون من تأويل الربوبية دليل محكم لا يَعْتَبِرُ بِهِ إلا مَنْ قَرَأَ قصص الماضين قراءةَ التدبر والنظر ، فليست من وقائع الأعيان طَرْدًا لدعوى التاريخانية التي تَرُومُ أَطْرَ الوحي على الماضي فلا يجاوزه إلى الحاضر والاستقبال تفكرا وتأثيرا ينزع الأسباب من يد الطغيان الذي استبد لا جرم عظمت خصومته للوحي خاصة إذ جاء يكسر قيد الاستبداد المحكم فلا يكسره إلا وحي من السماء يَنْزِلُ فهو مرجع يجاوز الأرض فأخلاق الشح والأثرة والجمع والمنع مع خَاصَّةِ جَهْلٍ وَفَقْرٍ وحاجة ، وكل أولئك مما يحيد بالحكم عن الجادة وإن تَحَرَّى مَا تَحَرَّى من العدل فتحريره لحد العدل في نفسه لا يسلم من الاستدراك إذ لا يجاوز مداركه القاصرة بما اعتراها من أوصاف سالبة كما الشح والأثرة ..... إلخ مما تقدم ذكره آنفا ، فلا تكون سلامة من ذلك إلا أن يكون الوحي هو الحاكم المجاوز من خارج إذ سَلِمَ من هذه الْعَوَارِضِ الجبلية التي لا يسلم منها خَلْقٌ محدَث ، وبه ، كما تقدم مرارا ، يستدل العاقل على الرَّبِّ الخالق ، جل وعلا ، إذ بِضِدِّهَا تَتَمَايَزُ الأشياء ، فلا يُعْلَمُ وصفُ الرب الخالق ، جل وعلا ، إلا بالنظر في وصف المخلوق الحادث ، فكان من تاريخ الأمم والملوك سَنَنٌ جار به يَعْتَبِرُ العاقل فَقَصَصُ الوحيِ تاريخٌ يُعْتَبَرُ لا وقائعُ أعيانٍ لا تَتَكَرَّرُ فلا تجاوز محلها الأول تَارِيَخانِيَّةً هي ذريعة الحداثة أَنْ تَنْقُضَ قصصَ الرسالة وكذا أحكامها ، فذلك مما يطرد في الأخبار والأحكام كافة ، فكلها في معيارِ الحداثة وقائع أعيان لا تجاوز المحل الأول فالسبب يُخَصِّصُ النَّازِلَ الرِّسَالِيَّ فلا يجاوزه ، وهو ما خالف عن المعيار الرسالي في أصول الاستدلال إذ السبب لا يُخَصِّصُ النَّازِلَ ، فلا يصنع شيئا ، كما يقول أهل الشأن ، وإنما يُبِينُ عن المسبَّب النازل ، كما الخاص مثالا لعام فهو يُبَيِّنُهُ ولا يقصره على واحد إلا إذا كان ثم دليل من خارج يُجْرِي السَّبَبَ مجرى الواقعة العينية ، فذلك الاستثناء الذي لا يُصَارُ إليه إلا بدليل ينقل إذ تلك الدعوى التي تفتقر إلى دليل ، فاستصحاب الأصل بما اطرد من قانون اللسان العربي الذي نَزَلَ به الوحي الرحماني ، استصحاب الأصل صيغَ عمومٍ تستغرق آحادها جميعا إلا أن يكون ثَمَّ دليلٌ يُخَصِّصُ فَهُوَ يُخْرِجُ أَفْرَادًا مُعَيَّنِينَ لمعنى معتبر لا تحكما يُخَصِّصُ العام بلا دليل فيخرج ما شاء من الأفراد دون آخرين ، أو يدخل في العموم ما ليس منه فَيَتَحَكَّمُ إن بالزيادة أو بالنقص ، فاستصحاب الأصل أول لا يُعْدَلُ عنه إلا بدليل يخصص ، سواء أكان العام بعده مخصوصا أم صار العام الذي يُرَادُ به خاص واقعةَ عينٍ لا تَسْتَغْرِقُ ، وتلك دعوى التاريخانية التي طردتها الحداثة في النصوص كافة ، بل قد عَمَّتْ بِهَا الوحي كله ، آيا وخبرا فقد انْقَضَى زمانه فَنُسِخَ بِمَا تَلَا مِنْ حَدَاثَةٍ تَضطَّرِبُ إذ تَأْرِزُ إِلَى أهواءٍ وأذواقٍ تَتَنَاقَضُ ، فلا يُخَصَّصُ العام بالسبب الذي عليه قَدْ نَزَلَ ، وإنما السبب يُبِينُ بَيَانَ المثال الخاص فهو يُبِينُ عن العام الذي يستغرقه وآحادا معه فلا يُقْصَرُ عَلَى المثال تحكما بلا دليل ، فإن كان ثَمَّ دليل ناقل معتبر صِيرَ إلى واقعة العين وهي ، كما تقدم ، الاستثناء الذي لا يثبت إلا بدليل إذ تلك الدعوى ولا دعوى تُقْبَلُ إذ تخالف عن أصل أول يستصحب ، لا دعوى تُقْبَلُ إلا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ ، فكان من التاريخانية ما عَظُمَ شؤمه إذ به نُسِخَتِ النصوص كافة ، فَتَحَكَّمَ صاحب الدعوى وَقَصَرَ العموم على آحاد منه لا تجاوز الجيل الأول ، كما المثال المشهور وقد تَقَدََّم في مواضع وهو يحكي التأويل المخالف لسنن العربية ، وهي ، لو تدبر الناظر ، مفتاح الاستدلال الرئيس في آي التنزيل وخبره ، فقد نَزَلَ بلسان عربي مبين ، فكان من التحكم مثالا : حَمْلُ "أل" العامة المستغرقة ذات الدلالة الموصولة عنوانَ التعليل في أحكام تُعْقَلُ ، كما "أل" في "السَّارِقُ" و "السَّارِقَةُ" في قوله تعالى : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، فإن "أل" الداخلة على الاسم المشتق ذي الدلالة المعقولة التي تَصِحُّ إناطة حكم القطع بها طَرْدًا وعكسا ، تلك "أل" الموصولة وهي نص في العموم يستغرق آحاده كافة ، فَيَسْتَغْرِقُ سببَ النُّزُولِ الأول : سارقَ رداءِ صفوان والمخزوميةَ التي كانت تجحد المتاع ، ويجاوزهما إلى كل سارق وسارقة فلا يقتصر على السبب فهو الخاص الذي يُبَيِّنُ لا الخاص الذي يقصر العام على دلالته تحكما بلا دليل يشهد لدعوى تخالف عن الأصل الأول المستصحب بما اطرد من قانون اللسان العربي ، وما كان من تخصيص لهذا العموم فهو مما أخرج بعضا بالدليل إذ فات شرط من شروط الحد ، فكانت سَرِقَةُ ما لم يَبْلُغْ نِصَابَ القطعِ أو السرقةِ من مال غير محرز أو مما لِلسَّارِقِ فِيهِ حظ وإن لم يَتَعَيَّنْ ..... إلخ ، وهو ، والشيء بالشيء يذكر ، هو مما استدل به الشافعي ، رحمه الله ، أَنَّ الكتاب لا ينسخ الخبر ، فَلَوِ اطرد القول بذلك لكانت هذه الآية ناسخةً لكلِّ رخصةٍ تمنع القطع ، فَمَنْ سَرَقَ ما دون النصاب حُدَّ إذ الآية عامة قد استغرقت كل مَنْ صَحَّ إطلاق لقب السارق في حقه ، فكان من بَيَانِ السنة ما خَصَّصَ ، فالآية لا تَنْسَخُ هذه المخصِّصات الخبرية وإنما المخصِّصات تَأْطِرُ العام على بعضِ أَفْرَادِهِ مِمَّنِ اسْتَوْفَوْا الشروطَ وَانْتَفَتْ في حقهم الموانعُ .

    فكل أولئك مما يقصر الحكم على آحاد من العموم لا نسخا للحكم أن يَبْطُلَ إذا انْقَضَى جيله وأتى تال محدَث بل الحكم عاما أو خاصا مما يُسْتَصْحَبُ فِي كلِّ جيلٍ إذا اسْتُوفِيَتِ الشروطُ وَانْتَفَتِ الموانعُ ، كما المجاعة عام الرمادة وقد أجرى عمر ، رضي الله عنه ، فِيهَا الحدَّ فلم يبطله ! ، إذ كان من الفقه أَنِ اسْتَقْرَأَ الشروط والموانع فاستبان له مانع المجاعة والاضطرار ، فلم يُنْفِذِ القطعَ وَإِنْ أَنْفَذَ الحكم فتأوله كما الشارع ، جل وعلا ، قَدْ أَمَرَ ، فلا قطع إلا بسبب وهو السرقة وتلك العلة التي اشتق منها اللقب : لقب السارق الذي استحق القطع ، ولا قطع بسبب مجرَّدٍ إلا أَنْ تُسْتَوْفَى شروطه وَتَنْتَفِيَ مَوَانِعُهُ ، وهو ما يجري في نصوص العموم كافة ، كما آي الزنى حدا آخر ، فـ : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، ولو كان ناسخا للخبر لاحتج به ، كما ذهب الشافعي ، لاحتج به من يبطل الرجم للزاني الثيب المحصن إذ قد نسخه الجلد في الآي المتواتر المحكم .


    فوجب من طرد العموم ما يبطل هذه الدعوى التاريخانية التي عمت بها البلوى في الأخبار والأحكام كافة ، وإن كانت في الأخيرة أعظم إذ بها الشرائع تُعَطَّلُ ، فيكون للحداثة منها ذريعة ، ولو شبهة تَبْطُلُ ، لا جرم كان من العبرة في آي يوسف : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ، كان منها حكاية مثال آخر هو الخاص الذي يُبِينُ عن العام المستغرق ، فَقِصَّةُ يوسف كقصة نوح وهود وصالح وشعيب وموسى وإلياس ..... إلخ ، إذ كان من الطرد والعكس ما تَوَاتَرَ فاستقر قانونا في الأمم كافة أَنَّ من آمن واتقى وصبر فلا يضيع الله ، جل وعلا ، أجره ، كما قال يوسف ، عليه السلام ، ختام الأمر ، فـ : (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ، وذلك من التوكيد القياسي بالناسخ "إِنَّ" مع ضمير شأن يزيد ، وهو حتم لازم في صناعة النحو فلا يباشر الناسخ اسم الشرط "مَنْ" إذ الأخير له من الصدارة ما امْتَنَعَ فيه العمل ، فلا يَعْمَلُ فيه مُتَقَدِّمٌ وإنما هو العامل المتقدِّم الذي يعمل فيما تلا من الفعل جَزْمًا ، وثم من الشرط ما تَرَاكَبَ : تقوى هي الأصل وصبر تال فهو من أعمال التقوى وعطفه من هذا الوجه عطف خاص على عام ، وهو ، من آخر ، عطف سبب على مسبَّب فلا تقوى بلا صبر ، فكان من الشرط ما صُدِّرَ ، وكان من الجواب ما أُكِّدَ بِنَاسِخٍ آخر "إِنَّ" فَوَجَبَ دخول الفاء الرابطة ولا تخلو من معنى السَّبَبِيَّةِ وهو رافدٌ لمعنى الشرطية إذ الجواب فَرْعٌ عن الشرط كما المسبَّب فرع عن السبب ، وتلك دلالة في العقل تَنْصَحُ ، فدخلت الفاء على الناسخ وكان منهما ، أيضا ، مجموع من لَفْظٍ يُعَلِّلُ ، وثم من الاسمية في قوله تعالى : (اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ما به المعنى يرسخ ، وهو مما أُطْنِبَ في مادته أَنْ كان الخبر جملة النفي : (لَا يُضِيعُ) ، وهي في نفسها تحكي العموم القياسي إذ تَسَلَّطَ النفي على المصدر الكامن في الفعل "يُضِيعُ" ، فلا يضيع أي تضييع وذلك في الوعد المرغِّب آكد وفي الثناء على الرب ، جل وعلا ، أصدق ، وَفِيهَا من تكرار الإسناد أَنِ اسْتَكَنَّ الضمير جوازا في عامله "يُضِيعُ" ومرجعه الاسم الأعظم : اسم الله ، جل وعلا ، وهو المبتدأ قبل دخول الناسخ ، فحصل من ذلك تكرار في الفاعلية المعنوية على حد الابتداء ، وأخرى لفظية على حد الاستتار في العامل "يُضِيعُ" ، وثم من الإظهار في موضع الإضمار ما أفاد معنى يزيد من الإحسان بعد التقوى والصبر ، فالقياس إضمارا : فإن الله لا يضيع أجره لو عاد الضمير على لفظ "مَنْ" الشرطية وهو المفرد المذكر ، أو : فإن الله لا يضيع أجرهم ، لو عاد الضمير على معنى الشرط وهو نص في العموم يستغرق ، فكان من إظهار اسم الإحسان زيادة في المعنى ، أو هو من باب التفسير إذ التقوى والصبر قسيمان بهما حصول الإحسان في الخارج ، وذلك الشرط المطرد المنعكس معيارا في الباب قد أُحْكِمَ ، ولا يخلو من دلالة الإنشاء أمرا : أَنِ اتَّقُوا وآمنوا وأحسنوا فلا يُضِيعُ الله ، جل وعلا ، أجركم ، ولا تفجروا وتجزعوا فيكون من ذلك ضياع الأجر وحصول ضَدٍّ من الإثم .

    فذلك أصل أول قد اطرد في القصص الرسالي كافة ، فمن صدق فهو ناج
    ومن كذب فهو الخاسر الهالك ، فَثَمَّ من العبرة قياس ينصح في الأخبار طردا وعكسا ، فـ : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ) ، وَثَمَّ منها آخر يَنْصَحُ في الأحكام ، وإن لم تُذْكَرْ في الآية ، فاكتفى بالمذكور دليلا على المحذوف وذلك قانون يطرد في النصوص كافة ، فتقدير الكلام من هذا الوجه : لقد كان في القصص وهي الأخبار والشرائع وهي الأحكام ، لقد كان فيها جَمِيعًا عبرة تعظم ، فكان من التنكير في مبناها ، مبنى العبرة في قوله تعالى : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ) ، كان مِنْهُ حِكَايَةُ التَّعْظِيمِ ، وهي ، كما تقدم في مواضع ، مما احتمل ضِدَّيْنِ فدلالتها الأولى نوعية مطلقة تحتمل كِلَا الوجهين ، التعظيم والتحقير ، فَافْتَقَرَتْ إلى دليل من خارج يرجح ، فكان من السياق قرينة تأويل تَنْصَحُ إذ رجحت في الجائز المحتمل وجها دون آخر ، لا تحكما وإنما نظرا في قرينة محكمة من سياق مركب يفيد بالمجموع ما لا يفيد اللفظ المفرد ، فكان من السياق الذي جَرَى عليه قلم التوكيد بما اطرد في قياس اللسان المحكم من القسم المقدر وما تلا من لَامِ ابتداء مخصوصة ، هي لام الجواب التي دلت على القسم الأول المقدر ، على تقدير : والله لقد كان في قصصهم عبرة ، مع دلالة تحقيق إذ دخلت "قد" على العامل الماضي "كان" وهي في نفسها مئنة توكيد إذ تحكي ديمومة الاتصاف فليست من العارض الذي يطرأ ، وثم من تقديم القصص في قوله تعالى : (فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ) ظرفا حقه التأخير ، ثم منه حكاية حصر وتوكيد وإن كان من قانون الصناعة نحوا ما يوجب التقديم لفظا إذ نُكِّرَ الاسم "عِبْرَةٌ" فلا يُبْدَأُ به الكلام ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، فكل أولئك مما رفد النكرة "عِبْرَةٌ" بجملِ قَرَائِنَ رَجَّحَتْ فيها دلالة التعظيم ، فهي عبرة عظيمة لمن اعتبر ، إذ بها يجاوز الناظر المورد إلى المضرب ، فالأول أصل في القياس والثاني فَرْعٌ ، وَثَمَّ من المعنى مادة اعتبار تجاوز فالناظر يعبر من المورد إلى المضرب ، كما القائس يعبر بالحكم من الأصل إلى الفرع لعلة جامعة ، فكذا الأخبار ، وهو ، كما تقدم ، القانون المطرد في النصوص كافة : الأخبار والأحكام ، وَثَمَّ من العموم في "قَصَصِهِمْ" نص آخر قد استغرق قصص يوسف عليه السلام وهي المثال الذي نصت عليه الآي ، فلا يخصص العموم ، كما تَقَدَّمَ ، بل ذلك مما اعْتُبِرَ في قصص النبوات كافة ، وهو الاعتبار المنقول نَقْلَ الاستعارة من عبور الحس إذ يجاوز من حَدٍّ إلى آخر ، كما الماشي يَعْبُرُ طريقا من ضفة إلى أخرى ، فاستعير ذلك لعبرة في العقل تَنْصَحُ إذ النظر يَعْبُرُ من ضفة المورد في المثال إلى أخرى من المضرب إن في الخبر أو في الحكم ، وهو ، كما تقدم في مواضع تكثر ، مما به استأنس من يجوز المجاز في الوحي واللسان ، ومن يمنع فهو على أصل عنده قد اطرد فإما أن يجري ذلك مجرى الحقيقة العرفية المشتهرة التي رجحت الأصل حتى هُجِرَ فصارت هي العوض منه ، أو أن المادة ابتداء مما يجرده الذهن فمادة العبور تحكي الانتقال المطلق وهو مما يصدق في الحس وفي المعنى ، فيكون من السياق تال يقيد هذا الإطلاق قَرِينَةً تُعَيِّنُ مراد المتكلم أَرَادَ العبورَ المحسوس على الأرض أم آخر في العقل قياسا يَطَّرِدُ في الأخبار والأحكام كافة ، فيعبر الناظر من الأصل إلى الفرع لمعنى جامع يطرد وينعكس ، وهو ما يجاوز المذكور إلى آخر لم يذكر إذ القانون واحد يطرد ، فحصل من العموم في اللفظ المضاف إلى الضمير في "قَصَصِهِمْ" ما جاوز المنصوص ، فلا يَقْتَصِرُ عليه نَقْضًا لِمَا تقدم من معيار التاريخانية الحداثية التي تروم قصر الدلالة على عين الواقعة الخبرية أو الحكمية دون اعتبار يجاوز بها إلى نظائر لا تَزَالُ تحدث في كل جيل ، فالواجب إلحاقها بالأصول المحكمة لا رَدُّهَا إلى الأهواء والأذواق المتشابهة ، وهو ما جاوز الأخبار إلى الأحكام ، وإن كان ثم من الاستدراك أن الاعتبار بشرائع من مضى لا يطرد في الشرعة الخاتمة على خلافٍ قد اشتهر في الأصول ، وإن كان ثم آخر من العموم يجاوز بِحِمْلَانِ الأحكام على المعنى الأعم ، أحكام الوحي المنزل وقد كان من الخاتم منه ما نَسَخَ المتقدِّم ، فكان الاعتبار في أحكامه بما حَرَّرَ أهل الشأن من الأصوليين فكان الرأي الأخص وذلك القياس وكان آخر أعم من المصلحة والاستحسان ...... إلخ ، فالاجتهاد ، كما حَرَّرَ أهل الشأن ، الاجتهاد منه عام وخاص ، وبهما جميعا الاعتبار يَنْصَحُ فَهُوَ يُبْطِلُ مَا تَقَدَّمَ من تاريخانية تُزْعَمُ ، وثم من الاختصاص ما يجري مجرى التعريض ، من وجه ، في قوله تعالى : (لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ، فلا ينتفع بهذه العبرة إلا ذو اللب ، وإن لم يكن ثم مفهوم يخالف بالنظر في العبرة الأعم وبها قيام الحجة لمن سَلِمَ له من العقل مناط تكليف وهي ما يضاهي في الدلالة : هداية البيان والإرشاد الأعم ، وإنما المفهوم يعتبر إذا حملت العبرة على وجه أخص فَهِيَ النافعة التي تُضَاهِي في الدلالة : هداية التوفيق والإلهام ، ولا يخلو السياق وهو الخبر ، لا يخلو من إنشاءٍ يَأْمُرُ أَنِ : اعْتَبِرُوا يا أولي الألباب وهو ما قد نص عليه الوحي في موضع آخر أَنِ : (اعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، فتلك مقدمة بها التقوى تحصل ، وهي المراد لِذَاتِهِ في بابه ، فـ : (اتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) ، فكان منه بَيَانُ ما أجمل من الدلالة الإنشائية التي دل عليها الخبر المؤكد بالقسم في آي يوسف المحكم : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ، وثم تال يَنْفِي احترازا ، فكان الاستئناف بِالنَّفْيِ ، فـ : (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى) ، وهو ، أيضا ، ما قَدْ عَمَّ قِيَاسًا في اللسان إذ دَخَلَ النفي على النكرة "حَدِيثًا" مع زيادة الكينونة وزيادتها المجردة كما تقدم في مواضع : زيادةُ مبنى تدل على أخرى تضاهي من المعنى مع ما ضُمِّنَتِ الكينونة الماضية بأصل الوضع إذ تحكي ديمومة الوصف ، وذلك آكد في الدلالة إِنْ إِثْبَاتًا كما صدر الآية ، فـ : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ، أو نَفْيًا ، كما في هذا الموضع ، فـ : (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى) ، ومن ثَمَّ كَاَن الاستدراك تحلية بعد التخلية ، فَنَفَى الوصف المذموم تَخْلِيَةً ثم أَرْدَفَ تحليةً بآخر يحمد ، فـ : (لَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) ، فهو المصدِّق لما تقدم من الكتب ، فـ : (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) ، وهو المهيمن المفصِّل ، فَنَزَلَ : (مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) ، فكان من تَفْصِيلِهِ ما قد عَمَّ ، وذلك ما استغرق الخبر والحكم جميعا ، إن بالنص أو بالقياس ، فَثَمَّ منطوق يَنُصُّ على أصول وثم مفهوم يقيس عليها الفروع إن في الأخبار أو في الأحكام ، وثم من الإطناب تًالٍ يحسن في سياق المدح بما يحمد ، ولا يخلو من دلالة تَعْلِيلٍ ، فذلك التصديقُ في القصص والتفصيلُ في الأخبار والأحكام ، ذلك مما تَنَزَّلً هدى قد أطلق في قوله تعالى : (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، فاستغرق ما تقدم من بَيَانٍ وإرشادٍ هو الحجة الأعم ، وتوفيق وإلهام هو الأخص فلا يجاوز من آمن فكان من الإطناب رحمةً قد اختصوا بها ، فلا تخلو من استحقاق لا إيجابا على الله ، جل وعلا ، وإنما تلك رحمة وإثابة قد كَتَبَهَا على نفسه ، فكان من اللام اختصاص واستحقاق على الوجه آنف الذكر ، ولا يخلو من إطناب بالموطِئِّ "قَوْمٍ" فَقَدْ مَهَّدَ لِمَا تَلَا من وصف الإيمان في قوله تعالى : (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) مضارعة بها استحضار المعنى من وجه ، ولا تخلو من ديمومة فِي الدلالة فهي تكليف قد استغرق ما تَلَا من أجزاء الزمان كافة ، وثم من إطلاقِه ما استغرق أجزاء الحقيقة الإيمانية في الخارج : اعتقادا وقولا وعملا .
    وهي أيضا ، رحمة التصديق والامتثال تأولا لهدى التوفيق والإلهام ، وإن كان ثم من الرحمة ما قد عَمَّ ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، فتلك رحمة البيان والإرشاد مع وعد يصدق ألا يكون ثَمَّ عذاب عام يَنْزِلُ ، فـ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ، وتلك ظرفية تجاوز صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الوحي الذي بَلَغَّ وَبَيَّنَ ، فلم تَزَلِ الأرض تَسْلَمُ ، كما يقول بعض من حقق ، ما كان للنبوة ذكر يُؤْثَرُ فتلك رحمة عامة تستغرق المخالف والموافق كافة .

    والشاهد أَنَّ من الاعتبار الأخص في طبائع الأمم وأخلاق الجمع : أن منه سنن استبداد في الأرض وهو ما يُفْسِدُ رصدا واستقراء وتحليلا في كل جيل فإن المؤثر السالب من الاستبداد والقهر لا يَنْفَكُّ يُفْضِي إلى شعور بالضيم والعجز وهو ما يُفْسِدُ الأخلاق والطبائع ، فيكون من الانفعال سالب ، وبه فساد أعظم لِلْأَمْزِجَةِ يُفْضِي ، كما يقول أهل الشأن ، إلى أنماط من البشر يَسْهُلُ خضوعها لِبَاطِلٍ يطغى ، فكان من المؤثر الموجِب بما تَنَزَّلَ من الوحي ، كان منه المدافع المناجز الذي يُبْطِلُ خاصة الأول فيسلم منه الفرد والجمع ، ويكون من صلاح الحال والمآل غاية تحمد لدى كل من يعقل وإن رَغِمَ أنفُ الاستبداد ، فاطرد المعيار وانعكس قصصا لم يُتْلَ في الوحي سمرا ، وإنما عبرة بها القياس يطرد وينعكس ، فذلك معيار الكتاب الرسالي الذي كفى العقل مؤنة النظر في أصول عنها يصدر بما كان من مرجع من خارج يجاوز ، خلاف ما كان من درس التاريخ في المركز إذ كان ثم نقض لكتابٍ قَدْ بُدِّلَ وَحُرِّفَ ، فَنَشَأَ نقد المرويات التاريخية على أَنْقَاضِ النصوصِ الدينية ، وكانت الخصومة المستحكمة بين الكهنوت المبدل والعقل الراغب في التحرر ، فلم يكن من الكتاب مرجع يجاوز من خارج يكفي العقل مؤنة التفتيش في أصل جديد به يَتَأَوَّلُ الوقائع على سنن محكم يطرد ، فلم يكن منه أصل أول عنه يَصْدُرُ العقل الجامع في تحليل الوقائع ، فَنَظَرَ العقل أولا بلا معيار حاكم فهو يبدأ من مرجع ذاتي لا يجاوز ، وذلك مما اطرد في أحكامه كافة ، قانونا وآدابا واجتماعا ، فلم يكن نَقْضُ الكتاب المبدل نقضا لمرجع تشريعي وحسب آخر لمرجع في التصور العام لهذا الكون وما كان من مبدإ ومآل .... إلخ ، مع ثالث في الهوية والسياسة والحرب والاقتصاد وقوانين الاجتماع والأخلاق والآداب والفنون ..... إلخ رِدَّةً عن كهنوت مُبَدَّلٍ قد صادر العقل باسم مقدس إلى إنسانية قد صارت هي الوثن الجديد الذي يُقَدَّسُ فكان الغلو في الحقيقة الإنسانية ثأرا من الهيئة الكهنوتية ! ، وَكَانَ نَظَرُ العقل الحداثي في المركز بلا أصول تَحْكُمُ ، فكان منه الجمع والتحليل والاستنباط فهو ساع في وضع نظرية جديدة بها يفسر الأشياء ويحكم على الأقوال والأفعال بمعايير تحسين وتقبيح لا ترجع بداهة إلى دين الكهنوت المنسوخ بدين الإنسانية المعقول ، وكان منه نظر لا يخلو من حق لا سيما في التجريبيات التي تدرك بالحس فأصاب في جملة وافرة ولكنه أخطأ في أخرى وأعظمها ما كان من أصل أول قد انْتَحَلَهُ فَأَنْكَرَ المرجع المجاوز من خارج في مسائل لا تُنَالُ إلا من مشكاة الوحي الذي أعرض عنه إعراض كلٍّ وجزءٍ فَخَاصَمَ الجنس كله دون نظر يحقق فَيُحْسِنُ يميز المحفوظ من المبدل مع ما تقدم في موضع من خصومة قد استحكمت مع الأمة الخاتمة فذلك مما ركز في وجدانه المتراكم من لدن بعث الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدين محكم قد نسخ الأديان كافة ومنها دين الكنيسة التي جَيَّشَتِ الجموع ضده باسمها ثم كان من الحداثة آخر لم ينس ما كان أولا من ملاحم وإن خاضها في العصر الوسيط تحت راية الدين الذي انْقَلَبَ عليه بَعْدًا ، فَلَمْ يَنْسَ ما كان من خصومة مع دين الرسالة الخاتمة ولم يرزق من الإنصاف ما به يتجرد في طلب الحق ولو عند خصم يُنَاجِزُ ، فكان من ذلك مجموع مركب به نَقَضَ دينه المبدَّل ثم رَامَ أَنْ يَعُمَّ بهذا النَّقْدِ الأديان والحضارات كافة ، فكان من الوحي ولا زال حائل دون ذلك بما حُفِظَ من مادته لفظا ومعنى وإن ضَيَّعَ مَنْ ضَيَّعَ من أتباعه فلا تخلو الأرض من قائم بحجته الخاتمة إذ لا نبوة بعدها .

    والله أعلى وأعلم .


  4. #44
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:30 PM

    المشاركات
    5,169
    العمر
    44

    والشاهد أن الحداثة في تعاطيها مع التاريخ تصيره تاريخانية ، وبينهما من الفارق ما لا يستبين ، بادي الرأي ، إذ جذر الاشتقاق واحد ، ولكنه لا يحول دون قدر فارق يميز ، فَثَمَّ الاشتراك في الأصل الدلالي المجرد في الذهن الذي يدل على ماض من الحدث قد تناقله الجمع مشافهة أو خَطًّا ، وثم الاختلاف بالنظر في المعنى الأخص إذ ثم قدر فارق في ميزان الاشتقاق ، فالتاريخ حكاية تمتد بها الاعتبار آنف الذكر ، فكان منه الأمر في الآي المحكم أن : (اعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، وهو ما أنيط بالبصر ، وذلك مما يجري ، من وجه ، مجرى السبب الذي يُرَادُ به المسبَّب أو الوسيلة الظاهرة التي يُتَوَسَّلُ بِهَا إلى المقصد الباطن ، وهو بصيرة الجنان إذ يعتبر بما بلغه من مدارك الحس ، وهو مما يجاوز المبصر ، فذكره ، من هذا الوجه ، يجري مجرى المثال لعام يجاوز فهو يستغرق المدارك كافة ، فخص بالذكر إذ هو الأقوى ، فإن العين تدرك من ماهية الشيء ما لا تدركه الأذن ، لا جرم كان من المعاينة ما يرجح الخبر ، كما في الأثر ، فإن الكليم ، عليه السلام ، قد علم ما صنع قومه بعدَه إذ عبدوا العجل فغضب ولم يلق الألواح ، فلما عاين ما صنعوا بعد الرجوع ألقى الألواح وأخذ بِرَأْسِ أخيه يجره ، فكان من البصر ما جاوز السمع ، لا جرم كان من شاهد تقدم في مواضع وبه الاعتبار في باب الرواية إذ احتمل من الجيل الأول الذي حضر وأبصر ، احْتُمِلَ من رِوَايَتِهِ بالمعنى ما لم يحتمل من غيرِهم إذ كان من عقل المعنى حال الشهادة ما لا يكون حال السمع ، ولو كان السامع من أهل اللسان الْخُلَّصِ فهو يدرك ما دق من المعاني بما استقر من دلالات المعجم جوامد ومشتقات ، وما لها من دلالات في الإسناد والتعليل ..... إلخ ، فلا يعدل وإن بَلَغَ في ذلك غايةً تعظم ، لا يبلغ ما بَلَغَ الجيل الأول الذي شهد التنزيل فَنَزَلَ بين ظَهْرَانِيهِ نجوما تَتَابَعَتْ ، فعلموا فيم نَزَلَ وحملوه على الوجه الذي أراده المرسِل ، جل وعلا ، والمرسَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ووضعوه مواضعه التي تَنْصَحُ فلا تَكَلُّفَ ولا تَعَسُّفَ بحملانه على معنى بعيد مهجور أو آخ باطن غير معقول ، فذلك مما فَشَا بعدا في جيل قد باعد من الوحي ، فلم يكن له من العلم بالتأويل ما يعصم ، وإن علم من التنزيل ما يقرأ ، فلم يكن منه إلا تلاوة أماني إذ لم يعتبر ، لا جرم كان من حِجَاجِ الحبر السؤول ذي القلب العقول ، ابن عباس ، رضي الله عنهما ، كان من حِجَاجِهِ الخوارجَ أَنْ قد جاءهم من عند أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفيهم نَزَلَ الكتاب فَهُمْ أعلم بِتَأْوِيلِهِ منكم ، فكان من شهود التنزيل قرينة تُعْتَبَرُ في باب الرواية بالمعنى حتى قَصَرَ بعضُ من حَقَّقَ ، قَصَرَ الرواية بالمعنى على من شهد التنزيل لا من تَلَا ، إذ البصر قرينة ترجح السمع ، وإن كان من السمع في أحيان ما يرجح ، فكان من عشق الأذن في مواضع ما يسبق ، فكان من تقديم البصر في الجملة ، أن كان من المبصِر زيادة علم فروايته ترجح من ينقل بالواسطة ، وإسناده أعلى قد قلت فيه الوسائط فَقَلَّ الخطأُ ، بل لا واسطة في روايته فمنه إلى الواقعة التي يَنْقِلُ ، وإن كان ثم قدر يزيد من الفقه ، فقه ما أدرك ونقل ، فحصول الصورة في العين ، وإن أجزأ في علم أول بظاهر يَتَبَادَرُ ، فلا ينفك يطلب من الفقه ما بِهِ استنباط يدق ، فكان الاعتبار الأخص ، وشرطه ، بداهة ، ألا يَنْقُضَ الأصل ، فلا يجتهد الناظر في استنباط علةٍ لفرع تأتي بالإبطال على الأصل ، فذلك مما لا يستقيم في صريح النظر ، فثم الاعتبار الأول : اعتبار الإدراك بصر أو سمعا أو ما دونهما من مدارك الحس المعتبرة في درك الوقائع ، وثم تال في الجنان بما استقر من العلوم الضرورية مقدماتٍ يتوسل بصريح النظر فيها إلى نتائج نظرية تُفْهِمَ معنى تال يجاوز الإدراك المجرد ، فمثله كمثل لفظ مفرد فَلَهَ معنى مجرد يدركه الناظر بما استقر لديه من معجم الدلالات المفرد ، فَإِذَا كَانَ ثَمَّ نَظَرٌ يدق في قَرِينَةِ السياق المركب ، فالناظر يستفيد معنى تال إذ يعتبر من اللفظ حال اجتماعه ما لا يعتبر حال انفراده ، فكذا البصر إذ يعتبر ، فثم أول يفيد من الإدراك ما بسط ، ثم يكون تال يَتَرَاكَبُ بما يكون من نظر في العقل ينظم المقدمات الضرورية في سلك اعتبار نَظَرِيٍّ يفيد من المعاني ثان بعد الأول ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا أن يثبت الأول فهو الأصل ، وإلا فما يَنْتَفِعُ بفرع لا أصل له ؟! .
    فكان من ذكر البصر ما تَقَدَّمَ إذ هو الأصل في المدارك ، وذلك الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فلا يخصصه ، كما يقول أهل الشأن ، بل يبين عن ماهيته وهو المعنى المدرك بالحس الظاهر وذلك أول في أي استدلال إن في تشريع أو في تجريب ، ومن ثم يكون استدلال أخص وهو مناط الانتفاع بما يبلغ من الذكر ، فتلك المقدمات التي يعالجها الجنان بما رُكِزَ فيه من قوة نظر أخص بها تَرْتِيبُ المقدمات الضرورية لِتُفْضِي إلى نتائج نظرية بها علم يزيد ، وهو مراد لذاته ، من وجه ، إذ به تصحيح التصور .

    وهو ، أي عامل الاعتبار "اعْتَبِرُوا" ، مَا أُطْلِقَ في هذا السياق وإن دل على عهد خاص يقصر ، وهو ما تقدم في السِّبَاقِ من قصص بني النضير إذ هموا بالخيانة أن تَوَاطَئُوا على قَتْلِ صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكان إعلام الوحي ، وهو الخبر المعجِز غَيْبًا قد أطلع الله ، جل وعلا ، عليه نَبِيَّهُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا يكون ذلك إلا إعلاما بِوَحْيٍ قد اخْتَصَّ به الله ، جل وعلا ، مَنْ شَاءَ مِنْ رُسُلِهِ ، عليهم السلام ، وليس ذلك مما يطرد بل هو الضرورة التي تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، فالأصل ألا يَعْلَمَ الغيبَ أحدٌ إلا الله ، جل وعلا ، فذلك مما يستصحب حتى يكون دليل ناقل في مواضع يُطْلِعُ الله ، جل وعلا ، فيها مَنْ شَاءَ مِنْ رُسُلِهِ عَلَى مَا شَاءَ من الغيب ، لا أن هذا الْمُطْلَعَ يَعْلَمُ الغيب ابتداء بخاصة فيه ، فذلك مما لا يكون لمخلوق خلافا لمن غلا في هذا الباب ، فكان من الغلو في الرسل عليهم السلام أنهم يعلمون الغيب ولهم تصرف في الكون ، وهو ما عمت جنايته بَعْدًا فكان الغلو في المشايخ وأرباب الولاية ، صَدَقَتْ أو دَعْوَى تَبْطُلُ ، وهو ما لأجله اتُّخِذَ العملُ ذريعة أَنْ يُخَلَّى المحل فَيَقْبَلَ الأحوالَ ويرسخَ في المقاماتِ ، وكان من الكلام ما احتمل ، وإن ساغ حملانه على وجه مَرْضِيٍّ يُحْمَدُ ، كما أُثِرَ عن الكلاباذي إذ يحكي علومَ القوم ، والأصل في العلم أن يكون المسند فَلَهُ من الدليل ما يشهد ، فكان من وصفه علوم القوم أنها : "علوم الأحوال ، والأحوال مواريث الأعمال ، ولا يرث الحال إلا من صحح الأعمال" ، فإطلاق القول أنها علوم الأحوال مما قد يُوهِمُ أَنَّ تحقيق المسائل نسبة واستدلالا وفقها واستنباطا ، كل أولئك مفضول لا فاضل ، بل قد يكون المرذول فهو طريق المحجوب بظواهر الشرائع عن بواطن الحقائق ، وهو ، أي طلب الظاهر ، مما يستلزم أدوات من العلم تُكْتَسَبُ فلا تُوهَبُ أَحْوَالًا وَكُشُوفًا ، كما قال القوم في علومهم أنها وهب لا كسب بما يكون من الرواية والفقه ، حتى عُدَّ ذلك في طَرِيقَةِ بعضِهم مَثْلَبَةً ، فصاحبه لا زال مُرِيدًا مُقَلِّدًا ، فهو محجوب بظاهرِ ما يجمع من العلم عن باطن ما يَطْلُبُ من الحق فلا يُنَالُ إلا بالذكر والخلوة ومعالجة الرياضة الغالية حتى تصفو النفس من الأكدار وَتَتَخَفَّفَ من أعباء الجسد فتصير محلًّا لفتوحات لَدُنِّيَّةٍ هي الإلهامات التي تضاهي النبوات ، وإن لم يَقُلْ كلٌّ بكسب النبوة فَمَازَ الإلهام وإن اختصه بدرجة تزيد فهو يفضل طلب الظاهر من النصوص روايةً واستنباطًا ، فما يحصله الطالب في سنوات يحصله الولي كشفَ لحظةٍ ، مع تحقيق النسبة فهي من مرجع العلم العلوي إلى قلبه مباشرة بلا واسطة ، فإسناده قد عَلَا بَلْ قَدْ جَاوَزَ ، ولو لازمَ قولٍ ، قد جاوز إسنادَ الوحي فَثَمَّ واسطة الملَك إلى النبي ومنه إلى الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وهم أولى حلقات الإسناد ومنهم إلى مَنْ تحمل بَعْدًا حتى بَلَغَ الطالِبَ ، خلاف الإلهام فهو من الرَبِّ إلى القلبِ دفعةً ، وإن كان منه ما يصح فَلَمَّةُ مَلَكٍ تَعِدُ بالخير وَتَأْمُرُ بالحق ، وصاحبها ، مع ذلك ، لا يجزم بالصحة فليس يدعي العصمة كما وحي النبوة ، وهو ما أَفْضَى فَتْحًا لذرائعَ تطلب الحقائق من طرقٍ تُغَايِرُ عن الجادة الرسالية ، ما أَفْضَى تَالِيًا إلى القول باكتساب النبوة إذ تحصل بما تَقَدَّمَ مِنَ الرياضة والخلوة ، فكلٌّ نَبِيٌّ ، ولو بالقوة ، فلا يَصِيرُ نَبِيًّا بالفعل إلا مِنْ تَأَوَّلَ القوة المركوزة في النفس بما يباشر من رياضة وزهد بها المحل ، كما تقدم ، يَنْصَحُ ، فيكون أهلا لوحي يَنْزِلُ ، مع ما زادت الحكمة الأولى أَنْ جَعَلَتِ العقلَ هو المصدر فالوحي ذَاتِيٌّ لا من خارج يَتَنَزَّلُ ، فإذا صَدَرَ مِنَ العقل ظَهَرَ فِي الحسِّ خيالاتٍ تُكَلِّمُ صاحبَها بما كان أولا في عقله ، فذلك الوحي من داخل ، وكلُّ أولئك مما يقال لازم قول ، فليس كلٌّ قد قال ذلك ، وإن أفضت الحال بِبَعْضٍ قد اشْتُهِرَ أَنِ الْتَزَمَ هذه اللَّوَازِمَ الفاسدة أو احتال فلم يَدَّعِ النبوةَ وإنما اقترح من الولاية ما يَرْجُحُهَا ، فَجَاوَزَهَا وإن لم يَدَّعِهَا ، فالادعاء ، من هذا الوجه ، أهون ! ، فهو ادعاء ما يضاهي لا ما يَرْجُحُ ، فكان من سد الذرائع أَنْ تُحْسَمَ هَذِهِ المادة وإن كان ثم تخريج لهذه المقالات المشكلة على معانٍ تُقْبَلُ ، فإن الأحوال الناصحة من التقوى والورع هي مواريث الأعمال ، لا أنها غايات بها بلوغ اليقين وسقوط التكليف ! ، والحال الناصحة لا يَرِثُهَا إِلَّا مَنْ صَحَّحَ الأعمال فَسَلَكَ بِهَا الجادة المشروعة ، وذلك مما يفتح ذرائع العلم النافع بما يكون من زَكَاءٍ يَرْفِدُ الذكاء ، فصاحبه يجتهد في الطلب ويكون له من فقه المسائل ما يَلْطُفُ ، كما الشافعي مثالا وهو آية في الاستنباط بما رُزِقَ من العقل الناصح ، فكان من وصاية مالك ، رحمه الله ، أَلَّا يُفْسِدَ ذلك بمعاصٍ يَعْظُمُ شُؤْمُهَا فِي الطلب ، فلا ينصح إلا بالطاعة والعمل الصالح إذ يَزِيدُ في عقلِ صاحبه فَيَفْقَهُ مِنَ الدقائق ما لا يَفْقَهُ غيرُه ، بل يكون من بَرَكَةِ الطاعة ما يَرْفَعُ أَقْوَامًا ، فَيُفْتَحُ لهم من العلوم والمعارف ما لا يخالف عن الظاهر ، وذلك قيد يميز المعارف الرحمانية من أخرى شيطانية ، فالأحوال لا تحمد ولا تُذَمُّ لذاتها ، بل هي مما احتمل ، فلا تَنْفَكُّ تطلب المرجِّحَ من خارجها ، فَوَجَبَ النظر في أصحابها أهم على الجادة : ظاهر الشريعة المنزلة الذي سلكه الأنبياء ، عليهم السلام ، وَمَنْ تَبَعَ حَتَّى كان الموت يَقِينًا ، فالتكليف لا ينقطع إلا بالموت ، وإن لم ينقطع الأجر بما يكون من صَدَقَةٍ تجري أو علم يَنْفَعُ أو دعاء يُقْبَلُ .... إلخ ، فكان من حال أولئك ما يحمد إِذِ الْتَزَمُوا الشريعة بَاطِنًا وَظَاهِرًا ، لا الباطن الفلسفي تأويلا يخرج بالظواهر عن دلالاتِها الأصلية بل ويقترح لها ما تَقَدَّمَ في مواضع من تاريخانية قد نسختها لغة الجيل المحدَث ، فَثَمَّ أنماط لسان جديدة لا إسناد لها يَتَّصِلُ بِمَا كَانَ قَبْلًا ، بَتًّا لِسِيَاقٍ قَدِ اتَّصَلَ ، وهو ما لا يُعْقَلُ ، وَلَوِ اقْتَصَرَ الناظر على النمط الحاضر فإنه لا ينفك يحكي مجموعا قد تَرَاكَمَ ، ولو لحنا في اللفظ المحدَث كيف آل إلى هذا النطق المحرَّف مع ما يكون في أحيان من انْحِرَافٍ دِلَالِيٍّ ولو بَقِيَ اللفظ على المعنى الأول ، فهو جنس عام تدخل تحته آحاد لا تَنْفَكُّ تمتاز ، ولو دَقَّ الفارقُ ، فيكون من الانحراف المتراكم في الدلالة ما يخرج عن الأصل الأول الذي استقر في معجم الألفاظ المطلق وما كان من عهد خاص في تَرَاكِيبَ بَيَانِيَّةٍ تحكي ما اصْطُلِحَ ، كما تقدم في مواضعَ ، أَنَّهُ الانْزِيَاحُ الدلالي الذي يضاهي الكنايات والاستعارات ... إلخ مما يخرج عن الظاهر المتبادر ، أو هو ، لو تدبر الناظر ، تقييد لهذا الظاهر بوجه من الوجوه التي يدل عليها ، فليس الخروج المطلق ، مع قرينة تُؤَيِّدُ فليس ذلك التحكم المحض كما التأويل الباطني الذي أَضَرَّ بالنقل والعقل كَافَّةً إذ قد خَالَفَ عَنْ كِلَيْهِمَا مخالفةً تَفْحُشُ لَزِمَ منها تعطيل الكلام جَمِيعًا ، لا الكلام المنزَّل كما ابتغى المتأَوِّلُ الصائل على الوحي ، فَطَرْدُ نَظَرِيَّتِهِ في التأويل استنادا إلى التاريخانية آنفة الذكر إذ ثم ناسخ ومنسوخ ، وَإِنْ أُحْكِمَ اللفظُ المنطوقُ ، فَقَدْ أُحْكِمَ صوتُه المجرد قَالبًا قد أُفْرِغَ من المعنى ، فلا دلالة له تَنْصَحُ ، وإنما هو الوعاء الصوتي الذي يَمْلَؤُهُ كلٌّ بما يواطئ هواه وذوقه ، أَصَابَ الحقَّ أو لم يُصِبْ ، فَلَيْسَ ثَمَّ معيار من خارج يجاوز ، بل التأويل الباطني ذَاتِيُّ المرجعِ فلا يجاوز عقول الآحاد ، ولكلٍّ أَنْ يَقْتَرِحَ مِنَ الغاية ما يُوَاطِئُهُ إذ لا غَايَةَ واحدة تُطْلَبُ ، بل ذلك من التحكم وتحجير الواسع في غايات يختارها كُلٌّ بِمَا حصل له من هوى أو ذوق ! ، وتلك الْعَبَثِيَّةُ الَّتِي ازدهرت إذ غُيِّبَ الوحيُ الناصحُ ، فَرُدَّ كُلٌّ إلى عقل فاسد ، لا أنه فاسد في أصله ، وإنما فَسَدَ أَنْ حُرِمَ مَادَّةَ الصلاحِ التي تحفظ ، فلا يُزَكِّي العقل في قياسه إلا وحيٌ مُحْكَمٌ قد حُفِظَ لَفْظًا ومعنى بما استقر من قانون لِسَانِهِ الذي عليه قد نَزَلَ : فَثَمَّ إسناد دلالي قد اتصل بما حُفِظَ من نَحْوِ العربيةِ وبيانِها ، فَحِفْظُهُ ، لَوْ تَدَبَّرَ الناظرُ ، من حفظ الذكر أَلَّا يَؤُولَ إِلَى أصوات لا دلالة لها تجاوز الأماني المتلوة ، وهو ما استوجب استصحاب التاريخ المدوَّن ، ومنه تاريخ الألفاظ بما نُقِلَ عن العرب زمنَ الاحتجاج ، وتاريخ الدلالات المفردة والمركبة وما استعملت العرب في كلامها من ظواهر بها انْزَاحَتِ الدلالة في سياقات معهودة لا تَحَكُّمًا في إحداث دلالات لا أصل لها في لسان يُؤْثَرُ ، وإنما ذلك عرف اللِّسَانِ المتداول ، فكان منه ما اشتهر حَتَّى هُجِرَ الأصلُ أو بَعُدَ ، لا تحكما في الترجيح ، وإنما المشهور يَرْجُحُ المهمَل بما نُقِلَ عن أهلِ اللسان الْخُلَّصِ ، فَهُمُ المعيار بما جُمِعَ مِنْ نَظْمِهِم وَنَثْرِهم ، فَقَدْ نَزَلَ الوحي على لسانهم ، فكان أَبْلَغَ فِي التَّحَدِّي إعجازا إذ لم يخالف عن العرف اللساني المستعمل ، وقد عجزوا مع ذلك أن يأتوا بمثله ، لا جرم كان القدح في هذا الإرث اللساني ، وَإِنْ ظَهَرَ ، بادي الرأي ، أنه بحث أدبي فلا يَنْفَكُّ يحمل آخر يقدح في الوحي المنزل ، وَإِنْ لَطُفَ وَتَلَطَّفَ ! ، فهو من الخبث الذي يدق فلا يَرَاهُ الناظر إلا أن يكون الناقد ، إذ يُلْزِمُ صاحبُه بِلَوَازِمَ تَفْضَحُ ما ستر من الغرض الفاحش ، فإن القول إن هذا الإرث المنظوم والمنثور منحول مختلق ، ذلك مما يجرد الوحي من مادة تفسيرية ناصحة هي الأصل في بيانه إذ نَزَلَ على عُرْفِهَا المتداول ، ولا يُعْلَمُ إلا بِمَا جُمِعَ مِنْ كلام العرب المحتَجِّ بلسانِهم ، وهو ، من آخر ، مما يُبْطِلُ إعجازَ التَّنْزِيلِ إذ لا يكون إِلَّا أن يَنْزِلَ بما استقر من لسانهم الذي حُفِظَ بأشعارِهم وَخُطَبِهم وأمثالِهم ..... إلخ من أجناسهم الأدبية المتداولة التي حَفِظَتْهَا الصدور ، وكان مِنْ نَقْلِهَا ما حُقِّقَ ، إِسْنَادًا وَإِنْ دونَ الإسناد الديني آيًا وَخَبَرًا ، فلا يخلو من معيارِ نَقْدٍ يميز الصحيح من المصنوع المختَلَقِ ، فإذا لم يكن للعرب كلامٌ تَقَدَّمَ الوحيَ ، فجاء الوحيُ على قانونه معجِزًا لهم مع حصول الدَّافِعِ أَنْ يُعَارِضُوهُ ، وَانْتِفَاءِ المانع والصارف ، خلافا لمن قال بالصرفة ، فلم يصرفوا بل قد اجتهدوا في عَيْبِهِ فَمَا استطاعوا ، فـ : (قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، فإذ اكتتبها وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب ، أفلا اكْتَتَبَهَا منهم من هو أعلم بالقراءة وَالْكَتْبِ ، ولم يُعْلَمْ مِنْ حَالِهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَنَّهُ قَدْ جَلَسَ إِلَى مُعَلِّمٍ ، وقد جاء بها عربية تُفْصِحُ وهم أهل الصناعة فَقَدِ اتخذوا اللسان حرفة يُتَكَسَّبُ بها المعاش ، فما منعهم أَنْ يَأْتُوا بمثله وقد تحداهم الوحي في مقام الإعجاز ؟ ، وذلك ، كما يقول بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ ، ذلك أَوْلَى مما كان مِنْ حَرْبٍ سُفِكَتْ فيها دماء سادَتهم وقد كان يُغْنِي عن ذلك أَنْ يَأْتِيَ معارِضُهم الفصيح بما يَنْقُضُ إعجازَ التَّنْزِيلِ فَيُحَاكِيَهُ وَيُبْطِلَ دَعْوَاهُ أنه المعجِز ! .
    فَإِذَا لم يكن لِلْعَرَبِ هذا الإرث من النَّظْمِ وَالنَّثْرِ بل كُلُّهُ مِمَّا اخْتُلِقَ بَعْدًا ، فما وجه الإعجاز الذي يستبين إذا لم يكن ثم كلام محفوظ يحكي عُرْفَ اللِّسَانِ الذي نَزَلَ به الوحي ، وإلا فَمَنْ تَحَدَّى الكتابُ المنزَّلُ ولم يكن للقوم كلام يُؤْثَرُ أَفَتُرَاهُ تَحَدَّى بُكْمًا لا يحسنون الكلام ؟ ، ثم كان من ملكة اللسان دفعةً ! ما به نُطْقُ هَذَا النَّظْمِ وَالنَّثْرِ المحكم لِيُقَالَ إِنَّ الوحي له قد أعجز ، مع المخالفة الصريحة لما قد بَلَغَ حَدَّ التواتر من نسبة أمهات النظم والنثر إلى أصحابها من الجاهليين فليس إلا التشكيك والتجويز العقلي عمدةً مع التحكم في الاستدلال وَتَتَبُّعِ الشبهات طعنا في المحكمات المتواترات في الباب ، وتلك طريقة تَطَّرِدُ في كلِّ شبهةٍ تَقْدَحُ في محكَمٍ ، فلا تخلو من تحكم في الاستدلال والاستقراء يُصَيِّرُ صاحبَه كالذباب الذي لا يحسن يسقط إلا عَلَى كلِّ خَبِيثٍ يقذر ، وليس إلا التجويز العقلي الذي يُرَجِّحُ صاحبه بلا مُرَجِّحٍ ، ولو فُتِحَ بابُ الشكِّ لَشَكَّ الإنسان في وجوده أهو هو أم غير وهو لا يدري ؟! ، وتلك مادة سفسطة وإن زعم صاحبها التحقيق ، مع ما يكون في أحيان من شك معتَبَرٍ لا تشكيكٍ فقد يعرض للناظر شبهة لا يحسن يجيب عنها ، بادي الرأي ، فَيَجْتَهِدُ فِي طَلَبِ ما يدفعها من العلم أو يَسْأَلُ من نَصَحَ من أهل الذكر ، فهو شَاكٌّ قد ابْتُلِي لا مُتَشَكِّكٌ يطلب البلاء تَكَلُّفًا فَلَا يُقَلِّدُ تقليد العامة بل هو من الخاصة الذين يَشُكُّونَ قَصْدًا ثم يَتَيَقَّنُونَ ! ، وإن كان منهم كثير قد ضل ضلالا بعيدا فَلَمْ يَهْتَدِ بَعْدَ أَنْ تَقَصَّدَ الضلالَ ! أو هو ، ابتداء ، ضال مغرِض وإن تظاهر أنه طالب للحق قد تجرد في النظر والبحث .

    فكان من دعوى الانتحال ما يجرد الوحي من مادة لسانية معتبرة هي عنوان التفسير ، من وجه ، والإعجاز من آخر ، أَنْ وُهِبَ أولئك مَلَكَةَ لسانٍ بها قالوا هذا الكلام الفصيحَ في ألفاظِه ، البليغِ في تراكيبِه وأنساقِه ، ومع ذلك عجزوا أن يضاهوا الوحي الذي لم يخرج عن قانونهم في النطق فقد جاء بما لا قِبَلَ لهم به ، وإن بِلِسَانِهِم ، وهي ، لو تدبر الناظر ، دعوى تعضد التاريخانية آنفة الذكر ، فكل يَرُومُ تجريد الوحي من هذه المادة اللسانية المحكمة التي بها يُفَسَّرُ الكلام ، فلا يُفَسَّرُ بِعُرْفٍ حَادِثٍ بَعْدَهُ ، وَإِنَّمَا يُفَسَّرُ بِمَا اسْتَقَرَّ من عرفِه المشهور المتداول ، إن بالنظر في دلالاته المعجمية المفردة التي تجرد الأجناس المعنوية ، أو بآخر هو ، لو تدبر الناظر ، معيار الكلام المجزئ في حصول الإفهام ، أن يكون ثم من السياق المركب ما يَنْظِمُ المفردات في سِلْكِهِ بِمَا يُوَاطِئُ قانون النحو نَظْمًا وَنَثْرًا ، وهو ما يزيد في الدلالة المعجمية المطلقة أو الظاهر البسيط ، فلا يجزئ في حصول معنى يحسن الوقوف عليه ، بل ثم من الظاهر آخر مركب وهو المعتبر في الكلام المفهِم بما استقر من عرف اللسان ، وتلك ، كما تقدم ، في مواضع ، حقيقة العرف الأخص التي تَقْضِي في حقيقة اللغة الأعم ، وَلَوِ اصْطُلِحَ بَعْدًا أَنَّهَا مجازٌ وشرطُه أن يخالف عن الظاهر المتبادر ولا تَسْلَمُ له هذه الدعوى إلا بقرينة معتبرة ولو قرينةَ الاستعمال والتَّدَاوُلِ الذي ينقل اللفظ من معنى إلى آخر حتى يُهْمَلَ الأول وَيُهْجَرَ ، فكان من ذلك المجاز المشتهر الذي غَلَبَ في الاستعمال حَتَّى هُجِرَتِ الحقائق اللسانية المفردة ، فلا يعلمها إلا آحاد ممن لهم عناية بالمعاجم وغريب اللسان ومهجوره ولهجات القبائل ...... إلخ ، فَثَمَّ من المجاز المشتهر ما وجب تقديمه على الحقيقة اللغوية المطلقة ، فهو يَقْضِي فيها قَضَاءَ المقيِّد في المحكم ، وهو مما اصطلح بَعْدًا أنه حقيقة لا مجاز ، فتلك الحقيقة في عرف الاستعمال المشهور الذي صار هو الأصل إذ هُجِرَ الأصل الأول ، فكان من ذلك دعوى قد قام عليها الدليل من العرف المستقِرِّ في النَّظْمِ وَالنَّثْرِ فَلَهُ من الأدلة المحتج بها أَبْيَاتًا منظومةً وَجُمَلًا منثورةً ، فكان من الدعوى خروج عن الأصل المعجمي المطلق ، أو الظاهر البسيط ، وكان من الدليل نَظْمٌ وَنَثْرٌ محفوظ ، فَلَوْ بطلت نسبته لبطل الدليل ولصار الانْزِيَاحُ الدلالي في النظم والنثر المحتج به كَنَظِيرِهِ الحداثي الذي يَقْتَرِحُ ما يواطئ الهوى والذوق ولكنه لا يملك دليلا على ما يزعم ، فلا دليل كدليل عُمَرَ ، رضي الله عنه ، إذ طلب الشاهد من كلام العرب في تأويل التخوف في قوله تعالى : (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) ، فكان من آحاد الناس وهم في اللسان حجة ، كان منهم من فَسَّرَ التخوف أنه التَّنَقُّصُ فذلك لسانه الهذلي ، فأقام عَلَى ذلك دليلا من نَظْمٍ يُؤْثَرُ :
    تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدًا ***** كَمَا تَخَوَّفَ عود النبعة السفن
    فوصف ، كما يقول القرطبي رحمه الله ، وصف سنام رَاحِلَتِهِ الذي نَقُصَ بعد اكْتِنَازٍ ، فقال عمر ناصحا : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِدِيوَانِكُمْ شِعْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتَابِكُمْ وَمَعَانِيَ كَلَامِكُمْ" ، فكان من ندائه ما عم الجمع ، فدلالة "الناس" : اسم جمع دخلت عليه "أل" ، وتلك صيغة جمع قياسية في اللسان ، إذ دخول "أل" الجنسية الاستغراقية على اسم تفيد عموما يتناول الوجوه المعنوية كما في "الإيمان" و : "المروءة" ، فذلك الاستغراق المعنوي ، ومنه آخر مجازي بالنظر في دلالة تَلْطُفُ وإن كان الظاهر ، بادي الرأي ، أن العموم يَتَنَاوَلُ آحادا في الخارج كما قِيلَ : زيد الرجل ، فإن "أل" قد دخلت على نكرة لها في الخارج تَمَثُّلٌ في واحد من جماعة الذكور ، ودخول "أل" يُفِيدُ تَعْرِيفًا يُعَيِّنُ الماهية ، فهي أولا الجنسية ، ولها من الذيوع ما يُقَارِبُ بها حَدَّ النكرة في المعنى وإن كانت معرفة في المبنى ، وقد يُرَادُ به عهد خاص إن كان ثم قرينة ، فيقال لمن يترقب رجلا بعينه ، يقال له : جاء الرجل ، فَثَمَّ عهد ذهني خاص يصرف الذهن إلى رجل بِعَيْنِهِ فإن لم توجد فالقول بالجمع يَتَوَجَّهُ فَهِيَ ، من هذا الوجه ، الجنسيةُ التي تبين عن الماهية ، الاستغراقيةُ التي تجمع الآحاد في الخارج ، كما في قوله تعالى : (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) ، أي الأطفال ، فكذا الرجل وإنما كان من القرينة ، أيضا ، ما حاد بها عن الجادة : جادة الاستغراق الحقيقي إلى آخر معنوي وهو الوصف الجامع لأوصاف الرجال المحمودة من الشجاعة والكرم والمروءة ... إلخ ، فيقال : زيد الرجل اسْتِغْرَاقًا في سياق المدح ، فكان من ذلك عنوان مجاز عند من يُثْبِتُهُ فِي اللِّسَانِ والوحي ، ومن ينكر فذلك عنده مما اطرد في كلام العرب مدحا حتى صار الحقيقة عرفا ، فذلك الاستغراق المعنوي ، وَثَمَّ آخر حقيقي ، وهو محل الشاهد في نداء عمر آنف الذكر ، فاستغرق الآحاد الخارجية في "النَّاسُ" ، فكان من نِدَائِهِم ما حُدَّ بَعِيدًا وبه استحضار الأذهان ، وثم من اسم الفعل المنقول عن الجار والمجرور "عَلَيْكُمْ" ، ثم منه حكاية أمر تأويله : الْزَمُوا ديوانكم الذي جمع أخباركم وكلامكم فَفِيهِ بَيَانُ ما أَشْكَلَ من استدلالكم ، فكان من نقل الجار والمجرور إلى حد الاسم ، اسم الفعل الذي يحكي الإنشاء ، إنشاء الأمر ، وهو بالنظر في أصل الوضع الأول : الجار والمجرور ، هو بالنظر في هذا الأصل : ذو دلالة خَبَرِيَّةٍ ، فاستعير لإنشاء الأمر على التقدير آنف الذكر ، وهو ما يجري ، من وجه ، مجرى الاشتراك في اللفظ ، فهو لفظ واحد ذو دلالة صوتية معهودة وله من الشَّكْلِ مَا يأطر الحروف على وجه واحد من النطق ، فالاشتراك في الرسم والنطق ، رسمِ "عَلَيْكُمْ" ونطقِه ، وإنما اختلف المعنى بالنظر في موضع الكلمة في الجملة ، وما احتف بها من قَرَائِنِ السياق ، فالكلمة واحدة حال التجريد ، وهي مما انشعب في الدلالة حال التأليف : تأليف الجملة المخصوصة ، فالسياق يبين عن المعنى ، وموضع الكلمة منه قَرِينَةٌ تُعَيِّنُ مرادَ المتكلم ، وذلك تأويل يصرف المبنى إلى معنى مخصوص حال الاشتراك في الْمَبْنَى ، فالقرينة فِي قوله تعالى : (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ) ، قرينة خبرية تُرَجِّحُ الظاهر المتبادر من "إِلَيْكِ" فَهُوَ دليل انْتِهَاءٍ لِغَايَةٍ ، غايةِ الأمر فهو إِلَيْهَا وذلك معنى يَتَبَادَرُ مِنَ الظَّرْفِ "إِلَيْكِ" ، كما أن المعنى المتبادر في "عَلَيْكُمْ" : دلالة الاستعلاء التي يدل عليها الجار "عَلَى" ، كما في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) ، فالاستعلاء يواطئ الْكَتْبَ دلالةَ الفرضِ الموجِب ، فكان من نَقْلِ "إِلَيْكَ" إلى اسم الفعل الآمر في قولك : إِلَيْكَ عني ، على تقدير : ابتعد عني ، فذلك من الترجيح بالقرينة إذ دَارَ المعنى بين الجار والمجرور الخبري واسم الفعل الآمر وهو ذو دلالة إنشائية ، فَلَمَّا كَانَ الاشتراك بالنظر في أصل الوضع كَتْبًا وَشَكْلًا وَنُطْقًا ، بل صورتهما في الكلام لا تَتَبَدَّلُ فَلَا إعرابَ يُغَيِّرُ آخرَهما ليكون من ذلك دليل يعين مراد المتكلم ، فالظاهر المتبادر هو الجار والمجرور ، فليس الباب من الجائز الذي استوى طرفاه ، وإنما هو من الظاهر الراجح ، بادي الرأي ، إذ يَنْصَرِفُ الذهنُ إلى الجار والمجرور فكان من قرينة السياق في قولك : إليك عني ، كان منها ناقل عن الأصل وهو الظاهر الراجح إلى آخر مرجوح وهو المؤول ، على معنى الفعل الآمر : ابْتَعِدْ ، وتلك صورة التأويل القياسية : ظاهر متبادر هو الراجح ، وَمُؤَوَّلٍ لا يَتَبَادَرُ وهو المرجوح ، وقرينة صارفة من الراجح إلى المرجوح ، فليس المبنى ، كما تقدم ، من الجائز الذي اسْتَوَى طَرَفَاهُ ، بل ثَمَّ طرف راجح وآخر مرجوح ، وحملان اللفظ على المرجوح ، بادي الرأي ، تحكم في الاستدلال فلا بد من قرينة ، إذ المرجوح يخف فلا يَثْقُلُ في الميزان ، فَوَجَبَ مِنْ ثقلٍ زائدٍ ما به الكفة تميل فيصير هو الراجح ، وتلك القرينة الصارفة التي ترفد المرجوح بدليل شاهد ، وهو ، كما تقدم ، قرينة السياق وهي أصل في تَعْيِينِ مراد المتكلم ، ومن ينكر المجاز في اللِّسَانِ فإنه يحترز أن يسد الذرائع ومنها التأويل أو يُضَيِّقَهَا فلا يتوسع فيها حتى يصير التأويل هو الأصل ! ، كما قد غَلَا بَعْضٌ فِي بابِ المجازِ فَصَيَّرَهُ هو الأصل في اللسان ، فاللغة كُلُّهَا أو جُلُّهًا قد نُقِلَتْ عن أصولِها الدلالية الأولى : الحقائق اللسانية المطلقة وهي أول في الوضع ، فلم يَعُدْ هُوَ المستعمل ، بل قد صار كالمهمل إذ كان من عُرْفِ اللِّسَانِ مَا نَقَلَهَا عن الأصول الأولى ، فَكَانَ المجاز هو الأصل من هذا الوجه ، ومن يُنْكِرُ فَهُوَ يستدل من كلام المخالف إذ صَيَّرَ العرف هو الحاكم ، والعرف يدخل في حد اللسان ، فإنه ليس ظاهرة صوتية مجردة في الذهن ، بل ثم من تداول الألفاظ في سياقات الكلام ما اسْتَقَرَّ فَصَارَ الْعُرْفَ المستعملَ ، فهو الحقيقة من هذا الوجه فلا مجاز ، فالحقيقة العرفية المقيدة تَرْجُحُ نظيرتَها اللغوية المطلقة ، وَثَمَّ من نَظْمِ الكلام وهو السياق المخصوص بما اطرد من عرف اللسان المعهود ، ثم منه قرينة من داخل ، فَلَيْسَتْ من خارجِ السياق المركب ، وإن كانت من خارج اللفظ المفرد ، فَإِنَّ الكلام هو الأول لا الثاني ، فالكلام المعتبر في حد النحاة يحكي المعنى التام الذي يحسن الوقوف عليه ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، أَنْ يَقِفَ المتكلم على كلمة "عَلَيْكَ" دون سياق مذكور أو مقدَّر ، فإنها ليست كَلَامًا فَلَا تَدْخُلُ فِي محلِّ النِّزَاعِ ، وإنما المحل : اللفظ المفرد في السياق المركب ، فَمُثْبِتُ المجازِ يُجْرِي الأمرَ مجرَى التَّأْوِيلِ إذ يصرف اللفظ عَنِ الظاهر المتبادر من الدلالة المعجمية المفردة إلى آخر لا يَتَبَادَرُ إذ ثَمَّ من قرينة القيدِ : قيدِ الكلام المركب بما يُوَاطِئُ قانونَ اللسانِ وهو العرف الخاص في النظم والسبك ، فَثَمَّ من هذه القرينة صارف من الظاهر إلى المؤول وهو المعنى المرجوح الذي لا يتبادر ، وَمُنْكِرُ المجازِ وَإِنْ سَلَّمَ بِذَلِكَ فإن حَدَّهُ للظاهر يختلف فلا يسلم أن الظاهر المتبادر من "عَلَيْكَ" هو الجار والمجرور دليلَ الاستعلاء ، وإنما الظاهر من كلِّ لفظٍ هو مراد المتكلم الذي يُعْلَمُ بالنظر في السياق ، فلا يستبين المعنى إلا إذا تم الكلام فكان الوقوف على معنى يحسن ، وهو المعنى المكتمل إِنِ المعنى النحوِيَّ أولا أو مَا تَلَا من معنى بلاغي يدق ، فَثَمَّ مستويات في الدلالة تَتَفَاوَتُ وهي ، أيضا ، مما يميز لسانا من آخر فلكلٍّ عرفُه الأخص إِنْ فِي نَظْمِ الكلامِ نَحْوًا أو فِيمَا تَلَا من لطائف الكناية والاستعارة ، بل والسخرية والسب ! ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ ، فالعرف حاكم ولو في الألفاظ القبيحة التي تفحش ، فلكلِّ لسانٍ منه معجمٌ يميز ، ولا ينفك يستعير من العرف دليلا معتبرا .
    فكان من قول عمر ، رضي الله عنه ، وهو محل الشاهد ، كان من قوله : "عَلَيْكُمْ بِدِيوَانِكُمْ شِعْرِ الْجَاهِلِيَّةِ" ، فالسياق قد دَلَّ على راجح أو هو الظاهر المركب فأبان عَنِ الْأَمْرِ ، ولا يخلو من الإرشاد ، وَبِهِ يَزُولُ الإشكال ، فالمرادُ أَنْ يُلَازِمَ العرب ديوانهم ، وذلك ، كما تقدم من قسمة المأثورات إلى مرفوعات وموقوفات ومقطوعات ، ذلك من الموقوف على الصحابي ، وهو مما احتمل حكم الرفع إن كان مما لا يقال بالرأي ، ولم يكن صاحبه ممن يروي الإسرائيليات فهي مما لا يقال بالرأي مع عدم الجزم بصحتها إلا أن تواطئ المنزل من الوحي ، آيا وخبرا ، فالحجة في الوحي المحفوظ لا في الإسرائيلي المنقول عن أهل الكتاب ، فَثَمَّ من الإسرائيليات ما لا يُرْوَى فلا يدخل في حد الأمر المبيح أن : "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ" ، فَلَا يُرْوَى إذ ليس من الخبر ذي الدلالة الثانوية التي تبين عن فضول من العلم لا يضر الجهل بها وإنما هو من المهمات الرئيسة خبرا أو حكما فلا تُنَالُ إلا من مشكاة تَنْصَحُ لا يَتَطَرَّقُ إليها الاحتمال فلا تخطئ ، فما كان أصلا فلا يثبت إلا وحيا قد سلم من الخطإ والكذب ، فلا يجزئ فيه خبر يحتمل ، كما إسرائيليات لم يثبت كذبها ، فهي تحتمل إذ ليس من نَقْلِ الكتاب الأول ما اتصل فَضْلًا عن آخر قد تَوَاتَرَ فأفاد القطع والحجية ، فخبره الذي لم يثبت كذبه فهو على الاحتمال باق إذ ليس ثَمَّ معيار ينصح وبه الناظر يقطع أن ذلك مما نَزَلَ من الكتاب الأول قبل التبديل والتحريف ، فليس ذلك يسلم إلا للوحي الخاتم فحجته تَنْهَضُ يَقِينًا يجزم في مُتَوَاتِرَاتِهِ أو ظَنًّا يَغْلُبُ في آحاده ، فلا يُرْوَى الخبر الإسرائيلي في أصل يُبْنَى عليه العمل ، إن خبرا أو حكما ، وإن لم يثبت كذبه فلم يثبت صدقه وذلك قدر زائد يلزم في الاعتبار والحجية ، فضلا أن يكون من الإسرائيلي ، بادي أمره ، ما هو الكذب المبين بما كان من مخالفة عن محكَمِ التَّنْزِيلِ ، فهو المعيار الحاكم بما كان من محكماته الدلالية وهي ما يَتَبَادَرُ إلى الذهن من ظواهر المعاني ذات الإسناد الصحيح فصحة نقلها أول وصراحة عقلها تَالٍ ، وهي ، كما تقدم في مواضع ، مما جاوز في حد الإفهام بما يكون أولا من دلالة المعجم المفردة ، فهي أول في الباب ، وَثَمَّ تَالٍ من السياق وهو المرجح حال الاشتراك أو الإجمال فَثَمَّ قرينة تشهد فهي لمعنى دون آخر تُرَجِّحُ ، لا تحكما بالهوى والذوق ، وإنما ترجيحا معتبرا بما واطأ المعهود المتداول في كلام العرب ، فذلك المعيار الحاكم في تأويل الوحي التأويلَ المعتبر لا آخر يتحكم ، فيرد الأمر إلى معيار محدث ، أو آخر لا يَتَنَاوَلُ البابَ : باب التشريع خبرا وحكما ، فلا يستدل فيه بمحدَثٍ محتمَلٍ من علوم التجريب وهي مما يُشْهَدُ بالحواس التي لا تُدْرِكُ إلا ظنا ، والإيمان يقين يجزم ولا بد فيه من خبر يصدق ، لا تجريب يستند إلى حِسٍّ يَتَفَاوَتُ ، ففي كل يوم جديد يُكْتَشَفُ ، فيجري قلم التأويل على النص أَنْ يُوَاطِئَ المكتشَف الجديد ولو أتى على التأويل المتقدم بالإبطال ، فإذا كان ثالث فهو ناسخ للثاني .... إلخ ، كما النظريات أو الفرضيات العلمية التي قُدِّسَتْ وليس لها من الدليل شاهد يَنْصَحُ إلا مظنونات بل ومرجوحات لا تصمد فلم تمض الأيام حتى أَقَرَّ أصحابُها أنها الخطأ ، فَثَمَّ جديد قد نسخ الأول وهو ما استوجب التسليم بالخطإ إن كان ثم إنصاف ، ولو اضطِّرَارًا ! ، أو المكابرة انْتِصَارًا لفرض مجرد قد صار القطعي المحكم ، بادي الرأي ، ولو لم يكن له من الدليل ما ينهض ، بل الدليل لا يَزَالُ يشهد بخطإ الفرض ، فيأبى صاحب الفرض المجرد أن يخضع لما دل عليه الحس وهو عمدته في الإثبات والنفي ، فإذا به يخالف عنه وَيَتَكَلَّفُ من تأويلِ مَا شَهِدَ به التجريب ما به يَنْصُرُ الفرض اللاعلمي ، فإن الدليل العلمي التجريبي قد نَقَضَهُ ، فَتَحَكَّمَ نصرةً لمذهبه الذي لا يجاوز حد الدعوى المجردة فلا دليل عليها ، مبدأَ النظر ، وإنما اعتقد صاحبها ثم رَاحَ يُفَتِّشُ عن دليل ، ولو شبهةً تحتمل فَزَادَ فِيهَا حتى صَيَّرَهَا دليلًا مكتمِلَ الأركانِ ! ، فَرَاحَ يُفَتِّشُ عن دليل بل وَيُلَفِّقُ آخر إن عُدِمَ الشاهد ، فذلك أوله الذي عنه يصدر اعتقادا له يَنْتَصِرُ بل وَيَتَعَصَّبُ فيخالف عن معياره العلمي الذي اقْتَرَحَ ، وهو مع ذلك لا ينفك ينبز المخالف المستمسك بالوحي أنه المتعصب لما يعتقد بلا دليل يشهد ! ، وهو ،كما تقدم في مواضع عدة ، لا يجاوز في الحكاية حد القذف على وزان : رَمَتْنِي بِدَائِهَا وَانْسَلَّتْ ! ، فَلَئِنْ جاز لصاحب القول المحدَث أن يجعله المعيار المحكم وما سواه فمتشابه يُرَدُّ إِلَيْهِ ! ، فَثَمَّ المطلق وإن زعم ألا مطلق فَتَبَجَّحَ أن كل شيء يخضع لمعيار القياس والتجريب ، فلا ينفك شاهد الحال يكذب إذ يتحكم في الاستدلال لما اعتقد أولا ولو فرضا لا يجاوز التجريد ! ، وإن زعم صاحبه التحقيق ، فكان من تَنَاقُضِهِ أَنِ اقْتَرَحَ المطلق بلا دليل محكم ، ثم راح يُفَتِّشُ له عن دليل من خارج ، فَلَمَّا وجد شبهةَ دليلٍ طار بها فرحا وَتَبَجَّحَ أَنَّ مطلَقَهُ هو الغاية فتلك نهاية البحث فلا جديد ، وإن زَعَمَ التواضع والتَّعَقُّلَ ! ، فإذا كان من جديد يَنْقُضُ فهو يتكلف من التأويل ما يشهد لفرضه الذي صار في الفكرة مركزا فلأجلِه الدليل يُوَجَّهُ ، ولو التوجيهَ المرجوح بل والباطل الذي يتلاعب فَيُنْكِرُ ما استقر من البدائه والمقدمات الضرورية ، وهو ما يَتَكَرَّرُ كلما ظهر دليل ينقض ، فَيَتَرَاكَبُ التَّأْوِيلُ الباطلُ ، وصاحبه يصر فلا يرجع ، ففرضه معتقَدٌ يجزم ، فأي الفريقين أحق بوصف التعصب والتحكم ؟! .
    وَثَمَّ من الوحي مركز في التصور والحكم فهو على ضِدٍّ من المرجع المحدَث ، وهو ، أيضا ، يدعي أنه المحكم ، ويقيم من الدليل ما يشهد ، فوجب النظر في أدلة كلٍّ نَظَرَ المستدِلِّ المسترشد الذي يروم الحق فإذا ظهر له فهو المرجع ، لا جرم كان النظر الناصح في خصومةِ الرسالةِ والحداثةِ أن يكون المبدأ في الأصل ، لا في فُرُوعٍ وإن اجتهد الناظر في تحريرها فلم يبلغ بعد أصل الخلاف أيهما يكون المركز في التصور والحكم ، الرسالة أو الحداثة ، و : (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، فكان الاشتغال ، كما تقدم مرارا ، كان الاشتغال بدلائل النبوات أَوْلَى وَأَنْفَعَ فهي عند من آمن بها وَصَدَّقَ فَصَيَّرَهَا المرجِعَ الذي عنه يصدر ، هِيَ المحكم إن في الخبر أو في الحكم ، فكان من خبرها ما يحكي غَيْبًا لم يُشْهَدْ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوَاضِعَ من قصة الخلق الأولى ، وقد جاءت بما لا يدرك بالحس ، فذلك طور يجاوزه ، فلا بد من خبر يصدق ، فكان التَّفْتِيشُ في صحة الخبر ، وهو ما يجاوز في البحث حجية المرجع وحيا ، فَمَتَى ثَبَتَ الدليلُ الأول : دليل النبوة وهي الدعوى التي لا دعوى في الخلق تَعْدِلُهَا ، فكان من الرحمة والحكمة أَنْ صَارَ لها من الأدلة ما يَكْثُرُ ، وإلا بَطَلَتْ حُجَّتُهَا ، فكان من إثبات الدعوى أصلا قبل تحرير الفروع ، كان من ذلك العصمة في الاستدلال ، فَثَمَّ المرجع المحكم ، ولا بد لكلٍّ من مركز عنه يصدر ، فهو الأول في النظر والاستدلال ، وهو ما به فُرْقَانٌ يميز الرسالةَ من الحداثة ، فإن الأخيرة إذ رَدَّتِ الأمر إلى هوى وذوق لا تَنْفَكُّ تكسوه لحاء البحث والتجريب وليس ينصف لو سُلِّمَ أنه يجزئ في الاعتقاد والتشريع ، فَلَا يَنْفَكُّ يَعْتَرِيهِ مِنَ العارضِ ضروري في الجبلة مع اختلاف في الرأي فكلٌّ يصدر عن عقل ، فلا تَنْفَكُّ العقول تفتقر إلى مرجع يجاوزها من خارج قَدْ سَلِمَ من العوارض ، فحكومته الخبرية والإنشائية تُؤْمَنُ ، وإذا لم يَرْضَ بِخَبَرِ الوحيِ حَكَمًا في الغيوب التي لا تدرك بالعقول ، فلا يَنْفَكُّ كلٌّ يقترح من ذلك دليلا يشهد لِمَا ادَّعَى من الفروض ، وَإِنْ تَكَلَّفَ لَهَا من التأويل ما يخالف عن المنقول والمعقول ودلالات الكلام مفرداتٍ وَتَرَاكِيبَ ، لا جرم كان في الباب مواضع ، فأول هو صحة الدليل نَقْلًا ، وَثَانٍ هو صحة المدلول عقلا وهو ما يأرز إلى قانون الكلام بما اطرد من دلالاته المعجمية المفردة وَمَا انْتَظَمَهَا مِنْ سلك يجمع ، سلك النحو وهو أول ، وسلكِ الْبَيَانِ الذي يدق فَيَسْتَنْبِطُ من المعاني ما يَلْطُفُ ، وشرطه أبدا : ألا يخالف عن المدلول الأول ، فلا يكون اسْتِنْبَاطُ الفرعِ بِتَأْوِيلٍ يَأْتِي على الأصل بِالنَّقْضِ ، فلا يقترح ذو العقل الناصح دعوى مجردة لا دليل عليها يشهد فيصيرها المركز في فكرته ، ثم يتأول لها من الأدلة شاهدا وَلَوْ تَعَسَّفَ في الاستدلال فخالف عن المنقول والمعقول والمنطوق كافة ، فشرط التأويل الناصح أَنْ يُوَاطِئَ وَجْهًا من اللسان وإن احتمل غَيْرًا فيكون من الدليل شاهد يرجح من خارج ، فلا يقترح من الترجيح ما خالف عن الْبَدَائِهِ ، ترجيحا بلا مرجح فليس إلا خبط عشواء قد انْتَفَتْ منه الإرادة والقصد ، وذلك العبث الذي نَالَتْ به الحداثة من العلوم كَافَّةً إذ أهملت الغاية ، فَصَارَ خلقُ هذا الكون مع إتقانه ، وَصَارَ ما أُحْكِمَ من سَنَنِهِ الجارِي ، صار كل أولئك خَبْطَ عشواء في المبدإ فلا علم يُقَدِّرُ ولا إرادة تُوجِدُ ولا غاية إليها الخلق يَنْتَهِي ، وهو ما يقدح في آحاد العقلاء من الخلق ، فكيف بالخالق الأول جل وعلا ؟! ، فوجوده ضرورة في النقل والعقل كافة ، وعلمه وقدرته وحكمته في الخلق والرزق والتدبير وتقدير الغايات المحكمة ، كل أولئك مما يَثْبُتُ مِنْ بَابِ أَوْلَى .
    فكان من النظر الناصح في الباب : خبر يَصْدُقُ وتفسير يَنْصَحُ ، ومنه التأويل إِنْ سَلِمَ لصاحبِه فَاسْتَوْفَى مِنَ الشرط ما يجزئ ، فَلَهُ وجه من اللسان معتبر ، وله حالَ الاشتراك والإجمال دليلٌ يُرَجِّحُ من خارج ، فالظاهر المتبادر ، كما تقدم في مواضع ، ظاهر الدلالة المعجمية المفردة وما احتف بها من قرينة الدلالة السياقية المركبة ، فهي شاهدة تُرَجِّحُ حَالَ الاحتمال فلا يكون الترجيح تحكما ، وإنما ظاهرُ كلِّ كلامٍ ما يَتَبَادَرُ منه لفظا ومعنى في المعجم ، وذلك أول في الاستدلال ، مفرَدًا ومركَّبًا في السياق ، وذلك تَالٍ في الباب ، وإن خالف عن راجح في المعجم ، فدلالاته لا تجاوز المفرد ، وليس يجزئ في حصول الإفهام إذ لَيْسَ المفرد في النطق كلامًا في الاصطلاح ، فلا يحسن السكوت عليه إلا أن يكون من بِسَاطِ الحال ما يحكي سياقا مُقَدَّرًا يَنْتَظِمُ هذا المفرد فيكون من التركيب ما يجزئ في حصول الإفهام لمعنى يحسن السكوت عليه ، فالشرط : صحةُ دليلٍ وصحةُ استدلالٍ ، فلا بد من أول يصدر عنه العقل في الإثبات والنفي ، في التحسين والتقبيح وما تلا من تَشْرِيعٍ يُفَصِّلُ ، فلا خيرة لعقل إذا استوفى الدليل شرط الصحة ، فلا يخالف عن صريح الفكرة ، فمن أَنْزَلَ الوحي هو من خلق هذا العقل ، فلا يكلفه ما لا يطيق أن يصدق بالمحالات التي تخالف عن المقدمات الضرورية في الاستدلال وإن ابتلاه بمحارات لا يدركها من غيوب منها الواجب ومنها الجائز ، فلا يحيلها العقل ، بادي الرأي ، وإنما هو على تَوَقُّفٍ حتى يرد دليل في الباب يُرَجِّحُ ، وإلا استصحب العدم الأصلي إذ لا يستقل بالإثبات أو بالنفي ، فإذا جاءَه خَبَرُ الصدقِ وَحْيًا من خارج فهو المعتبر في بابه تَرْجِيحًا يَنْقِلُ عن الأصل بما زَادَ من علم ، فإذا جاء الخبر المصدق كان على العقل أن يسلِّم ، فاجتهاده أن يحرر المرجع : مرجع الخبر والحكم ، ذلك أصل أول عنه يصدر ، فإذا حَرَّرَهُ فَقَدْ هُدِيَ جَادَّةً تَعْصِمُ ، بما كان من وحي قد سَلِمَ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، من العوارض والأهواء ، فجاوز العقول إذ قد حُجِبَتْ عَنْهَا الغيوبُ ، فإذا جاءها وَحْيًا يَنْصَحُ قَدْ سَلِمَ مِنَ الخطإِ والتكلف ، فالواحب التسليم فلا خيرة ، لا جرم كان من خطاب الوحي ناف لِخِيَرَةٍ في مواضع تكليف قد صح فيها الدليل ، فذلك ، كما تقدم ، أصل في الاستدلال ، فَثَمَّ دليل كُلِّيٌّ يثبت المرجع الأول من خارج ، وثم دليل جُزْئِيٌّ يَتَنَاوَلُ واحدا من المواضع ، فكان من النَّفْيِ إذ : (مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، فذلك من المبالغة في النفي فَمَا يُتَصَوَّرُ ذلك بادي الرأي ليقع فيكون منه ما يصح وما لا يصح ، بل ذلك مما انْتَفَى أولا فلا يكون في حق مؤمن ولا مؤمنة ، وهو ما أطنب في حده إذ نَصَّ على الذكر والأنثى ، وإن كان في ذكر المؤمن ما يجزئ لقرينة التغليبِ في دلالة الخطاب المكلف ، فأطنب بالأنثى مع آخر في النفي ، إذ كَرُّرَتْ أداته ، وإن اختلف المبنى من "مَا" إِلَى "لَا" ، وثم من الخبر ما يَنْفِي الخيرة زيادة أخرى في الكينونة الماضية فذلك آكد في الاستدلال من القول في غير التَّنْزِيلِ : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة أن يختارا ، فما يكون لهم الاختيار بَادِيَ الرأيِ ، وذلك آكد في النفي ، وهو ما قُيِّدَ بالظرفِ أو الشرَّطِ : (إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا) ، فَحُدَّ دليلَ كَثْرَةٍ ، وذلك توكيد آخر في المعنى ، مع إطناب قد استغرق المرجع : الله ، جل وعلا ، وهو المشرِّع ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو المبلِّغ ، وإطلاق العامل "قَضَى" دَلِيلُ عمومٍ يَسْتَغْرِقُ وجوه المعنى لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ فِي سِيَاقِ شَرْطٍ قَدْ تَسَلَّطَ على المصدر الكامن في الفعل ، فاستغرق وجوه المعنى واستغرق آحاده فَقَضَاءُ الوحيِ يكون بالقول وهو الأول ، والفعلِ فَفِعْلُ صاحبِ الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم دليل يُبَيِّنُ ، والتقريرِ ومرجعه ، لو تدبر الناظر ، تَقْرِيرُ الوحي فلا يُقِرُّ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاصةً ، ولا يُقِرُّ الجمعَ عامةً والوحي يَنْزِلُ والشرع لِمَّا يَكْمُلْ بَعْدُ ، لَا يُقِرُّ كُلًّا على خلاف الأولى فَضْلًا أَنْ يُقِرَّ عَلَى خَطَإٍ فذلك مما انْتَفَى من باب أولى ، وثم من العموم ، أيضا ، عموم الأوامر المقضية ، وهو ما حد نَكِرَةً "أَمْرًا" في سياق الشرط : (إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا) ، وهو نص في الباب ، باب العموم ، كما قَرَّرَ أهل النظر والأصول ، فاستغرق الخبر والحكم ، الاعتقاد والقول والعمل ، فالوحي قد جاء بكلٍّ ، إن بالمنطوقِ أو بالمفهوم ، إن بالنص أو بالقياس أو ما جاوز من الكليات الجامعة بما استقر من المصالح والأعراف المعتبرة وشرطها أبدا ألا تخالف عن الوحي لا في أصل ولا في فرع ، وثم من جواب الشرط ما حُذِفَ إذ قَدْ دَلَّ عليه المذكور المتقدم ، وذلك القياس في بابه : باب التقدير لمحذوف ، فالأصل أَنْ يَتَقَدَّمَ دليلُ الحذف ، فيشهد المذكور المتقدم لمحذوف قد تأخر ، على تقدير : إذا قضى الله ورسوله أمرا فلا خِيَرَةَ تكون لمؤمن ولا مؤمنة ، وهو ما جاوز في التكليف ، فلا خيرة لأحد صح تكليفه إذ قد حَصَلَ له من العقل دليل الفهم لحجة الوحي ، لا خيرة له لِمَا ثبت من عموم الحجة فهي تجاوز المؤمن والمؤمنة ، فذكرهما ، من هذا الوجه ، خاص يدل على عام يستغرقهما ويجاوزهما إلى كلِّ أحدٍ ، وإن كَفَرَ وَجَحَدَ ، فحجة الرسالة في حقه تَثْبُتُ إذا حصل من البلاغِ والبيانِ ما يفهم ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن اسم المؤمن والمؤمنة : دليل القوة لا الفعل ، فاستغرقَ كُلَّ أحد فهو مؤمن بالقوة المركوزة ، إِنْ فِطْرَةَ ميثاقٍ أول ، أو عقلَ تكليفٍ يفقه من الدلالة ما يجزئ في حصول حجة تَلْزَمُ ، فلا يكون ثَمَّ تَفَاوُتٌ إِنْ في الخطابِ مواجهةً قد اخْتُصَّ بها المؤمن والمؤمنة فَهُمَا أول من يسمع ويطيع ، فلا تفاوت إذ الخطاب بحملان الإيمان على القوة لا الفعل ، الخطاب في هذه الحال قد استغرق فَلَيْسَ مواجهةً قد اخْتُصَّ بها المؤمن والمؤمنة وإن لم يلزم منه الاقتصار عليهما ، وإنما يدخل غيرهما فيه بالقياس ، خلاف ما لو كان الحملان في عنوان الإيمان على القوة لا الفعل ، فالقوة الإيمانية المجملة فطرة وعقلا ، تلك القوة تستغرق الجميع استغراقا واحدا إذ قد رُكِزَتْ فِي كلِّ أحدٍ ، فالوحي خطاب عام يستغرق كلَّ أحدٍ استغراقًا وَاحِدًا يَتَنَاوَلُ الجميعَ دفعةً ، كما العموم يَتَنَاوَلُ آحاده دفعة ، فلا تفاوت وإن بالنظر في عمومات الوحي فالأصل فيها الاستغراق إلا ما يكون من تخصيص بسببٍ أو صورةِ سببٍ ، فذلك اسْتِثْنَاءٌ لا يثبت إلا بدليل إذ يخالف عن الأصل المستصحب في نصوص الوحي المنزل ، فالأصل فيه العموم المستغرق حتى يَرِدَ دليلُ التخصيصِ المعتبرِ ، فلا يكون التحكم في الباب : تخصيصا بلا مخصص ، فذلك من جنس ما تقدم ترجيحا بلا مرجح .
    فلا خيرة في التكليف إذا صح من الوحي قضاءٌ يحكم ، إن آيًا أو خَبَرًا ، فذلك الخبر نَفْيًا ولا يخلو من إنشاء يلازم إذ ينهى عن المنفي ، فلا تختاروا بالهوى والذوق وقد ثَبَتَ الخبر والحكم وحيا قد سلمت حجيته الأعم ونصحت أدلته الأخص ، فذلك اللازم الإنشائي نهيا لا يخلو ، من وجه آخر ، من أمر يشاطره القسمة بما اطرد من دلالة التلازم ، إذ النهي عن الشيء يَسْتَلْزِمُ الأمر بِضِدٍّ أَنِ : اسمعوا وأطيعوا طاعةً تجاوز المتبادر من الامتثال ، فَثَمَّ طاعةٌ في الأخبار تُصَدِّقُ وأخرى في الأحكام تَمْتَثِلُ ، وثم إطناب بخبر آخر يجري مجرى الوعيد وبه اكتمال الدلالة إذ نُفِيَ الاختيار وثم وحي يَقْضِي نَصًّا في محل النزاع ، ولا يخلو من دلالة مفهوم آخر ، فإذا لم يكن ثم قضاء فلا يخلو الأمر أن يكون من الشرع ، ولو دليلًا كليا من عرف أو مصلحة فَفُسْحَةُ الاجتهادِ فيه أوسع والاختيار فيه جائز ما لم يخالف عن أصول الوحي النازل أو بَعْضٍ من آيه وخبره فلا اجتهادَ يُجْزِئُ ، ولو في غير منصوص ، إذا خالف عن الأصول أو منصوصٍ آخر وَإِنْ تَذَرَّعَ المخالف أنه يروم المصالح المعتبرة فلا اعتبار بما خالف عن الوحي إذ هو المرجع المجاوز من خارج ، ووصفه أبدا العلم المحيط فلا يفوته من المصلحة المعتبرة دقيق ولا جليل ، فلا يخلو الأمر ما لم يكن ثَمَّ نَصٌّ يَقْضِي ، لا يخلو أن يكون من الشرع ، ولو دَلِيلًا كُلِّيًّا كَمَا تَقَدَّمَ ، أو يكون من أمرِ المعاشِ ففسحة الاجتهاد فيه أوسع من كلٍّ وإن لم تخل من إطارٍ يحكم ، ولو استصحابا لأصل الإباحة الأول في الأشياء والطهارة آخرَ في الأعيان .
    فإذ نُفِيَ الاختيار وثم وحي يقضي ، فالمخالفة عنه تحرم ، والنهي عنها يلزم ، فإذا خولف عنه فذلك عصيان يقدح ، فكان من الخبر وعيد يبين عن وصف يذم ، وصف الضلال المبين ، فــ : (مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ، فتلك حالُ من خالف عن الوحي الصحيح آيا وخبرا ، وهو ما حُدَّ شَرْطًا قَدِ اقْتَرَنَ بالجواب ، وتلك ، أيضا ، دلالة التلازم وهي آكد في الدلالة ولا تخلو من تَعْلِيلٍ ، إذ الشرط مع جوابه كالسبب مع المسبَّب ، أو العلة مع الحكم ، أو المقدمة مع النتيجة ، مع ما زِيدَ في هذا الشرط خاصة من فاء تربط في قوله تعالى : (فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ، وهي واجب به اللفظ يُسْتَصْلَحُ ، ولا تخلو ، مع ذلك ، من دلالةِ فَوْرٍ وتعقيبٍ وبها المسارعة في سياقِ وعيدٍ يُبَادِرُ العاصي بالذم ، وصفَ ضلالٍ مبين ، ولا تخلو الفاء من سببية وإن لم تكن نَصًّا فيها ، فلا تخلو فَاءٌ مِنْهَا ، وذلك ما رَفَدَ التلازم آنف الذكر بين الشرط والجواب فهو عنوانُ تَعْلِيلٍ ، والفاء في ذلك تضاهيه ، وإن لم تكن ، كما تقدم ، نصا في الباب يقطع ، وثم من التحقيق في الجواب نَصٌّ إذ دخلت "قَدْ" على العامل الماضي "ضَلَّ" ، وذلك ، أيضا ، مما به المعنى يؤكد مع إطناب بالمصدر "ضَلَالًا" إذ يُوَطِّئُ لما تلا من الوصف "مُبِينًا" ، فهو مناط الفائدة ، وإن لم يخل الإطناب بالمصدر أن يكون توكيدا ، ولو مُجَرَّدًا ، فَزِيدَ فيه بَعْدًا من الوصف ما يَرْفِدُ ، وكان من هذا الشرط ذي الدلالة الخبرية ، كان منه آخر ذو دلالة إنشائية إذ ينهى عن العصيان ، عصيان الوحي آيا وخبرا ، فذلك عصيان الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو ما يجاوز ، أيضا ، ما تَبَادَرَ مِنَ العصيانِ العملي فَثَمَّ العصيان في الخبر تكذيبا ، كما أول في الحكم بما يكون من مخالفة عن الأمر والنهي ، فلا تعصوا الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيكونَ الضلال المبين الذي عَمَّ إذ أُطْلِقَ عامله "ضَلَّ" ومصدره "ضَلَالًا" فاستغرق وجوه الضلال في المسائل كافة ، خبرية أَوْ إِنْشَائِيَّةً ، وهو ، ما يفيد ، أيضا ، بدلالةِ مفهومٍ يُخَالِفُ ، فمن أطاع الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَقَدْ هُدِيَ الهدى المبين الذي استغرق ، أيضا ، حكومات التكليف جميعا ، علما وعملا ، وذلك ما استوجب الأمر أَنْ أَطِيعُوا الله ورسوله .

    والله أعلى وأعلم .


  5. #45
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:30 PM

    المشاركات
    5,169
    العمر
    44

    ولا تكون الطاعة إلا بِتَوْقِيرٍ وَتَعْزِيرٍ ، توقيرِ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتعزيره بما يواطئ حد العدل فلا غلو ولا جفاء ، وإنما طريقة وسط هي الجادة المسلوكة ، فتعزيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعزير لما تحمل من الوحي آيا وَأَثَرًا ، خبرا وإنشاء ، وذلك تعزير لمن أرسله ، جل وعلا ، وتعزير للواسطة الملَكية ، فكان من ذلك واجب قد دلت عليه الغاية في قوله تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، وهو ، كما تقدم في مواضع عدة ، جَارٍ على وجوه من التوكيد ، فَثَمَّ التوكيد القياسي بِالنَّاسِخِ "إِنَّ" ، وثم اسمية الجملة ، إذ لا يدخل الناسخ "إِنَّ" إلا على الجملة الاسمية ، فما كان ظاهرُه مباشرةَ الناسخِ الفعلَ فَلَا يخلو من حذف وتقدير ، كما في قوله تعالى : (وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) ، فَثَمَّ ضمير الشأن المحذوف الذي دخل عليه الناسخ المخفف ، والضمير من الأسماء على تقدير : ونعلم أن الشأن أو الحال هو صدقك في الدعوى ، فكان من الاسمية في الآي آنف الذكر : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) ، على تقدير : نحن أرسلناك ، فتلك اسمية تحكي الديمومة والثبوت ، ولا تخلو من تكرار إسنادٍ ، إذ أُسْنِدَ عامل الإرسال إلى ضمير الفاعلين حكاية التعظيم ، من وجه ، وتكرار الإسناد آنف الذكر ، ولا يخلو من دليل يشهد في صناعةِ نحوٍ تَطَّرِدُ ، فضمير الفاعل في "أَرْسَلْنَاكَ" ، وهو من جنس المبتدإ "نحن" أو اسم الناسخ "نَا" الدالة على الفاعلين في "إِنَّا" ، وهو من جنس المبتدإ في المعنى ، الضمير "نَا" في "أَرْسَلْنَاكَ" هو الرَّابِطُ ، رَابِطُ الجملةِ وهي الخبر الذي أطنب في حده ، فهي تزيد في المبنى على الخبر المفرد ، وذلك إرسال قد أطلق عامله ، فَخُصَّ بالحكاية ، حكايةِ الوحيِ الشرعي ، وهو إرسال التشريع لا التكوين ، وإن كان من إرسال التكوين ما تَنَاوَلَ رسلا ، ولكنهم الملَك عُرْفًا ، فـ : (الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) ، فكان من الإقسام بهم إذ أُرْسِلُوا كَعُرْفِ الفرسِ يَتْبَعُ بعضهم بعضا ، على خلاف في النفسير والمرجع ، فذلك إِرْسَالٌ قَدْ أُطْلِقَ ، أَيْضًا ، والمعنى قد اسْتَغْرَقَ الوجهينِ : الشرعي والكوني ، إذ بَعْضُ الملَك قد أُرْسِلَ بالكلمات الكونية النافذة ، ومنها كلمات الجلال وأخرى من الجمال ، فَبُعِثَ بَعْضٌ بالعذاب على من كَذَّبَ وعصى ، وَبُعِثَ آخر بالرحمة فَوُكِّلَ بالريح إذ بُعِثَتْ لَوَاقِحَ ، وبها السحاب يُرْكَمُ ، ومنه الغيث يَتَنَزَّلُ فكان من الإسناد في قوله تعالى : (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) ، ما يرجع إلى أول وهو الرب المهيمن ، جل وعلا ، بما قضى من كلم تكوين ينفذ ، فأرسل به الملَك الذي أَرْسَلَ الريح ، وذلك الحسم لتسلسل المؤثِّرين في الأزل فهو مما يمتنع إذ مَرَدُّهُ إلى أول لا أول قبله ، وهو الرب المهيمن ، جل وعلا ، بما كان من اسمه ووصفِه وفعلِه فآثاره كلمات تكوين بها الشيء يكون ، وآخر قد بُعِثَ بالكلمات الشرعية الحاكمة ، وهي ما عَمَّ فَتَنَاوَلَ الخبرَ والإنشاءَ كَافَّةً ، فكان من أولئك عهد خاص إذ وُكِّلَ واحدٌ من الجنس أَنْ يَتَنَزَّلَ بمحكَمِ الذكرِ ، وهو جبريل روح القدس عليه السلام ، فقد : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) ، فالإرسال ، كما تقدم ، جنس عام يستغرق ، فمنه الكوني ، وهو ، من وجه آخر ، مَا عَمَّ وُجُوهًا ، فالأصل بعث الملَك المدبِّر إذ بأمر ربه ، جل وعلا ، يعمل ، فـ : (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) ، وَثَمَّ بَعْثُ خلقٍ آخر ، فَأُرْسِلَتِ الرِّيَاحُ ، وإن كان من إرسالها ، لَوْ تَدَبَّرَ النَّاظِرُ ، فعل في الكون يُؤَثِّرُ ، فلا يكون إلا وَثَمَّ علم أول يحيط فذلك علم التقدير وَثَمَّ تال يُصَدِّقُ في كَتْبٍ محكَم في لوح تقدير قد استغرق المعلومات كافة : الكونية والشرعية ، فكان من ثالثٍ مشيئة بها الترجيح ، وذلك المرجح الأول من خارج : إرادةً تحكي العلم فهي تأويل له أول ، وهي ، من آخر ، لأوصاف الرب ، جل وعلا ، وأفعاله تُظْهِرُ ، فهي آثار تصدق ما كان في الأزل من وصف الكمال المطلق ، وثم كلمة التكوين ، وهي ما يَتَحَمَّلُهُ الملك فيتأوله في الشهادة ، وإن كانَ سببَ غيبٍ لا يَرَاهُ الناظر فَيَرَى آثاره في الكون ، كما يَرَى قبلا آثارَ القدرة والحكمة في الصنعة ، صنعة الكون وما جرى من سننه المحكم فذلك دليل في النقل والعقل ينصح ، إذ المحدَث لا بد له من محدِث ، وإلا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو في الأزل يمتنع ، فلا بد من مركب مجموع من المحل والسبب الذي يُبَاشِرُهُ ولا بد له من شرط يُسْتَوْفَى ومانع يُنْفَى ، ولا بد له مِنْ سَبَبٍ يَتَقَدَّمُ وقد يكون ، أيضا ، مِمَّا يُشْهَدُ بالحس حتى يكون من التسلسل ما يفضي إلى هو المغيَّب ، والمغيَّب في نفسه لا يخلو من تسلسل يوجب الرجوع إلى أول فلا شيء يتقدمه ولا يضاهيه بل له من الأولية المطلقة ، ومنها أولية الخلق والتدبير بكلمات تأثير في هذا الكون وبها تأويل ينصح إذ لفعل الخالق الأول ، جل وعلا ، تُظْهِرُ ، فَهِيَ شاهد الصدق على كمالِ الذَّاتِ والوصفِ ، ومنه الفعل ، فَقَدْ ثَبَتَ أَزَلًا فهو الكمال المطلق الذي استغرق الذات والاسم والوصف والفعل والحكم جميعا ، ثم كان من الفعل في الخارج كلماتٌ تصدر عن هذا الكمال فَهِيَ تأويلٌ له يَنْصَحُ أَنْ تَظْهَرَ آثارُه في الكون وتشهد فَهِيَ دليل يصدق أولا إذ يَقَعَ كَمَا كَانَ فِي الأزلِ ، فالأصل هو العلم المحيط ، فذلك الأول في التقدير ، فَثَمَّ من العلم والحكمة أول من الجمال ، وَثَمَّ من القدرة والمشيئة تأويل تَالٍ هو الجلال ، جلالُ الخلقِ أَنْ يُوَاطِئَ ما تَقَدَّمَ من العلم ، فيكون من الكلام تكوينٌ هو الفعل الذي يَتَأَوَّلُ العلمَ ، كما الفعل في اصطلاح النظار إذ يُصَدِّقُ القوة ، فالقوة أول ، والفعل تالٍ يُصَدِّقُهَا إذ يتأولها في آحاد من الأفعال تَشْهَدُ ، فالكمال الأول : كمال مطلق ، والفعل تال يصدق فهو يُظْهِرُ ، والكلم سَبَبٌ به المحدَثات تكون ، وذلك دليل المنقول والمعقول ، فَإِنَّ لكلِّ حدَث محدِثًا ، كما تقدم ، فلا يكون شيءٌ ، ولو غَيْرَ مُتْقَنٍ كما مُنْجَزُ الإنسانِ المحدَث فلا ينفك يكون ناقصا ويكون من الزيادة ما يُعَدِّلُ ، وتلك حكايةُ نَقْصٍ أول ، نَقْصٍ في العلم ، وهو ، مع ذلك ، سبب يُقَدِّرُ المنجزَ الحادث ، ولو ناقصا ، فكان من نَقْصِ المنجَزِ في الخارج ما يحكي نَقْصَ العلم الأول إذ يقدر ، ثم يكون من كمالٍ يَطْرَأُ بِمَا يكون من تَجْرِيبٍ يَتَكَرَّرُ ، فذلك وصف المخلوق إذ كماله طارئ والنقص فيه أصل ، فـ : (اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) ، فعلمه محدَث يُكْتَسَبُ ، وهو فَرْعٌ عن العمل إذ يُجَرِّبُ وَيُكَرِّرُ ، ومع ذلك فالأصل يطرد أن المحدَث لا بد له من محدِث ، نَصَحَ المحدَث أو لم يَنْصَحْ ، فكيف بهذا الخلق المحكم ؟! ، خلق الكون والإنسان ، فإن وجود محدِث له مما يجب من باب أولى ، وكماله عنوانُ رُبُوبِيَّةٍ قَدِ اسْتَبَانَتْ بخلقِ الأضدادِ تَقْدِيرًا فِي الأزلِ ، وَتَدْبِيرًا في المدافعة بَيْنَهَا ، فَحُصُولُ ذَلِكَ صدفةً أو خبط عشواء ذلك مما يخالف عن بدائه الأشياء ، فلا بد من أول عنه الحدث يصدر ، فهو المحدِث له ، وهو ما لا يكون بالنظر في هذا الإبداع لا على مثالٍ سابقٍ ، والإتقانِ ، هو ما لا يكون ، بداهة ، إلا بعلم تقدير أول قد استغرق الكليات والجزئيات كافة ، مع إرادة واختيار فَثَمَّ مشيئة تَنْفُذُ وبها الترجيح يثبت مُوَاطَأَةً لقياس يصرح إذ الجائز قد استوى طرفاه في النظر فلا يَنْفَكُّ يَفْتَقِرُ إلى مرجِّحٍ مِنْ خَارِجٍ ، فكان من وصف الخالق ، جل وعلا ، عِلْمًا هو الأول إذ يُقَدِّرُ في العدم ، ومشيئةً هي تال يصدق إذ لعلم التقدير تَتَأَوَّلُ بما يكون من كلمة تكوين هي السبب الذي يُبَاشِرُ ، فهي مرجِّح من خارج ، وثم مَلَكٌ يَتَحَمَّلُهَا ، وَثَمَّ من آثارها في الشهادة سَبَبٌ يُدْرَكُ بالحسِّ ولا بد له من شرطٍ يُسْتَوْفَى ومانعٍ يُنْفَى ومحلٍّ يقبل آثار السبب ، فذلك مجموع يطرد في المحدَثات كَافَّةً وَبِهِ الجمع بين النقل المصدَّق والعقل المحقَّق ، فكان من إرساله ، جل وعلا ، الجنسُ آنِفُ الذِّكْرِ الَّذِي اسْتَغْرَقَ الكونيَّ وهو مَا عَمَّ ، مِنْ وُجُوهٍ ، فَعَمَّ الجلال والجمال بالنظر في آحاد مقدوراتِه ، جل وعلا ، وَعَمَّ المرسَلَاتِ ومنها الملَك والريح بل ومنها الشياطين في مواضع الجلال فهي من العقاب الناجز : (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) ، والأز ، كما يقول أهل الشأن ، تحريك شديد يُهَيِّجُ المحلَّ ، وذلك ، لو تَدَبَّرَ الناظرُ ، مما به النِّكَايَةُ تَشْتَدُّ ، وهو ما حَسُنَ فِيهِ ، أيضا ، إسناد العامل إلى ضمير الفاعلين في "أَرْسَلْنَا" حكايةَ الجلال ولا يخلو من جمال إذ كان من الحكمة أَنْ وَاطَأَ المحلُّ السبب المرسَل وإن عقابا ينجز ، وثم ، في المقابل ، إرسال التشريع المحكم ، كما في الآي آنف الذكر : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) ، وهو ما عَمَّ الخبر والإنشاء ، الآي والأثر ، فكان منه عموم قد استغرق وبه ، وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ ، يَسْتَأْنِسُ مَنْ يُطْلِقُ الاحتجاج بالآثار الرسالية الصحيحة ، ولو استقلت بأحكامٍ لم تأتِ الآي بأصولها ، فكان من ذلك ما قُيِّدَ بالحالِ : (شَاهِدًا) ، فهو الشاهد على الأمة الخاتمة ، وهي الشاهدة على غَيْرِهَا ، فكان من الوحي شَاهِدُ الحجَّةِ وقيامها شرط في التكليفِ فلا يكون إلا بَعْدَ البلاغ والتبيين ، وَثَمَّ من الإطناب بالأحوال : (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) ، وهي مما يجري مَجْرَى الطباق إيجابا بَيْنَ البشارة والنذارة ، فالأولى مناط جمال بما كان من الوعد الباعث على الفعل رَغَبًا ، والثانية مَنَاطُ جلالٍ بما كان من الوعيد الباعث على التَّرْكِ رَهَبَاً ، فاستغرق الجمال والجلال كافة ، واستغرق شطري القسمة في باب التزكية : تخليةً بِالتَّرْكِ ثُمَّ تحلية بالفعل ، وكان من موضع آخر تَقْيِيدٌ بالحق ، فـ : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) ، وتلك حال تحكي الملابسة والمصاحبة وتلك مادة الوحي التي استغرقت الحق خبرا يصدق وآخر من العدل يحكم ، فلا تخلو "أل" في "الحق" أَنْ تَحْكِيَ بَيَانَ الجنس : جنس المدخول من الحَقِّ وهو الثابت في نفس الأمر ، مع آخر يستغرق الآحاد ، وإن خُصَّ ، أيضا ، فذلك حق التشريع خبرا وحكما لا حق التكوين خلقا ورزقا فَمَا بِذَا بُعِثَ الأنبياءُ ، عليهم السلام ، وإنما بُعِثَ الملَكُ بكلمات التكوين ، فهم رسل وإن في التدبير ، والإرسال ، كما تقدم ، قد استغرق كُلًّا : عموم حكمة وقدرة ، وبهما كمال الوصف ثَنَاءً يُطْلَقُ فِي حَقِّ الرب ، جل وعلا ، وذلك أي الخبر في قوله تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) ، ذلك مما يُرَادُ به الإنشاء ، أن آمنوا بما تَحَّمَلَ هذا الشاهد من الحق ، وهو مما عَمَّ فاستغرق ما تَلَا من الخبر : (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، فَحُدَّ عِلَّةً عُطِفَ فيها الخاص على العام ، فكان من الإيمان أول وهو ما استغرق الله ، جل وعلا ، وهو المرسِل ، والمرسلَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَأُطْلِقَ عاملُ الإيمان وَقُدِّمَ الله ، جل وعلا ، وذلك ما استوجب ، من وجه ، تَقْدِيرَ مضافٍ به استيفاء الآحاد فالإيمان بالله ، جل وعلا ، إيمان بوجوده ، وهو الوجود الأول الواجب فلا يفتقر إلى مرجح من خارج ، وهو الوجود الكامل أولا كمالا قد استغرق الذات والاسم والوصف والفعل جميعا ، وذلك ما استوجب إيمانا أخص بواحد من الوصف وهو العلم الذي كان منه الوحي كلماتٍ تُخْبِرُ بِصِدْقٍ وبه قوة العلم تَنْصَحُ ، وأخرى تَحْكُمُ بِعَدْلٍ وبه قوة العمل تكمل ، فذلك الإيمان بالنبوات وهو ما رُفِدَ تاليا فلا يخلو العطف في قوله تعالى : (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، لا يخلو ، من وجه ، أن يكون عطف التلازم بين الغاية والوسيلة ، فإن الغاية من الإيمان بالله لا تكون إلا بِخَبَرٍ وَحُكْمٍ وَهُوَ مَا لَا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحيِ ، وواسطةُ التَّبْلِيغِ هِيَ البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وتلك الوسيلة التي يُتَذَرَّعُ بها إلى الغاية ، فلا يكون إيمان هو الأول فذلك المقصِد لِذَاتِهِ من كلِّ وجهٍ ، لا يكون إيمان بالله ، جل وعلا ، إلا أن يكون ثم مخبِر صدقٍ عما يجب من ذلك إيمانا بالله ، جل وعلا ، ذاتا واسما ووصفا وفعلا وحكما ، والحكم منه التكوين وهو مادة إيمان بربوبية العلم والتقدير الأول وما يكون من تال به الإيجاد يحصل ، مشيئة وَتَكْوِينًا يَنْفُذُ ، وَسَبَبُهُ الَّذِي يُبَاشِرُ هو كلم التكوين الذي به الملك يَتَنَزَّلُ ، فذلك أول في الباب : باب التوحيد فمنه ربوبيةُ تقديرٍ وتكوينٍ وتدبيرٍ ، وذلك الملزوم الأول ، ولا ينفك ، من وجه آخر ، يحكي مادة إلهياتٍ تَنْصَحُ بما كان من اسم ووصف وفعل فمنه الجلال ومنه الجمال وبهما الكمال الأول ، فذلك المطلق الذي سَلِمَ مِنَ النَّقْصِ ، وما الكلم كُلُّهُ ، كَوْنًا وَشَرْعًا ، ما الْكَلِمُ إلا آثار له تُصَدِّقُ بما كان من حكمةٍ وقدرةٍ في الخلق ، وصدقٍ وعدلٍ في الشرع ، فكل أولئك : ملزوم علمي مادته توحيد خبري قد جاءت به نصوص الأسماء والصفات والأفعال ، ولازمه في القياس العقلي المصرح وهو ما كان تاليا لآي وحي يصدق ، لازمه : توحيد ألوهية ومادته : تصديقُ الخبرِ وامتثال الحكم ، فذلك توحيد العمل والطلب ، وتلك حكاية تلازم يطرد في النصوص كافة : تلازم العلم وهو الأول وبه التصور ينصح ، والعمل وهو تال يصدق إذ الحكم ، كما يقول أهل الشأن ، الحكم فرع عن التصور ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، عنوان ديني يجزئ حكايةٍ لتكليف يستغرق ، فَثَمَّ من عنوان الإيمان ، على التفصيل آنف الذكر ، ثم منه توحيد قد استغرق العلم والعمل ، وتلك مادة التكليف فلا تخرج عن علم هو الخبر الذي يُصَدَّقُ ، وَعَمَلٍ هو الحكم الذي يُمْتَثَلُ ، وهو ما استوجب التقدير : تقدير المضاف : فكان من الرسالة شهادة وبشارة ونذارة ، كان منها سبب به التوسل إلى الإيمان فكان من اللام نص في التعليل في قوله تعالى : (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ) ، وذلك موضع الحذف على تقدير : لتؤمنوا بأسماء الله ، جل وعلا ، وصفاته وأفعاله وأحكامه ، وهو ما جَاوَزَ التصديق المجرَّد فإن من ذلك تقرير وإذعان وهو مادة عنها المحبة والكره يصدران وبهما إرادة إيجابٍ وسلبٍ فَهُمَا سَبَبُ الفعلِ والتَّرْكِ ، وتلك التخلية بِالتَّرْكِ لِمَا يُكْرَهُ وَتَالٍ من التحلية بِفِعْلِ ما يُحَبُّ ، وثم من المحل ما يصدق ، بما رُكِزَ فيه من قوة ، فَبِهَا تأويلُ الإرادة ، فهي السبب المرجح من خارج المحل : إيجابًا أو سَلْبًا ، فِعْلًا أو تَرْكًا ، ولا يكون كلُّ أولئكَ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا ، لا يكون إلا أن يشاء الرب الخالق ، جل وعلا ، فمشيئته في التكوين أبدا تسبق وما الكون بأعيانه وأحواله إلا شاهدٌ في الوجود يُصَدِّقُ ما كان أولا في العلم المحيط وما سُطِرَ تَالِيًا فِي لوحِ التَّقْدِيرِ ، فَحَصَلَ من الإيمان مجموع مُرَكَّبٌ قد استغرق المحالَّ كَافَّةً ، ما بَطَنَ مِنَ الجنانِ ، وما ظهر من اللِّسَانِ والأركانِ ، وَكَذَا استغرق الأحوال كافة : التصديق إذ يَبْطُنُ وهو أول في كلِّ قولٍ وعملٍ يَظْهَرُ ، فلا بد له من اعتقادٍ يُجَاوِزُ العرفانَ المجرَّدَ بل لا يكون إلا بِتَقْرِيرٍ يجزم وهو ، أيضا ، المرجِّح من خارج ، إذ الدليل وهو العلم مما تُقَامُ به الحجة بَيَانًا وَإِرْشَادًا ، وذلك العرفان آنف الذكر وهو مما يحصل لكلِّ أحدٍ ، آمنَ أو كفرَ ، قَبِلَ أو رَدَّ ، أَحَبَّ أو كَرِهَ ، فلا بد من قدر يزيد فلا يكون إلا وثم إلهام وتوفيق فتلك هداية أخص لا تحصل في المحل إلا أَنْ يُؤْمِنَ ، وذلك ما يجاوز في الحد أَنْ يَعْرِفَ ، لا جرم بَطَلَ حَدُّ الإيمان كما قال بَعْضُ مَنْ أَحْدَثَ من الإرجاءِ الْغَالِي أَنَّهُ المعرفة ، ولو مجرَّدَةً ، فَهِيَ مما يحصل لكثير من المنكرين فليسوا بجاهلين ، بل ما أنكروا إلا وقد علموا المقال وعلموا من لوازمه ما يخالف عن أهوائهم وأذواقهم وأقيستهم الفاسدة في العلم والعمل ، فالإيمان إن في الباطن أو في الظاهر ، الإيمان قدر يَزِيدُ فهو يجاوز المعرفة المجردة ، فَثَمَّ مِنَ التَّقْرِيرِ ما يُرَجِّحُ ، وهو ، أيضا ، المرجح من خارج ، ولا يكون إِلَّا أَنْ يَشَاءَ العبد ، ولا تكون مشيئة العبد إلا أن يشاء الرب ، جل وعلا ، تقديرا في الأزل وإيجادا في الشهادة يُصَدِّقُ بِمَا تقدم من كلمِ تكوينٍ يَنْفُذُ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ فِي المؤثِّرين فهو مما امتنع في الأزل ، فَمَرَدُّ الأمر كله ، كونا وشرعا ، إلى الرب الخالق بكلمات التكوين النافذة ، والإله الحاكم بكلمات التشريع النازلة وَكُلٌّ قَدْ تَنَزَّلَ به الملَك فَأُرْسِلَ بالتكوين والتشريع جميعا ، ولكلٍّ من المحل ما يُوَاطِئُ ، ولكلٍّ من التأويل في الشهادة ما يلائم ، حكايةَ التوحيدِ الجامعِ للأوصاف كَافَّةً ، أوصافِ العلمِ ومنه الكوني المقدِّر إيجادا أو عدما ، والشرعي المكلِّف خَبَرًا أَوْ حُكْمًا ، فاستغرق العلمُ كلَّ محلٍّ وَحَالٍّ ، فالتوحيد جامعٌ لأوصافِ العلم والحكمة والمشيئة والقدرة ، حكاية الكمال المطلق فجمال العلم والحكمة وهو مثال لجنس من الوصف أول ، وصف الجمال وهو مناط الترغيب في الفعل رجاءً وذلك في أعمال الباطن شطر ، وجلال المشيئة والقدرة وهو ، في المقابل ، مثال لجنس من الوصف ثان ، وصف الجلال وهو مناط الترهيب في التَّرْكِ خشيةً وذلك في أعمال الباطن آخر ، وبهما اكتمال القسمة في باب العبودية : خشيةً بها التخلية من المحظور ورجاءً به التحلية بالمأمور ، فاستغرق العنوانُ الأصلينِ الباعثين في الفعل والترك : الرجاءَ والخشيةَ ، أو المحبةَ والخوفَ في قسمة أخرى قد استوفت مادة الرغب والرهب كافة ، واستغرق آحاد المفعولات كما العبادة قد حُدَّتْ في مواضعَ أَنَّهَا اسم جامع لشعب من القول والفعل تحمد ، وتلك مادة الإيمان التي تجاوز التصديق والإرادة في الباطن إلى القول والعمل في الخارج ، وذلك حَدُّ الإيمان المجزئ فهو الاعتقاد والقول والعمل ، فإطلاق العامل في "لِتُؤْمِنُوا" قد استغرق المحال والأحوال كافة ، الجنان الباطن وما يقوم به من التصديق والإرادة ، والأركان الظاهرة وما يقوم بها من قول يشهد وآخر يَذْكُرُ ، وفعلٍ يستغرق الإيجاب والسلب على ما تقدم من تخلية بعدها التحلية ، فتخليةٌ مما يكره فهو يحرم وتحليةٌ بما يحب فيجب أو يُنْدَبُ ، فتعمر الأركان جميعا بمادة من القول والعمل تَنْصَحُ ، وذلك حد الإيمان الذي أُطْلِقَ ، ولا يكون ، كما تقدم ، إلا أن يكونَ سببُ ترجيحٍ من خارج : إرادةُ المخلوق أولا وهي مناط التكليف اختيارا لا جَبْرًا وإلا كانت النبوات عبثا ، وإرادةُ الخالق ، جل وعلا ، فهي أول في كل حركة في هذا العالم ، وهي المرجِّح من خارج الجائزِ من حركات العباد اختيارا وهي مناط التكليف فِعْلًا وَتَرْكًا فَمَرَدُّهَا جَمِيعًا إلى مشيئة الرب الخالق ، جل وعلا ، فَفِعْلُ العبدِ امتثالُ الألوهيةِ تصديقًا وامتثالًا ، وفعل الخالق ، جل وعلا ، ربوبية لا يكون تصديق ولا امتثال إلا بها تأويلا يَنْصَحُ لِمَا قد ثَبَتَ في علمٍ أول يحيط وما سُطِرَ تَالِيًا في لوح تقدير فمن وجد الخير فَلْيَحْمَدْ ربه ، جل وعلا ، ومن وَجَدَ غَيْرَهُ فَلَا يَلُومَنَّ إلا نفسَه إذ لم يَنْهَهَا عن الهوى .
    فذلك إيمان هو العلة وقد استغرق ، كما تقدم ، الدِّينَ كُلَّهُ ، فأطنب تاليا بالوسيلة : توحيد صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك الإيمان به رسولا يُبَلِّغُ وَبُيَبِّنُ وهو ، كما تقدم ، مما عم الوحيَ كُلَّهُ ، آيا وَأَثَرًا ، خبرا وحكما ، ولا يخلو الإطناب ، من وجه آخر ، أن يستغرق شطري الشهادة : عنوان الدين الجامع : توحيد المرسِل ، جل وعلا ، والمرسَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

    ومن ثم كان الإطناب بلازم ، من وجه ، وواحد من آحاد العموم من آخر ، فإن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستلزم التوقير والتعزير ، وهو ، من وجه آخر ، داخل في حد الإيمان به فذلك واحد من آحاده ، وثم من التعزير ، لو تدبر الناظر ، ما يجري في اللسان مجرَى المشترك بل هو من الأ ضداد وهي من أشد الألفاظ إجمالا ، فهي تحكي معنى وضدا ، فتحكي التعظيم وضده ، وهو ما استوجب في الباب ، كما الجائز في النظر ، ما استوجب الترجيح إذ ثم طرفان كلاهما محل نظر فَهُمَا مما احتمل اللفظ بل قد دَلَّ عليهما ، ولو دلالةَ الضدِّ ، فوجب الترجيح من خارج وهو ما استلزم القرينة الصارفة تأويلا يرجح الترجيحَ المعتبر لا آخر يَتَحَكَّمُ فَيَكُونَ الترجيحَ بلا مرجِّح ، فكان من السياق قَرِينَةٌ رجحت التعظيم فهو المسبوق بالإيمان والمتلو بالتوقير في قوله تعالى : (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) ، فَثَمَّ قَرِينَةٌ من سِبَاقٍ وأخرى من لِحَاقٍ ، فَصَرَفَتِ الدلالة في حال الاشتراك في ضدٍّ ، صَرَفَتْهُ إلى وجه دون وجه ، وذلك ما يضاهي التأويل في الاصطلاح المتأخر وَإِنْ زِيدَ فِيهِ أَنَّهُ صَرْفُ رَاجِحٍ إلى مرجوح فَثَمَّ تَرَاجُحٌ بَادِيَ الرَّأْيِ قد جاء التأويل على خلافه ، لا تَسَاوٍ في ضِدٍّ قَدِ اسْتَوَى طَرَفَاهُ ، وَإِنِ اسْتَوْجَبَ التَّرْجِيحَ ، أيضا ، وإلا كان التحكم في كلٍّ تَرْجِيحًا بلا مرجِّح ، وذلك ، من وجه ، مما يستأنس به من يجوز المجاز في اللسان والوحي ، ومن يمنع فهو على أصل قد اطرد فظاهر الألفاظ عنده ليس الدليل المعجمي المطلق ، وإنما هو المركب من الدلالة المعجمية المفردة وما يحتف بها من النظم المركب ، ومن ثم كان الختام تسبيحا في قوله تعالى : (وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، ومرجعه لا أَقْرَبُ مذكورٍ كما المتبادر المعهود رَاجِحًا ، بادي الرأي ، بما اطرد من قانون النحو ، فَثَمَّ من القرينة ، أيضا ، ما استوجب المخالفة عن الأصل المطرد إذ التسبيح بداهة لا يكون إلا لله ، جل وعلا ، الذي سبق ذكره ذِكْرَ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك التسبيح الذي أطلق فِي زَمَانِهِ فاستغرق طباقَ إيجابٍ ، استغرق كُلًّا : بكرة وأصيلا ، وهو عنوان التخلية الذي يحسن فيه الإطلاق نَفْيًا لكلِّ نَقْصٍ ، فالأصل فيه الإجمال وهو ما استوجب تلازما آخر في الباب : باب الاسم والوصف ، هو ما استوجب تحليةً بِثَنَاءٍ الأصلُ فيه التفصيل والإطناب ، فَتَخْلِيَةٌ بالتسبيح أولا ، ثم تَحْلِيَةٌ قد سكت السياق عنها ، فَدَلَّ شطر القسمة الأول تخليةً ، دل عَلَيْهَا دلالةَ التلازم الذي استوفى شطري القسمة في الخارج ، كما في "الحَرُّ" في قوله تعالى : (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ، فهو ، كما تقدم في مواضع ، دليل على قسيم آخر يشاطره القسمة في الخارج ، على تقدير : تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ ، فكذا التسبيح تخليةً وهو المراد لغيرِه ، فهو دليل الإطناب في وصف الإثبات تخليةً هي المراد لذاته ، وذلك ، أي الإيمان الخبري بالاسم والوصف تخليةً ثم تحليةً ، ذلك ، أيضا ، قَسِيمٌ لآخر محذوف من الامتثال : امتثال الأمر والنهي ، فكان من ذلك توحيد العمل كما الأول توحيد الخبر ، وكان منهما في عبارة تُوجِزُ ، كان منهما الدين المجزئ الذي لأجله بُعِثَ الرسل ، عليهم السلام ، فتلك آية جَامِعَةٌ لِلدِّينِ كلِّه ولو أُوجِزَ لفظُها كلماتٍ تُعَدُّ .
    ولا يخلو الخبر وهو يحكي التعليل في قوله تعالى : (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، لا يخلو من إنشاء يلازم إذ يأمر أَنْ : آمنوا بالله ورسوله ووقروه وعزروه وسبحو الله ، جل وعلا ، بكرة وأصيلا ، وهو ما استوجب ما تَقَدَّمَ في مواضع من طاعةٍ قد أُطْلِقَتْ فاستغرقت أَنْ : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 29-08-2022 في 06:43 PM

  6. #46
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:30 PM

    المشاركات
    5,169
    العمر
    44

    فكان من الأمر بالطاعة ، وهو ما أطلق ، كما تقدم في مواضع ، فاستغرق وجوه المعنى مبادرة لا تَتَأَخَّرُ ، فالأصل فيها الفور تَعْقِيبًا هو الناجز في التكليف ، وهو ما وجب استصحابه في كل حكم شرعي حَتَّى يَرِدَ دليل ناقل يُجَوِّزُ التأخيرَ بل قد يوجبه في مواضع ، كما لو تزاحم واجب مضيق مع آخر موسع ، فالواجب تقديم المضيق ولو كان المفضول إذ لا يمكن استدراكه إن فات ، كمن رأي غريقا وهو يطيق إنقاذه ، وثم من وقت المكتوبة ما دخل فَلَوِ اشْتَغَلَ بِهَا وَتَرَكَهُ يغرق لأثم وإن أثيب من آخر أن أدى المكتوبة فَثَمَّ مِنِ انْفِكَاكِ الجهةِ ما يجمع ضِدَّيْنِ أو مُتَنَاقِضَيْنِ ، فَيُثَابُ من وجه ويأثم من آخر ، والأولى أن يجمع الحسنيين بل ذلك مما وجب في حقه لا سيما إن لم يكن ثم غَيْرُهُ يُطِيقُ ذَلِكَ ، فَقَدْ صَارَ الفرض الكفائي في حقه فَرْضَ عَيْنٍ ، وثم من المكتوبة واجب موسع ، بل لو خَرَجَ وَقْتُهَا فلم يكن إنقاذ الغريق إلا بذلك ، فالواجب من إنقاذه يَتَعَيَّنُ ولو خرجَ وقت الفرض ، ولو أفطر في نهار رمضان إن لم يمكن الإنقاذ إلا بذلك فالفرضُ يُسْتَدْرَكُ قضاءً والنفس إذا زهقت لا تستدرك ، فوجب التقديم من هذا الوجه ، أيضا ، وهو ما يواطئ قياس العقل المصرَّح .

    والشاهد أن الطاعة مما وَجَبَ ناجزا إلا أن يكون ثم قرينة تأخير ، وَأَنَّهَا مما عم فاستغرق وجوه المعنى ، فهي الطاعة التامة وذلك توحيد المرسِل ، جل وعلا ، فهو المنشِئُ لِلشَّرْعِ كلماتٍ قد تَنَزَّلَتْ بالخبر والحكم وهي ، كما تقدم مرارا ، قسيم يشاطر كلمات التكوين جِنْسًا أَعْلَى هو الكلم الذي يحكي العلم الثابت في الأزل عِلْمًا قَدْ أحاط بالشرع والكون كَافَّةً ، وهو ما صُدِّقَ في لوح التقدير سطرا ، فذلك محل تأويل أول ، وثم تال هو وصف الكلام ، فذلك الفعل الذي قَدُمَ نوعُه وحدثت منه آحاد قد تَحَمَّلَهَا الملَك ، فَتَحَمَّلَ ملَك التكوين كلمات الخلق والرزق والتدبير ، وَتَحَمَّلَ ملَك التشريع كلمات الخبر والحكم ، فهي سبب أول من وصف الرب المهيمن ، جل وعلا ، وذلك الأول الذي ليس قبله شيء ، وتلك الأولية المطلقة التي استغرقت وجوه المعنى ، واستغرقت الجهات كافة : الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، فتلك الأولية المطلقة : أوليةُ الخالق ، جل وعلا ، بكلمات تكوينٍ نافذةٍ هي العلة التامة فلا تَفْتَقِرُ إلى سَبَبٍ من خارج ، ولا علة تَتَقَدَّمُهَا إذ لها من الأولية المطلقة في الخلق تأويلٌ لآخر في الوجود ، واجب الوجود الأول الذي استغرق الذات والاسم والوصف ، ومنه وصف الفعل إيجادا ورزقا وتدبيرا عناوينَ ربوبيةٍ تَنْفُذُ ، فهي مما استغرقته الحقيقة الأولى : حقيقة الواجب لذاته ، فوجوده قسيم لآخر جائز ، إذ الوجود منه الواجب ومنه الجائز ، ومن الواجب مَا انْفَرَدَ بالكمالِ المطلقِ أَزَلًا وهو ما استوجب الحد الذي يميز الخالق واجبَ الوجود ، جل وعلا ، من المخلوق جائز الوجود ، فكان من ذلك ضروري في النقل والعقل والفطرة والحس ، فوجود الخالق ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وجود كاملٌ الكمالَ المطلق ، واجبٌ لذاتِه فهو الأول الذي استغنى فلا يفتقر إلى سبب من خارج ، بل هو السبب الأول في حدوثِ كلِّ مخلوق تَلَا ، فَكَانَ من وصفِه فِعْلًا في الكون : فعلُ الخلقِ والرَّزْقِ وَالتَّدْبِيرِ ، وكان من كلماته الكونية النافذة تأويلٌ لتلك الأفعالِ ، فتأويل الخلق كلمة بها الخلق يكون ، وتأويل الرَّزْقِ كلمة بها الرِّزْقُ يَتَنَزَّلُ ، وتأويل التدبير كلمات بها العالم يَنْتَظِمُ بِمَا جرى من سنن محكم إذ لا يكون بداهة بلا علم وحكمة وذلك الجمال ، ومشيئة وقدرة وذلك الجلال وبهما جميعا الكمال المطلق قد ثَبَتَ وهو ، بداهة ، ما يَلِيقُ بالرب المهيمن جل وعلا .
    والسبب ، مع ذلك ، مما لا يعمل استقلالا بما رُكِزَ فيه من قوة التأثير حتى يكون ثَمَّ محلٌّ يقبل آثاره ويكون ثَمَّ سبب يجب وجودُه ومانع يجب عدمُه ، وعلة أولى تَتَقَّدَمُ من سَبَبٍ مشهود يُرَدُّ إلى آخر مغيَّب ، وذلك حكم في العقل يجب ، فإن المشهود لا بد أن يَنْتَهِيَ إلى مغيَّب إذ يَنْتَهِي حد الحس فلا يجاوز ، وهو ما لا يحسم السؤال عن السبب ، فالمشهود يفضي إلى المغيب ، والمغيب لا بد له من أول ، فكان من جواب الوحي المحكم أن كان من المغيَّب سبب هو الملَك بما تحمل من الكلم النافذ وآخر هو الحاكم ، فَهُمَا ، كما تقدم ، قَسِيمَانِ لجنسٍ أعلى من الكلم ، فالملَك يَتَنَزَّلُ بكلا الْقَسِيمَيْنِ : الكوني والشرعي ، وذلك سبب مغيَّب لا يحسم التسلسل إذ هو من المخلوق المحدَث فلا بد من سبب أول لا سببَ يَتَقَدَّمُهُ ، فهو واجب الوجود أزلا ، وهو المحدِث فليس يَحْدُثُ إذ له من وصف الأول إطلاقٌ يَسْتَغْرِقُ الذَّاتَ والاسمَ والوصفَ والفعلَ والحكمَ ، وإن كان من الفعل آحاد تحدث بالمشيئة فنوعه قديم في الأول ، وَمَرَدُّهُ ، كما سائر المخلوقات والمشروعات ، مَرَدُّهُ إلى علم أول يحيط وبه التقدير والتشريع ، فذلك سبب أول لا سبب يتقدمه ، وتأويله كَلِمٌ من التكوين يَنْفُذُ وآخر من التشريع يحكم ، وكلاهما من العلم الإلهي المستغرق ، فلا سبب يتقدم الكلم وهو من العلم ، فمرد الأمر إلى وصف الرب ، جل وعلا ، عِلْمًا هو الأول المحيط ، ومشيئة بِهَا التكوين ، فذلك الأول فَلَيْسَ قَبْلَهُ شيءٌ ، وذلك أول في الوجود واجب ، وهو بِوَصْفِهِ وَكَلِمِهِ ، هو الفاعل الأول ، وآثاره في الوجود تظهر بما كان من هذا العالم المتقن ذي السنن المحكم الذي يدل ضرورة على أول من العلم والقدرة : علمٍ يحيط فهو المستغرِق للكليات والجزئيات كافة ، وقدرةٍ تَنْفُذُ ، فذلك الأول بالوصف والفعل ، فَلَيْسَتِ العلةُ ذَاتَهُ المجرَّدة من الوصف كما اقترحت الحكمة الأولى غلوا في الباب : باب التعطيل ، فَجَعَلَتِ العلة الفاعلة ذاتا مجردة ، وهي العدم ، لو تدبر الناظر ، وذلك مما يخالف عن البدائه الضرورية في النقل والعقل والفطرة والحس ، فالعدم ليس بشيء في الخارج وإن قُدِّرَ في الذهن فَرْضًا محضا يَتَنَزَّلُ به القائل في جدال المخالف ، فالعدم ليس بشيء لِيُرَجِّحَ في جائزٍ يحتمل الوجود أو العدم ، فالجائز من هذا الوجه أكمل منه فهو يحتمل الوجود ، خلاف العدم فهو من اسمه عدم ، فَقَدْ ثَبَتَ انْتِفَاؤُهُ في الخارج فكيف يُرَجِّحُ في إيجادٍ وهو معدوم ليس له وجود ، وفاقد الشيء لا يعطيه ، فلزم من ذلك ترجيح بلا مرجح إذ آل التعليل إلى عدم يفتقر في نفسه إلى مرجِّح ، بل قد ثبت من العدم ما لا يجدي فيه ترجيح ، فليس إلا المطلق الأول بشرط الإطلاق فلا حقيقة في الخارج تجاوز ، وهو ، كما تقدم في مواضع ، مما اتخذ ذريعة إلى حلول واتحاد على اختلاف أجياله ، فصار ذريعة إلى الجفاء في الخالق ، جل وعلا ، وضِدٍّ من الغلو في المخلوق أن حَلَّ فيه المطلق الإلهي ، فصار الإله وإن تجسد في الخارج في شخصِ حقيقةٍ أو آخر اعتباري ، كما البلوى قد عمت في الجيل المتأخر : طرحَ حداثةٍ في التشريع والسياسة فتلك شخوصُ اعتبارٍ قد حَلَّتْ فِيهَا روح الإله وإن هيئات محدثة في الخارج .
    فذلك أول الحكمة الأولى الذي عمت به البلوى فجاوزت التصور إلى الحكم ، وكان منها شرك قد عَمَّ أَنْوَاعَ التوحيدِ كَافَّةً ، مع مخالفته لِمَا صَرُحَ في العقل ضرورةً أَنَّ المطلَق بشرط الإطلاق ليس إلا فرض الذهن المجرد فلا حقيقة له في الخارج تَثْبُتُ ، وليس له من الفعل والتأثير ما به يكون الترجيح في إيجادٍ أو عَدَمٍ ، فالعلة الفاعلة الأولى التي اقْتَرَحَتْهَا الحكمةُ الأولى عَدَمٌ لَا يُرَجِّحُ ، فالترجيح بها ترجيح بلا مرجِّح مخالفةً لِمَا استقر في العقول من الضرورة العلمية الملجِئَةِ أَنَّ لِكُلِّ محدَثٍ في الخارج محدِث ، والعدم ليس بشيء في الخارج ، فليس بالمحدِث الذي يجيب عن سؤال الأول الذي كان منه الترجيح في الخلق المحدَث وبه حسم المادة الممتنعة في النقل والعقل : تسلسل المؤثرين في الأزل فلا بد من أول ، ولا بد في هذا الأول من وصفٍ وَفِعْلٍ يُرَجِّحُ فلا يكون العدم مطلقا بشرط الإطلاق فذلك ما لا وجود له ابتداء لِيُرَجِّحَ في جائزٍ إيجادًا أو إعدامًا ، فَوَجَبَ الرَّدُّ إلى أوِّلِ النبواتِ ، فهو الذي يجيب عن هذه السؤالاتِ المشكلَةِ فِي بابها بما يواطئ العقل والفطرة والحس إذا سلمت من العوارض القادحة في العلوم والمواجيد الضرورية ، فكان من العلة الأولى : كلمات تكوين تَنْفُذُ ، ولا تكون إلا بإذنِ الربِّ المهيمن ، جل وعلا ، وَمَرَدُّهَا أبدًا إلى ما كان من علم هو الأول المحيط ، وما سُطِرَ في لوح التقدير المحكم ، وما كان من مشيئة تُرَجِّحُ وعنها السبب الأول يصدر : كَلِمَ تكوينٍ يَنْفُذُ ، فتلك العلة الأولى التي عنها الخلق يصدر ، فيكون من تحمل الملَك لها إذ بها قد أرسل وهي ما به السنن المحكم في أسباب الشهادة والحس يجري بما يُوَاطِئُ العلمَ الأول ، فيكون من السبب المغيب : أول ليس بالمحدَث قَطْعًا لِمَا تَقَدَّمَ من التسلسل في المؤثرين أزلا ، ويكون من السبب المغيَّب : تال هو الملَك إذ يَتَنَزَّلُ بالإذن ، فـ : (مَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) ، فاحتملت الباء في "بِأَمْرِ" ، احتملت التعليل من وجه ، فإذن الله ، جل وعلا ، هو الكلم الكوني النافذ ، وبه ، كما تقدم ، الترجيح في المحدَثات فهو السبب الأول ، من وجه ، وهو المظهِر المصدِّق لما ثَبَتَ أَوَّلًا من وصف الكمال المطلق فتأويله ما يكون من كلمات محكمة إِنِ الكونيةَ النافذةَ وبها اسم الرب ، جل وعلا ، يُؤَثِّرُ في الخلق بما اطرد من السنن المحكم وواجبه في التكليف : توحيد في الوصف : وصف الفعل المؤثِّر ، وهو ما استوجب أعم من توحيد الاسم والوصف كافة ، وصف الذات ووصف الفعل ، وصف المعنى ووصف الخبر ، وتوحيدٍ آخر في الفعل : توحيد العلم والخبر ، توحيد الرب ، جل وعلا ، بأفعاله ، فتأويل الكمال الأول المطلق ما يكون من كلماتٍ محكمة إِنِ الكونيةَ النافذة ، كما تقدم ، أو الشرعية الحاكمة ، وهي مَا جَاوَزَ ، أيضا ، فاستغرق الخبر وبه التصور يَنْصَحُ ، والإنشاء وهو تأويل تال في الحكم أمرا ونهيا ، وواجبه في التكليف : توحيد به اكتمال القسمة في الخارج ، فذلك توحيد التأله بالتصديق لما جاء من خبر الوحي الصادق ، والامتثال لما جاء من حكم الوحي العادل ، وهو المجموع الديني المركب من القول والعمل ، من الاعتقاد الخبري والقول الشاهِد والعمل المصدِّق ، وذلك حد الإيمان المجزئ ، كما تقدم في مواضعَ تَكْثُرُ ، فكلُّ أولئك مما قد صَدَرَ عن أمر أول ، أمرِ الرب المهيمن ، جل وعلا ، فهو السبب الذي لا سبب له يَتَقَدَّمُ ، تأويل الاسم والوصف والفعل والحكم ، فَبِهِ نَزَلَ الملَك ، وتلك أخرى في الْبَاءِ ، بَاءِ "بِأَمْرِ" فِي قوله تعالى : (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) ، فَهِيَ ، سَبَبِيَّةٌ من وجه ، وهي مَئِنَّةُ مُصَاحَبَةٍ مِنْ آخر إذ نَزَلَ بها الملَك مصاحِبًا بما تَحَمَّلَ مِنْ كَلِمٍ قَدِ اسْتَغْرَقَ : كَلِمَ التكوينِ النافذ تَأَوُّلًا لاسمِ الربِّ الخالقِ ، وكلم التشريع الحاكم تَأَوُّلًا لاسم الإله الحاكم ، وبهما التوحيد الناصح يُسْتَوْفَى : توحيد العلم الخبري وتوحيد العمل الطلبي ، فاستوفى شطري القسمة في التكليف : فالباطن يُصَدِّقُ الخبرَ والظاهر يمتثل الطلبَ ، وكلاهما ، كَمَا تَقَدَّمَ من إطلاقِ العامل ، عامل الطاعة في قوله تعالى : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، كلاهما يدخل في حد الطاعة الواجبة الناجزة ، طاعة الإله الحاكم إذ يُنْشِئُ الشريعةَ قولًا يُصَدِّقُ مَا كَانَ أَوَّلًا من العلم المحيط وما سُطِرَ تَالِيًا في لوح التقدير فما سُطِرَ فيه عَامٌّ قد استغرق : التكوين والتشريع كَافَّةً .
    فَطَاعَةُ الإلهِ الحاكم ، جَلَّ وَعَلَا ، وطاعةُ الرسولِ المبلِّغ المبيِّن لما تحمل من آيِ الوحيِ المحكَمِ خَبَرًا يُصَدَّقُ وَحُكْمًا يُمْتَثَلُ ، فَتِلْكَ طاعةٌ قَدْ أُطْلِقَتْ فَاسْتَغْرَقَتْ ، وَلَازِمُهَا ، كما تقدم في مواضع ، لَازِمُهَا التعظيم ، تعظيم الله ، جل وعلا ، وهو المرسِل ، ومن لازم تعظيم المرسِل أَنْ تُعَظِّمَ مَنْ أَرْسَلَ ، فَتُعَظِّمَ الرسولَ المبلِّغ المبيِّن صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو ما استوجب العدل فلا غلو ، لا جرم كان النهي أَنْ : "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" ، فكان النهي ودلالته الأولى في الأصول والبيان : دلالته التحريم الذي يوجب الكف فورا ، وذلك محل الإجماع بَيْنَ أهل الأصول كافة ، خلافا لما تَقَدَّمَ من دلالة الأمر فأهل الأصول فيها على أَكْثَرَ مِنْ قَوْلٍ ، فَثَمَّ مَنْ طَرَدَ البابَ : باب الفور في كلٍّ : الأمر والنهي ، وثم من جعل الأمر على التَّرَاخِي لا الفور ، وهو ما اقْتَصَرَ على الواجب الموسَّع ، فَجَعَلَ بَعْضٌ وقته الموسَّع مَئِنَّةَ تجويزٍ أَنْ يُؤَخَّرَ فيكون من التَّرَاخِي ما لا يُذَمُّ ، وَقَيَّدَ بَعْضٌ أَنْ تُؤْمَنَ العاقبةُ فَيَجُوزَ التأخيرُ في الوقت الموسع إِذَا أُمِنَتِ العاقبةُ ، وذلك ، كَمَا رَدَّ بَعْضٌ ، ذلك مما لا يَجْزِمُ بِهِ أحد فمن ذا يَعْلَمُ العاقبة بَعْدًا إلا الخالق جل وعلا ؟! ، فَوَجَبَتِ المسارَعة ، ولو احتياطا ، أَنْ يُوَافِيَ الأجل صاحبَه قبل الفرضِ وقد دخل الوقت فانعقد الإيجاب في ذمته ، وأجيب : إنه لا يأثم إذ قد عَقَدَ العزمَ أَنْ يُؤَدِّيَ وَإِنَّمَا أَخَّرَ فِي وقتِ الجوازِ ، لَا أَنْ يُؤَخِّرَ حَتَّى يكونَ وقتُ الاضطرارِ فذلك من اسمه ضرورة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، بل تَقَصُّدُ ذلك آيةُ نِفَاقٍ ، كما في الخبر : "«تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا»" ، فكان من "تِلْكَ" إشارةُ البعيدِ إرادةَ التحقير ، فالبعد في الإشارة ، كما تقدم في مواضع ، يحكي إجمالا يحتمل ، فَثَمَّ التعظيم وثم ضِدٌّ منه ، والسياق هو ما يُعَيِّنُ مُرَادَ المتكلِّم قَرِينَةً من خارجِ اللَّفْظِ ، وذلك نِدَاءُ بَعِيدٍ قد اجتمع فيه من حروف المباني : التاء واللام والكاف ، ما يدخل في ماهية المفرَدَةِ المنطوقة ، فليست من حروف المعاني ، وهي ، مع ذلك ، لا تنفك تحكي معنى ، فإن اللام مئنة البعد في الإشارة ، وذلك مرجح من خارج "تِي" التي تحكي إشارة القريب ، فَلَفْظُهَا المجرَّد حكاية الإشارة إلى الْقَرِيبِ بالنظر في أَصْلِ الوضعِ الأوَّلِ ، فكان من القرينة ما رَجَّحَ ضِدًّا من الْبُعْدِ لا يتبادر ، فَرَجَّحَتِ اللام في "تِلْكَ" الْبُعْدَ وَإِنْ كَانَ أصلُ الوضعِ هو القربُ ، فذلك ، من وجه ، حكاية التأويل إذ صُرِفَ اللفظ من الظاهر القريب إلى آخر مرجوح يَبْعُدُ ، وكان من القرينة لَامٌ ، وهي حرف مبنى لا ينفك يحكي معنى ، فَأُشْرِبَ الدلالة المعنوية وإن كان حرف مبنى لا يدل مُفْرَدًا على معنى ، فَيَدُلُّ حَالَ انْضَمَّ إلى آخرَ ، إذ لام "تِلْكَ" ليست كَلَامِ التعليلِ أو الجحود ..... إلخ ، فليس لها من الدلالة النحوية أو المعنوية ما به تَسْتَقِلُّ خلاف ما تقدم من لام التعليل ، وكذا لام تدخل على الاسم فَتُفِيدُ في النحو الجرَّ ، وَتُفِيدُ في المعنى : الاختصاص تَارَةً والاستحقاقَ أخرى والملكيةَ ثالثة ، فَلَامُ "تِلْكَ" لم تُفِدِ البعد معنى إلا بَعْدَ أَنِ اتَّصَلَتْ بالإشارة "تِي" مبنى ، وثم تال من الكاف : كاف الخطاب المفرَد ، فالمخاطب واحد ، وهو ما يحمل عَلَى غَيْرِ المعيَّن إذ كان الخطاب في جمع قد حضر ، مع أخرى في الاستدلال : قَرِينَةُ العمومِ في خطاب التكليفِ ، فهو كَخِطَابِ غَيْرِ المعيَّن ، فيكون من الدليل ما يَتَنَاوَلُ كُلَّ مخاطَب صَحَّ تكليفه إِنْ بِالْقُوَّةِ أو بالفعلِ ، فاستغرق الموجودَ والمعدومَ ، وذلك عنوان جامع في الدلالة اسما واحدا "تِلْكَ" فهو يَأْتَلِفُ من ثلاثة أحرف : حَرْفًا يدل على الإشارة وهو التاء ، وَثَانٍ يدل على بُعْدِ المشارِ إليه وهو اللام ، وثالثا يحكي المخاطب وهو التاء ، مع احتمال البعد آنف الذكر ، فالبعد يحتمل ضدين : التعظيم تارة والتحقير أخرى ، فكان من السياق في هذا الموضع ما رَجَّحَ التحقير والازدراء فصلاة المنافق ، بداهة ، ليست بذاك ، فهي محل التحقير والازدراء ، مع ما في الخبر من القصر بتعريف الجزأين في "تِلْكَ" و "صلاةُ المنافقِ" ، وهو ، أيضا ، آكد في الدلالة فكأن تلك الصلاة الناقصة هي عَيْنُ النفاق ، وإن لم يلزم من ذلك حصول النفاق الأكبر ، فتلك خصلة من خصالها ، أَنْ يَكُونَ تأخيرُ الصلاةِ كَسَلًا ثم نَقْرُهَا عَجَلًا ، فقد يكون من ذلك عصيان هو شعبة من النفاق ، وقد يكون منه آية تبين عن نفاق أكبر إذ يكون ذلك من باب الاستخفاف مع تَقِيَّةٍ يُظْهِرُ صاحبُها ما لا يُبْطِنُ ، كما صَلَّى المنافقون خَلْفَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يُبْطِلْ صلاتَهم في حكمِ الظاهر ، بل قد وَكَلَهُمْ إلى الله ، جل وعلا ، ما لم يظهروا من باطنهم ما يدل على كفرانهم ، فذلك حق الشهادة المستثنَى في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ" ، وهو من التخصيص بالغاية في "حَتَّى" ، فَثَمَّ القتال حتى يكون من شهادة التوحيد ما يَعْصِمُ ، وَذِكْرُ شَطْرٍ منها وهو توحيد العبادة ، توحيد الإله المعبود بحق ، جل وعلا ، في : "لا إله إلا الله" ، ذِكْرُهُ ، شطرًا أول ،ـ يدل على آخر وهو توحيد الرسالة : أَنَّ محمدا رسول الله ، فيدل الأول على الثاني : دلالة التلازم الذي يستوفي شطري القسمة ، فذكر واحدا وَحَذَفَ آخر إذ قد دل عليه الأول لزوما بما بَيْنَهُمَا مِنْ تَلَازُمٍ واقترانٍ ، كما المثل قد ضُرِبَ في مواضع من قوله تعالى : (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ، فذكر الحر وَحَذَفَ البرد إذ الأول قد دل على الثاني تلازما ، وهو ما نص عليه في مواضع أخرى فَرَفَعَ الإجمالَ ، فـ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، ثُمَّ قَدْ حُرِّمَ عَلَيَّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ" ، فكان من دلالة النص ما صَدَّقَ آنفا من دلالة التلازم بين شطري الشهادة : توحيد المرسِل ، جل وعلا ، وتوحيد المرسَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

    وذلك مقام الجلاد لا الجلد فهو القتال لا القتل ! ، وإلا كان المخالِف على حَدِّ واحد وهو المحارِب ، فَثَمَّ من جنس الكافر الجاحد كَمَا اسْتَقْرَأَ أهلُ الشأنِ من أدلة الوحي في باب الموادعة أو القتال ، ثَمَّ منه المعاهد والمستأمن وثم ثالث وهو الذِّمِيُّ وهو أوسع الدوائر إذ له من حقوق الحماية والبر ما لم يَنْقُضِ الذِّمَّةَ أن يطعن في الملة ، وثم رابع وهو أضيقها فذلك المحارِب الذي يُقَاتَلُ دَفْعًا إن صالَ ، وطلبًا إِنْ حَالَ دونَ بلوغِ الوحي ، فتلك رسالة الختم وإبلاغها الخلق كَافَّةً : فرضُ كفايةٍ على الأمة الشاهدة ، فذلك من شهادتها على الخلق فلا تكون إلا بالبلاغ والبيان ، وهو ما لا يتم واجبا في مواضع تكثر بما اطرد من سنة المدافعة ، ما لا يتم واجبا إلا بوسيلةٍ من حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ فِي ساحاتِ الجدال وأخرى هي محل الشاهد : السيف والسنان في ساحات الجلاد ، فإن الطواغيت لَا يَرْضَوْنَ بداهةً وإن تظاهروا بالإنصاف والتجرد ! ، لا يَرْضَوْنَ أَنْ تَذِيعَ حجةُ الوحيِ المنزَّل إذ تُبْطِلُ رياساتهم في الخلق ، ولو لم تَتِمَّ إلا بالجور وإفساد الخلق ، إفسادِ أديانهم وأبدانِهم كافة ، فإذا جاء الفتح الذي يُجَرِّدُ سَيْفَ شريعةٍ تُخْرِجُ الخلقَ من عبادة الخلق إلى عبادة خالِقهم ، جل وعلا ، فَلَا يَنْفَكُّ الطواغيتُ يحشدون الجند مدافعةً لدعوى الحق ، فيكون القتال حتما يلزم ، وَإِنْ ثَقِيلًا يُكْرَهُ ، فـ : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) ، فذلك كتب التشريع الحاكم ، ولا ينفك يحكي آخر من كتب التكوين النافذ بما تَقَدَّمَ من سنة المدافعة فَلَهَا فِي الكون آي يشهد بما اطرد في مسالك الخلق أن يكون التدافع بين أضدادهم ولو في أمر دنيا ومعاش فكيف بما جاوز من الاعتقاد والمعاد ؟! ، وما كان من شرائع هي في الفعل كالأخلاقِ في الطبع إذ أُشْرِبَتْهَا النفوسُ فَعَظَّمَتْهَا ديانةً تصديقًا وامتثالًا ، فلا تخلو أمة من شريعةٍ تُعَظِّمُهَا ، سماويةً منزَلةً أو أرضية محدَثة ، وَلِأَجْلِهَا تُقَاتِلُ ، وَلَوْ فَنِيَتْ ، فهي عنوان امتيازها من الخلق كافة ، فكان من المدافعة حتم لازم إن بالتقدير الكوني النافذ أو بالتقدير الشرعي النازل ، وذلك حَدُّ القتالِ في الخبرِ ، وهي المفاعلة فلا تكون إلا بين اثنين ، وإن كان من حدها في الاشتقاق ما وُضِعَ لواحد فذلك الاستثناء كما في عَالَجَ ، فَيُقَاُل : عالج فلانٌ الأمرَ ، وإن احتمل ، أيضا ، المفاعلة إذ نُزِّلَ الأمرُ الذي يعالجه ، نُزِّلَ شريكًا في المعالجة وإن كان مفعولا به لا فاعلا ، فلا يخلو الفاعل والمفعول من مشاركة في الفعل وإن اختلفت النسبة ، وثم من الضمير ، ضمير الفاعل الذي استتر إيجابا في العامل المضارع "أُقَاتِلُ" ، ثم منه ما يجري مجرى الخاص بالنظر في خطاب المواجهة الأول فلا ينفك يدل على عموم يجاوز لقرينة التكليف فهو يستغرق المخاطبَ الأول مواجهةً ومن تلا إما بأصل الخطاب فالإفراد فيه ، كما تقدم في موضع ، الإفراد فيه كالإفراد في خطابِ غيرِ المعيَّن فيدخل فيه كُلُّ من يَصْدُقُ فيه المعنى ، معنى الخطاب فلا يتوجه ، بداهة ، إلا لعاقل ، فيدخل من تلا إما بالنظر في أصلِ الخطاب فهو يُوَاجِهُ واحدا هو الأول ويستغرق غَيْرًا : كلَّ من يصدق فيه المعنى إذ استوفى شرط التكليف ، وإما بالقياس على المخاطب الأول ، فذلك وجه العموم الذي استفيد من الخصوص إِفْرَادًا في خطاب المواجهة الأول ، فكان من قرينة أولى : العموم في خطاب التكليف ، وكان من ثانية في سياق الخبر خاصة : قرينة الفعل فالقتال بداهة لا يكون من واحد ، فلا يكون إلا بالجمع ، فالواحد رائد لا يكذب وقائد يَتَقَدَّمُ ولا بد له من جمعٍ يُقَاتِلُ به كما اطرد من سيرة صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : المأمور بالقتال في الأثر : "لا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ" ، وإن خَبَرًا فدلالته الإنشاء ، وهو ما صرح به الوحي في مواضع أخرى ، فـ : (قَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، فكان من الأمر "قَاتِلْ" ما صَرَّحَ وفاعله الضمير المخاطَب المفرد وتقديره في اللَّفْظِ "أَنْتَ" ، وهو مَا رفد ، أيضا ، بدلالة خطابٍ لَا يُعَيِّنُ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ أحدٍ يُكَلَّفُ ، وقد يقال بالقياس على أول ، فخطاب المواجهة أصل ، وما كان بَعْدًا فهو الفرعُ ، والعلة الجامعة هي العموم فِي خطابات الشريعة النَّازِلَةِ إِلَّا ما خُصَّ بِهِ عَيْنُ السببِ أو صورته ، فذلك الاستثناء فلا يُصَارُ إليه إلا بدليل : قرينةً تشهد فَهِيَ تُرَجِّحُ المرجوح في خطاب الوحي المنزل ، فالأصل عموم وَإِنْ خِطَابًا مُفْرَدًا يُوَاجِهُ فَلَا يَنْفَكُّ يَسْتَغْرِقُ كُلَّ أحدٍ يُخَاطَبُ بَعْدًا بما كان من تكليفٍ يَسْتَغْرِقُ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ قرينة تأويل معتبرة تصرف الدلالة من ظاهرٍ يَتَبَادَرُ وهو العموم المستغرِق إلى مُؤَوَّلٍ وهو بعيد لا يَتَبَادَرُ إذ يقصر العموم عَلَى بَعْضِ آحادِه ، بل قد يَقْصُرُهُ على سببٍ أول فيكون واقعة عين لا عموم لها ، فكل أولئك مما به الناظر يخرج عن أصلٍ أول يستصحب في نصوص الشريعة كافة وهو العموم المستغرق لآحاد المكلفين جميعا ، مَنْ آمن وَمَنْ كفر ، فالخطاب يستغرق الأخير وإن استوجب أولا من شرطِ صحةٍ هو الإيمان ، مَنْ وُجِدَ وَمَنْ عُدِمَ ، وإن كان من المعدوم تَعَلُّقُ الْقُوَّةِ فَإِذَا وُجِدَ المحلُّ وَبَلَغَ حد التكليف كانَ تَالٍ وهو تَعَلُّقُ الفعلِ ، فَتَوَجَّهَ إليه خطاب التصديق والامتثال ، فذلك حد الدين المجزئ إذ يستغرق المحال كافة : الجنان وما يقوم به من التصور والاعتقاد ، واللسان وما يَشْتَغِلُ به مِنْ شَهَادَةٍ وَذِكْرٍ ، والأركان إذ تُعْمَرُ بالأفعالِ والتروكِ تَأَوُّلًا لمأمورٍ ومحظورٍ ، فالعموم أبدا يُسْتَصْحَبُ حَتَّى يكون دليلٌ يُخَصِّصُ ، فَلَا يَلْزَمُ مَنِ اسْتَصْحَبَ الأصلَ وهو استغراقُ الخطابِ الجمعَ المكلَّفَ كلَّه ، لا يلزمه الدليل فهو يستصحب ما ثَبَتَ أَوَّلًا ، وإنما يَلْزَمُ الناقل عنه فهو صاحب دعوى تخالف عن الأصل فلا تقبل ، فَدَعْوَاهُ تَرْجِيحًا فِي جَائِزٍ مستوِي الطرفينِ ، دعواه في هذا الجائز لا تُقْبَلُ إِلَّا بِقَرِينَةٍ تُرَجِّحُ من خارجٍ ، فلا بد من مُوجِبٍ يُرَجِّحُ الإثباتَ أو سالبٍ يُرَجِّحُ النَّفْيَ ، فكيف بدعوى تُخَالِفُ ، بَادِيَ الرَّأْيِ ، عَنْ رَاجِحٍ ، وهو المتبادر المستصحب فهو في الباب أرجح فلا يَنْتَقِلُ عنه الناظر ، من باب أولى ، لا يَنْتَقِلُ عنه إلى المرجوحِ إِلَّا أن يكون ثم دليل مرجِّح ، وإلا كان التحكم تَرْجِيحًا بلا مرجِّح ، فَيَرْجُحُ المرجوحُ بِلَا دَلِيلٍ ! ، فَلَا بُدَّ من مرجِّح حالَ الخروجِ عن أصلٍ يُسْتَصْحَبُ كَمَا فِي هذا الموضع : عموم خطابٍ يُكَلِّفُ فلا يُخَصَّصُ بالدعوى المجردة فلا دليل يشهد إلا فَرْضُ صَاحِبِهَا أنها تَثْبُتُ وهو ما يجزئ في رَدِّهِ أخرى تَنْفِي مَا أثْبَتَ الْأَوَّلُ دونَ جهد يُفَتِّشُ عن دليلٍ يُثْبِتُ الأصلَ المستصحَب ، فالاستصحاب له شاهد أنه الأصل الراجح وعلى صاحب الدعوى الناقلة أَنْ يُقِيمَ الأدلَّةَ الشاهدة على دَعْوَاهُ ، وهو أصل يطرد في الحكومات كافة ، كما في الفقه مثالا ، فَقَرَارُكَ في دارٍ أصلٌ يُسْتَصْحَبُ أَنَّهَا تدخل في ملكِكَ ، فَمَنِ ادَّعَى غَيْرًا أَنْ يُخْرِجَكَ مِنْ دَارِكَ فَعَلَيْهِ الدليل الناقل : صَكَّ ملكٍ أو بَيْعٍ .... إلخ ، فَيَكْفِيكَ استصحاب الأصل بما يكون من قَرَارِكَ في الْعَيْنِ محلِّ النِّزَاعِ ، ولا يكفي المخالِفَ دعوى نَاقِلَةٌ عن الأصلِ بِلَا دَلِيلٍ يَشْهَدُ ، إِذًا لَادَّعَى كلٌّ مَا لَيْسَ لَهُ ! ، فـ : "«لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»" ، وذلك أصلٌ محكَمٌ فِي بَابِ الدَّعْوَى كَافَّةً ، فِي العلمِ والعملِ ، في الجدال والبيع والشراء ..... إلخ ، فصاحب الدعوى أَنَّ هَذَا العمومَ مخصوصٌ ، لا بد له مِنْ قَرِينَةِ تَخْصِيصٍ مُعْتَبَرَةٍ هِيَ الْبَيِّنَةُ التي تَشْهَدُ بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ وَإِلَّا أَجْزَأَ المخالِفَ أَنْ يُنْكِرَ فهو يَسْتَصْحِبُ مَا ثَبَتَ أَوَّلًا ، والأصل بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ ، وما حَصَلَ مِنْ يَقِينٍ أَوَّلَ أو ظَنٍّ رَاجِحٍ أَنَّ العامَّ يستغرقُ آحادَه كَافَّةً ، ما حصل من ذلك فلا يُرَدُّ بالشك ، فاليقين لا يَزُولُ بِالشَّكِّ ، وكذا الظن الراجح وإن دون اليقين الجازم فلا يُرَدُّ ، أيضا ، بِالشَّكِّ فكيف بالوهم المرجوح أو الجهل المرذول الذي يخالف في مواضع عن المنقول والمعقول كافة ؟! ، فيكون من التخصيصِ بِصُورَةِ الخلافِ وهي محل النزاع المفتَقِر إلى دليل من خارج فكيف يصح دليلا وهو في نَفْسِهِ يَفْتَقِرُ إلى دليل ، وفاقد الشيء لا يعطيه ، كما يقول أهل الشأن ، فَوَجَبَ نَقْلًا وَعَقْلًا : استصحابُ الأصلِ المحكَمِ في التكليف : العموم المستغرق لآحاد الجمع كافة حتى يَرِدَ الدليل المخصِّص الذي يُخْرِجُ بَعْضًا ، وقد يخرج الجميع إلا واحدا فيكون من العام الذي يُرَادُ به الخاص ، فقرينة العموم في خطاب التكليف قد رَجَّحَتْ ، من وجه آخر ، ما خالف عن الأصل اللغوي المستقر أَنَّ الأمر المفرَدَ لا يَتَنَاوَلُ إلا مأمورا واحدا هو مَنْ تَوَجَّهَ إليه التكليف ، فكان من القرينة ما صَرَفَ ، إذ الحقيقة الشرعية أَرْجَحُ ، فَتُقَيِّدُ مَا أُطْلِقَ من حقيقةِ اللِّسَانِ ، فالشرع قد جَاوَزَ بالأدلة فَاسْتَغْرَقَ بها الجمع كلَّه ، فتلك قَرِينَةٌ ناقلة عن أصل اللسان المستصحب ، وبها استصحاب أصلٍ أَخَصَّ في خطاب الوحي وهو العموم المستغرق لآحاد المكلفين إن المخاطَب المواجَه وهو أول أَوْ مَنْ تَلَا ، إِنْ بِالنَّصِّ أو بِالْقِيَاسِ عَلَى الأول ، فذلك تأويلٌ نَقَلَ البابَ من أصلِ لسانٍ أعم إلى أصلِ شرعٍ أخص ، وَصَيَّرَ الأخيرَ هو المستصحَب ، فَلَا يَنْتَقِلُ عنه الناظر وقد صار الأصل ، لا يَنْتَقِلُ عنه إلا بدليل يشهد : قرينةَ تأويلٍ أَيْضًا ، فعنوانُ البابِ قَدِ اطَّرَدَ فِي كلِّ مسائلِ الخلاف : أصلٌ أول يُسْتَصْحَبُ ، وَقَرِينَةُ تَأْوِيلٍ تَصْرِفُ ، فَيَكُونُ مِنْهَا تَأْوِيلٌ يَنْصَحُ يُوجِبُ صَرْفَ الظاهِرِ القريبِ إلى مُؤَوَّلٍ بَعِيدٍ ، فلا يكون دعوى بلا دليل فهي تُرَجِّحُ بِلَا مُرَجِّحٍ ، بل لا بد من بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ ، وإلا فالدعوى يجزئ في رَدِّهَا أُخْرَى مِثْلُهَا وهي على ضِدٍّ مِنْهَا ، فكان من الأمر آنف الذكر في قوله تعالى : (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، كان مِنْهُ مَا انْصَرَفَ ، أَوَّلًا ، إِلَى المخاطَب الْمُوَاجَهِ ، وله من التكليفِ عَامٌّ بالامتثالِ ، وخاصٌّ بالبلاغ والبيان ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَى تَالٍ من حَمَلَةِ الوحيِ إذ تَأَوَّلُوا الدَّفْعَ وَالطَّلَبَ مناجزةً لمن صال وكفر ، فلئن وَجَبَ عليهم البلاغ والبيان فهو تال لبلاغٍ أول من الوحي ، فخطاب صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الأول في التشريع ، وَمَنْ تَلَا فَإِنَّمَا يَتَحَمَّلُ عنه ما عَلَيْهِ قَدْ نَزَلَ وَيُبَلِّغُ منه ما به تكليفُ البلاغِ يُمْتَثَلُ وتلك ، كما تقدم ، شهادة الأمة الخاتمة على بَقِيَّةِ الأممِ ، فلا تكون إلا بالبلاغ والبيان وهو ما يكون في أحيان بِجِدَالٍ يُحَاجُّ وَيُبَرْهِنُ وهو الأصل في تَبْلِيغِ الوحي المنزَّل فإن لم يكن ثَمَّ بُدٌّ من القتال إِذْ ثَمَّ طاغوت يَحُولُ دون البلاغ ، فيكون من الطلبِ حالَ القدرة وهي شرط في الفروض عامة ، يكون منه ما يجري مجرى الضرورة التي تُقَدَّرُ بِقَدَرٍ ، وإن كان في نفسه عزيمة تمتثل ، فَيُرَادُ لِذَاتِهِ ، من هذا الوجه ، ولكنه ، من آخر ، لا ينفك يُقَيَّدُ فَيُرَادُ لغيره أن يحصل المراد فَيَزُولَ الطاغوت المانع وَيُخَلَّى بَيْنَ الحق وبين الخلق فلا يُكْرَهُونَ على انتحالِه ، وإنما يَبْلُغُهُمْ صَحِيحًا صَرِيحًا يَنْصَحُ وَبِهِ الْحُجَّةُ تُقَامُ عَلَى المكلَّف ، فإن آمن فَقَدْ لَزِمَهُ من حكومة الإيمان ما ثَبَتَ ، وإن لم يؤمن وهو على أصلِ جحودٍ أول ، فلا يُكْرَهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ حكوماتِ الذمةِ والعهدِ .... إلخ ، يكون منها مَا تَفْصِيلُهُ يُطْلَبُ من كُتُبِ الفروعِ ، وَمَنْ تَصِحُّ له ذمة وَمَنْ لَا تَصِحُّ ، ومن تكون ذمته مُسْتَوْفِيَةً ومن لا تَسْتَوْفِي كما المجوس فذمتهم لا تُبِيحُ الأكل من ذبائحهم أو الزَّوَاجَ من نِسَائِهم ...... إلخ ، وذلك باب واسعٌ ، والعدلُ فيه حَتْمٌ لَازِمٌ فَلَا يَنْفَكُّ في أحيان تَكْثُرُ ، لَا يَنْفَكُّ يجاوز به الناظر جَادَّةَ العدلِ إلى إِفْرَاطٍ يجاوز الحد أو تَفْرِيطٍ يَضِيعُ به الحق .
    فالقتال في الخبر آنف الذكر : "لا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ" ، القتال مِمَّا حُدَّ مضارعا فَبِهِ استحضار الصورة ، من وجه ، وبه ديمومة يتصل زمانها فالفرض مَاضٍ إلى قيام الساعة دَفْعًا أو طَلَبًا ولكلِّ جيلٍ منه ما يُوَاطِئُ الحال قُوَّةً أو ضَعْفًا ، وَثَمَّ من التكليف ما قد عَمَّ فَاسْتَغْرَقَ ، على التفصيل آنف الذكر ، وذلك الخبر الذي يُرَادُ بِهِ الإنشاء ، كما في خَبَرِ الْكَتْبِ وَالْفَرْضِ أَنْ : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) ، ودلالة "أل" في "القتال" تحتمل عَهْدًا أَخَصَّ بِالنَّظَرِ في السياقِ ، وهو قِتَالُ الدَّفْعِ لِقَرِينَةِ ما تقدم في موضعٍ سابقٍ مِنَ الآيِ مِنْ قوله تعالى : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ، وهي ، من آخر ، أي "أَلْ" في "الْقِتَالُ" ، هي ، من آخر ، تحتمل العموم المستغرق لأجناس القتال كافة ، وحملانها على ذلك أولى فإن دلالتها على قتال الدفع لا تحول دون آخر إن كان ثَمَّ شَرْطٌ يُسْتَوْفَى من قدرةٍ مع انسداد الطرق كافة أن يكونه بَلَاغٌ وَبَيَانٌ بالحسنى لِمَا تَقَدَّمَ من عنوان الطاغوت المانع من الحق إذ يخالف عن الجاه والحظ ، فَضْلًا أَنَّ الباب ، كما ذكر أهل الشأن ، من المنسوءِ لا المنسوخ ، فَثَمَّ نَسْأٌ مِنَ المنعِ إلى الإذن إلى الأمر بالدفع إلى آخر يطلب وهو الذروة إن كان ثَمَّ قوة ، كما تقدم ، فدلالة "القتال" في موضع على جنس من أجناسِه لا يحول دون آخر إذا كان من الشرط ما اسْتُوفِيَ ومن المانع ما نُفِيَ .

    فالخبر : "لا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ" ، والآي : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) ، كِلَاهُمَا خَبَرٌ يحكي إنشاءً يَأْمُرُ ، وهو كسائر الأوامر في نصوص الشرع كَافَّةً ، فلا بد من استيفاءِ شَرْطٍ وانتفاء مانع ، والخطاب به أولا خطابُ هَيْئَةٍ مجموعة ذَاتِ ولاية تأطر فهي بأمرها تعمل وعنها تصدر وإلا كانت الفوضى كما لو تَعَاطَى الخلق أحكامَ الحدود والزواجر بلا ولايةٍ ، لَهَا من الأمر ما يَنْفُذُ ، فكذا القتال إلا إذا دهم العدو المحلة فلا إذن في قتال كما لا إذن في دفع الصائل فَهُوَ يُدْفَعُ بِمَا به يَنْدَفِعُ ولو بَلَغَتِ الحال أَنْ يُقَاتَلَ وَيُقْتَلَ ، وإن كانت حالُ الصَّائِلِ أَهْوَنَ ، فالعدو إذا دهم المحلة فَهُوَ يُقَاتَلُ ابتداء فلا يكون دفعه بالأدنى ثم الأعلى ، وإنما المبدأُ فِي أمرِه أعلى بل تلك فريضة الدفع إلا إِنْ كان مُؤْمِنًا يَبْغِي فهو كالصائل فلا يكون السعي في قتله أولا إذ له من الدم ، بَادِيَ الأمرِ ، ما يُعْصَمُ ، فَلَا يُهْدَرُ إِلَّا إِنْ بَغَى وَجَاوَزَ الحدَّ ولم يكن ثم ما يَنْدَفِعُ بِهِ إلا القتالُ فالقتلُ ، فَلَا إِذْنَ فِي قِتَالِ الدَّفْعِ إِذَا دهم العدوُّ المحلَّةَ ، على التفصيل آنف الذكر ، ولا شرط في الجمع ، بادي الرأي ، وإن استوجبته الحال بما اطرد من سنن المدافعة التي تَنْتَظِمُ الجموع في كَتَائِبَ وصفوفٍ .

    فكان من القتال في الخبر : "لا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ" ، وإن خُصَّ من وجه آخر بالقبيل المذَكَّرِ فَتَذْكِيرُ اللفظ في هذا الموضع "أُقَاتِلُ" مما اعتبر إذ القتال تكليف الرجال إلا أن يدهم العدو المحلة فيجب القتال على كل من يُطِيقُ ، ولو المرأةَ والطفلَ الصغير ، فكان من القتالِ في الخبر آنِفِ الذكرِ ، كان منه مَا اسْتَغْرَقَ الجمعَ المخاطَب كلَّه ، وكان من آخَرَ فِي قَبِيلٍ يُقَاتَلُ فدلالة "أل" في "الناس" دلالة عموم يستغرق ، وهو ، من وجه آخر ، ما خُصَّ بالقبيل الكافر ، فلا يقاتل المؤمنون بداهة على التوحيد فقد شهدوا به ، وإن كان من قتالِهم قِتَالَ البغيِ ما خُصَّ ، أيضا ، بِغَايَةٍ وهي الكفُّ وَالْفَيْءُ ، فـ : (إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) ، خلاف الغاية في الخبر آنف الذكر : "لا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ" ، فهي قرينة تدل أن الجمع المقاتل لم يكن له من التوحيد حظ ، وإلا حَرُمَ قِتَالُه إلا قِتَالَ البغي إِنْ بَغَى ، وله ، بداهة ، من أحكام الفقه ما يخالف عن قِتَالِ القبيل الكافر إِنْ دَفْعًا أو طَلَبًا ، على التفصيل آنف الذكر ، فلا يُكْرَهُ كافرٌ أن يدخل في الدين الخاتم إذ : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ، وهو ، بداهة ، مما خُصَّ فلا يصح دليلا لمن ثَبَتَ له عقد إيمان ثم ارتد أَنْ لا إكراه في الدين ! ، فلا إكراه في حق المخالف فإن ثبت عقد إيمان له يجزئ فلم يكن ثم إكراه يُبْطِلُ بل قد دخل طوعا أو كان ثم عقد إيمان صحيح بولادة أب مسلم أو أم ، أو دخول أحدهما في الإسلام فَلَهُ حضانة الأطفال إذ يَتْبَعَانِهِ ، فكلُّ أولئك مما به الإيمان يثبت فلا يدخل في حَدِّ النفيِ في قوله تعالى : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ، و : (مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) ، وإن كان من ذلك خطابُ تهديدٍ لا تخييرٍ كما قال بَعْضٌ جَهْلًا أو إِغْرَاضًا ، فَثَمَّ من القرينة بَعْدًا من النَّصِّ على الوعيد : (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) ، ثَمَّ منه قرينة تُرَجِّحُ التهديدَ لا التخييرَ على حَدِّ الرِّضَى بالكفرِ ، فذلك خطاب الكافر الأصلي لا المؤمن إذا كفر رِدَّةً فَلَهُ من الحكم آخر يُوجِبُ القتلَ بَعْدَ الاستتابةِ إِنْ كَانَ فَرْدًا ، فـ : "«مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»" ، والقتالَ إِنْ كَانَ جَمْعًا ذَا شَوْكَةٍ ، وذلك قِتَالٌ كَقِتَالِ الجمعِ الكافر فَلَيْسَ قتالَ الطائفةِ المؤمنةِ إِنْ بَغَتْ ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، التخصيص بالغاية في قِتَالِ القبيلِ الكافرِ ، فـ : "لا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ" ، فالغاية تَرْفَعُ السيفَ إلا بحقها فإن ظهر منهم ناقض وهو ما استغرق الاعتقاد والقول والعمل ، فَثَمَّ ، كَمَا أعمال الإيمان باطنا وظاهرا ، ثَمَّ نَوَاقِضُ عَلَى ضِدٍّ ، فَمِنْهَا الاعتقاديُّ الباطن ومنها أقوال وأعمال في الظاهر ، فإن ظهر منهم ناقض ، فذلك حقٌّ يُهْدِرُ العصمةَ التي ثَبَتَتْ بالتوحيد ، فهو معها كالحكم إذ يدور مع العلة وُجُودًا وَعَدَمًا ، فَإِذَا وُجِدَتِ العلة من التوحيد وُجِدَ الحكم وهو العصمة وإذا انْتَفَتِ انْتَفَى ، فكان من الشرط ما اطرد وانعكس في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا" ، وذلك ما حُدَّ كَثْرَةً ، وتلك دلالة الأداة "إِذَا" ، وهو آكد في تقرير المعنى عصمة قد استغرقت وهو ما زِيدَ في حَدِّهِ تحقيقا فَذَلِكَ مُؤَكِّدٌ آخر بما اطرد قياسا من دخول "قَدْ" على العامل الماضي "عَصَمُوا" ، وثم من الاستثناء في "إِلا بِحَقِّهَا" ما يجري ، أيضا ، مجرى التخصيص المتصل ، فَلَهَا حَقٌّ إِنْ فَاتَ فَهِيَ تجري على ضِدٍّ فَتُسْتَبَاحُ ، وهو ما ضَرَبَ له الصديق ، رضي الله عنه ، مِثَالًا فِي قتالِ مَانِعِي الزكاة : "وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ" ، فَقَاسَ المختلَف عليه من الزَّكَاةِ عَلَى المتَّفَقِ عليه من الصلاة وهو ما جاء الدليل بَعْدًا من رواية أبي هريرة ، رضي الله عنه ، له يشهد ، فـ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، ثُمَّ قَدْ حُرِّمَ عَلَيَّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ" ، ورواية ابن عمر ، رضي الله عنهما ، فـ : "«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ»" ، على خِلَافٍ قَدِ اشْتُهِرَ فدخولهم في اسم الرِّدَّةِ جَارٍ مجرَى التغليب إذ لم يجحدوا الفرض ولم يرتدوا إلى الشرك وإنما حصل منهم البغي في المنع لا الجحد ، وكان لهم من قَرِينَةِ التأويل ما رَفَعَ الحكم بالكفر لا الذم والوعيد ، فكان من ذلك تأولهم الأمر في قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، أَنَّهُ مِمَّا اقْتَصَرَ فلا يجاوز المخاطب الأول : صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو ما تقدم بَيَانُهُ تَفْرِيقًا بَيْنَ خطابٍ خَاصٍّ لا يجاوز وهو خلاف الأصل المستصحب في خطاب التكليف المنزل ، وإن مفردا في لفظه فهو مواجهة لا تقصر الحكم على المواجَه وإنما تجاوزه إلى آحاد الجمع كافة إلا أن تكون قَرِينَةُ تَخْصِيصٍ تُوجِبُ قَصْرَهُ على الأول فيكون كواقعة العين إذ لا عموم لها يجاوز عين السبب ، أو توجب آخر يقصره على معنى لا واحدٍ من الأعيان في الخارج ، كما في هذا الموضع ، فَقَدْ قُيِّدَتِ الدلالة بوصفِ الولايةِ : ولايةٍ من يَنُوبُ عن صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حفظ الدين وسياسة الدنيا به ومن حفظ الدين : حفظ أحكامه ، ومنها قبض الزكوات ، وإن كان للإمام أن يَرُدَّ الناس إلى أنفسهم ، فَيُخْرِجَهَا كُلٌّ دونَ جَمْعٍ ، وإنما كان من الصدِّيق ، رضي الله عنه ، نَظَرٌ أَدَقُّ فَسَدَّ الذريعة إلى الخروج عن ولايةِ الجمعِ فإنهم كانوا قَبْلًا يحملونها إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل وكان منهم رءوس قد عملوا قَبْلًا لَدَى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جمعِ الزكوات فكانوا المصدَّقين فأقاموا الحجة على أنفسهم بما كان من عَمَلِهِمْ عَلَيْهَا ، فلم يكن ذلك تأولا يجحد الحكم وإلا كفروا ، وإنما آخر يمهد لخروج عن الطاعة تَذَرُّعًا أنها كانت تحمل إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بِقَيْدِ النبوةِ وَقَدْ رُفِعَتْ مِنَ الأرض ، والصحيح أنها كانت تُحْمَلُ إليه بقيد الولاية التي ناب عنه فِيهَا الصديق ، رضي الله عنه ، فكل أولئك من الحق الموجِب للقتال وإن اختلف فَثَمَّ قتال بَغْيٍ ، كما في هذا الموضع ، وثم قِتَالُ رِدَّةٍ إن كان جَمْعٌ أو حَدُّهَا إن كَانَ واحدا قد جَحَدَ فَاسْتُتِيبَ وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الحجة قَبْلَ الشروع في قتال أو قتل ، وثم قتال القبيل الكافر أصلا ، كما في الخبر : "لا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ" ، وله من الغاية تخصيصٍ ، وله من آخر في محكم التنزيل أَنْ : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ، وهو مثال يلطف في الأصول ، إذ زَادَ فيه الكتاب على السنة خَلَافَ كثير قد غَلَبَ أَنْ تَزِيدَ السنة على الكتاب ما ليس فيه وهو محل تفصيل إذ قد عمت به البلوى ، وَلَوْ جُزْءًا ، في إنكار جنس من السنة يُنْشِئُ الحكم فيزيد عما نَزَل به الوحي من آي الذكر المحكم ، فإما الإسلام وإما الجزية على تفصيل في حكمها ومن تُقْبَلُ منه ومن لا تُقْبَلُ ، وإما السيف قتالا بالعدل ، فإن كانت الشهادة ، شهادة التوحيد بلا شبهة إكراه ، فهي تجزئ في العصمة ، عصمة الدم والمال .

    والله أعلى وأعلم .


  7. #47
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:30 PM

    المشاركات
    5,169
    العمر
    44

    فَمَنِ امْتَثَلَ فِي الظاهرِ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ إذ يُوكَلُ باطنه إلى رَبِّهِ ، جَلَّ وَعَلَا ، فَثَمَّ حكم الإجزاء في أحكام الدنيا ، ولو شبهةً تسقط الحق ، كما لو تَرَكَ المكلَّف صلاة الجماعة وادعى أنه يصلي في بَيْتِهِ ، مَعَ خلاف معتبر وإن مرجوحا ، فَثَمَّ من قال إن الجماعة سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَجَاوَزَ بِهَا السنة المجردة ، والتوكيد فِيهَا مَظِنَّةُ الذَّمِّ إِذَا تُرِكَتْ دَوْمًا فَاعْتَادَ المكلَّف تَرْكَهَا أَبَدًا ، وقد عَدَّهُ بَعْضُ أهلِ الشَّأْنِ مِنْ خَوَارِمِ المروءة ، وثم من قال إنها واجب يأثم تاركه وإن صَحَّتِ الصلاةُ ، إذ الْحُرْمَةُ مِنْ خَارِجٍ فَانْفَكَّتِ الجهة في هذا الموضع ، وثم من قال إنها شرط صحة ، فلا تنفك عنده الجهة وهو أشدها في الباب ، وَثَمَّ من عَدَّهَا فَرْضَ كِفَايَةٍ ، فإذا ظهرت الشعيرة فقد حصل المراد الشرعي ، فالخطابُ فِي هَذِهِ الحال : خطاب المجموع لا الجميع ، وإن تَوَجَّهَ الخطاب ، بادي الرأي ، إلى الجميع ، فكان من ذلك أول حتى حصلت الكفاية وظهرت الشعيرة ، فَبَرِئَ الجميع من عهدتها وإن كان لِمَنْ بَاشَرَهَا فضل أكبر إذ نهض بالتكليف ما لم يَنْهَضْ غَيْرُهُ ، وكان من فعله مَا أَجْزَأَ ، خلافَ مَنْ لَمْ يَنْهَضْ مع حصولِ القدرة لا سيما في تَكْلِيفٍ عام في الشريعة يُنَاطُ بِكُلِّ أَحَدٍ ، فليس ذلك كالصنائع التي تستقيم بها المعايش كما الطب والفلاحة ..... إلخ ، فإن ذلك مما لا يَعُمُّ التكليف به ، بادي الرأي ، كما الصلاة ، فالقول إن الصلاة كالطب لا يستقيم ، وَالْكِفَائِيَّةُ بِالطِّبِّ أَلْيَقُ ، إذ لا يحسنه كل أحد لا جرم كان مِنَ السعةِ أَنْ خُوطِبَ به الجمعُ الْخِطَابَ الْأَعَمَّ ، خطابَ المقاصدِ ، وَمِنْهَا حِفْظُ النَّفْسِ وحفظ النسل وكلاهما مما يدخل في علوم الطب ، وكان من الأمر نَصٌّ فِي الباب ، فـ : "تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الْهَرَمَ" ، وذلك الأمر الذي دَلَّ مَبْدَأَ النظر على الإيجاب ، ولا يخلو من عموم إذ أُسْنِدَ إِلَى ضَمِيرِ الجمع مع نداء آخر قد استغرق ، وإن حُذِفَت أداته "يَا" في "عِبَادَ اللهِ" ، فَثَمَّ من الحذف ما اطرد حتى صار كالمقيس فَقُدِّرَ من ندائه البعيد وأداته "يَا" ، فكل نداء محذوف في الوحي فأداته "يَا" بما كان من استقراء لنصوصِه ، وثم من العبودية ما ينصرف إلى معنى الخلق إذ مَنْ خَلَقَ الدَّاءَ فَقَدْ خَلَقَ دَوَاءَهُ وَخَلَقَ مِنَ المحالِّ ما لآثاره يَقْبَلُ ، والخلق ، من هذا الوجه ، أظهر ، وإن لم يَخْلُ مِنْ معنى التكليف عبوديَّةَ الاختيارِ بما يكون من التَّوَكُّلِ والأخذِ بالأسبابِ ، فإضافة اسم العباد إلى الله ، جل وعلا ، مما احتمل الخلق والشرع كافة ، وإن كان منه في المعنى واحد ، فهو من إضافة المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، وهو مما عم بالنظر في دلالات اللِّسَانِ ، فالإضافة إلى المعرَّف ، وَأَعْرَفُهُ الرَّبُّ المهيمن ، جل وعلا ، تلك الإضافة تحكي التعريف في لفظه ، وتحكي التعميم في معناه إذ يجاوز فَيَسْتَغْرِقُ كلَّ أحد يصدق فيه وصف العبودية ، وإن خُصَّ من آخر فهو خطاب تكليف لا يَتَوَجَّهُ إِلَّا إلى العاقل ، وإلا فالخلق كلهم عباد ، مَنْ عَقلَ وَمَا لَمْ يَعْقِلْ ، فيصدق فيهم أنهم مخلوقات مَرْبُوبَةٌ يُدَبِّرُهَا الرَّبُّ ، جَلُّ وَعَلَا ، بكلماته الكونية النافذة إذ خَلَقَ وَرَزَقَ وَدَبَّرَ ، فقد سَنَّ لها من طرائق العيش وكفل لها من أسباب الرزق والحفظ ما دل ضَرُورَةً أن الخالق ، جل وعلا ، واحد ، وتلك وحدانية الربوبية والخلق التي تدل لزوما على أخرى من الألوهية والنسك ، فَثَمَّ مِنْ بَدِيعِ الصنع وإتقان الحكمة في الصحة أو المرض ، ثم منه ما يحكي الربوبية العامة المستغرقة ، فَهِيَ ، كَمَا تَقَدَّمَ في مَوَاضِعَ ، رُبُوبِيَّةُ التَّقْدِيرِ الأول بما كان من علم محيط قد استغرق الكليات والجزئيات كافة ، فذلك العلم الذي تقدم في الأزل : وصف الله ، جل وعلا ، الذاتي الذي لا يُعَلَّلُ ، فَلَيْسَ يكون بسبب من خارج يَتَنَاوَلُهُ الموصوفُ ، فَيُبَاشِرُ من أسباب التعلم ما به العلم يحدث بَعْدَ أَنْ لم يكن ، فذلك ما لا يُتَصَوَّرُ في حق الخالق العليم ، جل وعلا ، وهو الذي كان من عِلْمِهِ كلمات التقدير والتشريع كافة ، فأجرى المقادير عن علم أول يجمع ، فلا يَفُوتُهُ شيء لا في كلٍّ ولا في جزءٍ ، مع ما سَنَّ من الحكمة في التقدير فكان من خَلْقِ الأسبابِ وقوى التأثير التي رُكِزَتْ فِيهَا وما يُسِّرَ لَهَا مِنْ محال تَقْبَلُ آثارها ، وما هُيِّئَ لها من الأسباب ... إلخ ، كان من ذلك المجموع المركب الذي يحكي مِنْ وَصْفِ الرَّبِّ المهيمنِ ، جل وعلا ، القدرة والحكمة جميعا ، ومنه محل الشاهد في أسباب الصحة والمرض ، فلكلٍّ أسباب قد رُكِزَتْ فِيهَا قوى التأثير إن بِالنَّفْعِ أو بِالضُّرِّ ، مع أول من الصحة هو الأصل ، رَحْمَةً من الخالق ، جل وعلا ، وَإِنِ ابْتَلَى بالمرض إذ يخرج الجسد عن حد الاعتدال بما يكون من تَغَيُّرٍ يُفْضِي إلى الاعتلال ، فيكون من ذلك حكايةُ رُبُوبِيَّةٍ تَعُمُّ إذ تحادث المحالَّ بأحوالٍ تَتَعَاقَبُ ، وبها الحكمة تَنْصَحُ بِمَا يكون من تَدْبِيرِ أضدادٍ تَتَدَافَعُ ، فخلق الأضداد وتسييرها ، ذَلِكَ مِنْ فِعْلٍ يَحْكِي الكمالَ قدرةً وحكمةً ، وبه الكمال المطلق يَثْبُتُ ، فالمحادثة بالأغيار دليل علم وتدبير وقدرة تَنْفُذُ إِنْ فِي الشيء أو في ضِدٍّ ، إن في مِثْلٍ أو في غَيْرٍ ، فيكون من آي الربوبية ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ ، يكون منها دليل الكمال المطلق إن في التَّشَابُهِ أو في الاختلاف ، وبه تأويلُ الآيِ المحكَمِ خَبَرًا عَنِ الرَّبِّ الخالق ، جل وعلا ، يَصْدُقُ ، فـ : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) ، فكان من تقدير الأضداد في الحقيقة والوصف ، كان مِنْهُ مَا بِهِ الثَّنَاءُ يعظم على الخالق المحكِم ، جَلَّ وَعَلَا ، فَقَدَرُهُ سبب يَنْصَحُ وهو أول إليه الأسباب جَمِيعًا تَرْجِعُ ، والمبدأُ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، علم أول يُحِيطُ ، فَهُوَ القدر إذ لا تُقَدَّرُ الأشياء فَتُحْكَمُ إلا بمعيار أول يُقَدِّرُ ، فَيَضَعُ كُلًّا فِي مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ لَا عَبَثًا أو خَبْطَ عشواء ، وإنما حكمة تدق وبها الخلق قد أُحْكِمَ ، فَجَرَى على سنن بديع متقن يحكي في الاطراد تارة ، وهو الأصل ، وفي الاستثناء أخرى وهو الفرع ، يحكي وصف القدرة إذ يُحَادِثُ الرَّبُّ ، جل وعلا ، الكون فَلَوْ جَرَى عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يكن ثم ضد به يمتاز من آخر ، مع ما يكون من حكمة في التعاقب والتدافع ، لو جَرَى عَلَى سنن واحد فلم يكن ثَمَّ شيء من ذلك لَشَكَّ الشَّاكُّ أَنْ لَيْسَ ثَمَّ رَبٌّ يُدَبِّرُ ، وإنما هي سُنَّةٌ قد اطردت ولو بلا هَادٍ يُرْشِدُ ! ، بل ولو تدبر الناظر إحكامها وما استوجبت من محل يقبل وقوة تَفْعَلُ وسبب أول يتقدم وشرط ومانع ... إلخ ، لو تدبر الناظر هذا المجموع المحكم وما به الأجزاء تَكْتَمِلُ لَعَلِمَ يَقِينًا أَنَّ ثَمَّ الأول الذي يُدَبِّرُ بالعلم والحكمة ، اطَّرَدَتِ السنة أَوِ انْعَكَسَتْ ، جَرَتْ أو امْتَنَعَتْ .
    فكان من اتحاد الخلق في المادة الأولى مع التنوع المحكم في تالية منها تَأْتَلِفُ ، فإن حروف المعجم الوراثي ، لو صح الاصطلاح ، واحدة في أجناس من الكائنات تَتْرَى ، وهي ، مع ذلك ، مما اختلف بالنظر في الترتيب والتأليف وعنها تصدر مركبات كثيرة ، وَلِكُلٍّ من الوصف والفعل والأثر ما يختلف عَنْ غَيْرٍ ، فكان من ذلك تأويل الآي المحكم : (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) ، فَثَمَّ التشابه في المادة الأولى ، وثم التَّغَايُرُ فِيمَا تَلَا من تكوين وهيئة ، مع اتحاد السبب ، وهو السِّقَاءُ الذي يعالج في البذر المخصوص مواضع الحياة ، فَلَوْ رُدَّ البذر إلى أصل أول من حروف وقواعد بها ائتلاف الشفرة الأولى ، فذلك ، كما يقول بعض من حقق ، ذلك وحدة في الخلق لا في النوع ، فَثَمَّ من هذه المادة المتشابهة خَلْقٌ لَأَنْوَاعٍ لا تَتَشَابَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حُرُوفِ الكلمات ما تَمَاثَلَ ، فإن ائْتِلَافَهَا في مقاطعها المفردة لا يدل على آخر في المعنى ، بل ثم من صور الائتلاف ما تكاثر ، بما يكون من احتمال لتقديم وتأخير وتبديل ... إلخ ، فيحصل من حروف المعحم وهي معدودة ، يحصل منها آلاف من الكلمات والجمل المختلفة ، فلا تكون الجمل متحدة لا في المبنى ولا في المعنى ، أن كانت مادتها واحدة من حروف المعجم المقطعة ، فَثَمَّ من آي ربوبية في الخلق والتدبير أَنْ كَانَتِ المادة الأولى ، وهي الحروف المفردة ، أَنْ كَانَتْ تلك المادة واحدة ، وهي ، من أخرى ، تَأْتَلِفُ في جمل مخصوصة لكلِّ كائن منها ما يميز ، فَثَمَّ مستوى ثَانٍ من التركيب وهو ما يكتم بعض ممن يُؤْمِنُ بِمَقَالِ التطور لا عَنْ غَايَةٍ وَلَا قَصْدٍ ، فَلَا إِرَادَةَ فِي هذا الخلق المحكَم ! ، فَثَمَّ مستوى ثان من التركيب به يظهر الاختلاف في الكلمات والجمل المركبة وإن كانت الحروف واحدة ، إذ يحصل باجتماعها على نسق مخصوص ، يحصل بذلك من الكلمة أو الجملة ما يدل على معنى مخصوص ، فيكون الاختلاف ، من هذا الوجه ، فهو غير المتشابه ، وثم آخر متشابه كما تقدم من قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، وهو من القصر بتعريف الجزأين "هو" و "الذي" ، فذلك مقام الربوبية وهو ما استحق صاحبه الإفراد ، فليس ذلك إلا له فهو من يُنَزِّلُ الماء وهو واحد في الماهية ، مَاهِيَّةِ السببِ الذي يباشر معادن الحياة في البذر ، فَثَمَّ أجناس من الزيتون والرمان ، والتشابه بَيْنَهَا في الظاهر ، في الشكل والطعم ..... إلخ ، وهو ، كما يقول بعض من حقق ، هو ما جعل ذلك مادة في الْغِشِّ أَنْ يُبَاعَ صنفٌ على أنه آخر أجود ، أو يكون من الخلط ما اشتهر في الزيوت المعتصرة من الزيتون ، فلم يمكن التفريق إلا بالنظر في دقائق في المحتوى الْورَاثِيِّ الذي يميز السلالات ، فاختلاف في الباطن وَتَشَابُهٌ في الظاهر ، وهو ما يدحض مقال التطور إذ يَزْعُمُ أَنَّ تشابه الظاهر دليل على أصل واحد قد انشعبت منه الأنواع ، بل الدليل يشهد أن الْفَرْقَ في الأصل عَظِيمٌ مع التَّشَابُهِ الشَّدِيدِ في الخارج ، مع أن ثم آخر يشهد بالوحدانية ، وحدانية الخالق ، جل وعلا ، إذ سَنَنُهُ فِي الخلق يطرد ، وثم من حكاية المعجم الوراثي حروف واحدة وإنما ائْتَلَفَتْ منها الكلمات والجمل الطويلة وهي مما اختلف ، ولو فِي النَّظْمِ وَالتَّرْتِيبِ ، فالكلمات الواحدة في النطق والكتب قَدْ يُصَاغُ منها جمل تختلف في المعنى إذ يكون ثم من الإعراب ما يميز المحل الذي يُكْسِبُ كُلَّ مُفْرَدٍ من المعنى ما يُغَايِرُ المفردَ نَفْسَه في سياقٍ آخرَ ، فما كان فاعلا في سياق فهو مفعول في آخر ، وهو واحد في رسمه ونطقه ، فكانت الوحدة في الأصول الأولى : حروف المعجم فهي واحدة لا تَتَبَدَّلُ ، وَمِنَ ائتلافها تَالِيًا كلمات وجمل تَكْثُرُ ، ولكلِّ جملَةٍ مدلول يُغَايِرُ الآخر ، وإن كانت الوحدات الأولى ، كما تقدم ، واحدة ، فالسبب وهو الماء الذي يُعَالِجُ مَعَادِنَ الحياة في البذر ، السَّبَبُ كالمترجم الذي ينطق الجمل المركوزة في الْبَذْرِ فَيُخْرِجُهَا مِنَ القوَّةِ إلى الفعلِ ، إذ يُبَاشِرُ مِنْهَا معادنَ كامنَةً ، فَيُظْهِرُ مِنْهَا ما اخْتَلَفَ في الشفرة فَهُوَ غَيْرُ متشابه وَإِنْ أَفْضَى إلى آحادٍ تَتَشَابَهُ فهي تَنْدَرِجُ فِي نَوْعٍ واحدٍ كما الزيتون والرمان في الآية ، وثم آخر يكون منه التشابه بالنظر في حروف المعجم الوراثي الذي يستوي في الأحياء كافة ، وإن كان منه غَيْرُ مُتَشَابِهٍ في الماهيات ، كما بعض الباحثين يضرب المثل بِجَسَدِ الإنسانِ ، فإن حروفه تَتَمَاثَلُ ، وهي ، مع ذلك ، تَأْتَلِفُ فِي أعداد هائلةٍ من الكلمات والجمل تَأْوِيلُهَا مَا يكون من اختلاف في ماهيات الجسدِ لحمًا وعظمًا وعصبًا ..... إلخ ، فالتشابه حاصل في المبدإ ، بل والتطابق في الجسد الواحد ، والاختلاف بالنظر في تَرَاكُبِ الحروفِ وَتَرْتِيبِهَا فإذا ائْتَلَفَتْ فِي سياق مخصوص يُفْضِي إِلَى حصولِ الزَّرْعِ فَإِنَّهُ يحصل بما كان من سنة محكمة في الخلق لا بد لها ، كما تقدم مرارا ، من سببٍ يَتَقَدَّمُ وبه الانتقال حتما من المشهود من ماء يَتَنَزَّلُ وهو لمعدن الحياة فِيهَا يُحَفِّزُ بما رُكِزَ فِيهَا من قوة الإنبات والنمو ، فتلك قوة تفتقر إلى لسان يُتَرْجِمُ ، فَيُخْرِجُهَا مِنَ القوَّةِ إلى الفعل بما يكون من نَظْمٍ مخصوصٍ لحروفِها ، فَقُوَّةُ النُّطْقِ فِي الإنسان مثالا ، تلك القوة أصوات مفردة ذات مخارج مخصوصة بما كان من الخلقة الأولى ، فَثَمَّ من الاختصاص ما يحكي الحكمةَ والقدرةَ ، فيكون من الأصوات المخصوصة ، فَلِكُلٍّ مَخْرَجٌ يُغَايِرُ آخرَ ، وَإِنْ تَقَارَبَتِ المخارجُ بل قد يكون المخرج واحدا وهو على أنحاء ، فمنها ما كان أقصى كما الهمز فمخرجها من أقصى الحلق ، ومنها ما كان وسطا ، كالعين والحاء فَهُمَا مِنْ وَسَطِ الحلق ، ومنها ما كان أدنى كالغين والخاء فَهُمَا مِنْ أدنى الحلق ، وذلك بحث الصوتيات وله في الشرعيات قد أُفْرِدَ مبحثُ المخارجِ والخصائصِ في علم التجويد والتلاوة ، فمبدأ الطفل إذا نطق : أصوات بلا دلالة إلا ما يستشعر الأبوان من بكائه أو ضحكه ..... إلخ ، وهو إلى الحدس أقرب بما يكون من مباشرة تَكْثُرُ ، فالأم تُبَاشِرُ من طفلِها أصواتًا بها تَخْبُرُ أحوالَه وإن لم يكن ثم نُطْقٌ يُفْهِمُ فَلَيْسَ إلا بكاءً وأصواتًا تَتَقَطَّعُ ، حروفا لا دلالة لها في المعجم ، وقد يصل بَعْضًا لا على نظم مخصوص فليس ثَمَّ بَعْدُ مِنَ العقلِ ما يَفْقَهُ ، فيكون من أصواتٍ تُضَاهِي فِي اصطلاحِ النحاة "ديز" مقلوب "زيد" ، فهو لفظ يَأْتَلِفُ من حروفِ معجمٍ قد اتصلت في النطق والكتب ، فَجَاوَزَ المبدأَ من حَرْفٍ يُفْرَدُ ، وهو مع ذلك لا يُفِيدُ مَعْنًى يُفْهِمُ ، حَتَّى يكون منه ما يحصل شيئا فشيئا فَيُحَاكِي الأصوات التي يَسْمَعُ ، وَإِنْ تَعَثَّرَ في المبدإِ حتى ينظم من الحروف كلمات هي الدلالات المعجمية على ما يشاهد ، مع ما يرفدها بدلالات الإشارة إلى الفرح أو الغضب .... إلخ ، فهي تحكي رغبته في شيء يحب ، ورغبته عن آخر لا يحب ، فيكون من بساط الحال ما يزيد في الدلالة المعجمية المفردة إذا نطق وقال : ماء ، أو أي اصطلاح في لهجات تَتَدَرَّجُ بل قد تقترح الأم له من الصوت ما يدركه الطفل إذا أَرَادَ شَيْئًا ، فهو يشير إليه إشارة الراغب المحتاج ، وذلك بساط حال يزيد في الدلالة المعجمية المفردة لكلمة ماء إذ يَرْفِدُهَا بفعل الرغب والطلب ، فتأويله : أريد ماء أو أريد أن أشرب بِمَا رُكِزَ فِيهِ من قوى الغريزة أَنْ يَطْلُبَ الماءَ إذا أصابه العطش ، فذلك ، من وجه ، ما يضاهي التأويل في النظم ، إذ ثم من بساط الحال قَرِينَةٌ قد رَفَدَتْ لَفْظًا مفردا لا يفيد بِنَفْسِهِ إلا بَيَانَ الماهية المجرَّدة في الذهن ، فَثَمَّ مِنْ قرينة السياق أو بساط الحال ما يرفدها بما يزيد من دلالة التقييد ، ثم يكون من ذلك بَعْدًا ما يَتَعَلَّمُ من الجمل شيئا فشيئا ، فذلك تركيب ثان بَعْدَ أول ، فمن أصوات لا تفيد دلالة إلا بما تَخْبُرُ الأمُّ من حال ابْنِهَا ، إلى كلمات مفردة يزيدها الطفل بما يكون من إشارة حب أو بُغْضٍ ، إلى جمل يَتَعَلَّمُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَنْظِمُ منها ما يُفْهَمُ ، فتلك قوة النطق التي رُكِزَتْ فِيهِ أولا قَبْلَ أَنْ يَعْقِلَ ، فهو مبدأَ الحياة : المتكلِّمُ بالقوة ، فلا تنفك هذه القوة المركوزة فِيهِ ، لا تنفك تَفْتَقِرُ بَعْدَ تَمَامِ العقل إلى لسانٍ يُتَرْجِمُ إِذْ يَنْظِمُ مَا كَانَ مِنَ الحروفِ أَوَّلًا فهي المقطَّعة ، يَنْظِمُهَا فِي تَرَاكِيبَ مخصوصة من كلمات وجملٍ مسموعة ذات معنى يفهم بما كان من سنة قد اطردت في المعجم المفرد ثُمَّ أخرى في دلالات الجمل المركبة ، فكان من لسان الكلام أداةٌ بها تأويل المعاني التي تقوم بالنفس بما كان من منطق أول يَبْطُنُ ، فتأويله عَلَى اللِّسَانِ يَظْهَرُ ، فذلك المنطق المسموع إِنِ المنثورَ أو المنظومَ ، إِنِ الحقيقةَ التي تصرح أو ما يكون من لطيف يُكَنِّي ، فكان من المنطوق الباطن أول في حد الكلام ، وآخر يظهر على اللسان والقلم ، فالقلم أحد اللسانين ، كما يقول أهل الشأن ، فَثَمَّ النطق وَثَمَّ الكتب ، وهما سَبَبٌ به استخراج المعاني المختلفة بمادة واحدة من الحروف قد ائْتَلَفَتْ عَلَى مَبَانٍ معهودة في دلالات المعجم المتداول ، فكان من الحرف المقطَّع واحد : حروف المعجم المفردة وَهِيَ أول مَا يَتَعَلَّمُ الطفل من النطق ، فذلك المتشابه الذي منه يكون غَيْرَ المتشابه من كلمات وجمل كثيرة ، فَيَنْطِقُ الطفل بلسان واحد ، كما البذر يُسْقَى بماء واحد ، فيكون من مادة الألفاظ والجمل متشابه من حروف المعجم المقطعة ، ويكون من السقاء ماء واحد ، وبه تأويل لقوة في البذر تحكي انتظاما مخصوصا لحروف المعجم الْوِرَاثِيِّ التي تَأْتَلِفُ عَلَى نَسَقٍ مخصوصٍ يُخْرِجُ من الثمر مخصوصا فلا يَخْرُجُ آخر وإن كانت الحروف واحدة ، فإنها إذ انْتَظَمَتْ عَلَى سَنَنٍ مُحْكَمٍ ذي دلالةٍ في الخلقِ تُعْهَدُ ، فهي تختلف وَلَا تَتَشَابَهُ وإن كانت المادة الأولى واحدة بالنظر في حروف المعجم الوراثي المفردة ، فَكَذَا المعاني التي تقوم بالنفس فهي تارة : تَخْتَلِفُ ، فيكون من حكايتها ألفاظا مفردةً وجملا مركبةً ما يختلف ، وإن كانت الحروف المعجمية وهي أَوَّلُ مَا يكون قَبْلَ النظم في كلمات وجمل ، وإن كانت تلك الحروف متماثلة لدى كل ناطق ، وكان من آلة الترجمة لسان واحد بالمعنى المحسوس المتداول في علم الظاهر الذي يرصد الشكل وعلم التشريح الذي يبين عن دقائق الخلق والتركيب ، وما يكون من وظائفَ تُحْكَمُ لكلِّ جزءٍ ، وَإِنْ دَقَّ ، فكان من الحكمة أَنْ هُيِّئَ كلٌّ لِمَا خُلِقَ له ، فذلك ، من وجه ، مما يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" ، فاستغرق العاقل من البشر ، وما لم يعقل من أجزاء البدن ، وما كان من خلق الشجر والحجر وسائر الكائنات ، جَلَّتْ أو دَقَّتْ .
    فالمعاني التي تقوم بالنفس تارة تختلف ، فيكون من الكلام الحاكي لها ما يختلف ، وإن كانت الحروف المقطعة واحدة فهي تأتلف في مفردات وجمل تكثر فلا يكاد يحصيها خلق ، وَكُلُّهَا يحصل بآلة واحدة في النطق ، فهي تُتَرْجِمُ بِمَا عُهِدَ من قانونِ اللسانِ في دلالاته المعجمية المطلقة والاشتقاقية المزيدة والنحوية التي تُبِينُ عن المعنى الأول ، والبلاغية التي تُبِينُ عن المعنى الثانوي الذي يَلْطُفُ فَهُوَ يُكَنِّي ولا يُصَرِّحُ كَمَا المعنى الأولي الذي يُبَاشِرُ في الذهن مَا اسْتَقَرَّ من قانونِ اللسانِ الَّذِي نَالَهُ الطفلُ بالمحاكاة تارةً والتعلم أخرى فهي ، كَمَا تَقَدَّمَ ، أسبابٌ فِي الخارج بها تأويل النطق قُوَّةً بالنطقِ فِعْلًا ، واللسان هو الآلة المترجِمة ، وَثَمَّ من بَوَاعِثِ النُّطْقِ مَا يكون من أسباب في الخارج تُحَفِّزُ ، كما الرضا أو الغضب ، الحب أو الْكُرْهُ ، فلكلٍّ من المصطلحات والسياقات وَنَبْرَةِ الصوت وبساط الحال ، لكلٍّ ما يدل على المعنى الذي قَامَ بِالنَّفْسِ فَهُوَ يختلف بما تَقَدَّمَ من بواعث في الخارج ومراجع عنها يصدر المتكلم فلا بد من معيار به يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ ، فيكون من كلامه ما يَحْكِي الوجدانَ الباطنَ ، فَثَمَّ أول هو المرجعُ فَهُوَ معيارُ العلمِ الذي يَحُدُّ الحقائقَ ، صَحَّ أَوْ فَسَدَ ، فيكون منه سبب به الحب والبغض يحصل ، وهو ، كما تقدم مرارا ، سَبَبُ كُلِّ حركةٍ في هذا العالم ، وَثَمَّ من الإرادة فِعْلًا أَوْ تَرْكًا مَا يَتَأَوَّلُ هذا الوجدان المحِبَّ أو المبغِض ، وثم في الخارج ما يُظْهِرُ من قَوْلٍ أو فِعْلٍ .
    ومن القول اصْطِلَاحٌ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، فَلِكُلِّ حالٍ : رضًى أو سخطًا ، لكلٍّ من الاصطلاح المعجمي ما يحكي مع آخر من سِيَاقٍ يُفْهِمُ مع ما يكون من لطائف تدق بها بَيَانُ ما لم تحكه العبارات المباشرة ، فَثَمَّ من المشاعر والمواجيد ما لا يطيق النحو حكايته فليس يحكيه إلا البلاغة بما لطف من دَقَائِقِهَا مع نَبْرَةٍ صوتٍ ولحظة عين وحركة جسد فذلك المجموع المركب الذي يرفد الكلمات بمعان ثانوية ، فهي كالقرائن السياقية والحالية التي تدل على مُرَادِ المتكلِّم ، وتلك ، كما يقول بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ ، تلك استجابات لما يكون من مؤثرات في الخارج ، لا عن مباشرة بلا وسيط كما يزعم مقال التطور في مثاله النفسي الذي يُزْرِي بالإنسان فَيَنْحَطُّ به إلى دركة الحيوان الأعجم الذي يستجيب للمؤثِّر استجابةً مباشرة مُسْتَنَدُهَا الغريزة فليس ثم معرفة وإدارك يبطن به يعقل المؤثِّرَ فيستجيب له بما يُلَائِمُ إِذْ ثَمَّ حواجز في العقل لَا جَرَمَ كَانَ مِنِ اسمِهِ عِقَالٌ يَحْجِزُ وإلا صار صاحبه الحيوانَ الأعجم الذي لا عقال يمنعه ولا حَكَمَةَ تُلْجِمُهُ أَنْ يَفْعَلَ الحسنَ وَيَتْرُكَ القبيحَ ، فلا يكون ذلك إلا وَثَمَّ معرفة تَبْطُنُ ، مستندُها ، كما تقدم ، المعيار والمرجع ، فالمعرفة وسيط بين المؤثر والاستجابة ، وبه قدر فارق بين الإنسان العاقل والحيوان الأعجم ، وتلك معرفة تَأْتَلِفُ مِنَ العلوم الضرورية المركوزة في العقل ، فهي أول في الخلقة ، عقل القوة آنف الذكر ، وما يكون من الفعل المتعقِّل بَمَا تَقَدَّمَ من أسبابٍ تَرْفِدُ الوجدان بمعان تزيد ، وما يكون من مرجع يجاوزُ مِنْ خَارِجِ العقلِ ، فهو معيار التصور قَبْلَ الحكم بما يَسُنُّ من معيارِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ ، وكلُّ أولئكَ ، بداهة ، مما يميز الإنسان من الحيوان ، بل الإنسان يُعَابُ كما يقول أهل الشأن في بَحْثِ العللِ العارضة للنفوس ، فَثَمَّ من ضَمُرَتْ مَعَارِفُهُ فَلَيْسَ إلا المؤثر فالاستجابة بلا وسيط يعقل ، فيكون من طبائع الغريزة ما يغلب ، ويكون من العدوان على غيره ما يكثر إذ يَغِيبُ العقل فلا يكون إلا طلب التملك حال الرغبة ، وطلب الثأر حال السطوة ، ولا يكون منه عقل يدرك غاياتِ ما يصنع ، فَلَيْسَ إِلَّا الغريزة التي تَغْلب فَتُقَارِبُ بصاحبها وصفَ الحيوانِ الأعجم ! ، وهو ما انتحله مقال التطور مع نَفْيِ الغائية فَلَوْ تَدَبَّرَ الفاعل عواقب ما يفعل لأمسك عن كثير مما يصنع .

    والشاهد أن المعاني التي تَقُومُ بالنفس مما يختلف ، رضًى أو سخطًا ، حُبًّا أو بُغْضًا ..... إلخ ، ويكون من حكايتها في الخارج بما استقر من قانون النطق معجما واشتقاقا ونحوا وبلاغة ، فالمباني تختلف في الظاهر تَبَعًا لاختلافِ المعاني في الباطن ، وهو ما يَفْتَقِرُ إلى مرجع في التفسير بما أُحْكِمَ مِنْ دلالاتِ اللِّسَانِ نَظَمًا وَنَثْرًا ، وإلا كان التحريف الذي يَنْتَحِلُ اسمَ التأويل بل قد يَبْطُنُ فَيُفْرِغُ المباني من دلالاتها المستقرة معجميَّةً أو سِيَاقِيَّةً ، وهو ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوَاضِعَ ، مما توسلت به الحداثة أَنْ تَنْقُضَ مَا اسْتَقَرَّ من قانون اللسان الذي يُؤْثَرُ وبه الأصول تُحْفَظُ ، لسانيَّةً أو دينيةً ..... إلخ ، فكان من المعاني ما اختلف في الوجدان أولا ، وكان تَالٍ في اللسان من المباني المفردة والمركبة وما احتف بها من قرائن سياقية وحالية ، فاختلاف الجمل المنطوقة فرع عن آخر في المعاني المعقولة ، مع اتحاد الحروف ، وهي أول في صناعة الألفاظ والحدود ، وإنما اختلفت في النظم فكان في كلٍّ من اللفظ والمعنى ما اخْتَلَفَ ، سَوَاءً في نظم الكلمة أو آخر في الجملة ، وإن كان ثم تَشَابُهٌ ، بل وَتَمَاثُلٌ ، فالكلام لا يخرج عن حروف المعجم المتداولة ، فهي أصل واحد ، ومنه توليد كلمات وجمل لا يحصيها خلق ، وهي مما ركز في الفطرة ، وبه ، كما يَقُولُ بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ ، به دَحَضَ القائل إِنَّ ثم من فطرة التكوين الأولى ما عنه الكلام يصدر لفظا ونحوا ، ولو بلا سَابِقٍ أول من تَعَلُّمٍ يحاكي صوت الأبوين ، فَهُمَا رافد من جملة روافد ، فدحض هذا القائل قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللسان اعتباط وتعزيز بالتأديب ، فاعتباط في إطلاق أصوات على أشياء فَتَصِيرُ مصطلحاتٍ تَدُلُّ ، مَعَ تَعْزِيزٍ بالتأديب إِنْ أَخْطَأَ الطِّفْلُ في المحاكاةِ والنطقِ ، وهو مقال يضاهي مقال التطور في الخبط بلا إرادة ولا قصد ، ولا غايةٍ بَعْدًا مِنَ الخلقِ ، فكذا اللسان اعتباط بلا أول من فطرةٍ مَرْكُوزَةٍ فِي الوجدان تحكي صَانِعًا أول قَدْ صَنَعَ بالعلمِ والقدرةِ ، لَا خَبْطًا بِلَا إرادةٍ ولا قصدٍ ، فَرَدَّ الأول بما أثبت من فطرة التكوين الأولى ، وإن لم يكن له من الإيمان بالخالق ، جل وعلا ، حظ ! ، فَآمَنَ بِفِطْرَةٍ أُولَى وَلَمْ يُؤْمِنْ بِفَاطِرٍ أول ، وكان من تَنَاقُضِهِ ، من هذا الوجه ، ما يُضَاهِي مَقَالَ التَّطَوُّرِ إِذْ يُثْبِتُ المحدِث بلا حادث ! ، فكان من الفطرة في النطق ما يحكي إعجاز الخلق ، فالمعنى القائم بالنفس غَيْرُ مُتَشَابِهٍ كَمَا الزيتون والرمان ، فَمِنْهُمَا ، كَمَا تَقَدَّمَ ، سُلَالَاتٌ تَكْثُرُ ، والطعم في الخارج يَتَشَابَهُ ، فكذا المعنى الذي لا يَتَشَابَهُ إذ يقوم بالنفس ، والكلام في الخارج قد يحكي آخر يَتَشَابَهُ في النطق وإن اختلف المدلول بما احتف بالكلام من قرينة السياق كما الكلمة الواحدة في سِيَاقِ سَخَطٍ فيكون من نَبْرِ الصوت ما يدل على مُرَادِ المتكلِّم ، وأخرى في سِيَاقِ التَّعَجُّبِ إن مِدْحًا أو سخريةً ، وثالثة في سياق الملاطفة ......... إلخ ، فيكون المعنى المختلف الذي يحكيه كلام متفق ، كما الزيتون والرمان إذ تختلف السلالات ويكون من الطعوم ما تَشَابَهَ وإن كان ثم اختلاف يدق وهو ما ألجأ أهل الشأن إلى التفتيش في الأصول بما يكشف عن اختلاف في حروف المعجم الوراثي الذي عنه تصدر السلالات المختلفة .

    فالكلام في الخارج قَدْ يَتَشَابَهُ في النطق وإن اختلف المدلول بما احْتَفَّ بالكلامِ من قرينة السياق ، وقد يحكي آخر لا يَتَشَابَهُ في النطق والنظم ، وإن كان من آلة اللسان واحد ، فهو كالماء الذي يُسْقَى به الزرع فيخرج منه ما اختلف في الأكل ، وكذا حروف المعجم فهي واحدة في نطقها وكتبها ، وثم من الاختلاف في نظمها كلماتٍ وَجُمَلًا ، ثَمَّ من ذلك ما لا يتشابه ، وإن كان الأصل واحدا ، أصل الحروف المقطعة .

    وقد يكون المعنى في المقابل واحدا ، فَيَقُومُ بِنَفْسِ زَيْدٍ غَضَبٌ أو رِضًى ، وَبِنَفْسِ عمرٍو آخر ، ويكون من حكايةِ كلٍّ لمعنى واحد ما اختلف فَيَحْكِيهِ زَيْدٌ بجملَةٍ تُفْهِمُ ويحكيه عمرو بأخرى تُشْكِلُ ، وإن كان المعنى واحدا يَتَشَابَهُ فَكَانَ فِي الخارجِ من الكلام الدال عليه ما لا يَتَشَابَهُ ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، من إعجاز التكوين الرَّبَّانِيِّ في الْبَيَانِ ، وَبِهِ تَالٍ بَعْدَ الخلق إذ : (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) ، فكان من الابتداء باسم "الرحمن" وهو الاسم الجامع في بابه ، وهو الذي يُسْنَدُ إليه المعنى الذي اشتق منه إذ دلالته ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، الدلالة الاسمية العلمية ، وَثَمَّ أخرى هِيَ الوصفية إذ اشتق ، كما تقدم ، ومادة اشتقاقه هي الرحمة ، فمن الرحمن تَتَنَزَّلُ الرحمات ، والاسم ، كما تقدم ، قد استغرق الرحماتِ العامة ، رحمات التكوين ، وَهِيَ مِمَّا عَمَّ الخلقَ جميعًا ، فكان من دلالة "فعلان" حِكَايَةُ زِيَادَةٍ وَامْتِلَاءٍ ، وذلك آكد في الوصف ، فالجوعان أبلغ في الوصف من الجائع ، وكذا العطشان والغضبان .... إلخ ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فإن أسماءه الحسنى مما تناوله درس العربية ، لا أنها كأسماء الخلق ، أو أن أوصافه كأوصاف المخلوق ، وإنما حُدَّتْ على مُثُلٍ في الاشتقاق معهودة ذات دلالات في الكلام مخصوصة ، مع أجناس دلالية تحكي الكمال المطلق ، كما العلم والقدرة والحكمة والرحمة ، ومنها اشتق الاسم محل الشاهد ، اسم "الرَّحْمَن" ، فهو يجاوز الوصف الأول ، إسناد المعنى إلى الذات ، فمعنى الرحمة إذا أضيف إلى الذات فصاحبها مبدأَ الإسناد هو الرَّاحِمُ ، وذلك مما يجري مجرى الوصل إذ اتصلت "أل" باسم الفاعل الذي قام به فعل الرحمة ، قِيَامَ الوصفِ بالموصوف ، وهو مما احتمل الوصف الذاتي بالنظر في أصل المعنى ، ووصف الفعل بالنظر في آحاده التي تناط بالمشيئة ، فَيَرْحَمُ الرَّاحِمُ إذا وُجِدَ من السبب ما به الرحمة تَحْسُنُ ، وذلك مناط الحكمة فلا يوضع الجمال في موضع الجلال ، ولا يكون ضد في الباب أَنْ يُوضَعَ الجلال في موضع الجمال ، فالحكمة قاضية أَنْ يُوجَدَ المسبَّب إذا وُجِدَ السَّبَبُ واستوفى المحل الشرطَ وَانْتَفَى عَنْهُ المانع ، فإذا وُجِدَ سببُ الرحمة كان من تأويل الراحم ما يصدق ، فَيَكُونُ مِنْ فِعْلِ الرحمة ما يحسن في مواضعها ، وهو مما شُرِعَ لِلْخَلْقِ أَنْ يَتَّصِفُوا بِهِ ، وذلك من تَأَوُّلِ الأسماء الحسنى ، فَمِنَ التعبد بها أن يَتَخَلَّقَ المكلَّف بما يصح له منها كما الرحمة ، وألا يتخلق بأخرى لا تصح كما الجبروت والقهر والكبرياء ، فذلك مما اختص به ، جل وعلا ، فَيَتَخَلَّقُ بما يليق ولا يَتَخَلَّقُ بآخر لا يَلِيقُ ، وهو مما يدخل في حد الإحصاء ، كما الخبر : "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" ، وهو ما تَنَاوَلَهُ التوكيدُ قياسا ، التوكيد بالناسخ "إِنَّ" ، وهو مِمَّا رُفِدَ بآخر إذ قُدِّمَ الظرف "لله" وحقه التأخير ، وكان من اللام : لام الجر في لفظها ،كان منها في المعنى ما يفيد الاختصاص والاستحقاق ، فَثَمَّ مِنَ الأسماءِ مَا أُجْمِلَ صدرَ الخبر ، وثم من بَيَانٍ تَنَاوَلَ الوصف ، وصف هذه الأسماء إذ اختصت بمعنى يزيد ، أَنَّ مَنْ إِحْصَائِهَا سبب في دخول الجنة ، فَكَانَ مِنَ الشَّرْطِ : "مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" ، وهو مَا تَنَاوَلَ وُجُوهًا من العمومِ إذ الشرط نص في الباب ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، وهو مما ذُكِّرَ منه المبنَى وَأُفْرِدَ ، ودلالته تجاوز بالتغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف ، فكان منه عموم يَتَنَاوَلُ الأفراد كافة ، فاستغرق العموم كلَّ محلٍّ صَحَّ تَوَجُّهُ التكليف إليه ، وذلك مناط يَتَنَاوَلُهُ من العموم درجات : عموم المعنى المتبادر من نَصِّ التكليف المستغرق ، وعموم يجاوز فيستغرق الكافر كما المؤمن بالنظر في عنوان التكليف العام الذي يتناول عَيْنَ التكليف وما كان من سبب أول به يَصِحُّ من توحيدٍ يَنْصَحُ فِي الاعتقاد والقول والفعل ، وآخر يجاوز الحاضر إلى الغائب ، وثالث يجاوز الموجود إلى المعدوم ، فكل أولئك يتناولهم عموم اللَّفْظِ ، لَفْظِ الشَّرْطِ "مَنْ" ، وَثَمَّ من آخر وهو ما اسْتُفِيدَ مِنِ استغراقٍ قد تَنَاوَلَ وجوهَ الإحصاءِ كَافَّةً ، إذ تَسَلَّطَ الشرطُ على المصدر الكامن في الفعل ، فعل الإحصاء ، وذلك مَا تَنَاوَلَ الحفظ والفقه والتأويل ، لا تأويل الكلام والفلسفة ، وإنما تأويل التصديق أنها من عند الله ، جل وعلا ، والامتثال ، وهو ما يَتَنَاوَلُ المدلولات الإنشائية ، إذ ثَمَّ مِنْهَا مَا يُتَعَبَّدُ به جمالا فصاحبه يرغب في وعد يصدق ، ويتأول المعنى الجميل في القول والفعل ، فيكون من رحمته بالخلق ، وهي محل شاهد تقدم ، يكون منها تأول يحصي به المتأوِّل وصفَ الرحمة ، ومنها اشتق اسم الرحمن ، وهو الاسم ذو الدلالة العهدية الأخص ، فلا يكون منه ما يطلق على مخلوق ، لا كاسم الرحيم فدلالته تجاوز فَصَحَّ أَنْ يُطْلَقَ على مخلوق ، فيقال : فلان رحيم ، وذلك مما يجري مجرى الاشتراك المعنوي بالنظر في الأصل : عنوان الرحمة المجرد في الذهن ، فهو المطلق الذي يكون الاشتراك فيه ، ولا يكون منه التمثيل أو التشبيه إذ لا يجاوز الذهن إلى الخارج ، وإنما يكون من قيد الذات الموصوفة في الخارج ما يميز المخلوق من الخالق ، جل وعلا ، وذلك مما يَطَّرِدُ في مسائلِ الباب كافة ، باب الإلهيات ، فيكون منها بعض لا يطلق إلا على الله ، جل وعلا ، فالعهد فيه خاص لا يجاوز ، كما اسم الله ، جل وعلا ، فإن اسم "الله" الاسم العلم الأشهر ، بل هو أعرف المعارف ، فَجَاوَزَ الضمائِرَ ، ولا عموم فِيهِ يُتَصَوَّرُ ، وإن قِيلَ إنه المشتق من التأله وهو التعبد ، فهو المعبود بحق ، جل وعلا ، وليس ثم معبود بحق إلا هو ، لا جرم امتنعت الشركة فيه ، إذ كل ألوهية سوى ألوهيته فهي باطلة ، سواء أكانت ألوهية تَنَسُّكٍ تُبَاشِرُ بما يكون من قربان ديني مخصوص يشفعه صاحبه بالركوع والسجود ... إلخ أم كانت أخرى ألطف بما يكون من ألوهية الطاعة والاتباع لطاغوت يخالف عن الوحي فَيَقْتَرِحُ له ضِدًّا من شرعة تواطئ الهوى والذوق فيأرز إليها مرجعا لا مرجع يجاوزه ، فاستبدل بالوحي مرجع النبوات المجاوز للأهواء والحظوظ والقاضي فيها قَضَاءَ الْقَهَّارِ فلا يخرج عنه إلا المفتون المتوعد ، إِنِ الطاغوت أو التابع ، ولكل من العذاب ما به تَقَطُّعُ الأسباب : (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ) ، فالعهد الخاص في اسم "الله" لا يجاوز به إلا أن يكون من المعبود آخر ، فليس إلا الباطل ، إذ الحق في هذا الباب واحد ، فَلَيْسَ ثَمَّ في الباب نُسُكًا وَحُكْمًا إلا وَاحِدٌ وَإِلَّا فَسَدَ نظام العالم أن يكون ثم أكثر من خَالَقٍ ، فيكون أكثر من عالم يحيط بالخلق ، ويكون أكثر من حاكم له من معيار الحسن والقبح ما يحكي سنته في الخلق فهو أعلم بما خلق وما يصلحه من الحكم أمرا ونهيا ، ولا يكون ذلك إلا بمعيار أول يصف الأعيانَ والأحوالَ حُسْنًا وَقُبْحًا ، فَلَوِ افْتُرِضَ التَّعَدُّدُ فِي هذا الوصف لَفَسَدَ نظامُ الكون ، إذ لكلِّ إلهٍ علمٌ وحكمٌ ، وَلِكُلٍّ معيار في الوصف وآخر يشرع بما يواطئ معيار الوصف الأول ..... إلخ ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ دليلٌ في العقل والحس ، إذ انْتِظَامُ أَمْرِ هَذَا الْكَوْنِ عَلَى هَذَا السنن المحكم ، وهو ما يشهده الحس ، فَهُوَ يكشف عن إِتْقَانٍ في الخلقة وَسَنَنٍ جَارٍ على قانون الحكمة ، ذلك الانتظام دليل أن ثَمَّ واحدا قد قَدَّرَ بِعِلْمٍ يحيط وَأَوْجَدَ بِقُدْرَةٍ نافذة ، وَدَبَّرَ بحكمة بالغة ، فَهُوَ الرَّبُّ المهيمِنُ بِمَا لَهُ مِنْ وَصْفٍ عام يستغرق ، فَلَهُ من عموم الربوبية أول لا شركة فيه إذ المعنى أخص ، فلا يكون إلا لواحد في الخارج ، وإن كان من الأوصاف علما وتقديرا وقدرة وحكمة .... إلخ ، وإن كان منها الجنس العام المستغرق بما يجرد الذهن من المطلق الدلالي الأول ، فهو مما تحصل فيه الشركة ، لا ما يجاوز من كمال المعنى ، ولو فِي الذهن ، فكماله لا يكون إلا لواحد ، فَثَمَّ من الكمال المطلق ما لا يحتمل الشركة ، فلا يكون إلا لواحد ، سواء أكان المجرد الذهني أم المقيد الخارجي ، فيكون الكمال المطلق لواحد ، وهو ما تأويله في الخارج : حقيقة تصدق بما كان من ذات ووصف يقوم بها ، فلا يكون منه إلا وَاحِدٌ في ذاته أَحَدٌ في صفاته قد انفرد بالكمال المطلق فوجوده الواجب الأول ، الواجب الذاتي الذي لا يُعَلَّلُ ، فكماله ذَاتِيٌّ أول ، وهو ما استوجب حدا يميز ، فكان من واجب الوجود الأول ما امتاز ضرورة من غَيْرٍ هو الجائز أو ثالث وهو الممتنع فالأخير عدم لا يتصور وإنما يفرضه الذهن من باب التَّنَزُّلِ في الجدال مع الخصم إذا قَالَ بالمحالِ الذاتي الذي لا يكون في الخارج ، فيخاطب بما له من لوازم ، لا إقرارا أنه واجب أو جائز يُتَصَوَّرُ ، وإنما إبطالا لمقال الخصم بما يلزمه ، وإلا خالف عن قانون العقل الصريح بالتلازم ضرورة بين الملزوم واللازم ، فذلك من جنس التعليل إذ ثم تلازم وثيق بين السبب وهو الملزوم ، وما يكون مِنْ مُسَبَّبٍ أو معلول في الخارج فذلك لازمه ضرورة في النظر المحكم ، فكان من القسمة ضرورة : واجب وجود أول له من الوصف ذاتي لا يُعَلَّلُ ، فلا يفتقر إلى سبب من خارج ، بل منه سبب يكون به كل حادث في الكون ، فما سواه محدَث يُخْلَقُ فيكون من تقدير في العلم الأول وسطر في لوح تقدير تال ، وما به تأويل المعلوم في الخارج من المشيئة والخلق ، وبهما يصير الجائز أولا في العلم المحيط ، به يصير الجائز واجبا لا لذاته إذ يفتقر إلى موجد من خارجه ، فهو الواجب لغيره بما كان من إيجادِ أَوَّلٍ قد أحدثه من العدم ، فذلك الأول الواجب لذاته في الأزل ، الموجِب لغيره بما كان من علم يحيط وكلمات تكوين بها تأويل المعلوم الأول ، فهي للإيجاد تُرَجِّحُ ، فالمخلوق المحدَث : جائز في التقدير الأول ، إذ القسمة ، كما تقدم ، واجب وجائز ، والواجب منه واجب لذاته هو الواجب الأول فلا يكون ثم موجِب له وإلا لَزِمَ التسلسل ، فكان من وجوده ذاتي لا يفتقر إلى سبب من خارج ، وكان منه الفعل إيجادا لِغَيْرٍ هو الجائز ، مبدأَ أمرِه ، فلا ينفك يفتقر إلى مرجح من خارج ، به يَصِيرُ الواجبَ ، لا لذاته ، فالواجب الذاتي أول فرد لا نظير له ولا ند ، ولا شيء يتقدمه وإلا لزم ما تقدم من التسلسل في المؤثرين أزلا ، والقول به يُفْضِي إلى امتناع الخلق كافة ، وهو ما يكذبه العقل والحس ، بداهة ، فلا يكون تكوين إلا إذا رُدَّتِ الكائنات جميعا إلى مُكَوِّنٍ أول ، لا شريك له ولا ند ، فَثَمَّ حَدٌّ يميز الخالق ، جل وعلا ، من الخلق ، فالقسمة آنفة الذكر : واجب أول هو الواجب الذاتي بما أَخْبَرَ بِهِ الوحيُ الرساليُّ من كمالٍ مطلَقٍ عنه يكون هذا الخلق المتقَن بما يجري عليه من سنن محكم ، فتلك آثار أوصافه عِلْمًا وَخَلْقًا وَبَدْعًا لا على مثالٍ تَقَدَّمَ وَتَدْبِيرًا قد استغرق الأعيان والأحوال كافة ، وهو ما جاوز في النظر بما كان من دلالة تلازم تَنْصَحُ ، فَلَهُ من تدبير الأديان خبرا وحكما ما به صلاح الحال والمآل كافة ، إذ له أول من تدبير الأعيان والأحوال ، فعلمه قد استغرق الجليل والدقيق ، وهو ما يصح في التعليل ، أن يكون له الانفراد بالتشريع خبرا وحكما ، كما له من ذلك أول في الخلق والرزق والتدبير كافة ، فلا إله غيره يعبد بحق بما شرع وأنزل من الخبر والحكم ، إذ لَا رَبَّ غَيْره قد انفرد بالخلق والرزق والتدبير وسائر أفعال التكوين ، فكان له من ذلك حَدُّ الواجبِ لذاته ، وكان من الخلق جميعا آخر هو الجائز فلا ينفك يفتقر إلى مرجح من خارج ، لا يكون إلا واجبا لذاته لا يُعَلَّلُ وإلا لَزِمَ ما تقدم من التسلسل ، فالقسمة أبدا في هذا الوجود : واجب الوجود في حَدٍّ ، وما سواه فهو الجائز ، وثم ثالث هو المحالُ إما لذاته وإما لغيره فلم يكن من الواجب الأول ترجيح لوجوده فكان امتناعه لا أنه ممتنع في ذاته كما المحال لذاته ، وإنما فاته المرجِّح من خارجه إذ لم يَشَإِ الواجبُ الأول حدوثه بما يكون من كلمات التكوين حكايةَ أول من العلم يحيط ، وذلك أصل في الإلهيات جليل وبه تُرَدُّ متشابهات الباب إلى مُحْكَمٍ أول ، مُحْكَمِ انْفِرَادِهِ ، جَلَّ وَعَلَا ، بالكمال المطلق ذاتا واسما ووصفا وفعلا ، فلا شركة فيه وهو ما يَنْقُضُ مقالَ الحلول والاتحاد الذي عمت به البلوى في كلِّ جيلٍ ، إن حقيقةً أو مجازًا ، بما كان من الحلول التشريعي في الواضع الحداثي الذي يَقْتَرِحُ من التصور والحكم ما يضاهي به أولا من العلم ، علم الإله المعبود بحق إذ له من الكمال المطلق واجب أول لذاته لا يَفْتَقِرُ ، كما تقدم ، إلى سبب من خارج ، فَبَرِئَ من وصمةِ الجهل فَلَهُ علم أول يحيط ، وَبَرِئَ من وصمة الفقر والنقص والحاجة ، بل الخلق جَمِيعًا إليه يَفْتَقِرُ بِمَا كَانَ له من كمالِ ذاتٍ أول ، وعنه كمال الفعلِ يَصْدُرُ ، فيكون منه ربوبيةُ جمالٍ وجلالٍ ، بها التكوين والتدبير ، ومن ذلك عنوان الرحمة آنف الذكر ، ربوبية جمال قد استغرقت ، فكان من ذلك محلُّ اشتراكٍ في الذهن ، ومحلُّ اختلافٍ في الخارج ، وذلك أصل يطرد في الإلهيات كافة ، فهي المشترك المعنوي وله في الخارج آحاد تصدق ، وقسمتها في الخارج ضرورةُ نَقْلٍ وَعَقْلٍ ، قسمتها في الخارج : الواجب الأول بكمالِ الذَّاتِ والوصفِ ، الموجِبُ لِغَيْرٍ بكلمات تقدير وخلق ، فذلك حَدٌّ ، وثم آخر من الواجبِ لغيرِه بما يكون من إيجادٍ له بكلمة تكوين هي المرجِّح من خارج ، فلا يلزم من إثبات الاشتراك في المجرد الذهني ، لا يلزم منه آخر في الوجود الخارجي ، بل لكلٍّ من الوجود والحقيقة في الخارج ، حقيقةِ الذاتِ والوصفِ ، لكلٍّ منها ما يواطئ الموجود في الخارج ، فَثَمَّ المخلوق وثم الخالق ، جل وعلا ، فلا يضاهيه شيء من خلقه ، بداهة ، وإن كان ثم اشتراك في جُمَلٍ من المشتركات المعنوية فذلك الاشتراك في الذهن فلا يجاوزه إلى الخارج ، بل ثَمَّ في الذهن ما امْتَنَعَتْ فيه الشركة ، فالكمال المطلق ، ولو في المعنى لا يكون إلا لِلرَّبِّ الأعلى ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَكَذَا بَعْضٌ من الأسماء والأوصاف فهي مما لا شركة فيه تُتَصَوَّرُ لعهد خاص يزيد ، كما في اسم الله ، جل وعلا ، آنف الذكر ، فهو أعرف المعارف كَافَّةً ، وكما في اسم الرحمن ، وهو محل الشاهد الأول ، فإنه وإن اشتق من وصف الرحمة ، وهو مما يجوز في حق المخلوق بل ويحسن ، فذلك ، كما تَقَدَّمَ ، من تَأَوُّلٍ صحيح في التَّنَسُّكِ ، تَأَوُّلِ وصفِ الرحمةِ جمالا أن تُوضَعَ في الموضع اللائق ، فَيَرْحَمُ من يستحق الرحمةَ وذلك الجمال ، ويأخذ من يستحق الأخذَ وذلك الجلال ، والعدل واجب في كُلٍّ ، وبه استقام الكون خلقا ، فلا يستقيم الأمر شرعا إلا والعدل ظاهر ، ولو لم يكن لصاحبه من الوحي حظ ، فَبَرَكَةُ العدلِ لَا تَنْفَكُّ تَنَالُهُ وإن في الأولى فلا حظ له في الآخرة ، وأكمل الوجوه التي تنصح ولها يطلب كُلُّ مَنْ يَعْقِلُ ، أكملُها العدل في الدين والدنيا كافة ، فيكون منه صلاح الحال والمآل جميعا ، وبه مَازَ النظار حكمَ الوحي المنزَل من آخر فِي الوضع المحدَث ، فالوضعُ المحدَث لا يجاوز في إصلاحه ، إِنْ أَصْلَحَ ، لَا يجاوز الشهادة فَهِيَ مُنْتَهَى سؤلِه مع ما يكون من اضطرابٍ وَتَنَاقُضٍ لَا يَنْفَكُّ أبدا يطلب المعدِّل بل والناسخ إذ يصدر عن علم محدَث لا يحيط في مقابلِ عدلِ التشريعِ المحكَمِ ، فهو قسيم أول في ربوبية الخلق والتدبير المتقن ، وذلك ما عن علمٍ أول يصدر وله في وصف الغنى والكمال المطلق ما به يَبْرَأُ من تهمة الهوى والحظ فتلك آيات الحاجة والفقر التي تَنَزَّهَ عنها الخالق ، جل وعلا ، بداهة ، وليس ثم مخلوق عنها يَتَنَزَّهُ ، ولو فِي أصلِ وجودِه ، فهو أبدا يفتقر إلى أول هو ، كما تقدم ، الواجب لذاته في وجودِه غَنِيًّا عن أي سبب من خارجٍ ، فَكَانَ مِنْ إِحْصَاءِ وصفِ الرحمةِ تَأَوُّلُهُ ، كما تقدم ، في المحل الذي يُوَاطِئُ ، وهو مما يدخل في العموم آنف الذكر : "مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" ، فذلك إحصاء لجملة مخصوصة في الباب ، فليس الإحصاء التام إذ ذلك مما يتعذر ، وهو قياس العقل المحقق إذ كيف يحيط المحدود بما لا حد له ، وهو ما استوجب في الباب : باب الحد ، ما استوجب ، أيضا ، قيدا يميز ، فَثَمَّ من إثبات الحد ما وجب ، الحد بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، وتلك حكايةُ جملةٍ من الأدلة نَقْلًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً وَحِسًّا ، فلا يحل الكامل بداهة في الناقص ، فلا بد من حد يميز في الذهن وفي الخارج ، وإلا خُولِفَ عن كل معيار في الباب محكم وكان من المحال الذاتي ما يثبت ! ، فالخالق الأعلى في السماء ، وذلك العلو المطلق إذ انفرد بكمال الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، والمخلوق يغايره فهو المحدَث من العدم ، وهو الناقص في التكوين ، وإن شَرُفَ في نفسه ، كما الملَك والأنبياء عليهم السلام ، فلا يحل فيه ولا يتحد به ، وإنما الحد أبدا يميز في الباب ، فالخالق الأعلى ، عز وجل ، في حَدٍّ بَائِنًا من خلقه مُسْتَوِيًا على عرشه ، أعظمِ الكائنات وأعلاها فهو السقف وأولها في الخلق ، والمخلوق دونه فهو المحدَث من العدم في مقابل أول قد ثبت في الأزل ، فشتان الاثنان وإن جمعهما اسم الوجود ، فهو ، كما تقدم ، على واجبِ وجودٍ أول وجوده ذاتي لا يعلل ، وجائز لا يَنْفَكُّ يفتقر إلى موجِب من خارج ، والحد بَيْنَهُمَا يثبت حتما لازما فذلك الضروري في النقل والعقل كَافَّةً .

    وَثَمَّ مِنْ نَفْيِ الحدِّ ما وجب ، من جهة أخرى تخالف ، فلا تناقض ولا تعارض إذ الجهة قد انفكت ، كما تقدم ، فجهة الإثبات قَيْدٌ بِهِ الاحتراز من الحلول والاتحاد ، وَجِهَةُ النفي قَيْدٌ به الاحتراز أن يحيط المخلوقُ محدودُ المدارك بما تعالى عنها فلا يحده ، جل وعلا ، في الإدراك حد ، فـ : "لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" ، فَنَفَى النفي العام المستغرق ، وهو ما اسْتُفِيدَ من جهتين : جهة النفي الذي تسلط على المصدر الكامن في الفعل "أُحْصِي" ، وآخر فد تسلط على النكرة "ثَنَاءً" ، وثم من الاستئناف على حَدِّ الاسمية في "أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" ما به إثبات بعد نفي ، فلا يعلم الثَّنَاءَ الواجب على الرب الخالق ، جل وعلا ، إلا هو .

    وَثَمَّ من الجواب "دَخَلَ الْجَنَّةَ" ما دَارَ مع الشرط وجودا وعدما ، فذلك من التعليل المواطئ لِصَرِيحِ العقل ، فإذا حصل السبب من الإحصاء المستغرِق لِمَا تَقَدَّمَ من الحفظ والفقه والتنسك ، حصل الجزاء من دخول الجنة ، وَهُوَ كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا في نصوص الوعد جمالا والوعيد جلالا ، هو ما استوجب قيدا يطرد في الباب ، أَنْ يُسْتَوْفَى الشَّرْطُ وَيَنْتَفِيَ المانع ، فيكون من التوحيد أول هو شرط الصحة في الأقوال والأعمال كافة ، بل وفي اعتقادات الجنان فهو أولها ، وإن كان من الشرط فِي هَذَا السِّيَاقِ ما يستوجب التوحيد وإن لَازِمًا فَإِنَّ إحصاءَ الأسماءِ يستغرق إحصاءَ اسمِه ، جل وعلا ، اسم "الله" ، وهو عنوان التوحيد المحكم أَنْ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سواه ، جل وعلا ، وذلك أصل في الباب ، فهو الشرط الذي يَسْتَوْفِي الأقوال والأعمال كافة ، وثم من المانع ضِدٌّ من الكفر ولا يُتَصَوَّرُ اجتماعه مع الإيمان بالنظر في الأصل ، إذ هما نقيضان في الباب فلا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ ، وإن كان من الاحتمال حصولُ شُعَبٍ من الكفر الأصغر أَنْ تُجَامِعَ أصلَ الإيمان الأول في محل واحد ، فَتُنْقِصُ مِنَ القدرِ الواجب ولا تَنْقُضُ الأصلَ الجامع إلا لقرينة من خارج كما الاستباحة أو السخرية ، فذلك نَاقِضٌ بعينه ، ناقض لأصل الإيمان الجامع ، فكيف إِنِ انْضَافَ إِلَيْهِ فِعْلُ المحرَّم وإن لم يكن أولا من النَّاقِضَ لِأَصْلِ الإيمان المحكَمِ ، فذلك شرط يُسْتَصْحَبُ فِي كلِّ وعد أو وعيد فلا بد من استيفاء الشرط وانتفاء المانع ، والمانع في هذا الموضع قد يكون الْمُؤَبَّدَ وإن بَعُدَ ذلك فَلَمْ يُتَصَوَّرْ كما تقدم من إحصاء الاسم الأول ، اسم الله ، جل وعلا ، المعبود بحق ، فذلك عنوان التوحيد المحكم الذي يحرم صاحبه على النار التحريم المؤبد وإن لم يَحُلْ دونَ وعيدٍ مؤقت صاحبه تحت المشيئة فَقَدْ يَنَالُهُ ، وإن نَالَهُ ، مع ذلك ، فهو المؤقت لا المؤبد فيخرج منه إلى دار النعيم أبدا ، ويحرم على النار التحريمَ المؤبد ، فلا يخرج من الجنة أبدا إذا دخلها ، فالمانع ، كَمَا تَقَدَّمَ ، قد يكون المؤَبَّدَ ، وقد يكون آخر هو المؤقَّت بما كان من كفرٍ أصغرَ : شُعْبَةً لا تَنَالُ من أصل الإيمان الأول أو معصية سواء أكانت كبيرة أَمَّا دونها ، وإن اختصت الكبيرة بِقِسْطٍ يزيد من الوعيد ، فصاحبها تحت المشيئة ما لم يكن ثم استباحة أو سخرية ، على التفصيل آنف الذكر ، فإن عُفِيَ عنه فذلك الفضل فيكون دخوله الجنة أولا بلا سابقة عذاب ، وإن لم يُعْفَ عنه فَأُخِذَ بذنبه فذلك المؤقَّت فلا يُؤَبَّدُ إذ لم يُقَارِفْ من العصيان ما لأصل الدين ينقض ، فكان من الخبر وعد يجمل ، ولا ينفك يدل على إنشاء يأمر أَنْ : أَحْصُوا الأسماءَ الحسنى فهي سبب في دخول الجنة ، ومنها اسم الرحمن ، محل الشاهد ، وإن كان منه عهد أخص فلا يطلق على مخلوق ، ولو من باب الشركة ، إذ ثم من دلالة الرحمة ما وسع الخلق كافة ، وليس ذلك إلا لله ، جل وعلا ، الذي خَلَقَ ، وإن كان من وصف الرحمة ما شُرِعَ للمخلوق أن يَتَأَوَّلَهُ بما يُوَاطِئُ الحكمة أن يُوضَعَ في المحل الذي يواطئ ، فكان من الجزاء ما للعمل يجانس إذ : "الرَّاحِمونَ يرحَمُهم الرَّحمنُ تبارَك وتعالى؛ ارحَموا مَن في الأرضِ يرحَمْكم مَن في السَّماءِ" ، فكان من الخبر "يرحمهم" ما يواطئ المبتدأ "الراحمون" جناسَ اشتقاقٍ ، وهو ما يحسن في سياق الجزاء ، فكلٌّ قَدِ اشتق من جنس الرحمة ، وكان من اسم الرحمن ما يحسن في سياق الجزاء إذ تلك رحمة تَسَعُ الخلقَ كافة ، من آمن ومن كفر ، فلا ينفك الأخير يُرْحَمُ في الأولى بما يكون من العدلِ أَنْ يُوَفَّى الجزاءَ في دارِ التكليف فلا حظ له من أخرى في الحساب والجزاء ، فأخبر بالفعل المضارع "يرحمهم" حكايةَ استحضارٍ لصورةٍ تَحْسُنُ ، مع ديمومة قد استغرقت الحال والاستقبال كافة ، واسم الرحمن في هذا الباب أعم من اسم الرحيم فلا يكون الأخير إلا لِمَنْ آمن يومَ البعث والحشر ، وجزاء الرحمة ، كما تقدم ، جزاء عام يستغرق الخلق كافة ، من آمن ومن كفر ، وإن لم يكن للأخير رحمة تجاوز هذه الدار ، فأخبر ثم كان الإطناب بلازم الخبر من الإنشاء أمرا أن : "ارحَموا مَن في الأرضِ يرحَمْكم مَن في السَّماءِ" ، وذلك عنوان تكليف قد عَمَّ بما دلت عليه واو الجمع في "ارْحَمُوا" ، ولها ، كما تقدم ، عمومُ تَغْلِيبٍ يجاوز بما كان من قرينة عموم في التكليف تُسْتَصْحَبُ ، وَثَمَّ من الأمر ما يَتَنَاوَلُ الواجبَ والمندوبَ ، فلا يخلو من الإرشاد والنصح ، وإن كان الأصل منه إيجاب يُطْلَقُ فِي الذهن بما كان من استقراءٍ لكلامِ العربِ أهلِ الشَّأْنِ ، وَثَمَّ من عموم المرحوم ما يحكيه الموصول الاسمي المشترك "مَنْ" وهو نص في الباب ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، ولا يخلو من عموم يجاوز أصل الوضع الأول لمن يعقل ، فثم عموم يجاوز فالرحمة تكون بالعاقل وغيره ، فارحموا من في الأرض وارحموا ما في الأرض ، فدل الأول على الثاني تَغْلِيبًا آخر في الباب ، وثم من المضارع "يَرْحَمْكُمْ" مَا جُزِمَ فِي جوابِ الطلب فَحُذِفَ شَرْطٌ مُقَدَّرٌ توصلا إلى الجزاء بلا واسطة وذلك آكد في الوعد مع إيجازٍ يَحْسُنُ فِي اللَّفْظِ بِمَا اطَّرَدَ مِنْ قانونِ العربية في الحذف ، وهو مما به يستأنس مَنْ يُجَوِّزُ المجازَ في اللسان والوحي ، ومن ينكر فهو على أصل أول يستصحب أَنَّ ذَلِكَ مما عَرَفَهُ العرب من كلامهم المأثور المحتَجِّ بِهِ ، فَلَئِنْ صَحَّ أنه مجاز فهو المشتهر المطرد في اللسان ، وهو ما يُنْزِلُهُ منزلة الحقيقة في عُرْفِ النطق وهي أخص من أخرى تطلق في الذهن ، فَتَقْضِي فيها قضاءَ المقيَّد في المطلق ، وهي الحقيقة لا المجاز ، وإن زِيدَتْ قيدَ العرفِ فهو حاكم في القول والفعل ، وثم من طباق الإيجاب بَيْنَ السماءِ والأرضِ مَا يَحْسُنُ في الدلالة ، وتلك ، كما تقدم في مواضع ، سماء تحكي العلو المطلق فَلَيْسَ إلا الرب الخالق المهيمن ، جل وعلا ، الذي انْفَرَدَ بالعلوِّ ذَاتًا وشأنا وقهرا ، فكما الطباق يحسن بين السماء والأرض ، فَثَمَّ آخر بين رحمة المخلوق في حَدٍّ ، ورحمة الخالقِ ، جل وعلا ، في آخر ، فذلك ، أيضا ، طباق الإيجاب المفهِم ، وكلُّ أولئك مما بِهِ الحد يميز الرحمن ، جل وعلا ، وهو الخالق ، من المخلوق ، فكان من رحماته ما عم فاستغرق ، فتلك دلالة "أل" في "الرحمن" ، فلا تَنْفَكُّ تَحْكِي مستوياتٍ من الدلالة : العموم المستغرق لوجوه المعنى في حد ، والعهد الخاص الذي يدل على واحد إذ لا يَنْفَرِدُ بالكمالِ المطلق إلا الربُّ الخالق المهيمن ، جل وعلا ، مع ما تَقَدَّمَ مِنْ عَهْدٍ أَخَصَّ في اسم "الرحمن" ، فلا يُطْلَقُ عَلَى غيرِه ، ولو من باب الإطلاق الأعم كما الرحيم والعليم والحليم .... إلخ ، وثم من آيات الرحمة ما تلا في الآي المحكم : (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) ، وذلك من الإطناب بخاص بعد عام فهو يُبَيِّنُ ولا يخصص ، كما قال أهل الشأن ، فكان من رحماته الدينية قرآن قد يُسِّرَ لِلذِّكْرِ فَقَدْ عَلَّمَهُ الرحمنُ ، جل وعلا ، بما يَسَّرَ مِنْ أسبابه وهو ما جَاوَزَ فِي الدلالة فَاسْتَغْرَقَ نصوصَ الوحيِ كَافَّةً ، وثم من التعليم ما به اسْتَأْنَسَ مَنْ يُجَادِلُ القائل بخلق الذكر المحكم ، فقد جاء في قسمة تستغرق فَعَلَّمَ في حد : (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) ، وَخَلَقَ في آخر : (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) ، فكان من ذلك ما امتاز به كلُّ قسمٍ من آخر ، وكان من اسم العلم ما تَنَاوَلَ المعلومَ وهو مما ثبت في الأزل علمَ الإحاطةِ الَّذِي تَنَاوَلَ الكونيَّاتِ والشرعيات كافة ، وليس بالمخلوق بداهة ، فكان تَعْلِيمُ الذِّكْرِ وكان خلق الإنسان ، وهو مما عم بدلالة الإطلاق : خلق التقدير والإيجاد والتدبير فذلك عام قد أُرْدِفَ بخاص ، فمن ذلك الخلق المحكم ، وصف البيان المفهم ، فـ : (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) ، فكان من ذلك خَاصَّةُ تَعَقُّلٍ يبطن لما يكون من معان تحدث ، وآخر يترجم بلسان ناصح بما استقر من حروف المعجم وما صِيغَ منها كلمات وَجُمَلًا تُفْهِمُ ، وذلك بَيَانٌ أَشْرَفُهُ بَيَانُ الوحي ، فيكون من بَلَاغِهِ أول يحكي الألفاظ ، وكان تال يحكي المعاني التي بها التكليف ينصح إن تصديقا أو امتثالا ، فكان منها جُمَلُ ضرورةٍ وأخرى لا تحصل إلا بالنظر ، فيكون منه ما يزيد ، وبه المعاني تُسْتَنْبَطُ ، وذلك بَيَانٌ قَدْ عَمَّ الأخبار والأحكام كَافَّةً ، فكان منه ما نَصَحَ في الاعتقاد والقول والعلم فاستغرق قسمة الدين المجزئة إذ استوفت المحال والأحوال كافة ، فالبيان : دليل يَصِحُّ فِي النَّقْلِ ومدلول يَصْرُحُ فِي العقل .

    والله أعلى وأعلم .


الصفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •