اعرض النتائج 1 من 8 إلى 8

الموضوع: الأسماء والمسميات

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-05-2022
    الساعة:03:09 PM

    المشاركات
    5,118
    العمر
    44

    الأسماء والمسميات

    ومما عمت به البلوى في الجيل المتأخر أن احتال بعض بما يخدع من زخرف قول يستبدل اسما بآخر مع بقاء المسمَّى الذي لأجله التحريم قد ثبت ، فالعبرة ، كما يقول أهل الشأن ، بالمسمى الثابت في الخارج والذي وضع الاسم دليلا عليه لا سيما إن احتمل الاسم دلالة وصفية تُؤَثِّرُ فهي تحكي معنى معتبرا في الحكم يجاوز آخر طرديا لا مناسبة فيه للحكم فهو مما اطرد في أعيان كثيرة فلا يَرِدُ مناط حكم في الشريعة ، فالدلالة الوصفية تجاوز نظيرتها الطردية ، إذ في الوصفية معنى معتبر يناط به حكم أخص يجاوز الدلالة المجردة على المسمَّى الثابت في الخارج ، فالدلالة الوصفية آنفة الذكر تجاوز الدلالة الْعَلَمِيَّةَ : دلالة الاسم الجامد عَلَمًا على مسمى في الخارج فلا يجاوز إلى وصف يعقل وبه الحكم يناط فهو يدور معه إن في العدم أو في الوجدان ، فكان من الاحتيال استبدال اسم جديد يَلْطُفُ بآخر يبين عن مناط التحريم المحكم ، كما قد عمت البلوى في الجيل المتأخر أَنِ اسْتُبِيحَتْ محرمات قد علم تحريمها من الدين علمَ الضرورة كما الربا مثالا يشتهر في هذا الجيل إذ حُدَّ أقساطَ فائدةٍ وربح وإن محقت بَرَكَتُهَا فهي الضر والخسارة ، فسميت بما يستر حقيقتها على ضَدٍّ من عاقبتها إذ : (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا) ، وكذا الحال في الخمر وهي ، أيضا ، مناط بلوى قد عمت ، فكان من الخبر المحكم أن : "ليشرَبنَّ ناسٌ من أمَّتي الخمرَ يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها" ، فَثَمَّ من اللام الداخلة على الجواب ، جواب القسم في : "ليشرَبنَّ" ، ثَمَّ منه ما هو دليل في نفسه ودليل على غيره ، فَهُوَ دليل توكيد إذ اللام لامُ الابتداء التي احتملت العنوان الأخص ، فقد دخلت على الجواب ، فصارت لام ابتداء لجملة مخصوصة وهي جملة الجواب ، جواب القسم ، فاحتملت عنوانه من هذا الوجه ، فَثَمَّ من دلالتها تَوْكِيدٌ أول ، إذ زيادتها في المبنى مئنة من أخرى في المعنى ، مع ما احتملت من المعنى الأخص ، معنى الابتداء ، فهي لام ابتداء في أي سياق فذلك الجنس العام المطلق الذي يجرده الذهن ، جنس اللام المؤكدة صدرَ الجملة ، وتحته أنواع ، ومنها : لام الجواب ، جواب القسم ، ومنها اللام المزحلقة ، كما في لام "لَعَلَى" في قوله تعالى : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، فهي ، كما تقدم مرارا ، لام ابتداء محلها الصدر ، صدرُ الجملة ، فإذ قَدْ شُغِلَ المحل بآخر أقوى كما الناسخ "إِنَّ" وهو أم الباب وأصله ، فذلك ما استوجب تأخر اللام ، إذ لا يشتغل المحل الواحد بحالَّين اثنين فلا يحتمل محلُّ الابتداءِ اثنين من الجنس نفسه : جنسِ التوكيد ، مع ما وجب لهما من الصدارة ، فَثَمَّ اتحاد فِي الجهة يوجب الترجيح ، ترجيح الأقوى فَيُقَدَّمُ والأضعف فَيُؤَخَّرُ ، وذلك قياس العقل المحقق ، تقديم ما حقه التقديم من الراجح وتأخير ما حقه التأخير من المرجوح ، فَقُدِّمَ الناسخ "إِنَّ" واستقر عنوانَ تَوْكِيدٍ أول صدر الجملة فَلَهُ الصدارة مطلقا فهو المؤكد اللفظي ، وذلك عنوان يوجب لصاحبه الصدارة ، إذ المؤكد المعنوي مما يُتَصَيَّدُ من السياق فلا لفظ له يحد في النطق والكتب ، كما الناسخ أو لام الابتداء ..... إلخ ، و إنما المؤكد المعنوي ، كاسمية الجملة مثالا فهي مئنة من الثبوت والاستمرار ، مما يُتَصَيَّدُ من الجملة فلا حد له يخص في النطق بل يصدق في أي اسمية كقولك : محمد مجتهد ، وأحمد مجتهد ، وعمرو مجتهد .... إلخ ، فالنطق والكتب قد اختلفا في كُلِّ مبتدإ "محمد" و "أحمد" و "عمرو" ، ومعنى الاسمية في كلٍّ قد حصل ، وهو مناط التَّوْكِيدِ أَيًّا كان اسم المجتهد ، فلم يكن ثم لفظ مخصوص هو النص في الباب ، كما المؤكد اللفظي : الناسخ أو لام الابتداء مِثَالًا تَقَدَّمَ ، فهو نص في الباب ، فما له لفظ مخصوص هو النص في الباب فهو يجري مجرى العلم الضروري الذي لا يفتقر إلى استدلال ، بل كلٌّ يَسْتَوِي في دَرَكِهِ ، خلاف المؤكد المعنوي ، فإن اسمية الجملة وتعريف الجزأين ..... إلخ ، كل أولئك مما يجري فيه النَّظَرُ فلا نص فيه بِعَيْنِهِ ، فصار المنصوص عليه أَوْلَى من غير المنصوص ، وما قد عُلِمَ ضرورة فهو أولى مما يدرك بالنظر والاستنباط ، فَقُدِّمَ جِنْسُ التَّوْكِيدُ اللفظي على نَظِيرِهِ المعنوي ، فذلك ترجيح جنس على جنس ، وداخل الجنس الواحد آحاد تَتَفَاوَتُ ، فإن المؤكد الناسخ "إِنَّ" يُقَدَّمُ على اللام ، لام الابتداء ، وثم من لام الابتداء محل شاهد تقدم ، فهي عنوان أعم تحته آحاد منها لام الجواب ، وهي الداخلة على جوابِ القسمِ ، وهي دليل قد تأخر على ما تَقَدَّمَ من إنشاءٍ بقسمٍ أول ، على تقدير : والله : "ليشرَبنَّ ناسٌ من أمَّتي الخمرَ يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها" ، وهو ، كما تقدم في مواضع ، مِمَّا خالف عن الأصل المطرد في باب التقدير إذ يدل المتقدم على المتأخر ، فحصول المتقدم أولا عنوان في الذهن يثبت ، وإليه يُرَدُّ بَعْدًا كُلُّ آت قد تأخر ، فَثَمَّ مرجع أول يُرَدُّ إليه مَا حَدَثَ تَالِيًا ، فكان من الخلاف عن هَذَا الأصلِ أَنْ دلت اللام المتأخرة على الْقَسَمِ الأول المتقدم ، وثم من اسم الناس في "ناسٌ من أمَّتي" نكرة في سياق الإثبات ، فَتُفِيدُ الإطلاق وهو ما يحصل بأدنى ما تصدق فيه الماهية ، ماهيَّةِ الناس ، وذلك عنوان يَصْدُقُ فِي كلِّ إِنْسَانٍ ، ذَكَرًا أو أُنْثَى ، وَثَمَّ من قرينة الأمة ما قَصَرَ الإطلاق على الْقَبِيلِ المسلمِ الذي ثَبَتَ له عقد إسلام أول ، فهو من أُمَّةِ الإجابة الأخص ، إذ أمة الدعوة الأعم تجاوز المسلم إلى غيره ، فَالْقَبِيلُ الكافر والمشرك يشرب الخمر ، بادي الرأي ، فلا يَتَذَرَّعُ كما الحال الآن في أمة الإجابة التي وجد بَعْضٌ من أفرادها الحرج في النص المحرم فاحتالوا أن يخالفوا عنه بما استحدثوا من أسماء يسترون بها عين المسمَّى المحرم ، وهو يقلون في موضع ويزيدون في آخر بما يكون من يقظة الجمع تعظيما للشرع ، فإذا غاب الحق أو غُيِّبَ كان من ظهور الباطل وإن استحى أهله بما حاك في الصدر من الإثم وكره صاحبه أن يَطَّلِعَ عليه الخلق فتلك بقية فطرة تَنْصَحُ وإن احتال صاحبها باستحداث ما بها تُطْمَسُ ! ، فكان من ظهور هذا الباطل أن احتال فكسا المسمى المحرم اسما به يروج فلا ينكر السامع بما استقر في وجدانه من أسماء شرعية قد أُنِيطَتْ بها أحكام تكليفية ، فلا ينكر إذ قد استبدل اسم حادث بآخر ثابت تحكما بلا دليل إذ المسمى في الخارج واحد لم يتبدل ليسوغَ في العقل استبدال اسم جديد بآخر قديم أن تَغَيَّرَ الوصف أو استحالت العين التي أنيط بها الاسم القديم ، فهي هي لم تتبدل ، فالقياس أن يثبت الاسم الأول ولا يستبدل آخر به ، فكان من الاحتيال في الباب أن استبدل آخر به ، كما المثال محل الشاهد ، مثال الخمر فثم من أمة الرسالة الخاتمة ما ثبت في كتابه المحفوظ تحريم هذا المسمى المذموم ، مسمى الخمر أيا كان الاسم واللقب فالعبرة بالمسمَّى والماهية في الخارج وما قام بها من الوصف الجالب للحكم فتذرع بالاسم المحدَث مع بقاء الماهية واحدةً لم تَتَبَدَّلْ ، خلاف ما كان من غيرها من الأمم ، فقد استحلت الخمر ، بادي أمرها ، فلم تجد حاجة أَنْ تَتَذَرَّعَ بأسماء محدثة لتستحل المسمى المحرم من الخمر فقد استباحتها وأنكرت تحريمها وإن ثَبَتَ في كتاب أول ، فلم يسلم من تبديل وتحريف ، أو هو مِمَّا قد هَادَنَتْ فِيهِ الأديانُ الحداثةَ في الأعصار المتأخرة ، كما أحكام كثيرة قد أَزَالَتِ الفوارق بين الدين والحداثة كما يَتَنَدَّرُ بعض من حقق ، فاستشهد بأقوال بَعْضٍ من نظار المركز قد اشتهر بحداثته المفرِطة وهو مع ذلك يشيد بالنصرانية قاعدة محكمة لحضار المركز المحدثة ، فدين أصله سماوي قد صار قاعدة لمذهب أرضي يناجزه عناوين التصور والحكم ! ، فما كان ذلك إلا أن بُدِّلَ من الدين السماوي وَحُرِّفَ معان هي الأصول التي تميزه من آخر محدث ، فَزَالَ الفارق وتقاربت الحقائق في الخارج ، فلم يَعُدُ ثم عنوان تعارض أو تناقض ، مع بقاء الأسماء : نصرانية في مقابل حداثة ، وهو ما يوجب ، بادي الرأي ، لو صدقت الأسماء في حكاية مسمياتها ، وهو ما يوجب المفاصلة بل والمناجزة على قاعدة الاختلاف الجذري في المرجع ، فَثَمَّ الرسالة في حد سماوي والحداثة في آخر على ضد وهو الأرضي ، فَأَنَّى يَلْتَقِيَانِ ؟! ، فضلا أن يَصِيرَ السماوي قاعدة التصور والحكم لآخر أرضي يناقض ! .

    وذلك عنوان الخصومة المستحكمة بين الرسالة الخاتمة إذ حُفِظَ ذِكْرُهَا وَأُحْكِمَ آيها وخبرها فكان من عنوان الحفظ للذكر ما قد صَيَّرَهُ خصما لا تطيق الحداثة مناجزته وإن أحاطت بمن انتسب إليه فصيرتهم الأتباع الواهنين المنهزمين أن لم يستعلوا به فيكونوا المؤمنين ، ففاتهم الشرط ووجب لهم الانكسار والذل بين يدي الخصم لا ذل الرسالة فهي مما عَزَّ فَغَلَبَ الحداثة وكل مذهب يُنَاجِزُ فكانت الخصومة كما يقول بعض من حقق من نظار المركز ، كانت الخصومة مع الوحي المنزَّل لا مع أتباعه فذكره المحفوظ أبدا عنوان المخالفة عن المذهب المحدث فلا يداهن ما داهنت الأديان الأخرى بعد ما دخلها من التبديل والتحريف .

    فكان من نص التوراة وهي كتاب التشريع الأول ، فإليه تُرَدُّ النبوات الإسرائيلية كَافَّةً ، كان من نَصِّهَا في الباب ما يحسم مادة التَّنَازُعِ ، وهو ما خالف عنه أهلها فذلك الظلم الذي صُدِّرَ به سياق يذم القبيل الإسرائيلي إذ أكل الربا وقد نهي عنه ، فـ : (بِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) ، كما الخمر محل الشاهد ، فتحريم الخمر مما قد أجمعت عليه النبوات ، بل ذلك مما استوجبه قياس العقول الصريحات ، فَمَا يَكُونُ مِنْ إِسْكَارِ العقلِ وإغلاقِه ، وَإِزَالَتِهِ اخْتِيَارًا ، ذلك مما يقبح في كل دين ومذهب ، فالعقل معنى يحمد لِذَاتِهِ لدى الخلق كَافَّةً ، وعنوانه : عنوان الإحكام ، فالعقال لجام يُحْكِمُ الدَّابَّةَ فَلَا تَنْفِرُ ولا تَجْمَحُ ، فهو يأطرها على جادة تُسْلَكُ فَتُفْضِي بِرَاكِبِهَا إلى الغاية والمقصد ، فكذا العقل فإنه يأطر الجوارح على جادة الفريضة والفضيلة ، فَمَنْ كَانَ ذا دين فالعقل مناط التكليف بالفريضة الدينية التي تُزَكِّي النفس ، ومن كان ذا مروءة وحشمة فالعقل يحمله على فضائل نفسانية يحمدها العقلاء كافة ، فَهِيَ محلُّ إجماعٍ يجري مجرى الضرورة العلمية الملجئة ، فمن ذا يُنْكِرُ فضيلة العقل وهو مجمع الأفكار ومعدن الأخلاق ، فكان إجماع الضرورة الدِّينِيَّةِ والعقلية عَلَى حُسْنِ الْعَقْلِ فَهُوَ مستقر الحكمة التي تلجم الأهواء فتحكم النفس كما الحكمة تلجم الدابة ، فذلك عنوان كمال مطلق وهو ما يجعل الحكم بِقُبْحِ الخمرِ أو أَيِّ مسكر يُذْهِبُ العقل ، ما يجعل الحكم بذلك حكم الإجماع الضروري ، الديني والعقلي ، فَثَمَّ حَكَمَةٌ تحكم لجام النفس فلا تطغى وتجاوز الحد إن في الفكرة أو في الحركة ، فذلك عنوان في المعنى يحمد قَدِ اسْتُعِيرَ له من الحس حَكَمَةٌ محلُّها فك الدابة فهي تأطرها على الجادة ، فمادة الحكم مما له وجود في الحس وآخر في المعنى ، فَقِيسَ المعقول على المحسوسِ ، وذلك قول من يجوز المجاز في اللسان والتنزيل ، ومن ينكر فهو على أصل قد تَقَدَّمَ مرارا إذ ثَمَّ من عنوان الحكمة جنس عام يُجَرِّدُهُ العقل فهو مئنة القيد الذي يُحْكِمُ المطلقَ فَيُصَيِّرُهُ المقيَّدَ ، وذلك ما يصدق في عناوين من الحس كما حكمة اللجام فإنها تُقَيِّدُ الدَّابَّةَ ، ويصدق في أخرى من المعنى كما الحكمة التي تَأْطِرُ صَاحِبَهَا على الجادة فيضع الشيء في المحل الذي يقبل ، ويقدر لكلِّ محكومٍ من الحكم ما يواطئ ، وذلك عنوان يصدق في الحكومات كَافَّةً ، الدينية والعقلية والتجريبية ، إذ ثَمَّ من معنى يُعَلَّلُ بِهِ الحكم فهو يدور معه وجودا وعدما ، فيجتهد الحكيم أن يحرر مناط التعليل وأن يحققه في كل محكوم بما يواطئ ماهيته في الخارج ، وذلك ما يتفاوت طردا وعكسا ، وجودا وعدما ، بل ثم من التحقيق في الإثبات ما يتفاوت ، فيكون الوجود على دَرَجَاتٍ ، إذ ثم معنى يتفاوت في الشدة ، كما الإسكار محل الشاهد ، فشدة الخمر وهي سبب في التحريم إذ تُسْكِرُ وَتُغَيِّبُ العقلَ فَتَسْتُرُ منه مواضع الفهم والفقه ، شدَّتُهَا مما يَتَفَاوَتُ ، فيكون من قياس الأولى على الخمر المنصوص عليها ، يكون منه ما يجري في مسكر أشد يُغَيِّبُ من العقل ما لا تُغَيِّبُ خمر العنب وما قد نَصَّ عليه الخبر من أجناس يتخذ منها الخمر ، فـ : "أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ" ، وذلك من الموقوف لفظه على عمر ، رضي الله عنه ، وله حكم الرفع إذ مثله لا يقال بالرأي ، فقول الصحابي في باب الحل والحرمة ، خبرا لا اجتهادا في مقام الفتوى ذلك مما له حكم الرَّفْعِ وإن لم يصرح برفعه صراحة إلى صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكذا يُقَالُ في ألفاظ من قَبِيلِ : من السنة كذا ، وإن لم يقيدها بسنة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يطلق لقب السنة إلا وثم عهد خاص تحتمله "أل" في "السُّنَّة" فهي سنة صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلافا لأهل الظاهر فقد كان من مذهبهم ، كما يقول بَعْضُ من حَقَّقَ ، كان من مذهبهم ظاهرية في الرواية كما أخرى في الدراية ، فاشترطوا الرفع المصرَّح إلى صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

    فالاجتهاد يحتمل أن يُسْتَفْتَى الصحابي في واقعة فَيُفْتِيَ بحل أو بحرمة بما لا نص فيه فهو يجتهد رأيه ولا يألو ، فذلك مما يثبت فيه الوقف على صاحبه لفظا ومعنى ، إذ كانت فَتْوَاهُ عن اجتهاد في غير منصوصٍ ، كما أُثِرَ عن معاذ ، رضي الله عنه ، فـ : "«كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟» قَالَ: أَقْضِي بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي لَا آلُو" ، فكان من السؤال إرشادا لا استفهامَ مَنْ يجهل ، وإنما أَرَادَ اسْتِنْطَاقَ المسئول بالجواب فذلك آكد في البيان والتقرير ، فكان الاستفهام عن مرجع القضاء والحكم ، فأجاب معاذ بما يواطئ صحيح النقل وصريح العقل إذ رَتَّبَ المراجع بما يَنْصَحُ ، فكان الكتاب عنوان المرجع الأول فهو أصل الأصول وإليه تُرَدُّ جميعا ، ما كان منها منقولا كما السنة والإجماع فهو مما يحكى نقلا فلا يقال دعوى بلا دليل يشهد ، وما كان معقولا من قياس أو استحسان ..... إلخ ، فالكتاب أول وإن شَاطَرَتْهُ السنة عنوان الوحي المنزل ، فهي قسيم له من هذا الوجه ، إذ تضاهيه بالنظر في الأصل ، أصل التَّنَزُّلِ وإن زاد في الحد أنه المتواتر لفظا ومعنى ، وأن إعجازه باللفظ المتلوِّ المخصوص ، خلاف ما كان من السنة فأكثرها آحاد لم يتواتر وإن كان حجة في الحكومات الدينية كافة ، العلمية والعملية ، فذلك مما نَالَهُ منصبا في التشريع يضاهي الكتاب ، ذلك مما ناله الخبر بما شهدت له الآي الآمرة بالاتباع المطلق ، اتباع صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، فأكثر السنة آحاد لم يتواتر ، والإعجاز فيها أعم بما كان من جوامع كلمٍ لا يُتَعَبَّدُ بِلَفْظِهَا التَّعَبُّدَ المخصوص تلاوةً تنعقد بها الصلاة ويثبت الأجر المخصوص المنصوص في التلاوة ، وإنما التعبد في السنة بما يكون من المعنى ، تصديقا بالأخبار وامتثالا للأحكام ، وما كان من حفظ المبنى فحفظا للدين فصاحبه يحمد من هذا الوجه أن حفظ كلام صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يناله تبديل أو تحريف أو زيادة بخطإ يطرأ أو وَضْعٍ يُقْصَدُ ، فكان من حفظه : حِفْظٌ لعنوان من البيان لما أجمل من عامة الآي ، فالغالب عليها الإجمال الذي يستوجب بيانا لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، وأي حاجة أعظم أن تستبين الأمة ما أجمل من أمر دينها ، فحفظ الأخبار ، من هذا الوجه ، حفظ للذكر ، ولو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وإن كان درك السنة في نفسه واجبا لذاته ، بادي الرأي ، فهو واجب من هذا الوجه لذاته لا سيما في مواضع استأنف بها حكومات دينية ، خبرية أو إنشائية لم يرد ذكرها نصا في الكتاب المتواتر ، وهو ، من وجه آخر ، واجب لغيره إذ يبين عما أجمل من مادة الكتاب المتواتر فذلك حفظ المعنى الذي يرفد آخر من المبنى ، فلا يحصل حفظ الذكر إلا إذا استوفى هذا الحد : المبنى المنطوق والمعنى المعقول ، فذلك الوعد الصادق الذي اتسعت فيه دلالة "أل" في "الذكر" في قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، فذلك الذكر الأعم ، ذكر الوحي ذو الأقسام في الخارج : الكتاب والسنة قسيما له يضاهي بالنظر في جنس أعم ، كما قال بعض أهل الشأن ، وهو جنس النص ، فتحته أنواع في الخارج تشترك في العنوان الأعم الذي يطلقه الذهن : عنوان الوحي والرسالة ..... إلخ ، فتحته أنواع وإن تفاوتت في الرتبة والحجية ، فالكتاب يقدم وبعده السنة ، كما أجاب معاذ ، رضي الله عنه ، تَالِيًا ، فـ : "أَقْضِي بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" ، وإن جاوز بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ فَبَلَغَ بالسنة أن صارت قسيما للكتاب من كل وجه فهي تساويه في الحجية ، فيكون من الترتيب في الخبر محل استدراك ، فنظر القاضي يتوجه إليهما ابتداء دون تقديم قسيم على آخر ، إذ لهما من الحجية ما تساوى ، فدخولهما في عنوان النص دخولٌ واحد لا امتياز فيه ولا تفاضل ، وهو ما استدرك بعض آخر ، إذ الكتاب هو ما دلت آيه المحكمات على حجية السنة ، وإن كانت أصلا يضاهيه في الجنس الأعم ، جنس الوحي المنزَّل ، فهو الأصل وإن لأصل تال يشاطره الجنس الأعلى ، فكلاهما قد صدر من مشكاة النبوة ، وبعده كان جواب معاذ ، رضي الله عنه ، اجتهادا لا يألو ، فـ : "أَجْتَهِدُ رَأْيِي لَا آلُو" ، فلم يذكر الإجماع إذ لا إجماع زمن الرسالة على تفصيل في ذلك ، فَثَمَّ من نظر فيه نظر الاعتبار أن جَوَّزَ به النسخ ، وإن كان في حقيقته دالا على الناسخ بما كان من ترك العمل فلا يكون بداهة إلا بنص ينسخ في عصر رسالة وَحْيُهَا لا زال يَتَنَزَّلُ ، أو هو إجماع على حملان النص على محمل مخصوص ، إن بالفعل أو بالترك ، وثم من إقرار الوحي في مقام العصمة العامة ، عصمة الأمة الخاتمة أن تُجْمِعَ على خلاف الحق ، ولو خلاف الأولى ، فكيف بالباطل الصريح ؟! ، فذلك مما امتنع فيه الإجماع من باب أولى ، فثم من إقرار الوحي في هذا المقام ما يجري مجرى الإقرار سكوتا كما الإقرار نطقا ، فيكون إجماعهم على ترك العمل بخبر زمنَ النبوة ، والوحي لم يَزَلْ بين ظهرانيهم يَتَنَزَّلُ ، يكون ذلك ناسخا أو دليل نسخ معتبر ، فالناسخ هو الوحي الذي أقرهم على هذا النسخ ، فكان سكوته دليلا كما نطقه ، إذ السكوت في موضع البيان بَيَانٌ ، فلم يذكر معاذ الإجماع إذ ما يتبادر منه ما يكون بعد انقضاء النبوة ، ولا زالت نجومها تَتَنَزَّلُ آيا وخبرا ، فلا حاجة إلى الإجماع إذ الوحي يحسم مادة الاختلاف ، بادي الرأي ، إن بنصه المصرَّح أو سكوته المقرِّر ، فكان الاجتهاد بالرأي ثالثا ، وهو ما أنكره الظاهرية إذ عَدُّوا ذلك قدحا في حجية الكتاب والسنة إذ : (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ، وإن استدرك بعض بِنَظَرٍ أدق في السياق : (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) ، فذلك كتاب التقدير الأعم لا كتاب التشريع الأخص ، وثم من التنصيص على العموم في قوله تعالى : (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ، ما صَيَّرَهُ أَلْيَقَ بكتاب التقدير الأعم وإن كان ذلك صادقا في كتاب التشريع الأخص فما فَرَّطَ في شيء ، وهو ما يصدق بما نص عليه من الحكومات المنزلة وما جد من نَوَازِلَ محدثة تدخل في حد المنصوص بما كان من عموم المعنى وما كان من القياس الذي يُرَدُّ به الفرع إلى أصله ، فَمَا كان ثم تفريط في الكتاب الذي استجمعت دلالتُه الأعم على قول من تَقَدَّمَ : كتابَ الآي المنزل وآخرَ من الخبر المدوَّن ، فلا حاجة إلى رأي وقد استوفى كتاب الشريعة الأحكام كافة ، وهو ما استدرك المخالف ، فإن الوحي قد نص على جمهرة كثيرة من النصوص ، وبها كفاية في أخرى كثيرة من الوقائع ، وما حدث فقد كان من بيان الكتاب إذ لم يفرط في شيء أَنْ أبان عن وجه دلالة يعقل فهو مما يتعدى إلى الفرع المحدث ، فالوحي قد دل الناظر على حجية الاجتهاد الأعم والقياس الأخص كما دل على حجية السنة ، وثم منها قدر يعقل ، فلا بد من اجتهاد في تحرير الأخبار التي لم تَتَوَاتَرْ ، وذلك تحرير المبنى ، وثم آخر يتوجه إلى المعنى ، إن في المتواتر أو في الآحاد ، فذلك الاجتهاد في عقل المعنى بما اطرد من دلالة اللسان العربي المبين الذي نَزَلَ به الذكر الحكيم .

    فكان من اجتهاد الصحابي ما به يحكم في مقام قضاء أو فتيا ، فذلك مما يجري مجرى الموقوف لفظا ومعنى ، فهو من قول الصحابي أو فعله ، على خلاف في الأصول أهو دليل منها أم ليس بحجة ، وإن كان حجة فما وجه الاحتجاج به وهل يطرد في كل قول لصحابي وفتيا أو يقتصر على ما وقع الإجماع عليه ، ولو سكوتا مع اشتهار القول وَعَدِّ صاحبه من أهل الفقه والتحقيق ممن لهم قدم راسخة في التأويل الناصح ...... إلخ ، فما يقضي به الصحابي بقوله أو فعله فهو باب في الاجتهاد ، وما يكون خبرا يحكي الحكم فذلك آخر ، وهو مما يجري مجرى النقل ، ومثله لا يُقَالُ بالرأي ، فحكاية الإباحة والتحريم لا سيما في مقام التَّنَزُّلِ ، مما يجري مجرى الرَّفْعِ ، رفع الخبر إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا يحكي الصحابي أو الراوي تَنَزُّلَ الحكم من عنده ، فذلك ما لا يُقَالُ بِالرَّأْيِ ، فله حكم الرفع ، وإن كان لفظه موقوفا على الراوي .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-05-2022
    الساعة:03:09 PM

    المشاركات
    5,118
    العمر
    44

    فكان من قول عمر ، رضي الله عنه ، عَلَى مِنْبَرِ الْمَدِينَةِ : "أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنَ الْعِنَبِ، والتَّمْرِ، والعَسَل، والحِنْطَة، والشَّعير، والخَمْرُ مَا خَامَر العَقْلَ" ، وتلك قرينة أخرى في الباب فذلك مَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الإجماعِ السكوتي إذ كان بمحضر من الجمع ، وهم أهل الإجماع المعتبر من قرن الرسالة الأول ، إذ كان لهم من قرائن مرجحة في الباب ، فهم ، كما تقدم في مواضع ، خَيْرُ الطِّبَاقِ ، وَخَيْرِيَّتُهُم الخيريةُ المطلقة ومنها الخيرية العلمية التي اسْتُمِدَّتْ من رَوَافِدَ : اللسان العربي الناصح الذي يدرك ضَرُورَةً يستوي فيها الخاص والعام من أبناء الجيل فالعربية لسانهم الأم إذ احتملوه أَبًا عن جَدٍّ ، الذي يدرك ضرورةً من المعاني الإفرادية والتَّرْكِيبِيَّةِ بما احتف بها من القرينة السياقية والحالية والعقلية ، الذي يدرك منها ضرورة ما صَارَ بَعْدًا محل نظر بل وَفِقْهٍ يَتَفَاوَتُ فيه الناس لا تفاوت الاستنباط لما لطف من الأحكام ، وإنما تفاوت العلم الأول ، العلم بالأسماء الدالة على مُسَمَّيَاتٍ هي الأجناس الْعَلَمِيَّةُ المعنوية والشخصية ، وكذا العلم بقوانين النحو والبيان التي تجري مجرى الأوليات التي تثبت أولا قبل الشروع في الثانويات المستدقَّة فلا يبلغ حد الفقه الأخص من لم يبلغ أولا حد الفهم الأعم ، إذ الفهم أوسع دلالة ، كما تقدم في مواضع ، فكل فقيه بالمعنى الخفي فَهُوَ فاهم للمعنى الجلي ولا عكس ، فكان الفهم : فَهْمُ العربية وهو ما يجاوز المتبادر من درس النحو تقويما لِلِّسَانِ ، فَثَمَّ المجموع المركب من دلالة معجمية هي الذخيرة المركوزة في الوجدان العربي بما يكون من استعمال يبلغ حد الاشتهار فيمارس الناطق الكلام ممارسة الابن الأصيل لِلِسَانِ الجمع وَالْقَبِيلِ فما يجهد الأعجمي في دركه العمر كله بما يكابد من درس الترجمة والنحو .... إلخ وغايته أن يفهم السياق الأولي البسيط الذي يدركه الطفل الصغير الذي نَشَأَ في محاضن اللسان الأم ، فاحتمله عن الأبوين وَمَنْ جَاوَرَ مِنْ دَوَائِرَ الجمع إذ يُبَاشِرُ النطق في درس أو بيع أو شراء ..... إلخ ، فتلك الضرورة العلمية التي تحصل لابن اللسان الأصيل بلا جهد هي ما يكابده الأعجمي زمانا يطول ! ، فما الظن بالطباق الأول وَقَدْ نَزَلَ الوحي على لسانهم حصرا فكل مَنْ جَاءَ بَعْدًا فإليهم يَنْتَهِي إسناده في الرواية واللسان ...... إلخ ، وهم ، مع ذلك ، من شهد التَّنْزِيلَ نجوما قد احتفت بها قرائن هي أسباب نُزُولٍ أو وُرُودٍ ، فشهدوا من ذلك ما أفادهم عقل المعنى إذ العلم بالسبب يُورِثُ العلم بالمسبَّب ، كما يقول أهل الشأن ، وبه استدل من حَرَّرَ المسألة العالمية المتعدية ، عالمية الوحي الذي استغرق الأمصار كافة وتعدى إلى الأعصار كافة ، فثم من العمومات ما نَزَلَ على سبب ، فلا يخصص السبب عموم النجم الرسالي المنزَّل أو الوارد ، وإنما يبين عنه فهو كالمثل المضروب تقريبا إلى الفهوم ، فلا يقال إن العمومات قد اقتصرت على أعيان فِيهِم قد تَنَزَّلَتْ ، أو على عصرٍ قد انقضى فيكون ذلك التاريخ المأثور قَصَصًا يُرْوَى بلا معنى يجاوز إلى تال قد استجد له من الحكومات ما يماثل تارة ، ويضاهي أخرى ، فَثَمَّ من النص ما يستغرق المستجد إما بلفظه بادي الرأي ، إذ ثم من المعنى العام ما يجاوز السبب الأول إلى آحاد تُشَارِكُهُ الوصف فتدخل في الحد والاسم دخولا يضاهيه وإن كان له سَبْقٌ أَنْ نَزَلَ الحكم أولا عليه فلا يخرج بالتخصيص ، ولو احتمالًا ، خلاف من تلا فقد يخرجون ولو احتمالا ، فدخولهم أدنى وإن كان هو الأصل كَمَا السبب الأول ، فالأصل استغراق العام جميعَ أفراده ، بادي الرأي ، حتى يَرِدَ الدليل المخصِّص ، على خلافٍ قَدِ اشْتُهِرَ في الأصول ، فالأصل استغراق العام جَمِيعَ أَفْرَادِهِ سواء أكانت دلالته القطعية الجازمة أم الظنية الغالبة ، فيحمل العام على الاستغراق لآحاده كافةً حتى يَرِدَ الدليل المخصِّص ، فالاسم ذو الدلالة الاشتقاقية المتعدية التي تجاوز السبب الأول ، كما عنوان السرقة في قوله تعالى : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، ذلك الاسم مما يصدق في جميع أَفْرَادِهِ في الخارج ، وهو ما استغرق الأعصار والأمصار كافة ، فالعموم مستغرِقٌ الزمانَ والمكانَ والآحادَ جميعا ، وهو ما يُبْطِلُ احتمال العهد الخاص الذي يقصره على سبب النزول الأول ، سارق الرداء والمخزومية جاحدة المتاع ، فَثَمَّ من القرينة اللفظية : دخول "أل" على الاسم المشتق "السارق" مَئِنَّةَ الوصلِ ، وهو ، في نَفْسِهِ ، نص في العموم يَسْتَغْرِقُ ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، فَتَأْوِيلُهُ من هذا الوجه : والذي يسرق والتي تسرق ، فكان من العموم ما اسْتَغْرَقَ كُلَّ مَنْ يَصْدُقُ فيه المعنى ، معنى السرقة ، وهو ما أُطْلِقَ من وجوهٍ فكان من قَيْدِ السنة إذ تُبِينُ ، فَثَمَّ ما اشْتُرِطَ من النصاب والحرز .... إلخ ، ولأجله كان القول المشتهر عن الشافعي ، رحمه الله ، أَنَّ نَسْخَ السنة ، ولو آحادا ، لا يكون بالتنزيل المتواتر ، وإن كان القرآن أعلى في الرُّتْبَةِ إذ قد يُتَّخَذُ ذلك ذريعة إلى إبطال ما زاد من قيد في السنة أنه مما نسخه إطلاق التنزيل ، كما قيل في آي : (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) ، فقد يحملها مستدل أنها متأخر يَدُلُّ بعموم "البيع" على نسخ التحريم لبيوع قد نص الوحي على تحريمها إذ فيها من معنى الغرر والجهالة ما اسْتُنْبِطَ وَحُرِّرَ فصار علة تَتَعَدَّى إلى ما اسْتُحْدِثَ من بيوع تضاهي في المعنى ما نُصَّ عليه في الكتاب والسنة ، وإن اختلفت في الحد والمبنى إذ العبرة ، كما تقدم ، بالمسميات في الخارج فهي الماهيات ذات الأوصاف المخصوصة التي أنيطت بها الأحكام المشروعة ، فمنها اشتقت الأسماء في معقولات المعنى ، فالأصل هو المسمَّى أو الماهية ، والعبرة بما كان منه في الخارج أولا لا بالاسم ، فهو تال له إذ يدل عليه دلالة الْعَلَمِ على المسمى في الخارج ، فالاسم المبيح زورا لا يكسو المحظور لحاء حِلٍّ تَبْرَأُ به الذمة ، فاحترز الشافعي أَنْ يُتَّخَذَ عموم التنزيل ذريعةً إلى إبطال نصوص خاصة في السنة ، احترز لأجل ذلك فمنع نسخ السنة بالكتاب ، وكذا يقال في نص السرقة آنف الذكر : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، فقد يَتَذَرَّعُ به بَعْضٌ ، وهو اللفظ المطلق الذي اقتصر في الدلالة على معنى السرقة المجرد في الذهن ، قد يقتصر عليه فيقول إنه المتأخرُ الذي نَسَخَ ما كان من قَيْدٍ في حَدِّ السرقة ، إذ ألغى ، على هذا القول ، ألغى شروط النصاب والحرز ، وصار القطع حتما لازما في أي سرقة ، ولو محقَّرا لا يُؤْبَهُ ، وهو ما يخالف عن القول المحكم الذي يواطئ روح التشريع في الحد إذ يدرء الحاكم ما استطاع بما يكون من قرينة تأويل أو خلافه ، فالأصل حرمة النفس والأعضاء ما لم تُقَارِفْ ما يستحق العقاب والحد ، فكان من روح التشريع ما يواطئ في باب الحدود أَنْ تُدْرَءَ بالشبهات ، كما درءها عمر ، رضي الله عنه ، بشبهة المجاعة عام الرمادة ، فأعمل النصوص كافة ، المبنى والمعنى ، النص والروح ، فلم تُسْتَوْفَ في القطع الشروطُ وَتَنْتَفِ الموانع بل ثم مانع المخمصة حائلا دون إنفاذ الحد .
    فالقول إن إطلاقَ التَّنْزِيلِ يَنْسَخُ ، ولو احتمالا ، تَقْيِيدَ السنة بما اشترط في الحدود ، فالقول بذلك يَفْتَحُ ذَرَائِعَ الحد قطعا بأدنى ما تصدق فيه السرقة ، ولو محقَّرا دون النصاب ، وهو ما يخالف عن مراد الشرع في الدَّرْءِ ما استطاع الحاكم ، وكذا في اليد فإطلاقها في محل القطع يحتمل الذراع كله ، فكان من قيد السنة ما قَصَرَهَا على الكف ، فأبان صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم بِفِعْلِهِ ، فَثَمَّ من عموم الفعل في هذا الموضع ما اعْتُبِرَ إذ كان بَيَانًا لواجب مجمل ، وإن قال بَعْضٌ : إن الفعل لا عموم له ، بل له في البيان ما يَعُمُّ إذ يحكي الماهية الشرعية المخصوصة قَدْرًا وَوَصْفًا ، وَإِنْ قَالَ بَعْضٌ : إن إطلاق اليد ، بادي الرأي ، يَنْصَرِفُ إلى الكف ، وما زاد فهو يَفْتَقِرُ إلى القرينة غاية كما المرافق في آي الوضوء : (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) ، فَلَوْ عُمِلَ بالإطلاق لجاوز بَعْضٌ الحدَّ فَقَطَعَ اليد من الكتف أو المرفق وقد يتأول لذلك أنه يمعن في استيفاء الحق ويقيم من الحد ما به الزجر .
    والشاهد أن كل أولئك مما قد عَمَّ فجاوز سبب التَّنَزُّلَ الأول ، فجاوز سارق الرداء وجاحدة المتاع واستغرق بالعموم استمساكا بالأصل وإبطالا لدعوى العهد الخاص في "أل" ، فهي خلاف الأصل فلا يصار إليها إلا لدليل يشهد قَرِينَةً تُخَصِّصُ العام إذ تقصره على واحد أو على بَعْضٍ من أفراده ، فذلك التأويل الذي يفتقر إلى قرينة مخصوصة تجاوز حد الدعوى ، فالدعوى في نفسها صورة الخلاف فلا يجوز الاستدلال بها على نفسها ، بل لا بد من دليل يجاوزها من خارج ، فكان من الظاهر حملان العام على عمومه فهو الراجح وإن احتمل التخصيص ، فَصَرْفُهُ عن الظاهرِ المتبادرِ إلى المؤوَّل الذي لا يَتَبَادَرُ ، ذلك لا يكون إلا بقرينة تشهد فهي للموؤَّل تُرَجِّحُ ، وإن لم يكن المتبادر أولا ، فقد انْضَافَ إِلَيْهِ من القرينة المعتبرة ما صَيَّرَهُ الراجح وإن كان المرجوح ابتداء فلا يكون ذلك إلا بقرينة من خارج ترجح فليست الدعوى في نفسها دليلا كما اقْتَرَحَ من قصر العموم على السبب الأول ! ، فصير الشريعة جميعا وقائعَ أعيان لا عموم لها ، فقد نَزَلَتْ لِتُتَأَوَّلَ مَرَّةً فَانْتَهَى أَثَرُهَا دفعةً ، وصارت كالمطلق الذي يصدق بواحد من أفراد العموم ، فلا يستغرق ما زَادَ ولو شارك الواحدَ الأول عنوانَ السبب المؤثر إذ أنيط الحكم بمشتق فأفاد دلالة التعليل في العقل ، فإناطة حكم القطع بعنوان السارق والسارقة مَئِنَّةٌ مِنْ تَعْلِيلٍ بالمعنى الذي اشتق منه الاسم وهو السرقة فذلك الجنس العام الذي يواطئ الحكم فمعه يدور وجودا وعدما وهو ما يستغرق السارقين والسارقات كَافَّةً ، لا أعيانا يَنْزِلُ عليهم العموم ، فلا يُقْصَرُ عليهم في الفهوم فتلك ، كما تقدم ، دعوى الواقعة العينية ، ولا بد لها من دليل من خارج فهي خلاف الأصل ، ولو كانت المسألة جائزا قد استوى طرفاه لَافْتَقَرَ إلى مرجِّح من خارج ، فلا يكون التحكم بترجيح طرف على آخر ولو اسْتَوَيَا في الاحتمال ، فكيف والمسألة في حكومات الشريعة تجري ابتداء مجرى الظاهر الراجح الذي يُسْتَصْحَبُ أولا حتى يَرِدَ الدليل الناقل ، فافتقاره إلى القرينة أَشَدُّ ! ، إذ التأويل فيه أبعد فهو يُرَجِّحُ المرجوح والأصل خلافه .

    فكل أولئك مما يؤيد عموم النص الذي يجاوز جيلَ الرسالة الأول وقرنَها الفاضل ، فكان من ذلك ما أبطل الدعوى الحداثية المحدَثة ! ، إذ تَتَلَطَّفُ أَنْ تُبْطِلَ دلالات الرسالة المنزلة ، فَتَارَةً تَطْعَنُ في المنقول وإن خالفت عن المعقول من دلالات العموم في المنطوق ، وأخرى تطعن في الإجماع إذ تطعن في جيله الأول ، وهو ما استمد أسبابًا بها ينضبط ويرجح غيره ، كما تقدم من عنوان اللِّسَانِ الأول فهو مَبْدَأُ الفهمِ إذ المباني المنطوقة لا تُرَادُ لذاتها أصواتا مجردة من الدلالة المعجمية والسياقية ، وإنما تُرَادُ لِمَعَانِيهَا إِنِ الإفراديةَ أو التَّرْكِيبِيَّةَ بما اطرد من العرف اللِّسَانِيِّ ، والجيل الأول أعلم الناس به مفرداتٍ وسياقاتٍ ، وَثَمَّ من شهود التَّنْزِيلِ قرينةٌ تزيد إذ أفادتهم عَقْلَ معانٍ أخص تجاوز دلالات اللسان الأعم ، فهو أول في الفهم ، وثم من حقائق الاصطلاح الديني ما قَيَّدَ المطلق اللساني فهو قاعدة في الفهم وليس به وحده يحصل العلم إذ ثَمَّ نَصُّ رسالةٍ قد استعمل المفردات والجمل في لسان العرب بما يحكي حقائق أخص في الاصطلاح ، وهو ما يجاوز الماهية المجردة التي نَقَلَتْهَا الكتب المدونة ، فَثَمَّ من عقلِ معنى أخص ما رَجَحَ فيه الشاهدُ الغائبَ ، فقد رأى الأول من الحال ما صيره أهل الشأن قَرِينَةَ تَرْجِيحٍ في الخبر والحكم ، فَوَضَعُوا له في الاصطلاح عنوان "صاحب القصة" فقوله يُقَدَّمُ عند التعارض وتعذر الجمع ، إذ له من الاختصاص بالمباشرة ما يجاوز غيره ممن سمع ، ولو من الجيل الأول ، كما صيام الجنب إذ نَفَاهُ أبو هريرة ، رضي الله عنه ، وَأَثْبَتَهُ بَعْضُ نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهم من باشر الأمر مع صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام ، فأصبح عندهن صائما وهو جنب ، فَقُدِّمَ قولهن إذ هن صواحب القصة ، فصحة النقل ثابتة ، ولكن فِقْهَ المعنى الأخص مما اختص به الأول إذ باشر من الأمر ما لم يباشر الثاني .

    فكان لأولئك : جيل التنزيل الأول كان لهم من القرائن ما صَيَّرَ إجماعهم هو الأولى بالاعتبار فهم الأعلم باللسان ، وهم الأجمع لما احتف بالنص من القرائن ، وهم من ينضبط إجماعُه وخلافُه مَا لا ينضبط ما يكون بَعْدًا إذ تَفَرَّقَ العلم في الأمصار بعد انقضاء جيلهم فَعَسُرَ ضبط الإجماع المتأخر وإن لم يكن مُحَالًا بادي الرأي ، ولو من باب التجويز في العقل ، فوجب الاحتياط فيه كما أثر عن أحمد ، رحمه الله ، فلم ينكر حجية الإجماع ولم ينكر وقوعه ، وإنما حكى ما كان في جيله المتأخر إذ تَفَرَّقَ العلم وَبُثَّ في الأمصار فَعَسُرَ حصر الأقوال وضبطها لِيَقْطَعَ الناظر أن ثم إجماعا فلا خلاف ، ولو خفيًا ، فقد حصل له من الاستقراء ما تَمَّ فَبَلَغَ حَدَّ اليقين والجزم ، وهو ما يُخَرَّجُ عليه ، ولو اعتذارًا ، ما كان من أصل في مذهب المالكية ، رحمهم الله ، اصطلح أنه إجماع أهل المدينة ، فإن قصدوا إجماع أهل المدينة بقيد يزيد ، وهو الجيل الأول قبل التَّفَرُّقِ في الأمصار فقد جمعتهم حاضرة الرسالة الأولى فذلك معنى يصح لا ما كان بَعْدًا إذ تَفَرَّقَ العلم في الأمصار كافة ، فلم يعد في المدينة وحدها ليكون إجماعها إجماع الأمة كافة ، ويكون من الاستقراء ما تَمَّ فاستغرق الأقوال جميعا ، وذلك ، بداهة ، مما يعسر بعد انقضاء الجيل الأول ، لا سيما بعد تَفَرُّقِ الصحابة في الأمصار عَقِيبَ مقتلِ عمر ، رضي الله عنه ، فقد أذن لهم عثمان ، رضي الله عنه ، أن يَنْسَاحُوا في الأمصار لتعليم أهلها ما وجب على الأعيان من فقه الاعتقاد والأحكام ، فصار من الإجماع ما قد عَسُرَ ، فكيف بأجيال قد تَلَتْ فضبط الإجماع فيها أعسر ، فأوجب أحمد الاحتياط ألا يقطع الناظر ويجزم ، فيكون من العنوان : لا نعلم مخالفا في الباب ، يكون منه عنوان احترازٍ ، فلم يجزم ألا خلاف في الباب قَطْعًا وإنما حكى ما انْتَهَى إليه علمه ، وكان لأولئك من عصمة الوحي إذ يرقب الجيل الأول في السر والعلن ، كما أُثِرَ عن جابر ، رضي الله عنه ، في العزل ، فـ : "كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَنْهَنَا" ، فكان من إباحة العزل ما استفيد بسكوت الوحي ، إذ سكت صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك إقرار أول ، وسكت الوحي بَعْدًا فلا يُقِرُّهُ لا هو ولا أمته ، لا يُقِرُّهُمَا على خلاف الأولى فضلا عما خالف الحق صراحة .
    فَثَمَّ مِنْ حِكَايَةِ الفعلِ ما يجري مجرى العادة التي اتصل زمانها فتلك دلالة الكينونة الماضية في "كُنَّا نَعْزِلُ" ، وذلك أبلغ في الدلالة من القول في غير التَّنْزِيلِ : عَزَلْنَا على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك ما يصدق بِالْعَزْلِ ، ولو مرةً ، إذ يجري مجرى المطلق الذي يحصل بأدنى ما تَثْبُتُ به الحقيقة في الخارج ، وذلك ما يكون بالمرة الواحدة ، فكان من حكاية الديمومة كينونَةً ماضية قد اتَّصَلَ زمانها سَلَفًا ، فتلك عادة قد اطردت ، وثم مِنَ الزيادة في المبنى بالكينونة الماضية زِيَادَةٌ تُضَاهِي في المعنى ، وَثَمَّ من حكاية الجمع إذ أُسْنِدَ الفعل إلى ضمير المتكلمين المقدَّر إذ استتر إيجابا في عامله "نَعْزِلُ" ، فَنُونُ المبنى صدر العامل "نَعْزِلُ" قد أفادت دليلا يُذْكَرُ على محذوف تال وهو الضمير المجموع الذي أُسْنِدَ إليه العامل فهو الفعل المسند إلى الفاعل ، وَبَيْنَهُمَا من التلازم الضروري ما اطرد في النحو والعلوم كَافَّةً ، فاطرد من تقرير المتكلمين في أصول الاعتقاد أَنَّ كُلَّ حادث فلا بد له من محدِثٍ ، وذلك عنوان استدلال يصح في باب الربوبية وتوحيد الفعل ، توحيد الرب الخالق الرازق المدبر جل وعلا بأفعاله .
    فَكُلُّ فِعْلٍ فلا بد له من فاعل ، فَثَمَّ التلازم الضروري في المعقول والمنطوق ، في الأصول وفي الفروع ، في النحو وفي سائر العلوم ، فَثَمَّ الفاعل المستتر إيجابا في العامل "نَعْزِلُ" ، وَثَمَّ من الاسمية ما يدل على ثبوتٍ وديمومة تستمر ، فتقدير الكلام قبل دخول العامل الناسخ : نحن نعزل ، فثم من المبتدإ المتقدم ما قد دَلَّ على الفاعل المتأخر ، فالمذكور المتقدم قد دل على المحذوف المتأخر ، فَدَلَّ الفاعل المعنوي المتقدم وهو المبتدأ "نحن" إذ ذُكِرَ أولا ، دَلَّ على الفاعل اللفظي المستتر في عامله إيجابا فهو المحذوف المتأخر ، فذلك إطناب اصطلح في البيان أنه تِكْرَارُ الفاعل ، وثم من الإطناب في جملة الخبر أن حُدَّتْ مضارعةً فَهِيَ الفعلية المؤتَلِفَةُ من الفعل والفاعل ، فذلك ، أيضا ، إطناب في المبنى يدل على آخر في المعنى ، وثم من المضارعة في "نَعْزِلُ" ما به استحضار الصورة مع حكاية تقدمت بها اتصال الفعل عادة تطرد ، وثم من التقييد بالظرف : "عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" ، وهو ما قَدْ نَصَّ فِي محل نِزَاعٍ أن ذلك من المرفوع ، ولو حكما ، إذ أُسْنِدَ إلى عصر الرسالة ، وإن كانت الجمهرة العظمى من أهل الاصطلاح أَنَّ حكاية الفعل في أَثَرِ مَوْقُوفٍ حكايةَ العموم ، أن تلك الحكاية تجزئ في الحكم بالرفع ، كما النص على السنة : من السنة كذا وكذا ، وإن لم تُسْنَدْ إلى صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو النص أن ذلك مما أُحِلَّ لَنَا أو حُرِّمَ علينا ، خلاف الفتوى أن ذلك حلال أو حرام فذلك مما يدخله احتمال الاجتهاد فلا يُقْبَلُ مرفوعا إلا أن يُشْفَعَ بِقَرِينَةِ رَفْعٍ تُسْنِدُ الحكمَ إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَظَاهِرِيَّةُ الروايةِ كما حالهم في الدراية قد حَمَلُوا ألفاظ الرواية على ظواهرها ، فلم يُقِرُّوا إلا بالمرفوع حقيقة إلى صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم منصوصًا عليه ، خلاف المرفوع الحكمي .
    فكان من نِسْبَةٍ أولى إلى عصر الرسالة وهو ما قد صَيَّرَ الخبر من المرفوع حقيقة ، وثم من القيد في سياق آخر عند ابن ماجه ، رحمه الله ، قيدِ الحال في : "كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ" ، فالقيد الأخير "وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ" يُبِينُ عن إقرار الوحي ، ولو سكوتا ، فَثَمَّ من قرينة العصمة العامة ، عصمة الأمة الخاتمة فلا يقرها الوحي على الخطإ فِي نَفْسِ الأمرِ ، بل ولا يُقِرُّهَا على خلاف الأولى ، فسكوت الوحي إباحةٌ في أدنى أحواله ، وما زَادَ ، كما يقول أهل الشأن ، فهو مما يستفاد من نص آخر ، فتلك زيادة تجري مجرى الدعوى التي تفتقر إلى بَيِّنَةٍ أخص ، فما زاد عن الإباحة المستصحبة في هذه الحال فهو دعوى تفتقر إلى دليل أخص يجاوز مطلق الإباحة في القول والفعل ، فَثَمَّ من الحال ما يحكي الإقرار سكوتا ، فهو في موضع البيان : بَيَانٌ ، لا سيما في أوقات الحاجة إذ لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْهَا ، وَأَيُّ حاجة ، كما تقدم مرارا ، أعظم من حاجة الخلق أن يَسْتَبِينُوا واجب وقتهم الأخص في كل نازلة تطرأ ، وما كان من معنى أعم يُبِينُ عن الغاية من خلقهم عبادةً قد استغرقتِ الاعتقادات والأقوال والأفعال كافة فَثَمَّ من الحاجة إلى بَيَانِ آحادِها ما يَتَعَاقَبُ ، فعند كل حاجة يستبين الناظر رحمةَ الرسالة العامة إذ ترشد الخلق إلى ما يسد الحاجة فَبِهِ الكفاية الدينية المجزئة بما كان من نصوص الرسالة المنزَّلةِ نجوما متعاقبة .
    وذكر القرآن ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام وهو الوحي ، فإنه قد يَتَنَزَّلُ بتحريمٍ : خَبَرًا يَرِدُ لا آيا يَنْزِلُ ، أو هو مما يجري مجرى النص العام إذ يُحْمَلُ لفظ القرآن على معنى أعم ، وهو قرآن الشريعة المنزل ، آيا وخبرا ، لا سيما إِنْ حُمِلَ عنوان القرآن على العنوان المطلق في المعجم المفرد ، فهو مئنة الجمع إذ اشتق من مادة الْقَرْءِ ، ومنه اشتق اسم القرية ، فَهِيَ تَجْمَعُ الْبُنْيَانَ والإنسانَ ، فَثَمَّ القرية : البيوت والشخوص ، وكذا المال إذ يُقْرَى في الحوض وَيُجْمَعُ ، فالقرآن الرسالي مجموع دلالي من الآي والخبر ، فذلك عنوان قد احتمل العموم إِنْ بِنَظَرٍ لُغَوِيٍّ مطلَق أو آخر شرعي مُقَيَّدٍ ، إذ ثَمَّ قرآن قد جمع الأدلة كافة ، ومنها الأخبار فهي من هذا الوجه قرآن ، فذكر القرآن إما أن يجري مجرى الخاص ، وهو المعهود المتواتر ، فذلك الخاص الذي يُرَادُ به عام حكايةَ التَّنَزُّلِ المتتابِع لنجوم الوحي الشارع أمرا ونهيا ، إباحة وحظرا ، نصا أو سكوتا ، منقولا أو معقولا ، منطوقا أو مفهوما ، وذلك الوحي الجامع للآي والأخبار كافة .

    فكان من نُزُولِ القرآن ما حكاه جابر ، رضي الله عنه ، حكاية الحال التي تُسْتَحْضَرُ ، فكان من المضارعة فِي "يَنْزِلُ" ما يواطئ الدلالة الحالية استحضارا لمعنى قد انقضى ، وإن كان حال الورود والنطق ، وإن كان في تلك الحال مما يجري وَيَتَّصِلُ زَمَانُهُ ، وفيه ، أيضا ، ما تقدم من الإطناب بالتكرار ، تكرار الفاعل ، المبتدإ الظاهر والفاعل المستتر جوازا في العامل "يَنْزِلُ" ، ودلالته تحكي العلو من باب اللازم ، فإن النزول لا يكون إلا من أعلى إلى أدنى ، والقرآن من وصف الرب الأعلى ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَدْ نَزَلَ من الموصوفِ إذ تَكَلَّمَ به حقيقةً قد استجمعت اللفظ والمعنى مع رجوع أول إلى علم محيط يستغرق ، فمنه العلم الديني بكلمات الوحي الخبرية والإنشائية التي جاءت بها الرسالات السماوية ، فَنَزَلَ من الموصوف الأعلى على قلب الرسول البشري بواسطة آخَرَ مَلَكِيٍّ ، فَنَزَلَ القرآن إذ أَنْزَلَهُ الله ، جل وعلا ، بعلمه ، فـ : (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) ، فذلك من التقييد بِالْحَالِ "بِعِلْمِهِ" وهي المبِينَةُ عن المرجع ، مرجعِ الوحي فهو العلم الأول الذي عَمَّ بمدلوله المعلومَ كافةً : الكوني والديني ، فمن المعلوم الأزلي : المعلوم الديني الرسالي : الخبري والإنشائي ، فتلك مادة النبوات التي تَنَزَّلَتْ من أعلى ، فَنَزَلَتْ من الرب الأعلى بالذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، العلي عُلُوَّ الشأنِ وَعُلُوَّ القهرِ ، فاستجمع من الدلالات : الحقيقي والمعنوي ، الذاتي والفعلي ، فالعلو ، كما الكلام ، فَمِنْهُ الذاتي ومنه الفعلي ، فَثَمَّ من العلو الذاتي ما ثَبَتَ عامةً ، فذلك وصف الذات الذي يلازمها فلا يُفَارِقُهَا ، وَثَمَّ من العلو الفعلي ما ثبت خاصة ، فذلك وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة ، وهو الاستواء على العرش علوا خاصا يجري ، من وجه آخر ، مجرى الوصف الخبري الذي لا يثبت إلا بدليل تَوْقِيفِيٍّ ، فَنَزَلَ الوحي من أعلى ، وهو من وصفِ الذات والمعنى إذ يصدر عن العلم الأول المحيط ، ومنه ما تَقَدَّمَ من علم التشريع الخبري والإنشائي ، وهو من وصفِ الفعلِ الذي يُنَاطُ بالمشيئة إذ تَنَزَّلَ نجوما ، وذلك ما تكرر إذ فُرِّقَ آحادا منها ما نَزَلَ على سبب ، وهو الأقل ، وآخر قد نَزَلَ ابتداء لا على سبب أول ، وهو الأكثر ، وكلاهما حُجَّةٌ تَسْتَغْرِقُ ما لم يكن ثم دليل يخصِّص ، إذ العبرة ، كما تقدم في موضعٍ تَكَرَّرَ ، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وآخر هو عموم المعنى خلافا لمن قصر العموم على اللفظ ، فجعله من عوارض المباني ، فَثَمَّ من جاوز فجعله من عوارض المعنى والفعل ، وهو ما يواطئ الدلالة الرسالية الخاتمة : رحمةً عامة قد استغرقت الخلق كافة ، فذلك ، مما اسْتُصْحِبَ أولا قرينةَ العموم في خطاب التكليف ، أو هو ، كما يقول أهل الظاهر ، من الدليل المستفادِ من لفظ الشريعة الظاهر بما دل عليه الإجماع ، فَثَمَّ إجماعهم أَنَّ حكم المسلمين سواء ، إلا أن يَرِدَ دليلٌ هو النص الذي يقترن بالعموم فيوجب حملانه على الخصوص ، إما الخصوص العيني أو ما اصطلح أنه وقائع الأعيان ، أو الخصوص الذي يقصره على قَبِيلٍ أو جنسٍ أو طائفة قد احتملت من القيد وصفا يزيد فهو يخرجها من دائرة العموم المستغرق ، فيكون ذلك من العام المخصوص ، أو العام الذي أُرِيدَ به الخصوص ، وإن لم يكن ذلك ابتداء بل ظاهره أنه عام مستغرق حتى أتى الدليل المخصص الذي يخالف عن الأصل المقرر أن العام ذا دلالةِ شمولٍ يَسْتَغْرِقُ ، فخرج بَعْضُ آحادِه ، بل قد يخرج الجميع إلا واحدا فَيَنْقَلِبُ العمومُ واقعةَ عينٍ لا عموم لها ، كما حكاية الفعل في حديث أبي بردة بن نيار ، رضي الله عنه ، أنه : "ذَبَحَ شَاةً قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لَا تُجْزِئُ عَنْكَ» . فَقَالَ لَهُ: عِنْدِي جَذَعٌ مِنَ الْمَعْزِ، فَقَالَ: «يُجْزِئُ عَنْكَ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»" ، فَمَنْ قَصَرَ العموم أنه من عوارض الألفاظ فلا إشكال في الخبر فإنه فعل لا لفظ ، فليس من العام في اصطلاحه ، بادي الرأي ، خلاف من جاوز بدلالة العام فجعله من عوارض المباني والمعاني والأفعال ، ومنها هذا الفعل ، فكان النص خلاف الأصل ، أصل العموم ، أن قَصَرَهُ على واحد بعينه ، فَخُصِّصَ العامُّ بما أخرجَ أفراده كافة إلا واحدا ، وهو التأويل المخالف عن الظاهر الذي يوجب حملان العموم على عمومه المستغرِق ، فكان من القرينة ما قد خَصَّصَ وأخرج آحادا وصرف اللفظ عن الظاهر المتبادر استغراقًا إلى مؤوَّل يقتصر على واحد فلا يجاوز ، فتلك واقعة العين ، وذلك التأويل الناصح إذ ثم من القرينة ما اعتبر لا هوى أو ذوقا يَقْتَرِحُ من الدعوى ما به يُخَصِّصُ العام تحكما بلا دليل ، بل قد صَيَّرَ الدعوى هي عين الدليل وهي صورة الخلاف فكان ما تقدم مرارا من الدَّوْرِ الباطل والمصادرة على المطلوب أَنْ يُسْتَدَلَّ على الشيء بِنَفْسِهِ ، فذلك من جنس التفسير له بِنَفْسِهِ ، كما المثل الدارج : فَسَّرَ الماء بعد الجهد بالماء ! ، فكان الإجماع أن الحكم سواء فهو يَسْتَغْرِقُ جماعة التكليف كلَّها ، وهو ما حَمَلَ بَعْضًا أن يطرد العمومات في النصوص كافة ما لم ترد قرينة ظاهرة تخصص فهي الدليل الصارف المعتبر وحده عند أولئك ، وهم أهل الظاهر ، خلاف من زاد فصرف بعض العمومات عن عمومها المستغرق وصيرها من وقائع الأعيان بدليل آخر يجاوز النص ، فذلك مما لا يستقيم عند من أخذ بظاهر اللفظ وحده ، كما يَضْرِبُ بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ ، كما يضرب المثل برضاع الكبير فهو على عمومه عند أهل الظاهر ، خلاف سواهم ، فمنهم من صَيَّرَهُ واقعة عين لا تجاوز السبب ، سالم مولى أبي حذيفة ، رضي الله عنهما ، وذلك التخصيص الذي لا تخصيص بعده إذ أخرج آحاد العام كافة إلا واحدا ، وثم من قَصَرَهُ فَخَصَّصَهُ بصورة السبب رفعا للحرج إذ يدخل الرجل على امرأة لا تحل له وثم من الضرورة ما يلجئ وليست تحل له زوجًا لِيَنْكِحَهَا ، فيكون من ذلك الرضاع ضرورة تقدر بقدرها فلا تجاوز سببها ، وإلا فالأصل أن العموم قد جاوز فاستغرق الجميع كافة .
    فَثَمَّ من الإجماع : إجماعٌ يستصحب أَنَّ جماعة التكليف سواء في الحكم ، وتلك عالمية تُسْتَصْحَبُ أبدا في نصوص التشريع كافة فهي تجاوز أعيان من نَزَلَتْ فيهم ، وزمانَ التَّنَزُّلِ الأول ، وبها ، أي العالمية الزمانية والمكانية والآحادية المستغرقة للجمع كافة إلا ما خرج بدليل التخصيص المعتبر ، فذلك الاستثناء من الأصل ، فلا يثبت إلا بدليل معتبر لا دعوى يطلقها كل أحد ! ، وبهذه العالمية رَدَّ أهل الشأن ما تَقَدَّمَ من دعوى التاريخانية التي انتحلتها المقالة الحداثية إذ تَلَطَّفَتْ في نقض حكومات الرسالات السماوية ، فأظهرت تَعْظِيمَ الوحي وَقَرَنَتْ ذلك بتعطيل الخبر والحكم بما انتحلت من تَارِيخَانِيَّةٍ تَارَةً ، وتأويلٍ أخرى بلا دليل يرجح ، فكان التحكم في ترجيح مرجوح بَعِيدٍ بل وباطل في أحيان يسلك بصاحبه مسلكَ الباطن ، وتعطيل صريح ثالثة في الباب إِنْ تَعْطِيلَ المبنى بدعوى التضعيف والتكذيب وإن صحيحًا قَدْ بَلَغَ الغاية في الصحة المعتبرة في الاصطلاح أو تعطيل المعنى بما جاوز التأويل الذي يَنْقُضُ بَعْضًا دون آخر ، كأن يُثْبِتَ الملزومَ وينفيَ اللازم فيكون ثم مخالفة عن القياس الناصح فَثَمَّ من جاوز ذلك فَأَبْعَدَ إذ نَفَى الملزوم واللازم كافة ! .

    فقرينة الإجماع على العموم في خطاب التكليف أن الجماعة فيه على حد سواء ، تلك قَرِينَةٌ تُسْتَصْحَبُ أبدا في نقض المقالة الحداثية المخالفة عن المقالة الرسالية .

    فكان من نزول القرآن خاصة والشريعة عامة ، كان من ذلك ما نَزَلَ ابتداء فاستأنف الخبر أو الحكم ، أو نَزَلَ على سبب كجواب عن سؤال ، أو نازلة قد طرأت فكان من الحاجة أَنْ يستبين حكمُها فَنَزَلَ البيان ناجزا إذ لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، فَنَزَلَ القرآن من أعلى ، إذ نَزَلَ من الرب الأعلى ، جل وعلا ، فهو ابتداءُ غايةٍ في التَّنَزُّلِ من عند ذي العلم المحيط المستغرق ، تبارك وتعالى ، وثم الملك وهو الواسطة الرسالية النورانية إذ احتمل الوحي فَنَزَلَ به ، فـ : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) ، وثم انتهاء غاية أولى إذ نَزَلَ إلى المحل الرسالي الأرضي : (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) ، فاحتمله مبنى ومعنى ، لفظًا يُصَرِّحُ وسكوتا يُسْتَصْحَبُ ، كما حديث جابر آنف الذكر : "كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَنْهَنَا" ، فاستصحبت البراءةُ الأصلية إذ أَقَرَّهَا الوحي فلم يستدرك مع ما كان أولا من قرينة العصمة العامة ، عصمة الأمة الشاهدة فلا تُقَرُّ على خلاف الأولى فضلا عن باطل في الاعتقاد أو خطإ في الأحكام ، فَنَزَلَ الوحي إلى المحل الرسالي الأرضي ، وهو واسطة منها يكون البلاغ والبيان إلى عامة الخلق انتهاء غاية ثانية ، وذلك ما نَقَلَهُ كل جيلٍ عن سَلَفٍ ، فَثَمَّ من ابتداء الغايات المخصوصة في كل جيل ، فأولئك العلماء الذين نقلوا اللفظ روايةً ، واستنبطوا المعنى درايةً ، وثم انتهاء غايات مخصوصة إلى جِيلٍ تال يخلف فهو يتحمل عن سلف أول يَتَقَدَّمُ ، فَاتَّصَلَ إسناد الوحي لفظا ومعنى وبه كان تأويل الوعد الصادق بحفظ الذكر النازل ، فـ : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، فتلك مراتب التَّنَزُّلِ لما كان من وحي الرسالة المحكم ، وذلك القيد الذي أبان عَنْ قَرِينَةِ التَّقْرِيرِ إذ سكت القرآن وهو ينزل ، وثم آخر استفيد من سكوت صاحب الشرع المحكم إذ هو المبلغ المبين لما نَزَلَ من الوحي ، فـ : "بَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَنْهَنَا" ، فإذ قد بَلَغَهُ فتلك قرينة أخرى بها يثبت حكم الرفع الصريح ، فَبَلَغَهُ وَأَقَرَّهُ ، ولا يكون ذلك إلا إقرارا من الوحي إذ لا يقره ، كما تقدم ، على الخطإ أو خلاف الأولى ، وثم من قيد ثان في رواية الطبراني : "فَلَا يُعَابُ ذَلِكَ عَلَيْنَا" ، فَحُذِفَ الفاعل وأسند الفعل "يُعَابُ" لما لم يُسَمَّ فاعله وهو ما ينصرف في مقام التشريع إلى البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، على تقدير : فلا يعيب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك علينا ، وثم من قيد آخر في طريق أخرى ، فـ : "كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا" ، فذلك ما يبلغ بالقرينة حد الشهود والحضور لا مطلق المعاصرة ، وإن كانت المعاصرة في هذا الباب تجزئ كما في حديث عمرو بن سلمة ، رضي الله عنه ، إذ أَمَّ قومه في الفريضة وهو صغير لما يبلغ الحلم أَنْ كَانَ أقرأهم لكتاب الله المنزل فحفظ ما لم يحفظوا فَقُدِّمَ في دياره إماما فِي الفرض وإن لم يَبْلُغِ الحلم وبه استدل مَنْ يُجَوِّزُ إمامةَ الصغيرِ الحافظ مطلقا ، إِنْ في الفرض أو في الندب ، فقد نَأَتْ به الدار ، وثم قرينة الوحي إذ لا يقر الأمة كافة على خلاف الأولى شَهِدَ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما العزل آنف الذكر بما تقدم من قرينة : "وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا" ، أو غَابَ كما في حديث عمرو بن سلمة ، بَلَغَهُ ذلك خبرا أو كان ثم سؤال يُصَرِّحُ ، كما في طريق أخرى من حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، وفيها : "كُنَّا نَعْزِلُ عَنْهَا، ثُمَّ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ" .

    فكان من سكوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ قد : "بَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَنْهَنَا" ، وهو ما حُدَّ في طريق أخرى حَدَّ ما تَقَدَّمَ مما لم يسم فاعله ، فـ : "كُنَّا نَعْزِلُ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، فَلَا نُنْهَى" ، فذلك مما يجري مجرى الإيجاز حذفا إذ لا يكون أمر ولا نهي في مقام التشريع إلا من صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَمَا حُذِفَ في هذه الطريق قد أُبِينَ عنه في أخرى ، فكان من ذلك عنوان ذكرى تَتَكَرَّرُ إذ بجمعِ الطرق يستبين من زياداتِ الأسانيد والمتون ما به الإجمال يزول ، فلم يَنْهَ عنه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو المبلِّغ المبيِّن ، وسكت الوحي تَقْرِيرًا ، فكان ذلك بَيَانٌ تستفاد منه الإباحة على أدنى حال في الاستدلال ، إذ لا يُقِرُّ الوحي الأمة الخاتمة وهي الشاهدة ، لا يقرها على خلاف الأولى فضلا عن الخطإ ، وهو ما استنبط بعض رواة الخبر ، خبر جابر آنف الذكر في العزل ، فَزَادَ من كلامه مفسِّرا بما أدرج فأبان عنه مسلم في روايته ، فـ : "قَالَ سُفْيَانُ: لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ" ، أو تلك لفظةٌ من الخبر قد استقل بها سفيان دون غيره ، فنص عليها مسلم بما اطرد من إتقانه الألفاظ صناعة روايةٍ رجح فيها البخاري ، وإن كان الأخير أرجحَ في الصحة ، فليست مما أدرج من كلام سفيان .

    والله أعلى وأعلم .


  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-05-2022
    الساعة:03:09 PM

    المشاركات
    5,118
    العمر
    44

    فإجماع الصدر الأول هو الإجماع المعتبر بالإجماع ، فدليل اعتباره هو الإجماع على اعتباره ! ، فلا خلاف بين من يحتج بالإجماع أصلا من أصول الشريعة أن إجماع الصدر الأول : إجماع صحيح ينضبط وهو يفيد القطع حال النطق ، والظن الراجح حال السكوت ، فدلالة اللفظ حال النطق تُفِيدُ ما لا تُفِيدُ حال السكوت ، وإن كان من مفهوم المخالفة ما يفيد على حد التلازم ، فإثبات الشيء يستلزم النهي عن ضده ، لا سيما في الأسماء المشتقة ذات الدلالة المعقولة : المطَّرِدَةِ المنعكِسَةِ ، فهي دلالة تَعْلِيلِيَّةٌ تُدْرَكُ ، إذ نَصُّ الدليل على العلة في موضع النطق يدل على أخرى في موضع السكوت فهي على ضِدٍّ يُعْقَلُ ، فكان من التَّفَاوُتِ بين دلالة النطق ودلالة السكوت ما اطرد في النص وكذا الإجماع ، محل الشاهد ، وإن كان من القرينة ما يَزِيدُ فِي إجماعات السكوت فَتُشْبِهُ ، من وجه ، أن تكون من خبر الآحاد الذي احتفت به القرائن ، فَأَفَادَ العلم من هذا الوجه ، وإن نظريا يفتقر إلى استدلال أخص فلا يحسنه كل أحد كما العلم الضروري الذي يفجأ النَّفْسَ دفعةً فلا تطيق له رَدًّا إلا أَنْ تُكَابِرَ أو تُسَفْسِطَ ، فكذا الإجماع السكوتي عامَّةً والإجماع السكوتي في الصدر الأول خَاصَّةً ، فهو ، بادي الرأي ، يفيد الظن الراجح ، إذا استوفى الشروط كما حصول زمان يجزئ فالظن فيه يغلب أن النظار جميعا قد قَلَّبُوا أنظارَهم في المسألة ، فَبَلَغَتْهُمْ فَتْوَى أحدِهم وحصل لهم من فسحةِ وقتٍ أن ينظروا فيها ويستقرئوا ويسبروا فسكتوا ولم يخالفوا مع انتفاء موانع أَظْهَرُهَا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ تَرْغِيبٌ أو تَرْهِيبٌ ، فلا الناظر يداهن طَلَبًا لِعَطِيَّةٍ ، ولا هو يَتَّقِي دفعا لِبَلِيَّةٍ ، فاستوفيت الشروط وانتفت الموانع ، فإذا كان ذلك فهو يُفِيدُ الظن الراجح ، وثم من قرينة تستصحب في حق الجيل الأول كافة ، أَنَّهُمْ الأنصح فعدالتهم نص رسالي متواتر ، وتلك ، كما تقدم في مواضع ، عصمة المجموع لا الجميع ، فالآحاد غير معصومين ، وهم كطرق الخبر آحادا ، إذ يفيد ابتداء الظن الراجح ، فإذا انضمت الظنون الراجحة فمجموعها يَقِينٌ ، ولو نظريا ، إذ ظن الجميع معصوم ، وإن كانت آحاده ليست كذلك ، فَحَصَلَ بالاجتماعِ ما لا يحصل بالافتراقِ ، وكان من زيادةِ الطرق ما رَفَدَ الأصل فَزَادَ فيه حَتَّى بَلَغَ العلم ، فكذا آحاد الجيل الأول فليسوا بمعصومين ، وإنما حصلت العصمة بمجموعهم إذ انضافت عدالةُ كلِّ واحدٍ إلى أخرى حتى تضافرت وتعاضدت فَبَلَغَتْ حَدَّ العصمة ، وإن كانت آحادُها طُرُقًا وَأَدِلَّةً : ليست بمعصومة ، فحصل بالصورة المجموعة والأفراد المقرونة ما لا يحصل بأخرى مفروقة ، وذلك عنوان ، كما يقول صاحب "الاعتصام" و "الموافقات" رحمه الله ، ذلك عنوانُ الاستدلالِ في الشريعة الخاتمة إذ تَعَدَّدَتْ أَدِلَّتُهَا وَطُرُقُهَا سواءً أكان ثم تعارض حقيق أم كان بادي الرأي ، وهو ما يزول بالجمعِ : جمعِ الأدلة ما أمكن أن تَنْفَكَّ الجهة ولا تَتَّحِدَ ، فلا ينظر في حكم أو فتوى نظرا واحدا يقتصر على نص واحد ، أو وجهِ دلالةٍ نادر ، وإنما النظر يستجمع وجوه المبنى نقلا والمعنى عقلا ، مع نظر في أقوال المخالفين كافة : نظر الاعتبار تأييدا أو تفنيدا لا عن هوى وذوق ، وإنما عن معيار معتبر في النقل والعقل ، فيحصل بهذا الجمع المستغرق لأدلة الباب ومدلولاته ، يحصل بذلك ما يكافئ القرائن المحتفة بخبر الآحاد ظني الدلالة ، فإنها تَرْقَى به وَتَبْلُغُ حَدَّ العلم ، وَإِنْ نَظَرِيًّا يَسْتَقْرِأُ وَيَسْتَنْبِطُ ، فلا يحصل لكلِّ أحدٍ دفعة كما العلم الضروري ، وذلك أصل يستصحب في المسائل كافة أن ثم إفادة بالآحاد المجموعة في الباب لا تكون بها حال الافتراقِ ، فالافتراقُ : ظنون راجحة تجزئ في الاستدلال العلمي والعملي بادي الرأي ، فَتِلْكَ فَتْوَى أهل الذكر في مسائل الخلاف والخصومة ، فإذا اقترنت حصل بمجموعها صورة استدلال كاملة تفيد العلم النظري ، فكذا عصمة الجيل الأول : عصمةُ المجموعِ المستفاد من اقْتِرَانِ ظنونِ الجميعِ ، فَظَنٌّ إلى ظَنٍّ يزيد فيه درجة في العلم حتى يحصل بِتَضَافُرِ ظنونٍ كثيرة ما يَبْلُغُ حَدَّ التواتر ، وإن التواترَ الخاص لا العام ، فالأول محل نظر واستدلال خلاف الثاني الذي يَطَّرِدُ في النفوس كافة ، خَاصِّهَا وَعَامِّهَا ، فالظنون تَتَعَاضَدُ حَتَّى تَبْلُغَ درجةَ العلم النظري ، كما عدالة الجيل الأول ، فعدالة أبي بكر إلى عدالة عمر إلى عدالة عثمان إلى عدالة علي إلى عدالة سائر العشرة إلى عدالة السابقين الأولين كافة إلى عدالة أهل البيعة ، بيعة العقبة ، إلى عدالة أهل بدر إلى عدالة أهل الخندق إلى عدالة أهل الشجرة ...... إلخ ، فانضافت إلى بَعْضِهَا حتى أفادت بمجموعها الغالب ما لا تفيد بآحادها مفروقةً ، فعدالةٌ إلى أخرى حتى يَبْلُغَ الجميع حَدَّ العصمة ، عصمةِ الإجماع آنف الذكر ، وإن نَظَرِيًّا مُكْتَسَبًا ، فهو دون عصمة الرسالة التي تحصل دفعةً تُضَاهِي ما يكون من العلم الضروري ، خلاف عصمة الجيل الأول مجموعا فذلك من العلم النظري ، فَيُقَدَّمُ الضروري على النظري ، لا جَرَمَ قُدِّمَ قول صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كلِّ قولٍ تلا ، وَإِنْ قولَ الصديق خير الأمة بعد نَبِيِّهَا ، فكل قول سوى قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنما يُسْتَدَلُّ له لا به ، خلاف قول صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام فوحده ما يحتنج به مطلقا لمقام العصمة الرسالية ولما شهدت به الآيات الشرعية أَنْ : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) ، وَقُدِّمَ النص ، من وجه آخر ، على الإجماع ، فلا اعتبار بإجماع ما لم يستند إلى نص ، إن مبنًى أو معنًى على قول من يُجَوِّزُ استنادَ الإجماع إلى القياس فهو ، آخرَ أمرِه ، يأرز إلى أصل يقاس عليه من نص كتاب أو سنة فالمرد أبدا إلى النص فهو الأصل ، وما سواه من الأدلة فَفَرْعٌ يُقَاسُ عليه وَيُرَدُّ إليه حال التعارض أو التشابه ، فالنص محكم تُرَدُّ إليه متشابهاتٌ من النظر والاستدلال ، فالإجماع معصوم إذ هو مجموع من الظنون الراجحة يحصل بانضمامها علوم نظرية معتبرة ، ولا يكون ذلك إلا أَنْ يُضْبَطَ البابُ استقراءً لأقوال المجتهدين ممن تعتبر موافقتهم ومخالفتهم ، وهو ما سهل في الجيل الأول ما لم يسهل بعده ، فَكَانَ مِنْ إجماعِهم ، ولو سكوتًا ، وهو ما يَنْزِلُ درجةً عن الإجماع الصريح ، ولكنه ، كما تقدم ، مناطُ نَظَرٍ وَتَدَبُّرٍ يَسْتَقْرِئُ وجوهَ البيان إما : موافقةً لفتوى المجتهد الواحد من الجيل الأول ، فَتَبْلُغُ فَتْوَاهُ غيرَه فيوافقُه صراحةً ، وإما : سكوتا فَتُعْرَضُ عليه الفتوى فيسكت مع انتفاء شبهات من قَبِيلِ : الإكراه وهو المستبعَد في الجيل الأول إذ كان لهم من قدم الصدق وبذل المال والنفس ما صيرهم القرن الفاضل الناصح مع ما تقدم مرارا من أوصاف مجموعة تَتَضَافَرُ : النصح والعلم والفصاحة ، فَلَهُمْ فِي الثلاثة قَدَمُ صدقٍ تجاوز من جاء بَعْدًا ، فكل أولئك مما يجعل لسكوتهم دلالة ترجح ، فهو مَئِنَّةُ رضًى لانتفاء شبهة الإكراه ، وهو نظر العالم المحقق لا الحائر المتردد ، مع ما اشترط آنفا من فسحة وقت ، فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فَلَوْ علم الساكت وجه خلاف فهو يبادر ولا يتأخر ، كما بادر سلمان فأنكر على عُمَرَ فِي وَاقِعَةِ الْإِزَارَيْنِ ، وكما بادرت المرأة فأنكرت في واقعة الصداق ، فكان من سكوت الساكت مع حصول فسحةِ زمانٍ يَنْظُرُ وانتفاءِ شبهةِ الإكراه الملجئ ، كان من ذلك قرائن قد احتفت بسكوته فأخرجته عن حد السلب فلا يُنْسَبُ إلى ساكتٍ قولٌ ، بادي الرأي ، فأخرجته عن حد السلب إلى الإيجاب أَنْ يَثْبُتَ بِهَذَا السكوت قَوْلٌ ، ولو أدنى ما يستفاد في الدلالة ، التقرير الذي يفيد الإباحة ، وكان من اجتماع هذه البيانات بما كان من سكوت في موضع البيان فهو بَيَانُ ، وَإِنْ دون البيان المصرح بالنطق ، فاجتمعت هذه البيانات الظنية وأفادت درجة معتبرة من العلوم النظرية وإن دون نَظَائِرِهَا الضرورية ، فَهِيَ ، كما تقدم ، مما يحصل بالتصريح ، وهي مما يحصل دفعةً بلا نَظَرٍ يَتَرَدَّدُ ، وذلك ما انْضَبَطَ في الجيل الأول ما لم يَنْضَبِطْ في تَالٍ ، فكان من خُطَبِ عمرَ ، رضي الله عنه ، وهو على المنبر ما اشْتُهِرَ ، فخطب في رجمِ الزاني المحصن ، وأبان عن شبهة تَتَرَدَّدُ ، وكان من الإجماع ما صَدَّقَ ، ولو إجماعَ السكوت ، وكذا كان في واقعة المتعة ، وهو ما اسْتُدْرِكَ عليه بِخِلَافِ ابن عباس ، رضي الله عنهما ، فلا إجماع ، وأجاب الخصم إن ابن عباس لم يجز التمتع بالنساء وإنما أجراه مجرى الرخصة التي لا تحل إلا ضرورة إذا خشي صاحبها العنت كما عنه قد أثر ، وثم من قال برجوعه عن ذلك آخرَ حياته فانعقد الإجماع بعد الخلاف ، ولا اعتبار في موضع كهذا أن يقال : إن الأقوال لا تموت بموت أصحابها ، فيظل الخلاف ثابتا ولا يرتفع بإجماع يطرأ ، فلا اعتبار بذلك في هذا الموضع إذ لم يكن الإجماع في جيل تال ، وإنما كان في الجيل نفسه فلم يمت أصحابُ الأقوال بَعْدُ ، بل إن عينَ المخالف هو عين مَنْ رجع إلى القول الراجح فَصَيَّرَهُ جزما يقطع ، وكان رجوعُه قرينة من خارج ترجح ، إذ صَيَّرَتِ البابَ من القاطع بعد أن كان ابتداء من الراجح على القول بثبوت الخلاف فيه ، بادي الرأي ، والمسألة مبسوطة في كتب النكاح من دواوين الفقه في المذاهب كافة .
    وكذا يُقَالُ في تُرُوكٍ أخرى في باب أدق ، باب المحدَثات الدينية ، فإن قيام الداعي إلى قول أو فعل مع انتفاء الموانع صدرَ الرسالةِ وما تلا والوحي يَتَنَزَّلُ ، وكذا ما يكون من إجماع تال يُضْبَطُ ، ولو دون النص المنزَل ، كما تَقَدَّمَ ، فسكت الوحي في موضعِ البيانِ فَذَلِكَ بَيَانٌ أَنَّ الزائد من القول أو الفعل محدَثَة دينية ، وَقَيْدُهُ : أَنْ تُسْتَوْفَى شروط وَتَنْتَفِيَ موانع ، فكان من مانعِ الخشيةِ ، خشيةِ العنتِ بِزِيَادَةٍ في التشريع تُوقِعُ الأمة في حرجٍ أَنْ يُفْرَضَ ما هو نَفْلٌ ، فَتَرَكَ صاحبُ الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثالا يَرُوجُ شبهةً في مذاهب خالفت عن جادة السنة قديما وَتَلَقَّفَهَا بَعْضُ من أحدث في الجيل المتأخر فلا ينفك يجد في أقوال الفرق المنحرفة مادةً ترفده بشبهات يثيرها حينا بعد آخر توسلا إلى نقض الوحي كافة ، وإن على مذهب قد تأوله فخالف به عن الجادة ، فلا ينصر الحداثي المتأخرُ ، لا ينصر المذهبَ الديني المحدَث وإنما يستنصر به أن يطعن المذهبَ المحقق فهو الخصم الناجز بما نصح من مبانيه نقلا ونصع من معانيه عقلا ، فترك صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثالا في الباب ، تَرَكَ قيامَ رمضان في جماعة إذ خَشِيَ أَنْ يُفْرَضَ على الأمة كافة ، فَصَلَّى بَعْضًا وبه أبان عن المشروعية ، ثم تَرَكَ الجماعة في قيام ليل رمضانَ ولم يَعُدْ لمانع قد زال بَعْدَ قبضِه إذ انقطعَ الوحي فَأُمِنَتِ الزيادة في التشريع ، فَجَمَعَ عمر ، رضي الله عنه ، الجماعات المتفرقة في المسجد على إمام واحد وهو أبي بن كعب ، رضي الله عنه ، فكانَ من مشروعيةِ صلاتِها جماعةً ما ثَبَتَ زمنَ الرسالة ، فلم يُحْدِثْ عمرُ زيادةً ، وإنما عَمِلَ بأصل قد تَقَدَّمَ أَنْ زَالَ المانعُ المثبِّطُ ، وكذا يقال ، وإن دونه ، في إجماع الصدر الأول الذي يَنْضَبِطُ ، فإن إجماعهم على تَرْكِ ما أحدثَ قَبِيلٌ آتٍ مع ثبوت الدافع وانتفاء المانع ، ذلك في نفسه بَيَانٌ ، ولو بالسلبِ سكوتًا أو تَرْكًا ، فحصلت به سنة ، ولو سُنَّةَ تَرْكٍ مع ما انضاف إليها من قرينة الأمر أن : "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ" ، وتلك بَدَاهَةً سنة الجمع لا الأفراد ، وإلا فَقَدْ خالف الأربعة ، رضي الله عنهم ، السنَّةَ فِي آحادٍ من فَتَاوَاهم فَلَا يَصْدُقُ فِيهَا أَنَّهَا السنة المسلوكة التي أُمِرَ الناس بالاقتداء بها فَقَيْدُهَا المحكم أَلَّا تُخَالِفَ الوحيَ المنزَّلَ ، لَا آيًا وَلَا خَبَرًا ، لا جرم لم يكن من هذه السنة ما رَاَم عمر أن يأخذ من المهور وَيَرُدَّهَا في بيت المال فقد استدركت المرأة بالقول وأقامت عليه حجة بالنص ، فَلَمْ يَعُدْ قولُه سُنَّةً قد أُمِرَ الناس باتباعها ، بل قد صارت السنة ما رجع إليه أن نَزَلَ على القول الصحيح المؤيد بالدليل الصريح ، فحصل بإجماع هذا الجيل : إجماع معتبر بالإجماع ، ولو عند مخالف في ضَبْطِ إجماعٍ تال بعد انقضاء جيلهم ، ولو جَوَّزَ انعقادَه ، فلم يكن الخلاف في أصل الانعقاد وإنما في ضبط الأقوال استقراءً يَعُمُّ المباني وَسَبْرًا يَقُصُّ المعاني ، فذلك مما تعذر في الجملة بعد انقضاء الصدر الأول بما تَقَدَّمَ من تَفَرُّقِ الناس في الأمصار ، فكان الخلاف في ضبط إجماع تال في جيل آت ، ولم يكن ثم خلاف معتبر أبدا في إجماع قرنِهم الفاضل ، وذلك من جملة ما يُبِينُ عن إحكام هذه الديانة ، فإنها لم تخالف الحق ولو في مسألة ، وكان من ضبط أصولها وفروعها ما دل عليه البحث التاريخي المجرد ، كما يحكي بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ ، فَيَذْكُرُ في سياق التمثيل ما كان من قول واحد من أساطينَ في المركز ممن له في بحث المقارنة بين الأديان والمذاهب قدم تَرْسَخُ ، فَيَذْكُرُ ما كان من وصاية هذا العالم المحقق في بابه وليس على دين الوحي ، فيذكر من وصايته لمن يُدَرِّسُ أن إذا رُمْتُمْ دِينًا محقَّقَ الأصولِ بِبَحْثِ تاريخ يَتَجَرَّدُ فليس إلا الدين الخاتم المحكم الذي استوفى معيار البحث ، ولو تدبر الناظر لقال دفعة : هذه بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إلينا بِنَظَرٍ يعلو بالحق ، فإن القرون المتقدِّمة الفاضلة هي مَنْ سَنَّ هذه السنة الحسنة في تحرير الروايات سندًا ومتنا ، مبنى ومعنى ، فكان من اصطلاحهم في الجرح والتعديل ، وجمع الطرق ، وإثبات الاتصال ، ولو في آحاد من الفروع ، والبحث المجاوز في قرائن تحتف فهي تسبر المرويات سبرَ التحقيق فَتَنْفِي الشذوذ وما يقدح من الْعِلَلِ ، كان من ذلك سبق أول ، وهو ما رَامَتِ الحداثة ، كما تقدم مرارا ، أن تَنْقُضَهُ ، فكانت دعواها المجترئة أن تَبُتَّ الصلات كَافَّةً مع الأصل ، ولو ناصحا يقطع ، وكان من قياس مع الفارق ، قياس الأصول المحكمة الخاتمة على أخرى مبدلة أو محرفة وإن كانت أصولها رسالية فقد أفحش أَتْبَاعُهَا بما زَادُوا فِيهَا وَنَقَصُوا منها رجوعا إلى هوى وذوق محدَث وإن كسوه لحاء الدين المنزل ، أن صَيَّرُوا زياداتهم من صلبِ الديانة وإن خالفت عن أصول الرواية والدراية ، فتلك ما تذرعت به الحداثة أَنْ وَجَدَتْ من نَصٍّ يحمل عنوان الرسالة وهو مع ذلك يخالف عن بدائه الرواية والدراية إن في علوم التشريع أو أخرى في الكون تُنَالُ بالتجريب ، فاتخذوها ذريعة أن يقدحوا في الأصل : الأصل الرسالي المحكم بما كان من شؤم المخالفة عن نَصِّ الوحي المحرر ، وَقَاسَ مَنْ قَاسَ فَسَادَ قصدٍ أو عِظَمَ جهلٍ ، أو هما معا في أحيان تكثر لا سيما في الجيل المتأخر الذي عمت فيه البلوى دينا ودنيا ! ، قَاسَ مَنْ قَاسَ الوحيَ الخاتم على ما تَقَدَّمَ من كتب نالها التحريف في الأصول والفروع كافة ، وذلك القياس مع الفارق ، أي فارق ! ، فهو من جنس قياس آخر أفحش ، قياس الخالق ، جل وعلا ، على المخلوق المحدَث ، إذ كلام الوحي الناصح هو وصفُ الرب الخالق ، جل وعلا ، وما أُحْدِثَ بَعْدًا وَأُسْنِدَ إلى الوحي زُورًا فَهُوَ من كلام المخلوق وذلك وصفه المذموم الذي يصدر عَنْ جَهْلٍ وَفَقْرٍ ، فهو محل التهمة في الإثبات والنفي ، في الأمر والنهي ، وإن تَأَوَّلَهُ أنه معدن الصدق والعدل ! ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، جناية رَدَّتْ بها الحداثة جنايةَ مَنْ حَرَّفَ في أصول الديانة وفروعها ، فهو محدِث قد رَدَّتِ الحداثةُ قولَه بآخر محدَث بل نصه أفحش وأبشع إذ بَتَّ الصلة بالأصول كافة ، وجاوز المعقول فَبَتَّ الصلة ، ولو بالعلوم الضرورية من بدائه الدلالات المعجمية والسياقية التي لا يثبت في الذهن معنى يُعْقَلُ إِلَّا أَنْ يَنْطِقَ بها المتكلم ، فحصل من عنوان الرسالة الخاتمة : بحثُ تاريخٍ محقَّق ، وجادة لسان محكم وإعجاز في الخبر يرصد بما كان بعدا من أدوات العلوم تجريبا يحايد بل هو ، كما يقول بعض من حَقَّقَ ، لرسالة الختم يعاضد ، وعنوانه أبدا في نَقْلِ المبنى وعقل المعنى ، عنوانه أبدا : جيلُ الرسالة المقدَّم ، مَنْ سَبَقَ في الإيمان فهو الأول ، فلهم في الباب درجة لا تُنَالُ فهي اختيار واصطفاء وإن تَلَا الأول : اختيار النبوة واصطفاءها ، لا جرم كان من حكاية بَعْضٍ أن إجماعهم زمن الرسالة يَنْسَخُ الحكم ، وإن لم يكن ثم إجماع يُتَصَوَّرُ زمنَ الوحي ، فَقَدْ حَدَّهُ أهل الاصطلاح أنه اتفاق المجتهدين من أمة الرسالة بعد انصرام جيلها الأول بقبضِ صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو ما يجعل الإجماع في زَمَنِ التَّنَزُّلِ غَيْرَ واردٍ إذ العبرة بما يَتَنَزَّلُ من نجوم الرسالة فإليها يُرَدُّ كل جديد يحدث ، ولو سكوتا فهو في موضع البيان : بَيَانٌ ، فكان من سكوته في العزلِ ، مثالا تقدم من حديث جابر رضي الله عنه ، كان منه ما يحكي الإباحة وَيَنْفِي الحظرَ ، وكذا يقال في اجتهاد الجيل الأول والوحي يَتَنَزَّلُ ، فَلَوِ اجتهدوا فخالفوا عن الحق ما وَسِعَ الوحي أن يَسْكُتَ ، بل هو يبين ويستدرك إما على لسان صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما أبان لكثير قد اجتهد أن اجتهاده خَطَأٌ ، كما صاحب العقالين في الصيام إذ حمل الخيطين من الفجر على العقالين ، فَلَمْ يُقِرَّهُ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكما اجتهاد عَمَّارٍ إذ قاس الطهارة الترابية الحكمية على نظيرتها المائية الحقيقية فَعَمَّمَ جسدَه بالتراب قياسا على الطهارة الحقيقية إذ يُعَمِّمُ فيها المكلَّف جسدَه بالماء ، فلم يُقِرَّ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا القياس فهو قياس مع الفارق ، قِيسَ فيه الحكمي على الحقيقي .
    فكان الوحي أبدا يستدرك إما على لسان صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو بآي قد تواتر ، كما استدرك في مواضع منها أسرى بدر ، وما كان من عبوس وَتَوَلٍّ في قوله تعالى : (عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) وإن تَأَوُّلًا لمصلحةٍ أرجح بما يكون من إيمان الملإِ فالناس لهم تَبَعٌ إما في التقوى وإما في الفجور إذ النَّاسُ على دين الملوك .
    فَلَوْ أجمعَ الجيل الأول عَلَى فِعْلٍ أو تَرْكٍ زَمَنَ الرسالة فإن الحجة لا تكون في إجماعهم مجردا من إقرار الوحي ، فسكوته في نفسه وقد أجمعوا على الفعل أو الترك ، سُكُوتُهُ في هذه الحال هو مستند الإجماع الناسخ ، فَهُوَ البيان إذ السكوت في موضع الْبَيَانِ ، كما تقدم ، بَيَانٌ ، ولو إِقْرَارًا يسكت وهو دون قولٍ يُصَرِّحُ ، ولكنه في نفسه يجزئ ، لا جرم قال بَعْضٌ إن الوضوء من لحم الإبل قد نُسِخَ بإجماعِ الخلفاء الأربعة على تَرْكِهِ ، فَيَبْعُدُ أنهم قد أجمعوا على الترك فخالفوا عن النص الموجب للوضوء ، فَيَبْعُدُ أنهم قد أجمعوا وليس ثم مستند من نَصٍّ ، ولو سكوتَ الوحي ، وإن جازَ لمخالف أن يستدرك كما الحنابلة والظاهرية ، رحمهم الله ، أن إجماعهم على التَّرْكِ حادث بعد انقضاء الوحي فلم ينظر في تَرْكِهم وهو يَتَنَزَّلُ فأقرَّهم على التَّرْكِ ، فكان من ذلك مستندٍ إليه قد رُدَّ إجماعهم على التَّرْكِ ، بل ذلك مما حَدَثَ بَعْدَ انقضاءِ الوحي ، وليس ذلك الإجماع المعتبر ، وإن كان لإجماعِ الخلفاء الأربعة ، رضي الله عنهم ، من المكانة ما يجاوِزُ به مطلقَ الاتفاقِ فهو اتفاق ذو اعتبار حَالَ الترجيح ولكنه لا يَبْلُغُ حَدَّ الإجماع الصريح فليس اتفاق المجتهدين كافة لا جرم ثَبَتَ الخلاف وَنُقِلَ فلو كان إجماعا ما كان ثم خلاف يُنْقَلُ في المسألة ، بل المخالِف في هذا الموضع يستصحب النص الآمر بالوضوء من لحم الإبل ، فَعَلَى الناقل الدليلُ مخصِّصا أو ناسخا ، فإجماع الخلفاء الأربعة من هذا الوجه دعوى لا تَبْلُغُ حَدَّ الإجماع في الاصطلاح فهي الناقلة عن الأصل المستصحبِ من دليلٍ أول فلا بد لها من قرينة تشهد إذ لا تصلح في نفسها قرينة فليست إجماعا عاما قد سَلِمَ من المخالِف ، بل قد كان من الخلاف ما ثَبَتَ ، وقد يقال من وجه إنه يبعد بل يحال أن يجمع الأربعة ولهم من منصب الولاية ما يَعُمُّ به الحكم ، فَيَبْعُدُ أن يجمعوا وليس لهم من ذلك مستند معتبر يجاوز حد الاجتهاد صرفا للأمر عن الإيجاب إلى الندب ، فينسخ أمر الإيجاب الأعلى دون آخر من الندب أدنى ، فلهم ، كما تقدم ، من فِقْهِ النَّصِّ ما هو أخص بما استجمعوا من بَيَانِ اللسان وشهود التَّنْزِيلِ فَعَقَلُوا من المعنى ما صَيَّرَ لهم في الإجماع أو الخلاف رُتْبَةً أَعْلَى ، فهم ، كما تقدم ، معدن الإجماع المعتبر فَلَهُم من الخيرية وصف مطلق ، وقد سَهُلَ اسْتِقْرَاءُ أقوالهم في الباب إذ جمعهم مصرٌ واحد ، لا سيما في خلافة الشيخين ، رضي الله عنهما ، حتى قَصَرَ بَعْضٌ ، كما تقدم ، قصرَ الإجماعَ المعتبرَ الذي يَنْضَبِطُ على الإجماع في عصرهم ، سواء أكان إجماع القول أم السكوت ، والثاني إلى الذهن أَقْرَبُ ، كما في الخبر آنف الذكر ، إذ يكون القول من واحد لا سيما في مشهد عموم قد اسْتَغْرَقَ ، كما قول عمر ، رضي الله عنه ، وهو على المنبر يخطب ، فثم أهل الإجماع المعتبر بين يديه يسمعون ، وثم من القرينة إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فَلَوْ كان في القول ما يخالف عن الحق في نفس الأمر ، ما وسعهم السكوت فذلك وقت الحاجة ، أَيِّ حَاجَةٍ ، فلا حاجة أعظم من حاجة الأمة أن تَسْتَبِينَ حكمَ الوحي في موضعِ إباحةٍ أو حظر ، وذلك ، كما تقدم ، محل تَوْقِيفٍ في حكايته ، كما يحكي عمرُ إباحةً أو حظرا ، فيحكي تحريم الخمر يوم نَزَلَ من أجناس معهودة في زمانه ، فلا يحكي تحريما أَنَّهُ وحي قد تَنَزَّلَ ، وهو ، مع ذلك ، مجتهد يرجح ، فقوله كَرَاوٍ يَنْقِلُ الحكم ليس كقوله مجتهدا في الحكم ، إن قَاضِيًا أو مُفْتِيًا أو فقيها يُدَوِّنُ ما تَرَجَّحَ من مذهبه ...... إلخ ، فَكُلُّ أولئك مِمَّا يَجْرِي مجرى التَّوْقِيفِ عَلَى صاحبِه فلا يجاوز الاجتهاد إلى الْإِنْزَالِ : إِنْزَالِ الحكم شريعةَ تَوْقِيفٍ لا يقال مثلها بالرأي ، فلا يحكي عمر في الخبر محل الشاهد ، لا يحكي القول أنه وحي وهو مع ذلك يجتهد وَيُرَجِّحُ ، فقوله ، بداهة ، ليس وحيا ، بل غايته أَنْ يَنْقلَ الوحيَ ، فيكون مرفوعا إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم حقيقةً أو حكمًا ، على خِلَافٍ فِي هذا الموضع ، فَثَمَّ مَنْ أَجْرَاهُ مجرى المرفوع صراحة إذ ذَكَرَ من التَّنَزُّلِ قَرِينَةً تجاوز بقوله أن يكون موقوفا أو مرفوعا حكما إذ لا يقال بالرأي ، فَقَدْ صَارَ من المرفوع صراحة بما كان من ذكر التَّنَزُّلِ ، وما كان تاليا من ذكر صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ختامَ الخبر ، فـ : "ثَلَاثٌ أَيُّهَا النَّاسُ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ: الجَدُّ ، والكَلالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أبواب الرِّبَا" ، فلا يكون التَّنَزُّلُ بَدَاهَةً إلا في عصرِ الرسالةِ إذ انقطع الوحي بعد انْقِضَائِهَا ، فكلام عمر في هذا الموضع حكايةُ مرفوعٍ لا يقال بالرأي ، فليس الاجتهاد المحتمل ، فكان من قوله مَرْفُوعٌ يَتَرَاوَحُ ، كما تقدم ، بين الصراحة والحكم ، وهو إلى الصراحة أقرب في هذا الموضع ، وثم من الإجماع قَرِينَةٌ تعضد الرواية ، فقد اجتمع في هذا الموضع دَلِيلَانِ : المرفوع الصريح أو الحكمي ، من وجه ، والإجماع الذي ينضبط لوجوه فهو يَرْجُحُ أَيَّ إجماعٍ تال ، إذ انضبط الإجماع في هذا الجيل ما لم ينضبط بعده ، وقد حَدَّهُ بَعْضُ من حَقَّقَ ، حده بِمَا تَقَدَّمَ من مقتلِ عمر ، رضي الله عنه ، إذ انتشر الصحابة بعده في الأمصار فقد تَوَسَّعَ الفتح ما لم يتوسع زمنَ عمر ، أو قد يُقَالُ ، من وجه آخرَ ، إن حاجة الناس في الأمصار المفتوحة بعد استقرار الفتح الذي كان زمن عمرَ ، إن حاجتهم إلى مَنْ يُفَقِّهُهُم في أَمْرِ دِينِهم قد ظهرت بعد استقرار الفتح ودخولهم في دين الحق ، فكان إذن عثمان ، رضي الله عنه ، أن يَنْتَشِرَ القرنُ الفاضل ، لا سيما المجتهدون الأوائل ، وهم أهل الحل والعقد والإجماع بين يدي عمر ، رضي الله عنه ، وهو يخطب أو يفتي أو يَقْضِي أو يَرْوِي مرفوعا من الصريح أو الحكمي ، فهم أهل الإجماع سكوتا أو تصريحا ، فلا يجمعون عَلَى باطلٍ من رواية أو دراية ، من نَقْلٍ أو فِقْهٍ ، واستقراءُ أقوالهم ، ولو بالسكوت في موضع البيان فهو بَيَانٌ ، استقراء أقوالهم مما يسهل إذ قد جمعهم مصر واحد بل ومسجد واحد فهم مجمع يَفْزَعُ إليه عمر فيما يجد من نَوَازِلَ فيجمع لها أهل الشورى أو يرسل إليهم فقد جاوروه في حاضرة الرسالة الأولى ، وهو ما كان أولا زَمَنَ الصدِّيقِ ، رضي الله عنه ، فَكَانَ يُرْسِلُ إلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار إذا جَدَّتْ واقعة أعند أحدهم من الخبر عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها أَثَرٌ ، فَيَسْتَفْتِيهم في الرواية ، ثم يكون من الاجتهاد آخر في الدراية ، وهو ما يكون من واحد أو آحاد فلا يجتهد الجمع كافة ، بل الغالب أن يجتهد بَعْضٌ لَهُمْ من أدوات الاجتهاد ما يَنْصَحُ ، وثم جمع يشهد فَيَسْكُتُ فِي موضع البيان مع انْتِفَاءِ الشبهة ، شبهة الإكراهِ أو الممالَئَةِ ، فذلك ، بداهة ، مما انْتَفَى فِي الصدر الأول ، إذ له من وصف الخيرية ما تَقَدَّمَ ، خيريةً مطلقةً فلا يخافون في الله ، جل وعلا ، لومة لائم ، فلا إكراهَ يُرْهِبُ ولا عطاءَ سلطانٍ يُرَغِّبُ ، بل ثم منهم من استدرك على عمر وهو يخطب ، كما سلمانُ إذ اعْتَرَضَ على إزاري عمر ! ، وكما المرأة في مهر النساء ، وذلك ما كان اجتهادا من عمر فلم يكن مرفوعا كما خَبَرُ الخمرِ آنف الذكر ، بل ثم ترجيح قَيَّدَ به عمر ، رضي الله عنه ، بعض ما أُطْلِقَ من المباح ، فَلَهُ من النَّظَرِ حَظٌّ مُعْتَبَرٌ ، وقد يجري مجرى المصلحة ادِّخَارًا في النَّفَقَةِ ، فَقِيلَ في مواضع من الفقه والأصول إن لصاحب الولاية الشرعية أَنْ يُقَيِّدَ بَعْضَ ما أُبِيحَ استصحابا لا ما أُبِيحَ بِنَصٍّ ، فَإِنَّ ثَمَّ من المباح مُبَاحٌ عقلي بما يكون من استصحاب أول فذلك ما يجوز تقييده للمصلحة الراجحة المعتبرة بمعيار الشرع المحكم أن يُوَاطِئَ القيد من أصوله ومقاصده ما نصح واستقر عنوانا كليا في الباب بما يكون من استقراء لفروع الأحكام فتلك ، كما تقدم ، روح التشريع الأعم ، وهي ، كما يقول بَعْضُ مَنْ نَظَرَ وَتَدَبَّرَ ، وهي ليست بمناط اختلاف أو امتياز به يستبين القدر الفارق بين الأديان والمذاهب فالكليات الجامعة ليست بمحل خلاف عند أصحاب العقول الناصحة خلاف من جحد أو سفسط فليس إنكاره بداهة بمحل اعتبار كمن يجادلك في حُسْنِ الصدق وَقُبْحِ الكذب فمفارقته أولى من مجادلته ! ، فليست تلك الكليات بمحل امتياز فقد أجمع عليها العقلاء كافة ، وإنما مناط الاختلاف ، كما يقول بَعْضُ مَنْ دَقَّقَ ، هو تأول هذه الكليات الجامعة بإخراجها من القوة النظرية المطلقة في الذهن إلى الفعل العملي المقيد في الخارج ، فلا يكون ذلك إلا بمنهاج يُفَصِّلُ في الفروع بما يواطئ الأصول وبه تمتاز الفروق بين الأديان والمذاهب ، بين الرسالة والحداثة مناطَ خصومةٍ لا يَزَالُ يَتَكَرَّرُ في كلِّ موضعٍ ، فهو معدن الخلاف أبدا بين النبوات وَمَنْ نَاصَبَهَا العداءَ على قاعدة المفاصَلَةِ في الجدال ، فـ : (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، فما أبيح باستصحاب الأصل الأول ، فتلك البراءة الأصلية في بابها إذ الذمة شاغرة فلا تُشْغَلُ إِلَّا بِنَصٍّ ، فما كان من إباحة بهذا الوصف ، وهو ما اصطلح بَعْضٌ أنه الإباحة العقلية فَلَمْ تَثْبُتْ ، بَادِيَ أمرِها ، بدليل من النقل أخص ، فما كان منها فهو ، كما يقول أهل الشأن ، مما يُرْفَعُ بحكمٍ جديد يستأنف فلا تُنْسَخُ إذ لا يُنْسَخُ النَّسْخَ الشرعيَّ المعهودَ إلا ما ثَبَتَ أولا بدليل منقول ثم كان ثان من النقل أيضا ، فهو ينسخ الأوَلَّ المتقدِّمَ ، فينسخ النص بالنص إذ لا يكون نسخ باجتهاد ولا يثبت النسخ بمحض احتمال ، وما كان منها ، أي الإباحة العقلية آنفة الذكر ، فهو مما يُبَاحُ لولي الأمر الناصح لا السفيه الجاهل ! ، مما يُبَاحُ له أن يقيد منه بعضا لمصلحة راجحة على التفصيل المتقدم ، خلاف ما يثبت أولا بدليل شرعي محكم فلا يجوز له من تقييده ، ولو لمصلحةٍ يَتَوَهَّمُهَا ، لا يجوز له من تقييده ما يجوز في الأول ، فلا يقول قائل إن تعدد النكاح مباح في الأصل فجاز لولي الأمر أن يقيده كما سائر المباح رعايةً للمصلحة العامة زعمَ صاحبُ القول ! ، فإن ذلك مما ثبت ابتداء بنص الشرع مطلقا أن : (انْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) ، فلم يقيد إلا قيدا أخص وهو ما ثبت بالنص لا بالهوى والذوق ، فـ : (إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) ، فذلك قيد أخص يُنْظَرُ فيه إلى حال المكلَّف نفسه لا شرعا عاما يستغرق فيكون منه تقييد لما قد أباح الوحي بل وَحَظْرٍ له وعقابٍ يَنْزِلُ بمن خالف فذلك من تعطيل الوحي المنزل واستبدال آخر من الوضع المحدَث به تأويلا آخر لخصومة الرسالة والحداثة إذ تأبى الأخيرة أن تَنْقَادَ لمرجع من خارج يجاوز وَإِنْ نَصَّ الوحيِ الناصح ، بل ذلك أول ما تخاصم وتنازل ! إذ وحده ما يملك صحة نقل وصراحة عقل تطرد في الأصل والفرع فتبطل ما زعمت الحداثة أنها عنوان الحقيقة الأول بل والأوحد ! ، وذلك ما قد يجيب به بَعْضٌ فَيُرَجِّحُ ما قالت المرأة فإن عمر ، رضي الله عنه ، لم يُقَيِّدْ ما اسْتُصْحِبَ أولا فأبيح براءةً أصليةً ، وإنما اجتهد الاجتهاد المرجوحَ في هذا الموضع فَقَيَّدَ بَعْضَ ما أُبِيحَ نَصًّا فكانت إباحته مطلقة ، فـ : (إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) ، فكان من اجتهاد عمر ما لا يجري مجرى المرفوع لا صراحة ولا حكما ، بل هو من الموقوف عليه لفظا وحكما فهو اجتهاد في الباب يرجح ، وثم أهل الإجماع بين يديه يسمعون ، ولا شبهة من إكراه أو ممالئة ، فلو سكتوا في هذا الموضع لكان الإجماع السكوتي المعتبر إذ يسهل ضبطه ، وَلَعَضَدَ اجتهاد الصحابي فَصَيَّرَهُ من القطعي ، فهو ابتداء من الظني الذي يحتمل إذ لم يَحْكِهِ الراوي حكايةَ الخبر ، فإذا انضاف إليه الإجماع فذلك ما يجاوز به الظن إلى القطع ، فالإجماع يُرَجِّحُ الظني المحتمل فيصيره من القطعي المنجزم ، كما المثل يضرب بزيادات في أخبار لا تصمد بالنظر في إسنادها وإنما انضاف إليها من قرينة الإجماع ما عضد ، كما زيادة : "إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ" ، في خبر : " إِنَّ الْمَاءَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ" ، فهي ضعيفة قد اعتضدت بالإجماع على العمل بها ، فَلَوْ سَكَتَ أهل الإجماع بين يدي عمر ، رضي الله عنه ، وهو يقيد مهور النساء ، لكان ذلك إجماع السكوت ، وهو ما لا يكون إذ خالف الاجتهادُ عن المنقول وليس ذلك ، بداهة ، بقادح في المجتهِدِ إذ ليس يُعْصَمُ ، فلا يأثم المجتهد إذا أخطأ ما لم يكن ثم تفريط في استقراء المباني أو استنباط المعاني ، وهو ما لم يكن من عمر ، رضي الله عنه ، بما قد عُلِمَ ضرورةً من سيرته ، فلا يأثم المجتهد إذا أخطأ فخالف عن نص ، فقوله يُرَدُّ والنص أبدا يقدم ، فلا إثم إذا تحرى في الاجتهاد ، في الاستقراء والاستنباط ، خلاف مَنْ قَالَ بتأثيمِ المجتهدين ، كما بَعْضٌ من أهلِ الاعتزالِ ، فَقَدْ فَرَضُوا ما ليس بكائن : أَنَّ كُلَّ مسألة في الدين فعليها دليل ظاهر ناصع ! ، فليس ذلك بثابت ولو ثَبَتَ لَانْتَفَتْ فضيلة الاجتهاد إذ استوى الخلق كافة في العلم فَأَيُّ رَفْعٍ يكون لمن أوتي العلم إذ اختصه الوحي بالذكر ، وكان من "مِنْ" في "مِنْكُمْ" في قوله تعالى : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، كان منها دلالة تبعيض ، فليس الخلق كافة من أولي العلم ، وذلك ما يثبت في الخارج ضرورة لا ينكرها إلا جاحد أو مكابر ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ العلم بكل مسألة مما يظهر فلا يخفى على أحد ، ما كان ثم عُذْرٌ بجهل لا في أصل ولا في فرع ، وَلَأَثِمَ مَنْ خالف مطلقا ، وذلك مما يوقع الخلق في الحرج أَيِّ حرجٍ ، وهو مما يخالف عن نص الخبر أَنْ : "رُفِعَ عن أُمَّتي الخطأَ والنِّسيانَ وما استُكْرِهوا عليهِ" ، وذلك ما أطلق فاستغرق الخطأ في الأقوال والأفعال كافة ، ومنها ما يكون من اجتهاد في نَوَازِلَ تدق ، فَلَوْلَا دِقَّتُهَا ما تَفَاوَتَ فِيهَا النظر ، فَثَمَّ من الأدلة ما أقيم عليها ، ولكنها قد تخفى إما نقلا وإما عقلا فيكون من وجه الاستنباط ما يدق ويخفى فلا يدركه إلا من دَقَّقَ وَحَقَّقَ ، فيكون لمن أصاب أجران ، ولمن أخطأ واحد لا أَنْ يُقَالَ إنه آثم ، بل قد يخفى عليه بَعْضُ ما ظهر ، فلا يكاد يسلم من السهو أحد ، كما عمر ، رضي الله عنه ، وقد خفي عليه ما لم يخف على المرأة .

    والله أعلى وأعلم .


  4. #4
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-05-2022
    الساعة:03:09 PM

    المشاركات
    5,118
    العمر
    44

    فكان من التعارض بين النص الذي احتجت به المرأة في حد ، واجتهاد عمر في آخر إذ قَيَّدَ بَعْضَ المباحِ ، وهو ما قد يجري ، من وجه ، مجرى اجتهاد أعم ، فهو ينظر في المصلحة ، وهي عنوان يجاوز القياس ذا الأركان والحدود المؤطَّرة ، فالمصلحة أوسع إذ هِيَ إلى الْحِكَمِ والمقاصدِ العامة أَقْرَبُ ، فَفُسْحَةُ النَّظَرِ في المصالح أوسع منها في القياس على أصل منصوص ، فما رُدَّ إِلَى نَصٍّ فَهُوَ أَضْيَقُ إذ ثَمَّ مِنْ مَعْنَى العلة أخص ، وهي الظاهرة المنضبِطَة الانضباطَ الصارم خلاف الحكمة في المصلحة فَمَرَدُّهَا ، وإن إلى نص ، فهو نص عام يجاوز الأصل المخصوص ، فَثَمَّ نص عام يحصل في الفقه مقصدا عاما في بابه ، كما في عنوان مُتَوَاتِرٍ من الوحي أَنْ : (تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ، وكما من وصف النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه بما له من منصب التشريع بلاغا وبيانا ، أَنَّهُ الذي : (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، وكما من آخر لا يخلو من اجتهاد في الاستنباط إذ يَسْتَقْرِئُ الناظر جمهرة كثيرة من الفروع حتى يخلص إلى حكمة عامة تحكي رُوحَ التَّشْرِيعِ ، وهي مرجع المصالح إذ ما نَزَلَتِ الشريعة إلا لحفظ هذه المقاصد الجامعة ، فكل ما رفدها فهو محل اعتبار ونظر ، وكل ما خالف عنها فهو محل إهمال وَتَرْكٍ فَيُلْغَى .
    وَذَلِكَ أَمْرٌ ، لو تدبر الناظر ، مما يفتقر إلى صحة في القصد وأخرى في النظر إذ يستقرئ الاستقراء التام أو الغالب ، ويحرر القصد فلا يَتَّخِذُ المصلحةَ ذريعةً إلى هوى أو ذوق يَسْتَحْسِنُ بِهِ وَيَسْتَقْبِحُ ، فَمَرَدُّهُ أَوَّلًا إلى غَيْرِ الوحي ، وَإِنْ تَذَرَّعَ الناظر أنه طالبُ المصلحةِ ، وهي محل اعتبار في الوحي ، فتلك ذريعة مشروعة إذ ما نَزَلَ الوحي إلا لتحصيل أكبر قَدْرٍ من المصالح المعتبرة ودفع أكبر قَدْرٍ من المفاسد المعتبرة ، فذلك محل إجماع بين العقلاء كافة ، فكلُّ دينٍ أو مذهب يَنْتَحِلُ هذه الدعوى أصلا عاما عنه يَصْدُرُ فِي تَشْرِيعَاتِهِ ، فليس بهذا الأصل المجمل يحصل الفرقان بين المذهب والمذهب ، بل ثم شَرِيعَةٌ بِهَا تَأْوِيلُ القوَّةِ العلميةِ المجرَّدَةِ في بَابِ المصالحِ والمفاسدِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنَ القوة النظرية في الذهن إلى أخرى عملية في الخارج ، فيكون من الفروع حكايةٌ تُصَدِّقُ ، وَهِيَ ما يُسْتَقْرَأُ اجْتِهَادًا يطلب المناط الأخص في باب القياس ، والمناط الأعم في باب المصلحة ، والخاص ، كما يقول أهل الشأن ، قَطْعِيٌّ يَقْضِي في العام الظني ، لا جَرَمَ قُدِّمَ القياس على المصلحة ، فالقياس أدق في النظر إذ يَأْرِزُ إلى منصوص معين ، فهو أصل خاص لا مقصد عام قَدِ اسْتُنْبِطَ من جملةِ نُصُوصٍ ، فالمقصد أعم ، وهو محل اعتبار في باب المصالح إلا أنه أَضْعَفُ دلالة من القياس ، إذ مناط القياسِ عِلَّةٌ أخص وأقوى في الدلالة مِنْ مَنَاطِ المصلحة حكمة أَعَمَّ ، فَلَا اعْتِبَارَ بِمَصْلَحَةٍ يَتَوَهَّمُ الناظر فيها معنى معتبرا وهي ، مع ذلك ، تخالف عن أصل منصوص ، فالعام لا يعارض الخاص ، بل الأخير قاض في الأول بما له من دلالة أخص في الباب فهي تخصص العام فلا تعارض إذ المئنة القاطعة تقضي في المظنة الراجحة .
    ولا اعتبار بمصلحة تَأْرِزُ إلى أصلٍ ومقصد كُلِّيٍّ إذا خالفت عن أصل أرجح في اعتبار الشرع المحقق بما كان من نظر عام يستغرق فانتهى بالناظر أن يحصي جملة مقاصد رئيسة ، وأن يُرَتِّبَهَا تَرْتِيبًا صحيحا ينصح إذ يسلك بها جادة الحكمة فيُقَدِّمُ ما حقه التقديم ويؤخر ما حقه التأخير ، فيجري الباب مجرى التراجح بين الأصول والمقاصد ، كَمَا لَوْ تَعَارَضَ أصل أول وهو حفظ الدين المنزل مع ثان وهو حفظ النفس ، فإذا تَعَارَضَا وَتَعَذَّرَ الجمع قُدِّمَ الأول .

    فالأمر ، كما تقدم ، يَنْضَبِطُ فلا اعتبار بمصلحة تخالف عن مقصد عام أو أخرى تخالف عن نَصٍّ خاص ، وإن اجتهد الناظر اجْتِهَادَ الناصح الذي يروم الحق بِدَلِيلِهِ ، كما كان من عمر ، رضي الله عنه ، إذ اجتهد في مهور النساء فَقَيَّدَ بَعْضَ المباحِ ، ولكنه خالف عن المنصوص ، فـ : (إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) ، فالمعيار المحكم في أي نظر يستنبط سواء أكان قياسا ذا مناط خاص أم استحسانا أم مصلحة أم سد ذريعة ، فتلك معقولات ذات مناط عام ، المعيار المحكم ألا يخالف الْقَائِسُ أو النَّاظِرُ عن النص ، فَهُوَ الأصل : أصل الشريعة ، وذلك المرجع المجاوز لعقول المجتهدين كافة ، فلا يُخَالِفُ الأدنى عن الأعلى ، فالعقل ذو مدارك محدودة لا تجاوز الحس الشاهد ، فَعَمَلُهُ في نطاقِ الغيبِ لا يكون إلا التسليم لما صح من نص الوحي ، مرجع الصدق ورائد النصح الذي لا يكذب أهله ، إذ هو ، كما تقدم مرارا ، الأنصح والأعلم والأفصح ، فَنُصْحُهُ أَنْ كَانَ من غَنِيٍّ لَا يُتَّهَمُ بالنقص أن يَتَذَرَّعَ بِالتَّأْوِيلِ فِي سِيَاقِ التَّبْرِيرِ : تَبْرِيرِ مَا بِهِ يسد الحاجة والفقر ، فالعقل إذا رُدَّ إلى ذَاتِهِ فلا يخلو من نَقْصٍ ، ولا يخلو من باعث هوى وذوق ، ولو خفيا ، فلا تكاد تسلم منه النفوس إلا ما عصم من محال النبوة التي صُنِعَتْ عَلَى عَيْنِ الاصطفاء : قُدْرَةً وحكمةً ، فكمالها إذ أُعِدَّتْ لِتَحْمِلَ المادة الرسالية الشريفة ، كمالها من كمال القدير الذي جَبَلَهَا ، الحكيم الذي اخْتَارَهَا ، فلا تسلم عامة النفوس من الهوى والحظ ، فذلك الأصل المطرد ، بما جبلت عليه النفوس من الشح والأثرة ، فلا اعتبار بما خالف فهو قليل أو نادر بما كان من سببٍ من خارجٍ ، سبب الاصطفاء عصمةً بها تُسَدُّ الذريعة إلى التشكيك في التبليغ والتبيين ، فَذَلِكَ ما لا يكون بداهة إلا لخاصة هم آحادٌ اصطفاهم الله ، جل وعلا ، أن يحملوا مادة الوحي والنبوة مع حصول الوصف البشري جِبِلَّةٍ لا تخلو من نقص ، وإن لم يستجلب لصاحبه الذم الشرعي ، فالنبي لا يعلم من الغيب إلا ما قد عُلِّمَ لِيُبَلِّغَ وَيُبَيِّنَ ، وانتفاء العلم أو الجهل بما غاب عن الحواس والمدارك ، ذلك نقص لا يسلم منه مخلوق ، وإن المحل الرسالي المعصوم ، وبه استبان قَدْرٌ فَارِقٌ رَئِيسٌ بَيْنَ الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فالخالق وحده من أحاط بالمعلومات كَافَّةً ، وذلك مناط أعم قد جاوز الواجب والجائز فاستغرق المعدوم من الممتنع أو المحال ، ولو المحال لذاته الذي لا يجاوز في العقل حَدَّ الفرض المحض ، فذلك العلم المحيط ، وَلَيْسَ تُدْرِكُ الرُّسُلُ ، عليهم السلام ، من ذلك إلا ما قد عُلِّمَتْ ، فَلَئِنْ أخبرت بجملة من الغيوب منها ما يجري مجرى الإعجاز ، ومنها ما يُبِينُ عن محالِّ إجمال وإشكال ، فَيُجِيبُ عن سؤالات المصير الملجئة ، ويرشد الخلق إلى محالِّ تصديقٍ مخصوص بها كمال القوة العلمية الباعثة التي تحصل أَوَّلَ ما تحصل في الجنان ، وعنها تصدر قوى الحب والبغض وما يكون منها من إرادة الفعل والترك فهي بَوَاعِثُ لما يظهر من أفعال الجوارح وَتُرُوكِهَا ، فلا ينفك العلم : إن العلم بالخبريات المصدَّقة أو الحكميات المعدَّلة ، لا ينفك العلم تظهر آثاره في الخارج في أفعال الجوارح وتروكها مَعَ ما جاء من شرع محكم فَبِهِ تأويل القوة العلمية الباعثة والحركة الإرادية الباطنة ، فالشريعة قد جاءت بنصوصٍ مخصوصة من الخبر والحكم تصدق المركوز الضروري في النفس توحيدا في التصور وعدلا في الحكم ، فذلك أصل أول قد أُجْمِلَ في الفطرة فجاءت بِبَيَانِهِ الشرعةُ ، فَثَمَّ من الأصول أو المقاصد العامة ما قد رُكِزَ فِي الوجدان ضرورةً علمية ملجئة ، فَلَا يحصل التمايز بَيْنَ الأديان والمذاهب بمحال الإجماع المجمل ، كما قَرَّرَ بعضُ من حَقَّقَ ، وإنما يكون التمايز في مواضع الخلاف المفصَّل ، إذ به إخراج القوى التصورية والحكمية من النظر المجرد في الذهن إلى الفعل المحقق في الخارج ، فالوحي يُرْشِدُ النفس إلى عناوين الصدق العلمية التي تصحح القوى النظرية التصورية ، وَيُرْشِدُهَا إلى عناوين العدل الحكمية التي تصحح القوى العملية المصدِّقة ، إذ تصدق دعوى التصور الباطن بما يكون من بَيِّنَةِ القول والعمل في الظاهر ، فكان من قصد الوحي ونصحه أَنْ رَفَدَ العقل بعنوانِ غَيْبٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرَكِهِ ، فخوض العقل منفردا في الغيبات مظنة الضلال إذ يقيس الغائب على الشاهد بما قد جاوز المعاني المجردة أصولَ دلالةٍ محكمة في الذهن ، كما أن إقحام الوحي في مدارك الشهادة بما جاوز الغاية من التشريع المحكم ، وبعضا من أخبار بها إعجاز الخبر يثبت لا عن استقراء تام فلم يأت الوحي ليعالج مسائل التجريبيات والطبيعيات ، وإنما أَشَارَ إلى بَعْضٍ في مضرب مثلٍ أو إعجاز خبرٍ ، كما أن إقحام الوحي في مدارك الشهادة على التفصيل آنف الذكر مما يضر بالوحي ولا ينفع ، كما يقول بعض من حَقَّقَ ، أن يَقْضِي بما يكون من تحريفٍ زِيدَ فيه بما سطرت أيدي الكهنة فَتَحَكَّمُوا وَصَيَّرُوا ظنونهم في التجريبيات التي تدرك بالحس وما اكتشف بَعْدًا بالبحث إذ يطيقه العقل ، صَيَّرُوهَا نصوصًا محكمة تَقْطَعُ فِي مسائلِ خَبَرٍ لا تكذب ، فذلك وصف الخبر الرسالي ، فَانْتَحَلُوا منه ما كَسَوا به مظنوناتهم التي لا تقطع لحاءَ القطع والجزم المحقق ! ، فكان من البحث ما نَقَضَ ، وهو ما إلى الوحي قد نُسِبَ ، وليس منه في شيء ، فذلك شرع مبدل أو آخر مؤول لا الشرع المنزل الذي أفاد خبرُه الصادق القطعَ .

    فَعَمَلُ العقل في مدارك الغيب بما يجاوز المجمل الفطري الأصيل وما كان من رافد الوحي المبين بما نصح من أدلته المحررة التي تفيد القطع ، عمل العقل في الغيب بما جاوز ما تقدم مما يضر ولا ينفع وهو مِمَّا تذرعت به الحداثة إذ سارعت فَسَادَ نِيَّةٍ وَسُوءَ قَصْدٍ ! ، إذ سارعت أن تُسْنِدَ هذه المظنونات العقلية الخاطئة ، مظنونات ما زاد الكهنة مما استحسنوا أو رَجَّحُوا في مسائلِ تجريبٍ تحتمل ، فَسَارَعَتْ أَنْ تُسْنِدَ هذه المظنونات الخاطئة إلى الوحي تَذَرُّعًا إِلَى نَقْضِ مرجعِه المجاوز من خارج أَنْ تُبْطِلَ حجته فهو يخطئ فلا ينهض دليلا صحيحا صريحا سالما من المعارِض المعتبر إذ ما دخله الاحتمال فقد سقط به الاستدلال ، بل قد ثَبَتَ الخطأُ وَجَاوَزَ حَدَّ الاحتمال المجرد ! ، وليس ذلك يلزم الوحي المحكم إذ لم يَنْزِلْ لَهَا شارحا يستجمع آحاد المسائل وَدَقَائِقَهَا ، فليس كتاب طب أو فلاحة ..... إلخ ، وإنما هو كتاب شريعة وهداية ، فكان من رَدِّ الفعل المجاوز الذي رَدَّ الظلم بآخر ولم يحسن يسلك جادة العدل فضيلةً بين رذيلتين ، فكلاهما قد قارف الظلم إِنْ إِفْرَاطًا أو تَفْرِيطًا ، فكان من رَدِّ الفعلِ أَنِ اسْتَرَدَّ العقل مساحة البحث في التجريبيات بما دق من بحثها ومسائلها وذلك حق ، ولكنه قد جاوز فَتَقَحَّمَ مساحة الغيب الذي لا يثبت إلا بخبر صحيح صريح قد خرج ناصحا من مشكاة الوحي ، فكان من قياس الغائب على الشاهد ، وكان من التأويل لأخبار الغيب أن تواطئ مدارك الحس مع اختلاف الدور ، فلكلِّ دارٍ أحكامها ، دار الدنيا المشهودة في حَدٍّ وما غاب بَعْدًا من البرزخ ودار الحساب والجزاء في آخر ، فَقِيسَ الغائب على الشاهد قياسا مع الفارق قد خالف به صَاحِبُهُ عَنْ عنوان الشرع المصدَّق بل وقياس العقل المحقَّق الذي يزعم انتحاله .

    والشاهد أن المعيار المحكم في هذا الباب : ألا يخالف الْقَائِسُ أو النَّاظِرُ عن النص ، سواء أنصح قصده فهو المجتهد المخطئ فَلَهُ أجر كما كان من اجتهاد عمر في مهور النساء ، فاجتهاده لا يخلو أن يجري مجرى المصلحة وإن مرجوحةً فَقَدْ خالفت عن نَصٍّ في الباب ، فلا يجوز تقييده من باب تقييد المباح ، فذلك مباح قَدْ ثَبَتَ شَرْعًا بما تقدم من قوله تعالى : (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) ، فهو نَصٌّ فِي الباب قد جَاوَزَ حَدَّ الأصل أو المقصد المجمل ، فلم يَثْبُتْ بالاستصحابِ برَاءَةً عَقْلِيَّةً أولى فهي مِمَّا يُقَيَّدُ بالمصلحة وإن كان ثم من التخصيص بالقياس أو الاجتهاد في باب المنصوص إلا أنه بداهة دون نظيره في المستصحب بَرَاءَةً بلا دليل مخصوص فَهُوَ النَّصُّ في محل النِّزَاعِ ، كما يقول أهل الشأن .

    فالمعيار المحكم في هذا الباب : ألا يخالف الْقَائِسُ أو النَّاظِرُ عن النص ، سواء أنصح قصده فهو المجتهد المخطئ أم فسد فهو يحتال أن يخالف عن حكومة الوحي بعنوان من الوحي ! ، عنوان المصلحة المطلقة أو الاستحسان بما يجاوز الاستحسان الأصولي المحرر ذا المناط المعتبر إجماعا أو عرفا أو ضرورة أو رجوعا إلى علة في قياس خفي ترجح أخرى في ظاهر من القياس أول ، كما قد ذكر أهل الشأن نقلا عن أصول الحنفية رحمهم الله ، ولهم في الاستحسان باع تطول ، ومنه ما يأرز إلى النص ، وإن حمل عنوان الاستحسان الذي يأرز إلى العقل ، كما يضرب بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ المثلَ بما كان من تقديم أبي حنيفة ، رحمه الله ، الخبر على القياس في حديث : "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فِي صَوْمِهِ، فَلْيُمْضِ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ" ، فقد تَرَكَ الآكل أو الشارب أو المجامِع سهوا في نهار رمضان ، تَرَكَ رُكْنًا من العبادة ، ولو سهوا ، والقياس أن تَبْطُلَ العبادة وإن لم يأثم فتلزمه الإعادة أو القضاء ، كما لو صَلَّى فَسَهَا فَتَرَكَ ركوعا أو سجودا ، فلا يأثم إذ لم يتركه عمدا ، وركعته مع ذلك باطلة فيلزمه أن يأتي بأخرى تجبر ، مع سجود سهو ، إذ الركن جزء من ماهية العبادة في الخارج ، فلا يكون الإجزاء إلا بالإتيان بها في موضعها فلا يجزئ عنها غيرها ، فكذا ترك الأكل والشرب في الصيام ، فالقياس هو القضاء إذ قد فَاتَهُ ركن وهو من الماهية في الخارج جزءٌ رئيس ، فلا تحصل إلا به ، وَفَوَاتُهُ ، عند التدبر والنظر ، فَوَاتُهَا ، وهو مما لا يستدرك في واجب الصوم المضيق فَلَزِمَهُ أن يَقْضِيَ بعدا ، فذلك القياس ، ولكن الخبر قد خالف فجبر ما كان من فوات الركن بلا عوض ، فَتَرَكَ أبو حنيفة القياسَ للخبر استحسانا ، فلولا الحديث لأخذ بالقياس ، كما عنه قد أُثِرَ ، فقد يكون من الاجتهاد ما لا يتقصد صاحبه خلاف النص ، بل يروم اعتبار مصلحة ، ولو مرجوحة لم يعتبرها الوحي ، أو يكون من سد الذرائع ما يزيد فيه عن الحد ، وكلاهما مما قد يخرج عليه قول عمر ، رضي الله عنه ، فرأى المصلحة في تقييد المباح بعضا ، وله ، مع ذلك ، من نصوص الوحي ما يعضد ، فـ : "أعظمُ النساءِ بركَةً أيسرُهُنَّ مُؤْنَةً" ، على كلام معتبر في إسناده ، بل قد نَعَتَهُ بَعْضٌ أنه ضعيف جدا فلا يبلغ حد الضعيف المنجبر الذي يستأنس به إما في فضائلِ أعمالٍ أصولُها قد ثَبَتَتْ بأدلة معتبرة فَاغْتُفِرَ فِي تَوَابِعِهَا ما لم يغتفر فيها ، وإما في مواضع الاحتجاج إذا انجبر بما يضاهي أو يزيد فَبَلَغَ حد الحسن ، وإن لغيره ، فأصله ضعيف ينجبر ، وهو ، مع ذلك ، مناط احتجاج بما انضاف إليه من الجابر ، فَثَمَّ مِنْ نَصٍّ ، ولو متكلَّمًا في إسناده ، ثم منه ما يعضد اجتهاد عمر ، رضي الله عنه ، وإن لم يكن ذلك إيجابا كما قد هَمَّ أن يوجب ، وإنما كان إرشادا وحضا بوصف يحسن فهو مما يلهب ويهيج أن تروم المنكوحة نَوَالَه فتكون ذات البركة العظمى بما قد خَفَّ من المؤنة ، وَرَامَ من آخر سَدَّ ذريعة إلى زيادات في المهر تفحش وهي مما يضيق الحلال ويعسر ، فتكون تلك ذريعة إلى المحرم ، فَرَامَ سد الذريعة من هذا الوجه ، فتلك وجوه اجتهاد معتبرة ، ولو في مقام الاعتذار عن قول مرجوح لا تَكَلُّفَ دليلٍ له يصحح ، فقد أقر لها عمر ، رضي الله عنه ، أنها المصيبة وهو المخطئ ، وإن كان ، بداهة ، يرجحها في العلم والفقه ، وليس ذلك مما يستوجب الرجحان في كلِّ قول ، بل قد يعرض للمرجوح في الجملة ، قد يعرض له في في موضع ما يجعله الراجح فيه خاصة ، وإن كان مرجوجا في غيره بل ذلك وصفُه في عموم قوله وفعله ، كما قال بَعْضٌ في ترجيح الكتب المدونة ، فَإِنَّ تَرْجِيحَ بَعْضٍ على بَعْضٍ ، كترجيح الصحيحين على كتب السنن ، ذلك ترجيح مجموع على مثله ، لا جميع يستغرق الروايات كافة ، فقد يعرض للمرجوح من كتب السنن ما يجعله راجحا يزيد على الصحيحين في بعض الطرق ، وإن تراجحا بين صحيح وأصح ، فكذا المجتهدون ، فقد يكون أحدهم أعلم من الآخر في الجملة ، والمرجوح مع ذلك يعلم من آحاد المسائل ما لا يعلم الراجح ، إذ للأول عناية بالبحث فجمع فيه من الطرق ما لم يجمع الثاني ، وحصل له من القرائن الدلالية ، الروائية أو الدرائية ، ما لم يحصل للثاني ، فرجحه في هذا الموضع خاصة وإن كان مرجوحا في الجملة ، كما حال المرأة وقد استدركت على عمر ، رضي الله عنه ، ما اجتهد فأفتى به على المنبر ، إذ لم يسنده ، بداهة ، إلى الشرع المحكم ، لا صراحة ولا حكما ، فَلَوْ كَانَ ثَمَّ إجماع ، كما تقدم ، لَرَقَى باجتهاده من الظن إلى القطع ، وهو ما لا يكون بداهة في اجتهاد قد خالف عن النص ، وإن من عمر ، رضي الله عنه ، وهو من هو في العلم والفقه ، فلم يَرْجُ عصمةً في القول والفعل ، وإنما يخطئ في مواضع ، ولو قَلَّتْ فغلب صوابه خطأه فلا يخلو من خطأ وإن كان قليلا يُسْتَثْنَى ، كحال كلِّ من اجتهد في القضاء والفتيا .
    فكان من قرينة العصمة ، عصمة الأمة أن تجمع على خطإ أن استدركت المرأة على عمر ، فَانْتَفَتْ في القرن الفاضل شبهة الإكراه أو الممالئة ، بل كان من الاستدراك ولو في إزار الخليفة ، كما تقدم من أَثَرِ سلمان ، فضلا عن فتواه في الشريعة كما في استدراك المرأة ، فَلَهَا فضلُ عناية بالمسألة إذ المهور من أمور النساء ، كما الحمل والرضاع ، فَتِلْكَ قَرِينَةٌ عرضت للمرجوح فَصَيَّرَتْهُ الراجحَ لِمَا له من اختصاص وعناية بالمسألة ، فلم ينعقد الإجماع السكوتي في هذا الموضع ، كما انْعَقَدَ فِي آخر تَقَدَّمَ ، ولم يكن ذلك من المرفوع صراحة أو حكما ، بل هو من الاجتهاد الذي يصيب صاحبه ويخطئ ، فـ : "أصابت امرأة وأخطأ عمر" ، على كلام في إسناد الرواية ، وذلك مما يجري مجرى المقابلة بين شطري القسمة في باب الاجتهاد ، فليس إلا الصواب والخطأ ، وإلا كان التوقف إذا خَفِيَتْ بَعْضُ طرق الرواية أو وجوه الدراية ، أو كان ثم من استواء الأدلة وتكافؤها ، لا في نفس الأمر وإنما في نظر المجتهد إذ لم يظهر له وجهُ ترجيحٍ في المسألة فتوقف ، وقد ظهر لغيره فَقَضَى بما لم يقض به المتوقِّف ، وهو ما يرجع بالحكم إلى القسمة آنفة الذكر ، قسمة الصواب والخطإ ، فليس ثم في نفس الأمر إلا هما ، كما قال من قال مثالا يُضْرَبُ في قسمة الخبر في الاصطلاح المتأخر إلى صحيح وحسن وضعيف ، فليس ثم في نفس الأمر إلا الصحيح والباطل ، فإن الحديث لا يخرج أن يكون مما قال صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو مما لم يقل فليس يصح حديثا إليه يُرْفَعُ ، وإنما هو كذب محض أو خطأ في النقل إِنْ جَاوَزَ به الراوي فَرَفَعَ موقوفا أو وَصَلَ مقطوعا .... إلخ من وجوه الخطإ التي تعلم بالاستقراء وجمع الطرق ، وإن لم يكذب الراوي أو يَتَسَاهَلْ ، وإنما أخطأ فالصحيح خلافه ، فآل الأمر في باب الرواية إلى صحيح وباطل ، فالحسن ، من هذا الوجه ، مما يدخل في حَدِّ الصحيح ، وَإِنْ أدنى درجاتِه ، وذلك الغالب على صَنِيعِ مَنْ تَأَخَّرَ ، فإنهم يلحقون الحسنَ في اصطلاحهم بالصحيح ، فَيَحْتَجُّونَ بِهِ كما الصحيح إذا لم يكن في الباب غيره ولم يكن ثم ضد أرجح في موضع خلاف ، فانفرد الحسن دليلا في الباب ، فهو عند أولئك حجة ، وإن دُنْيَا ، فضلا أن يكون ثم اتفاق فَيَعْضِدُ الحسنُ تَالِيًا في السرد ، يعضد أصلا في الباب هو الأرجح كما الصحيح أصلا في الباب ودونه الحسن فهو يواطئه في الدلالة ، فَرَفَدَهُ في الاستدلال ، ولو نافلة بعد الفرض ، مع ما تقدم من حجية الحسن إذا لم يكن في الباب غيره فَيُلْحَقُ بالصحيحِ من هذا الوجه ، وإنما تظهر فائدة القسمة الثلاثية ، الصحيح والحسن والضعيف إذا كان ثم اختلاف يستوجب الترجيح ، فَيَرْجُحُ الصحيحُ الحسنَ إذا كان ثم اختلاف ولم يكن ثم وجه يسوغ في الجمع ، فذلك أول ما يروم الناظر إذ إعمال الأدلة أولى من إهمالها فإذا تعذر الجمع ولم يُعْلَمِ النسخ أَنْ يكون من القرينة ما يميز المتقدم من المتأخر ، فالمتأخر ينسخ المتقدم أو يخصصه ، كما يقول أهل الشأن ، فإذا كان الأمر كذلك فلا وجه للجمع يسوغ ولا نسخ يعلم إذ ليس موضع اجتهاد فلا يثبت بالظن والاحتمال فهو محل توقيف بما قد عُلِمَ مِنَ التاريخِ : تاريخِ النص ورودا ، فالمتأخر ، كما تقدم ، ناسخ أو مخصص ، فإذا كان الأمر كذلك فالترجيح حتم لازم وفيه فائدة القسمة الاصطلاحية المتأخرة تظهر ، قسمة الصحيح والحسن والضعيف ، فَيَرْجُحُ الصحيحُ الحسنَ وإن كانا جميعا موضعَ حجةٍ فهي مما يتفاوت ، فالصحيح أرجح في الحجية من الحسن ، فلم يخرج الحديث في نفس الأمر أن يكون مما قال صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لم يقل ، فالقسمة تَؤُولُ إلى : صحيح وخطإ ، أو صحيح وباطل ، فالحسن يلحق بالصحيح وإن أدنى درجاته ، وذلك اصطلاح من تأخر ، خلاف من تقدم فالحسن عندهم مما يدخل في حد الضعيف ، فالقسمة عندهم ثنائية فإما صحيح وإما ضعيف ، وليس الضعيف كله خطأ ، بل ثم من الحسن ما لا يخلو من ضعف ، ولو خفةَ ضبطٍ في راويه فذلك ضعف ينزل به عن حد الصحة وإن لم ينزل به عن حد الحجة إذا لم يكن في الباب غيره ، وهو ما اشترط له المتقدمون طريقا أخرى تعضد ، فضعفه مما يحتمل وينجبر بالعاضد على تفصيل في ذلك ، ومحل الشاهد منه أن القسمة ، قسمة الرواية ، لا تخرج في نفس الأمر عن الصحيح والضعيف ، أو الصحيح والباطل ، كما أن قسمة الدراية لا تخرج في نفس الأمر عن الصواب والخطإ في الاجتهاد ، كما في قول عمر إذ أقر بخطإ اجتهاده وأقر للمرأة بصحة قولها في محل قد اتحدت فيه الجهة ، فلا تحتمل ، كما تقدم ، إلا الصواب أو الخطأ ، فَلَيْسَ ثم واسطة ، وإن كان ثَمَّ جمع يسوغ إذا انفكت الجهة فتحمل الأقوال المتعارضة على انفكاك الجهة ، فإذا اتحدت فليس فيها إلا حكم واحد يصح وما خالف فهو خطأ ، وليس ثم واسطة ، كما تقدم ، إلا أن يكون ثم تَوَقُّفٌ في نظر المجتهد لا في نَفْسِ الأمر ، فليس إلا الصواب والخطأ ، وإنما التوقف في مواضع إذا خفي على المجتهد بَعْضُ وجوهٍ من الرواية أو الدراية ، من الاستقراء أو الاستنباط ، أو كان ثم من تساوي الأدلة وتكافؤها في نظره ما أوجب في حقه التوقف خلاف آخر أدرك من الوجوه المعتبرة ما به يرجح فلم يتوقف كما الأول ، وإن كان دون الأول في العلم والفضل فَقَدْ يَعْرِضُ للمرجوح ، كما تقدم ، ما يجعله راجحا في مواضع هي الاستثناء من الأصل ، فكان من القسمة في الأثر : "أصابت امرأة وأخطأ عمر" ، ما جرى مجرى المقابلة بالنظر في شطري القسمة جملةً في مقابل أخرى ، ومجرى الطباق ، طباق الإيجاب بالنظر في الألفاظ ، وإن طباقا غير تام ، فالطباق التام يكون بين المرأة والرجل ، فكان من النص على عمر وهو المخطئ من جنس الرجال ، وإن لم يكن ذلك مناط الصحة والخطإ انْتِقَاصًا من جنس النساء ولو كن بمقتضى الجبلة أنقص عقلا ، فكان من العلة في باب الشهادة : (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) ، فذكر عمر في هذا الموضع يحكي جنس المجتهدين أكثر منه جنس الرجال المطابق لعنوان المرأة الطباقَ التام ، فَثَمَّ طباق آخر يتوجه بالنظر في وصف عمر المجتهد لا عمر الرجل ، فإن وصفه أنه رجل بالنظر في نوعه يُشْبِهُ أن يكون وصفا طرديا لا يؤثر في التعليل ، فلا وصفها أنها امرأة بَيَانًا لنوعِها في الخلقة ، فلا هذا الوصف هو سبب في إصابة أو خطإ ، ولا وصف عمر أنه رجل في نوعِه سبب في ذلك ، وإن كان الرجل أقرب إلى الصحة من المرأة ، فـ : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ، وذلك مما يجري ، كما تقدم مرارا ، مجرى التفضيل جنسا على آخر ، ولا يشترط فيه استيفاء الآحاد جميعا ، فذلك تفضيل المجموع على المجموع فلا يحول دون تفضيل آحاد من الجنس المفضول على آخرين من الجنس الفاضل ، كما تقدم مرارا من أصل قد اطرد في مسائل الترجيح كافة ، إن بَيْنَ الأعيان أو بَيْنَ الأحكام ، فقد يعرض لِلْمَفُوقِ ما يجعله فَائِقًا ، فَيَعْرِضُ للمرجوح في أحيان ما يجعله رَاجِحًا ، وإن كان كلٌّ على أصله ، فجنس الرجال مجموعا يغلب هو لنظيره من النساء يرجح ، وإن كان ثم آحاد من النساء يفضلن آحادا بل وجماعات من الرجال ، كما أن ثم ما يعرض لكتبِ روايةٍ مرجوحة في روايات مخصوصة ما يجعلها رَاجِحَةً ، وإن كان كُلٌّ على أصل محكم ، فالراجح راجح ، والمرجوح مرجوح بالنظر في الجنس العام المستغرق لا بآخر يَتَنَاوَلُ الأفراد ، فقد يعرض لفرد من الجنس المفضول ، كروايةٍ في سنن ابن ماجه مثالا وهو أدنى كتب السنن في الرتبة ، إذ هو أكثرها ضعيفا وموضوعا ، وهو ، مع ذلك ، قد روى بَعْضَ أحاديث عند البخاري ، قد رواها بطرق أصح من طرق الصحيح المسند ، صحيح البخاري ، لا أن البخاري قد رواه بإسناد ضعيف يُرَدُّ فَيَقْدَحُ ذلك فِيمَا قد أُجْمِعَ عليه من صحة الكتاب وصحة ما رُوِيَ فيه في نفس الأمر علما نظريا عندَ بعضٍ فهو يجاوز الظن الراجح في عامة الآحاد إذا لم تحتف بها القرائن ، فقد احتف بأحاديث الصحيحين ، عند صاحب هذا القول ، احْتَفَّ بها من القرائن ما زاد فَبَلَغَ بها حد العلم النظري فِي مواضع تكثر وهي الأصل إلا آحادا يسيرة قد فاتها الإجماع ، ففاتها الإجماع أنها أصح الصحيح الذي بَلَغَ في الباب الغايةَ والمقصد ، ولم يفتها مع ذلك حكم الصحة ، فَلَمْ يُوَفِّ البخاري بشرطه أنه يروي أصح ما عنده إذ روى صحيحا أو حسنا يحتج به فلم يجاوز دائرة الاحتجاج المعتبرة ، صحة أو حسنا ، ولكنه خرج عن أخرى أخص وهي أصح الصحيح في بابه ، فَثَمَّ ، لو تدبر الناظر ، عموم وخصوص مطلق ، إذ كل خَبَرٍ مسند في كتاب البخاري فهو صحيح في باب الاحتجاج سواء أكان صحيحا في الاصطلاح أم حسنا وفيه بعض دون ذلك يجري مجرى الحسن لغيره ولو نَوَادِرَ ، كما يقول بعض من حَقَّقَ ، لا سيما في أبواب لا تعم بها البلوى كما الفضائل والمناقب ، خلاف الاعتقادات والأحكام فالشرط فيها أقوى إذ البلوى بها أعم ، فكان من فوات الشرط الأعلى في مواضع ما لا يستلزم فوات الشرط الأدنى الذي به مطلق الاحتجاج الأعم لا الاحتجاج المطلق فهو أخص إذ لا يكون إلا بأصح الصحيح في بابه ، فكل خبر في كتاب البخاري فهو صحيح على تفاوت أبلغ الغاية في الصحة أم اقتصر على مطلق الصحة وهو أول ما يثبت في باب الاحتجاج المعتبر ، ولا عكس ، فليس كل صحيحٍ قد روي في البخاري ، بل قد نص على ذلك ، فليس كل الصحيح عنده قد رَوَى فضلا عن الصحيح عند غيره وهو أكثر ، وإنما روى أصح الصحيح في بابه ، أو جملة منه فلم يشترط استيعابه فضلا عن استيعاب الصحيح عامة وبه استبان وجه من استدرك عليه فألزمه أحاديث على شرطه لم يروها في كتابه سواء اقتصد في الباب كما الدارقطني أو بالغ في الاستدراك كما صنع الحاكم في مستدرَكِهِ .
    فروى البخاري جملة من أصح الصحيح عنده ، وإن فاته الشرط في مواضع لم ينزل بها المروِيُّ عن درجة الصحة وإن نَزَلَ عن درجة الصحة العليا ، فذلك وجه العموم والخصوص المطلق في الباب ، فَثَمَّ أخبار قد فاتها الإجماع : إجماع التلقي بالقبول على شرط البخاري فَسَلَّمَ له النقاد في جمهرة عظمى من روايات كتابه أَنَّهُ قد اشترط فَوَفَّى بشرطه وروى أصح الصحيح ، وذلك موضع الإجماع المراد لدى النقاد في هذا الباب خلافَ أحرف يسيرة فاتها هذا الإجماع فقد فاتها الإجماع أنها أصح الصحيح ، فانتفى الأخص ، ولم يفتها حكم الصحة ، فَلَمْ يَنْتَفِ الأعم ، كما قَرَّرَ النظار في باب العام والخاص ، فانتفاء الخاص ذي الأوصاف الزائدة المقيِّدة التي تجري مجرى الفصول في الحد والتعريف ، انتفاء هذا الخاص لا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ العام الذي خلا من القيود والفصول فهو جنس في التَّعْرِيفِ وَالْحَدِّ ، كما يقول أهل الشأن ، فَانْتَفَى عن تلك الأحرف اليسيرة التي فاتها إجماع النقاد ، انتفى عنها وصف الأصح الذي استوفى شرط صاحب الكتاب الأعلى ولم يَنْتَفِ عنها وصف الصحيح بمعناه الأعم الأوسع الذي يجاوز معنى الصحيح في الاصطلاح المتأخر ، فهو يعم الصحيح والحسن وكل ما يصدق فيه عنوان الاحتجاج ، وإن حسنا لغيره وهو ، كما تقدم في مواضع ، الضعيف المنجبر ، فضعفه لم يشتد وهو ما جعله أهلا للاعتبار متابعةً أو شاهدا ، فيصح فيهما ما لا يصح في الاحتجاج ، فالمتابعة أو الشاهد مِمَّا يَنْجَبِرُ إذا انْضَافَ إِلَيْهِ مثله أو أعلى من باب أولى ، فإذا حصل ذلك اعتبارا كان الحسن احتجاجا ، ولو الحسن لغيره ، فيصدق ، من هذا الوجه ، أن ثم من الأحرف اليسيرة التي فاتها الإجماع في كتاب البخاري ، أن ثم منها ما هو ضعيف ! ، وهو ما لا يطلق القول به بداهة فتلك شبهة تدق ، فثم بعض يسير في أبواب لا تعم بها البلوى كما الفضائل والمناقب ، ثم منها ما هو ضعيف بالنظر في آحاد الطرق ، وهو الضعف المحتمل المنجبر ، فما كان من متابعة أو شاهد في الباب فهو الجابر المعتبر الذي يبلغ به حَدَّ الحسن ، وإن حسنًا لغيره ، وتلك أدنى درجات الاحتجاج وهي ما عده المتقدمون من الضعيف ، لا أنه الضعيف في الاصطلاح المتأخر أنه ما فاته شرط الصحيح والحسن ، فليس في القسمة الاصطلاحية المتأخرة كما تَقَدَّم إلا ثلاثة : الصحيح والحسن والضعيف ، فما فاته شرط الصحة والحسن فهو الضعيف فذلك الشطر الثالث في القسمة ، فكان من وصف الضعف في كلام المتقدمين ما يصدق في آحاد يسيرة من كتاب البخاري لا أن الاحتجاج به باطل ، وإنما يحتج به في الفضائل إذ لا تعم بها البلوى ، فهو الضعيف في كلام أحمد ، رحمه الله ، إذ ضعيفُ الحديثِ أحب إليه من أقوال الرجال ، فلم يَعْنِ بداهة الضعيف الشديد الذي لا يحتج به ولا يعتبر فهو كَلَا روايةٍ في الخبر ، إذ قد نَالَه من الشذوذ أو العلة القادحة ما يجعله خطأ في نفس الأمر ، فلم يَعْنِ هذا الضعيف وإنما عنى ما لم يشتد ضعفه فصلح في الاعتبار وكان له من العاضد ما يجبر ، فَبَلَغَ بِهِ حَدًّا من الاعتبار ينفع ، ولو استئناسا في الفضائل والمناقب ، كما تقدم من آحاد يسيرة في كتاب البخاري في أبواب لم تعم بها البلوى ، فهي مما يصدق في بعضها أنه ضعيف باصطلاح أحمد والمتقدمين لا بمعيار المتأخرين ، بل وبمعيارهم يصدق ، من وجه ، فإن الضعيف عندهم قد انقسم فمنه الشديد الذي لا ينجبر وذلك ما خرج عن حد الاحتجاج والاعتبار كافة ، ومنه ما لم يشتد ضعفه فخرج بادي الرأي عن حد الاحتجاج ولم يخرج عن حد الاعتبار ، إذ قد ينجبر بما يكون من عاضد معتبر ، فيبلغ حد الحسن لغيره ، فَهُوَ ضعيف في أصلِه ، حسنٌ في حكمه بما انضاف إليه من طُرُقِهِ العاضدةِ ، فصدق فيه وصف الضعف ، وصدق من هذا الوجه أن ثم آحادا يسيرة في كتاب البخاري وصفها ، بادي الرأي ، هو الضعف ، وهو ما به يطير المشبه القادح ، فيأخذ شطرا ويدع آخر ، إذ ثم زيادة في الوصف قد غَضَّ عنها الطرف ، على وِزَانِ من وقف في التلاوة وانقطع أَنْ : (وَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) ، ولم يصل الموصوف بوصفه فهم : (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) ، فثم زيادة في الوصف أن هذا الضعيفَ فِي أحرف يسيرةٍ من الصحيح هو الضعيف المنجبر الذي يصح به الاعتبار : مُتَابَعَةً أو شَاهِدًا فيجد من العاضد ما به يبلغ حد الاحتجاج المجزئ في بابه ، ولو أدنى درجاته ، الحسن لغيره ، مع ما تقدم من وصفه أنه مما لا تَعُمُّ به البلوى ، وأنه قليل يسير قد فاته الإجماع المعتبر : إجماع التلقي بالقبول أنه الصحيح الذي بلغ الغاية في الصحة فوفى فيه البخاري بشرطه ، خلاف آخر صحيح أو حسن قد رواه فَلَمْ يُوَفِّ بشرطه الأعلى وإن لم يفته في الجملة شرط الاحتجاج حسنا أو صحيحا ، لا جرم استدرك من استدرك على الصحيح ، كما تقدم من صنيع الدارقطني والحاكم رحمهما الله ، فاستدرك من استدرك إما زيادة أن أَلْزَمَ البخاري بأحاديث قد استوفت شرطه الأعلى ولم يَرْوِهَا مع أن ذلك كما تقدم مما لا يلزمه إذ لم يشترطِ استيفاءً في الباب وإنما اشترط رواية جملة منه ، فاستدرك من استدرك زيادة أو نقصا أن يلزِمه بإخراج بعض أحاديث من كتابه قد رواها دون شرطه الأعلى وإن لم تجاوز ، كما تقدم ، حد الاحتجاج صحة أو حسنا ، وتلك هي محل الشاهد ، فهي في كتاب راجحٍ على غيره رجحانَ المجموعِ لا الجميع ، إذ ثم من روى هذه الأحاديث في كتب أخرى أدنى درجة ، فَرَوَاهَا مع ذلك بإسناد أصح ، فَعَرَضَ له ، وهو المرجوح ، ما جعله راجحا في هذا الموضع خاصة ، وإن كان نَظَرُ الجنس الأعم يُرَجِّحُ الأول ، فهو راجح بالنظر في المجموع لا في الجميع فقد يعرض لآحاد من الجنس المرجوح ما يجعلها راجحة في مواضع خاصة لا تجاوز وذلك الاستثناء المخالف عن الأصل والذي يجري مجرى التأويل ، إذ يصرف فيه الحكم عن الراجح إلى المرجوح ، عن الظاهر المتبادر إلى آخر مؤول لا يتبادر وشرطه إذ خالف عن الأصل ، شرطُه : قرينةٌ معتبرة في الباب ، فذلك ما يكون في الرواية بالنظر في أسانيدها ، فيكون من قرينة الإسناد الأصح في خبرٍ خارجَ الصحيح ، يكون منها ما يوجب المخالفة عن الأصل أن الصحيح هو الأعلى فهو الراجح بادي الرأي ، فإذا القرينة تخالف به في مواضع خاصة هي كالضرورة التي تقدر بقدرها ، فيصير مرجوحا في محله فلا يجاوز ، فهو الراجح في غيره استصحابا للأصل حتى يرد الدليل الناقل الذي يصير المرجوح راجحا في مواضع .

    وكذا محل الشاهد من تفضيل الرجال على النساء : تفضيل الجنس على آخر ، لا الآحاد جميعا على نظائرها ، المجموع على آخر ، لا الجميع على مثله ، فقد يعرض للمرجوح من جنس النساء ما يصيره راجحا في مواضع هي ، أيضا ، الاستثناء خروجا عن الأصل ، فيلزمه من الدليل ما يزيد ، فتلك كالدعوى الناقلة عن الأصل المستصحب ، بادي الرأي ، فلا يعدل عنه الناظر إلا بدليل زائد ، وهو الدليل الناقل ، بَيِّنَةً تلزم كل ذي دعوى ، فكان من القرينة في الخبر أن أصابت المرأة وإن كانت دون عمر ، إن في الجبلة الكونية أو في الرتبة الشرعية ، فكان من القرينة أن شَفَعَتْ قَوْلَهَا بالدليل : (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) ، فذلك ما استوجب لها الرجحان في هذا الموضع خاصة ، وإن كانت مرجوحة في غيره ، فعمر ، بداهة ، خير منها وأعلم ، ولكنها قد أصابت ما لم يصب في هذا الموضع ، فهو المرجوح فيه خاصة وإن كان الراجح في الجملة ، وإنما عرض للمرجوح من المرأة ما صيرها راجحا في هذا الموضع خاصة ، وعرض للراجح من عمر أولا والرجل ثانيا عَرَضَ له ما صَيَّرَهُ مرجوحا في هذا الموضع خاصة ، وإن كان اسم العمرية في هذا الموضع هو الأليق بالباب .

    فَكَانَ مِنَ الطباق غير التام أَنْ يُسْتَنْبَطَ منه ، ولو كان اسما علما جامدا بالنظر في دلالته الاسمية المجردة ، أَنْ يُسْتَنْبَطَ منه لقب تصح إناطة الحكم به ، كالخليفة أو العالم أو المتقدِّم من الصدر الفاضل ..... إلخ ، وأن يستنبط من لقب المرأة الجامد عنوانُ اشتقاقٍ تَصِحُّ إناطةُ الحكمِ به كأن يقال : واحد من العامة قد فَقِهَ ما لم يفقه المجتهد فليس من شرط الاجتهاد العصمةُ بل قد يخطئ المجتهد في مواضع يصيب فيها مَنْ دُونَه في الرتبة ، ولو واحدا من العامة ، كما المرأة قد أصابت ما لم يصب عمر ، وهو من هو في العلم والاجتهاد ، فكان من إنصافه أن أقر بذلك وكان من الطباق معنى يلطف من هذا الوجه ، ولا يخلو ذكر المرأة نكرة أن يزيد في تجرد عمر وإنصافه ، فلم يقصد التنكير تحقيرا لها ، وإنما إقرارا بما فاته وهو المجتهد إذ أدركته امرأة من العامة ، وذلك آكد في التقرير والبيان إذ بضدها تتمايز الأشياء .

    والله أعلى وأعلم .


  5. #5
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-05-2022
    الساعة:03:09 PM

    المشاركات
    5,118
    العمر
    44

    وخطأ المجتهد ، وإن بَلَغَ من العلم ما بَلَغَ ، حكاية صدق تبين عن حاجة الخلق إلى الوحي ، فهو مرجع العصمة من خارج إذ يقضي في اجتهاد العقول بِمَا أحكم من النص الرسالي المنقول ، وهو ما استغرق النقل الديني لنصوص جزئية تبين ، كما تقدم في مواضع ، عن جمهرة وافرة من الفروع ، ومنها استخرج النظار جُمَلًا كُلِّيَّةً هي المقاصد الرسالية الجامعة ، ومنها ، أيضا ، منصوص كما الفروع ، فالكليات منها : منصوصٌ يجري مجرى الأصول ، كما في عنوان الأمر والنهي في قوله تعالى : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ، فهو عنوان جامع في بابه قد استغرق ، ومن الكليات : ما لم يَنُصَّ عليه الوحي ، وذلك مما استنبطه النظار ، والجزئيات ، أيضا ، منها : منصوص يجري مجرى الأصول لا الأصول الكلية الجامعة ، وإنما الأصول في القياس الفقهي ، فالفروع المحدَثة تُرَدُّ إلى أصول أولى بما كان من جامع العلة : معنى يصدق في طرفي القياس : الأصل والفرع ، فهو الجسر الذي يصل ضفتي النهر ، فذلك المعبر الذي يجوزه الحكم من الأصل إلى الفرع ، وذلك ، كما تقدم في مواضع ، عنوان الاعتبار النظري إذ يعبر الذهن من حد إلى آخر في باب معقول المعنى يدرك الناظر وجه دلالته ويحسن يجاوز به إلى آخر يحدث ، فكان من المنصوص أصل ، ومن الحادث فرع ، ومن العلة جسر ، ومن الحكم ما يعبر هذا الجسر حتى يبلغ الغاية والوجهة فَيَقْضِي فيما جَدَّ من الفرع ، فهو محل البحث ، وعنوان الفتيا في واقعة مخصوصة ، فهي غير منصوصة ، فالفتيا فيها أن تُرَدَّ إلى أصل منصوص في قياس الفقه ، أو ترد إلى آخر كلي في مقاصد الشرعية استحسانا أو سد ذريعة أو اعتبارا لمصلحة محكمة لا تخالف عن حكومة الوحي لا في مقاصده ولا في نصوصه ، أو اعتبارا لعادة صحيحة بها رفع الحرج وليس فيها ما يخالف مما فسد من الأعراف والعوائد ، فذلك عبور الذهن في النظريات ، وتلك ، كما تقدم في مواضع ، حكاية تضاهي العبور المحسوس ، العبور من طرف إلى آخر بما كان من جامع فهو الخط الواصل بين نقطتين .

    فذلك الوحي القاضي بالعلم والعدل في حكومات المجتهدين كافة ، فكان من الخطإ في بَعْضٍ إن في النقل أو في الاجتهاد ، كان من ذلك ما استبان به قدر فارق يميز بين مقام النبوة في التبليغ والتبيين وما سواها إذ الخطأ في الوحي قد انْتَفَى ضرورة في تحرير المناط الحكمي ، وهو ما قد عَمَّ تحرير المبنى نقلا والمعنى عقلا ، فالخطأ منتف في ذلك خلاف ما يكون من تحقيق المناط في مجلس القضاء ، فذلك مما لا يقدح الخطأ فيه في مقام النبوة ، إذ العصمة ، كما تقدم ، في التَّبْلِيغِ وَالتَّبْيِينِ كَافَّةً ، لا في القضاء إلا أن يكون ثم قرينة من خارج إذ بها قد نَزَلَ الوحي ، كما قيل في سبب النُّزُولِ في قوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) ، فحصل من ذلك مناطُ اعْتِبَارٍ محكم إذ جاوز تحقيق المناط في الحادث المفرد إذ العبرة ، كما يقول أهل الشأن ، بعموم المبنى والمعنى لا بخصوص السبب ، فهو واحد قد نَزَلَ عليه العام ، فجرى مَجْرَى المثالِ الذي يضرب إذ يُبِينُ عَنِ العامِّ ولدلالته يُفْهِمُ ، فلا يخصص المثالُ المفردُ العمومَ الذي وَرَدَ عَلَيْهِ ، فهو كالجنس المطلق الذي يجرده الذهن ، فتحته آحاد يستغرقها إذ يصدق فيها جميعا وإن زِيدَ في كلٍّ من القيد ما يميز الآحاد في الخارج ، فلكلٍّ من الحقيقة الخارجية الأخص مَا يُغَايِرُ سِوَاهَا وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الجنس الدلالي الأعم ، جنس المعنى المطلق الذي يجرده الذهن ، فذلك حد الضرورة العلمية المفهِمة إذ لا يكون إفهام إلا بمشترَكٍ دِلَالِيٍّ تَتَوَاطَأُ الأذهان عليه ضرورةً أولى هِيَ المادة المعجمية المفردة ، فهي تصدق في الآحاد جميعا ، وهي محل اشتراك بَيْنَهَا ، فذلك الجامع الدلالي الذي يواطئ القاسم المشترك الأكبر في الحساب والعد ، وهو أول ما يحصل في الذهن مجردا ثم يكون الانتقال من المجرَّدات إلى المقيدات في الخارج ، فذلك قيد يميز الحقائق إذ يجاوز المشترك الذهني فهو حتم لازم في الإثبات وإلا كان تعطيل الدلالات وبطلان الحجة اللسانية في أي قول أو نص ، فَثَمَّ في الخارج زيادة تَمِيزُ وَهِيَ القدر الفارق بين الحقائق في الخارج وإلا كان التمثيل أو ما جاوز من وحدة الأعيان إذ لا حد يميز كلا من غيره ، وهو ما يفتح الذرائع إلى القدح في الضَّرُورَاتِ الدِّينِيَّةِ والعقلية أَنَّ ثَمَّ قَدْرًا فَارِقًا بَيْنَ المخلوق والخالق ، جل وعلا ، فالقول بِانْتِفَاءِ الفروق الخارجية يفضي إلى القول باتحاد الذوات ، والقول بِانْتِفَاءِ المشتركاتِ الذهنية يُفْضِي إلى تعطيل عام يجرد الحقائق وَيُصَيِّرُهَا مطلقاتٍ بِشَرْطِ الإطلاق وذلك مَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا في الذهن مجردا ، فلا وجود له في الخارج فذلك عدم ، وهو ، أَيْضًا ، ذَرِيعَةٌ إلى الاتحاد ، فالمطلق سَارٍ فِي الكونِ كَافَّةً ، فهو يَصْدُقُ فِي أَيِّ موجودٍ في الخارج ، فكان من الإثبات والنفي ما يَمِيزُ المعانِي فِي الْعَقْلِ وَالذَّوَاتَ في الْحِسِّ ، وذلك حتم لازم في تَحْرِيرِ المناطات الدلالية ، وَهُوَ ما جاءت به الرسالات السماوية ، فإنها لم تَأْتِ بأحكامِ الوقائعِ الجزئية تَحْقِيقًا ، وإنما جاءت بأدلة كلية جامعة ، فتلك العمومات المستغرقة ، وكان مِنْ تَفْصِيلِهَا في الجزئياتِ مَا اسْتَغْرَقَ جُمَلًا بِهَا الدلالة تَنْصَحُ فِي جمهور ما يحتاج الخلق في فتاواهم ، وما حدث فَلَهُ أصل دلالي أَوَّلُ ، وتلك الكليات الجامعة ، وله أصل دلالي ثَانٍ وتلك الأدلة الجزئية فهي ، كما تقدم ، نصوص تجري مجرى الأصول ، لا أصول الاستدلال ، وإنما أصول القياسِ الَّتِي يُرَدُّ إِلَيْهَا مَا حَدَثَ من الفروعِ بما كان من العللِ والمناطات الجامعة ، وَبِهَا الاعتبارُ فِي الذِّهْنِ إذ يجاوز بِهَا العقل ضِفَّةً إلى أخرى ، ضفة المورد إلى المضرب ، فإن النص الذي نَزَلَ على سبب أو معنى يُعْقَلُ ، فذلك مورد أول بِهِ يَسْتَبِينُ المعنى الذي لأجله نَزَلَ الحكم ، وهو مناط القياس الذي يَتَعَدَّى إلى الفرع ، فالمثال الذي نَزَلَ عَلَيْهِ العام قَدْ أَبَانَ عن وجهِ الدلالة في هذا الموضع ، وهو ما جَاوَزَ المثال إلى بَقِيَّةِ الآحادِ بما كان من مناط جامع ، فحصل بهذا العموم ما جاوز فاستغرق المورد إلى كل مضرب يُضَاهِي إذ يحصل فِيهِ مِنَ العلة ما يُوجِبُ رَدَّهُ إلى أصلِه الأول ، فالفرع يلحق بأصله إذ اشْتَرَكَا في المعنى الدلالي المطلق الذي يجرده الذهن ، فَعَبَرَ الناظر من المورد إلى المضارب كافة ، وهو ما لا حد له فالوقائع الجزئية لا تَتَنَاهَى فكان من إعجاز الوحيِ أَنِ اسْتَغْرَقَهَا بآيٍ موجز مُعْجِزٍ ، وجوامع كلمٍ من الخبر تجزئ في بَيَانِ ما قَدْ أُجْمِلَ من الآي من وجه ، وتستغرق جمهرة عظمى من الوقائع من آخر ، وما جَدَّ فَهُوَ إِلَيْهَا يُرَدُّ بِمَا كَانَ مِنْ قِيَاسٍ ناصحٍ في العقلِ ، وذلك ما جاوز عصر الرسالة إلى كل عصرٍ تال ، وهو ما يخرج بالوحي عن حد التاريخ المأثور فَثَمَّ تَعَدٍّ إلى حاضر واستقبال بما كان من عمومِ الْبَيَانِ الذي جاوز الجيل الأول فهو لكلِّ جيل يواطئ بما كان من إِعْجَازٍ فِي التَّبْيِينِ إذ أوجز واستغرق العناوين الدينية كافة ، العلمية والعملية ، وَإِعْجَازٍ فِي التَّشْرِيعِ أَنْ نَصَّ عَلَى جُمَلٍ من الفروع كثيرة جاوز بها أهل الظاهر فَصَيَّرُوهَا مستغرِقَة للأبواب والمسائل كافة وإن حادثةً بعد انقضاء النبوة والجيل الأول ، فَهِيَ تَسْتَغْرِقُهُمْ بِأَلْفَاظِهَا المنصوصة ولو نَصَّ الجزءِ في أعيان الحوادث التي عليها قد نَزَلَتْ فكان من إجزاءِ لفظِها في مذهبهم أن صار دليلا على كل تال في الباب ، لا بالقياس الشرعي المعهود الذي يجتهد في استنباط المناط الجامع فهو المعبر الذي يجاوز به العقل ضفة الأصل إلى الفرع ، فيلحق الأخير بالأول لمعنى جامع يَسْتَغْرِقُ ، فلم يعتبروا بهذا الأصل الدلالي الكلي : أصل القياس الشرعي ، وكان مِنْ تَوَسُّعِهِم في قياس اللِّسَانِ أن يدخل الفرع في لفظ الأصل لا في معناه ، فاللفظ ، كما الخمر ، قد استغرق بمادته إذ اشتق من مادة "خَمَرَ" وهي عنوان التغطية إذ الخمار ما يستر ، ومنه قِيلَ لِمَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ خِمَارٌ إذ يُغَطِّيهَا ، ومنه تخمير الآنية فهو تَغْطِيَتُهَا ، فكذا الخمر فَهِيَ تَسْتُرُ مجامع الفكرة الناصحة وتخرج بصاحبها إلى طريقة شَائِنَةٍ إذ لا عقل له يدرك وإن كان ثم عقل يُكَلَّفُ بما ركز فيه من قوة النظر فَعَرَضَ لها طارئ قد اختار صاحبه فلا عذر ، لا جرم كان الإثم ، فإن معنى الخمر فِي اللِّسَانِ يَصْدُقُ فِي كُلِّ مَا بِهِ زَوَالُ الْغَرِيزَةِ العاقلة التي تُدْرِكُ المعاني الناصحة ، فيصدق في النوم فهو خمار يستر العقل اختيارا كما الخمر ، وإن كان ثم منه ما يكون اضطِّرَارًا إِذَا بَلَغَ الجهد بصاحبه كل مبلغ فسقط نائما لا يَدْفَعُ الصائل ولو غفلة يغيب فِيهَا العقل كَرْهًا ، كما قد أُثِرَ عَنْ عُمَرَ ، رضي الله عنه ، فَكَانَ لَا يَنَامُ إذ لا يَتَّخِذُ ما يَتَّخِّذُ النائم من الْفِرَاشِ وَالْوِسَادِ وَالْغِطَاءِ ، وَإِنَّمَا يسقط نَائِمًا حيث أَدْرَكَهُ النوم وغلبه إذ اجتهد في نهاره وليله كَافَّةً ، فَيَصْدُقُ فِي النَّوْمِ أَنَّهُ خَمْرٌ تَسْتُرُ العقلَ إذ به زوال المحل بِعَارِضٍ يُذْهِبُهُ إذ يستر منه ما ظهر من معادن الفكرة الناصحة ، وذلك ما يصدق ، أيضا ، في الغضب ، فإنه مما يغلق مجاري الفكرة ويسكر ، فكان منه ما يخرج بصاحبه عن حد الاعتدال والنصح فإذا به يجاوز الحد في القول والفعل ، وَيَنْطِقُ فِي أحيان بما لا يَفْقَهُ ، فمناط الفقه قَدْ عَرَضَ لَهُ طَارِئٌ أَذْهَبَهُ ، وَلَوْ بَعْضًا حَتَّى يَزُولَ العارض وَيَظْهَرَ مَا اسْتَتَرَ مِنْ جَوْهَرِ الْعَقْلِ النَّاصِحِ ، كما الخمر إذا شربها صاحبها فَثَمَّ من الإسكار والإغلاق الملجئ ، وإن ذُمَّ صاحبه إن كان اختيارا فلا إكراهَ يلجئ ، فهو مِمَّا يجزئ في الخروج من عهدة التحريم ، فإن كان تعاطي الخمر اختيارا بلا جهل أو إكراه أو تأويل يسوغ .... إلخ من موارد العفو ، فإن كان كذلك فهو من المحرَّم لما كان من مخالفةٍ عَنْ مَقْصدٍ جَامِعٍ في شَرِيعَةِ الوحيِ الخاتمِ ، مقصد الحفظ لِمَا نَصَحَ من معدن العقل ، مناط الفهم والفقه وهو المبدأ في أي قول أو فعل يحسن ، فالخمر إذا شربها صاحبها فهي تسكر عرضا كما النوم والغضب ، وشتان الثلاثة ، فَلِكُلٍّ من الحد ما يميز ، فالنوم أبعدها من الذم ، وإن كان منه ما يذم إذا تَقَصَّدَ صاحبه تَرْكَ الْوَاجِبِ فَلَمْ يَحْتَطْ بل قد صار ذلك له عَادَةً وَمَسْلَكًا ، فلم يسقط التكليفُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا في حِقِّ النائم ، بل ثَمَّ من الخطاب : خطابُ إعلامٍ ومناطه أعم فذلك العقل قُوَّةً قَدْ رُكِزَتْ في الوجدان لَدَى كُلِّ مُكَلَّفٍ ، وإن كان ثَمَّ عارضٌ ، فالنظر في جوهر الماهية المطلقة : جوهر المكلَّف الذي رُكِزَ فيه العقل غَرِيزَةً يستوي في حصولها الآحاد كافة ، وَإِنْ عَرَضَ لِبَعْضٍ في الخارج ما يُذْهِبُهَا لِعِلَّةٍ كما الجنون ، أو جِبِلَّةٍ كما النوم والصغر وما يكون بَعْدًا مِنْ كِبَرٍ وَهرمٍ يَتَغَيَّرُ صاحبه أو يَخْتَلِطُ فَتَضْعُفُ فكرته وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ التَّكْلِيفُ كله ، فَسَقَطَ بَعْضٌ يضاهي ما ذهب من عقله فإذا ذهب كله بغيبوبةٍ تَتَّصِلُ أو خرف وجنون يطرأ فذلك عارض يسقط التكليف كُلَّهُ إذ قد زال محله كله بسبب من خارج لا يطيقه المكلف فَيُشْبِهُ ، من وجه ، شرطًا قد وضعه الشارع ، جل وعلا ، مناطَ تكليفٍ فلا يطيقه المكلف كما القول في زوال الشمس سَبَبًا به إيجاب الظهر ، فلا يطيقه المكلَّف ولم يُؤْمَرْ بتحصيله كما شروط أخرى يطيق من وضوء واستقبال قبلة .... إلخ ، فكذا الجنون والخرف وإن كان منه جنس يُسْتَدْفَعُ بما كان من أدوية تُصْلِحُ ما تَلَفَ أو هي تحفظ ما بقي فلا يعم الجنون والخرف ، فَثَمَّ من فعل المكلف ما يطيق في التداوي وطلب الشفاء بأسباب تشرع ، فذلك ما خالف به المضرب مِثَالًا تَقَدَّمَ أن يكون كشرط الإيجاب في الصلاة من بلوغٍ أو دخولِ وقتٍ فذلك ، كما تقدم ، مما لا يطيقه المكلف جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا ، خِلَافَ مَا يكون من العلاج إذا كان ثم طَارِئُ تَغَيُّرٍ أو اختلاطٍ أو خَرَفٍ ، فَثَمَّ من الأسباب ما قد شُرِعَ بِمَا تَوَاتَرَ من فنون الطب والاستشفاء .

    فَثَمَّ ، كما تقدم ، خطاب الإعلام بالشريعة ومناطه أعم إذ يخاطب القوة لا الفعل ، قوةَ العقلِ مناطَ تكليف يصدق في آحاد الجنس البشري كافة وإن كان ثم عوارض تَرْفَعُ التكليف فلا يحصل بالفعل وإن حصل قوة أولى بما تقدم من ركز العقل في الجبلة البشرية ، فذلك خطاب الإعلام بالشريعة ، وثم من الخطاب آخر وهو خطاب الإلزام ، وهو ما لا يكون إلا والعقل حاضر بالفعل حضورا يجاوز القوة المركوزة في النَّفْسِ ، فَثَمَّ العقل بالفعل وذلك ما يكون من المستيقِظ في مقابل النائم الذي توجه إليه الخطاب إعلاما بما قد رُكِزَ فيه من قوة العقل وَإِنْ عَرَضَ لَهَا مَا يُزِيلُ مِنْ مَانِعٍ النوم ، وهو المباح ، وإن كان ثم منه ، كما تقدم ، بَعْضٌ يحرم كمن فَرَّطَ وَقَصَّرَ فَنَامَ عن الفرض قصدا ، وآخر يكره بما يكون من فضول وزيادة بها يقسو الجنان وتضعف الأبدان وتكسل ، ويضيع من العمر ما لا يرجع ، فالنوم من هذا الوجه خمر تسكر العقل بما تقدم من جنس المعنى المطلق الذي يجرده الذهن فهو يصدق في كل ما يخامر العقل ويمازجه ويخرج به عن الحضور إلى الغياب ، عن الانكشاف إلى الاستتار ، عن الظهور إلى الكمون ، فيغيب بما يعرض من طارئ سواء أكان دائما كما المجنون بادي أمره لِعِلَّةٍ في عقله لا علاج لها إذ قَدْ وُلِدَ بها فصارت العلة وإن استثناء يعرض ، صارت جزءا من ماهيته وحده ، فحده في الخارج عقل قد أصابته عِلَّةٌ تُلَازِمُ ، فكان من الجنون ما جَنَّ العقل وستره وَخَمَّرَ منه مواضع الفهم والفقه ، وكذا يقال في النوم ، وإن عارضا يطرأ ثم يزول إلا لعلة تعرض فيصير من جنس الغيبوبة وإن اتصلت الروح بالبدن فَلَمْ تُفَارِقْ فقد ضعف تَعَلُّقُهَا به فذهب العقلُ ، جوهرُ التكليف ، وبقي الجسد بما رُكِزَ فيه من الحياة الحيوانية فلا تخلو من حس فإذا نُبِّهَ تَنَبَّهَ في غالب أمره إلا استثناء تقدم بما يكون من غيبوبة تَتَّصِلُ ، وبه مَازَ من مَازَ من أهل الشأن ، به مَازَ صوم النائم فهو صحيح وإن ذهبَ عقله ، فهو حاضر إذا اسْتُحْضِرَ إذ لو نُبِّهَ فهو ، كما تقدم ، يَتَنَبَّهُ ، خلاف الغائب لعلة فإذا نُبِّهَ فَلَا يَتَنَبَّهُ ، فلا يصح صومُه من هذا الوجه ، فالنوم ، من هذا الوجه ، خمر بالمعنى الجامع الذي يجرده الذهن إذ يَسْتُرُ مَا ظَهَرَ من معادن الفكرة الناصحة فيخمرها كما يُخَمَّرُ الإناء وكما يستر الخمارُ الرأس ، ولكنه ، بداهة ، لا يحرم كما الخمر المعهودة في الشرع إلا استثناء يحرم وآخر يكره على التفصيل آنف الذكر .

    والله أعلى وأعلم .


  6. #6
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-05-2022
    الساعة:03:09 PM

    المشاركات
    5,118
    العمر
    44

    وكذا الغضب مثالا في باب الخمر بمعنى أعم يجاوز المعهودة التي يشربها الشارب فيفسد عقله ونطقه ، فثم من الغضب ما يضاهي فَهُوَ مما يسكر العقل وَيُغَيِّبُ فيفسد المقال إذ يغلب الجهلُ الحلمَ وتفسد الحال ما بطن وما ظهر ، فَمَا بَطَنَ مَوْجٌ يَتَلَاطَمُ ، وما ظَهَرَ اضطرابٌ في الأركان ، فيغيب الجنان إذ يُخَمِّرُهُ الغضب ويحجبه ، على تفصيل ذكره أهل الشأن ، فهو مما تَتَفَاوَتُ درجاته ، وإن لم يكن منه المحرم مطلقا كما النوم فَهُمَا يندرجان في جنس أعم وهو غياب العقل بِعَارِضٍ ومنه ما يستجلبه صاحبُه اختيارا ، كما النوم إذا أراد صاحبُه الرَّاحَةَ ، ومنه ما يهجم اضطرارا ، كما النوم حال الجهد الشديد فيسقط صاحبه ويغيب رغما ، وكذا الغضب فهو مما يهجم على النفس دفعةً بِمَا يَعْرِضُ من أسبابه وَمُهَيِّجَاتِهِ ، فلا يطيق المكلف الخروج عنه وإن أطاق مدافعته إذا وَقَعَ ، فخوطب بما يطيق من استدفاعه لا بما لا يطيق من رفعه ، بادي الرأي ، فَثَمَّ من العوارض ما يكون اختيارا ومنه ما يكون من شُرْبِ المسكر عالما عامدا مختارا فلا عارض من خارج يفسد الإرادة والقصد ، خلاف من شربه جاهلا فشربه أو أكله وهو يظن أنه مباح ، أو مكرها فلا إرادة له يُنَاطُ بها تكليف صحيح ، وإن كان ثم اختيار فهو فاسد إذ يُرَجِّحُ فيه المكره بين المفاسد ، ما عظم منها وما صغر ، فهو أبدا يقارف ما لا يحب ، وإن قصده فَقَصْدَ المضطر فلا يعتقد فيه إباحة ولا صحة ، وإنما هو أهون الشرين وأخف الضررين ، صَحَّ ترجيحُه أو لم يصح ، فاختياره كَلَا اختيارٍ ، فهو اختيار ثابت ، ولكنه فاسد غير معتبر في اشتغال الذمة بِتَبِعَاتِهِ إلا ما يكون من أفعال مخصوصة في باب التكليف فلا تَحِلُّ أَبَدًا ، اختيارا أو كَرْهًا ، وله أهل الشأن يضربون المثل بالقتلِ والوطء المحرم ، وكذا ما يَثْبُتُ بخطابِ الوضعِ ، كقيم المتلفات في باب الضمان ..... إلخ ، فمن شرب المسكر مكرَهًا فخطاب الضمان لما أتلف يتوجه إلى المكرِه ، وإن كان المباشر أولى بالضمان إلا لِقَرِينَةٍ تصرفه إلى الحامل لا المباشر ، كما الإكراهُ آنِفُ الذِّكْرِ ، على تفصيل في الباب وما يُضْمَنُ مِمَّا يستدرك وما لا يُضْمَنُ مما لا يستدرك ، وَثَمَّ من الْعَوَارِضِ ما يكون اضطرارا ، ومنه اضطرار الحاجة الجبلية كما النوم إذا هَجَمَ بَعْدَ جهدٍ وَنَصَبٍ ، ومنه ما يهجم بمقتضى الطبع كما الغضب ، ومنه ما يكون إكراها ، فحصل من ذلك قسمة بها استبان العارض ، وما يباح منه وما يحظر ، وما يكون اضطرارا وما يكون اختيارا ، وما يعذر صاحبه وما لا يعذر ، ومحل الشاهد منه : الخمر المعهودة إذ نُهِيَ عنها فهي تسكر العقل وتذهبه ، وهي تَسْتُرُ معادِنَ الفكرةِ الناصحةِ ، فـ : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" ، وذلك ما عَمَّ نصا ، إذ "كُلُّ" نص في العموم كما قَرَّرَ أهل الأصول ، وثم من الإجمال ما افتقر إلى البيان ، فالعام ظني الدلالة فلا يخلو من إجمال ، وإن كان ثَمَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ قطعي يُعْمَلُ به عمل المستغرِق لآحاده حتى يرد الدليل المخصص ، فالتعارض إما أن يكون بين العام الظني والخاص القطعي ، فالقطعي يَقْضِي فِي الظَّنِّيِّ إجماعا ، وإما أن يكون بَيْنَ قَطْعِيٍّ ومثله ، فالعام والخاص كلاهما قطعي ، فيعمل بها جميعا ما أمكن ، إذ إعمال النصوص أولى من إهمالِها ، فيكون من جهة العام ما يُغَايِرُ جهة الخاص ، فلا تعارض ، فإن تعذر الجمع أَنِ اتَّحَدَتِ الجهة فيقدم الأصح نقلا والأخص معنى ، فيقدم الخاص من هذا الوجه إذ دلالته في محل النِّزَاعِ أرجح ، وإن كان العام قطعيا مبدأ أمره .
    فكان من العموم في لفظ "كُلُّ" ما يجري مجرى الإجمال المفتقر إلى البيان ، والإجمال ، لو تدبر الناظر ، لا يدخله من هذا الوجه وحدَه ، بل يجاوز إلى آخر إذ اللفظ في نَفْسِهِ مجمل لا تحصل به دلالة تكمل إلا أن يشفع بآخر يضاف إليه ، فالمضاف إليه هو القيد المبين لإجمال "كُلُّ" ، فهي تَبَعٌ لما استغرقته بمادتها العامة ، فَلَفْظُ "كُلُّ" بحسب ما بعده مضافًا إليه ، وقيد الإضافة بيان لما قد أُجْمِلَ من مادة المضاف ، فكان من عنوان العموم المبتدإ كان منه ما استغرق آحاد الجنس كافة ، جنس المسكر الذي اشتق من مادة "سكر" ، كما الخمر من مادة "خمر" ، فمادة "سكر" تحكي الإغلاق إذ المسكر مغلِق ، وذلك اسم الفاعل من المتَعَدِّي "أسكر" ، فسكر فلان مما يلزم فلا يتعدى إلى غير ، وأسكر إذا تعدى إلى غيره فأحدث فيه من السكر مُسَبَّبًا سَبَبُهُ من خَارِجٍ ، فَثَمَّ عارض قد طرأ بما تَنَاوَلَ السكران من مادة تُسْكِرُ ، وذلك الاشتقاق المعلِّل إذ أُنِيطَ الحكم المسند من التحريم إذ اشتق منه الوصف المشبَّه "حرام" ، أُنِيطَ باسم مشتق وهو المسكر ، وهو ما يؤذن بِعِلِّيَّةِ ما منه المشتق قد اشْتُقَّ ، وتلك مادة الإسكار التي تصدق في كل مسكر ، وذلك العموم الذي يجاوز الخمر المعهودة في النص : "إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا‏" , أصولا في القياس الشرعي تُرَدُّ إِلَيْهَا الفروع بِمَا كان من علة جامعة ، وهي المنصوص عليه من معنى الإسكار الذي اشتق منه اسم المسكر في الخبر : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" عموما أول قد استغرق ، وذلك ما يصدق في الخمر المنصوص على ماهياتها وعلى مَا زَادَ من أنواع وآحاد قد استحدثت ، فَنَصَّ بالتوكيد لفظا في : "إن من العنب خمرا ......." ، فتلك دلالة "إِنَّ" نَصًّا في الباب ، وثم آخر من المعنى إذ قُدِّمَ ما حَقُّهُ التأخير من الظرف "مِنَ الْعِنَبِ" دليل حصر وتوكيد ، وإن لم يكن الحصر حقيقة فَثَمَّ من الخمر أخرى تتخذ من غير العنب ، فيكون الحصر ، من هذا الوجه ، حكاية المبالغة في تقرير المعنى لا الحقيقة التي تحصر الاسم : اسم الخمر في عين المسمى المذكور من جنس العنب ، فدلالة "مِنْ" ، من هذا الوجه ، تحكي البيان لجنس المدخول الذي تُتَّخَذُ منه الخمر المحرمة وهو ما يرجح آخر يبين عن الجنس في مدلول الأداة "أل" إذ تبين عن جنس المدخول ، كما "مِنْ" ، ولا تخلو من ابتداء الغاية ، فابتداء غاية الاتخاذ خَمْرًا ما يكون من العنب عَصْرًا ، وإن حُذِفَ في رؤيا صاحب السجن : (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا) ، فَحُذِفَ المبدأُ من ماهية أولى تُعْصَرُ ، ماهيةِ العنب ، على تأويل : إني أراني أعصر العنب فيصير خمرا ، وهو ما حَدَّهُ بَعْضُ البيانيين مثالَ المجاز المرسل باعتبار ما سيكون ، ومن ينكر فهو على أصل قد اطرد إذ ذلك مما نهجته العرب في نطقها فتبارد إلى الذهن مبدأَ النطق فهو حقيقة بما استقر في الوجدان من عرف قد اطرد في اللسان .
    ولا تخلو "مِنْ" في "مِنَ الْعِنَبِ" لا تخلو من تَبْعِيضٍ فليس كل العنب بداهة يصير خمرا وإلا حَرُمَ العنب بادي الرأي أن صار ذريعة محققة إلى محرم مقطوع بحرمته ، فهو وإن اتخذت منه الخمر المحرمة إلا أنه في أصله حلال طيب ، وإنما دخلته الحرمة بما زاد من صنعة التخمير ، فاستحالت العين الطاهرة المباحة إلى أخرى محرمة على خلاف في نجاستها أهي العينية أم المعنوية ، وهو ما اطرد في الإباحة كما الحظر ، فَلَوِ استحالت إلى أخرى طاهرة كالخل فالهواء يبدل ماهياتها فَتَصِيرُ خَلًّا وهو المباح ، فإذا استحالت إلى الخل فقد زال الاسم الذي لأجله حُرِّمَتْ إذ زال المسمى الذي يدل عليه في الخارج وما كان من وصف يلازم لأجله قد حرم ، وهو وصف الإسكار الذي يلازم ماهية الخمر في الخارج وهو سبب التحريم في خطاب الشارع ، جل وعلا ، فالأحكامُ إِنَّمَا تُنَاطُ بالأوصافِ والمسمَّيَاتِ في الخارج لا بالأسماء المجردة ، فلا يصير الملح سكرا إذا أُطْلِقَ عليه اسم السُّكَّرِ ، فالمسمى في الخارج لم يَتَبَدَّلْ وما يقوم به من وصف لأجله قد حرم أو أبيح .... إلخ من حكومات الشرع الحنيف ، وما يقوم به من وصف لم يَتَغَيَّرْ ، فلا يُؤَثِّرُ استبدال اسمٍ جديد بآخر قد تَقَدَّمَ ، لا يُؤَثِّرُ في الحكم إذ قد أُنِيطَ ، كما تَقَدَّمَ ، بالمسمى ، فالعبرة بالمسمَّيَاتِ لا بالأسماء ، بالمعاني لا بالمباني ، فَلَوْ سُمِّيَتِ الخمرُ بِغَيْرِ اسمِها ولم تتبدل ماهيتها في الخارج ، لم يغن ذلك شيئا في إباحتها بل ذلك ، كما تقدم ، مما أخبر به صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "ليشرَبنَّ ناسٌ من أمَّتي الخمرَ يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها" ، وهو ما قد عَمَّتْ بِهِ البلوى في محرمات تكثر كما الربا إذ سُمِّيَ في الجيل المتأخر قسط الفائدة أو الربح ، وإن أضر فلم يفد فهو الخسران وإن كان ربحا في زيادة قد مُحِقَتْ بَرَكَتُهَا فَانْقَلَبَتْ شُؤْمًا ، فمن ذلك ما قد خالف عن الحكم المطَّرِدِ لدى العقلاء كافة ، أن الخمر لا تزول عنها صفة الإسكار المحرمة إن سميت بغير اسمها مع ثبوت ماهيتها فَلَمْ تَتَبَدَّلْ ، فلا تَزُولُ عَنْهَا صفة الإسكار إلا أن تَتَبَدَّلَ ماهيتها كما الخل مثالا تقدم ، فتطهر بالاستحالة على القول بِنَجَاسَتِهَا حِسًّا ، وَتُبَاحُ بَعْدَ حَظْرٍ ، إذ زالت عِلَّةُ التحريم وهي الإسكار وحده على مذهبِ من قال إنها طاهرة العين فنجاستها في المعنى لا في الحس ، أو قد زالت العلة المركبة من الإسكار والنجاسة عند من يقول إن نجاستَها نجاسةُ العين ، مع ما اشترط أن يكون ذلك بلا فِعْلٍ من خارج ، على تفصيل في ذلك .

    ومحل الشاهد ما اطرد من عنوان الاستحالة إن مِنْ عنب طاهر طيب يباح ، فإذا عصر خَمْرًا فقد استحالت ماهيته إلى أخرى تخبث وتنجس وهي لأجل ذلك تَحْرُمُ ، فإذا استحالت إلى أخرى طاهرة كالخل رَجَعَ إليها حكم الإباحة والطهر ، فكان من اتخاذ الخمر مِنْ بَعْضِ العنبِ ما قد عُلِمَ ضرورة بالحس ، فَزَادَ في "مِنْ" في الخبر : "إِنَّ مِنَ الْعِنَبِ خَمْرًا" ، زَادَ فِيهَا معنى التبعيض ، وإلا كان العنب كله محرَّم الزرع والحصد والبيع والشراء ، إذ لا يستفاد به إلى اتخاذ الخمر ، وهو ما يصدق في بَعْضٍ لا في كُلٍّ ، فلا يكون من ذَرَائِعَ تَطَّرِدُ فَيُنْهَى عن بَيْعِهِ مطلقا أَنِ اتُّخِذَ ذريعةً إلى محرم ، فذلك مما نَدَرَ أو هو قليل لا يُرَدُّ به غالب أو كثير من حال الخلق عَامَّةً أَنِ اتَّجَرُوا فيه للأكل أو العصر المباح عنبًا لا خمرا أو اتخاذه زبيبا .... إلخ مما يباح فهو كثير في مقابل واحد أَنْ يُتَّخَذَ خمرا تُسْكِرُ ، فلا يُرَدُّ كثير بواحد أو قليل ، فذلك مما به الحرج يَزِيدُ والبلوى تعم ، فكان من التيسير رَفْعُ الحرجِ فلا يقال في هذا الباب بالذرائع إذ هي قليل ، فَقَدْ يُتَذَرَّعُ بتخمير العنب وعصرِه إلى اتخاذِ الخمر فذلك مما لا يُنْكَرُ ، ولكنه في العادة يَقِلُّ فلا يكثر فلا تهدر لأجله ذَرَائِعُ أخرى أكثر فهي تُفْتَحُ إلى مباحات من الأكل ..... إلخ ، إلا أن يكون ثم قرينة من خارج تَقْطَعُ فهي تُرَجِّحُ المرجوحَ من قليل لا اعتبار به بادي الرأي ، وهو ما يكون من اتخاذ الخمر ، فإن كان ثم قرينة من خارج تُرَجِّحُ المرجوحَ ، فذلك مما يجري مجرى التأويل الناصح ، إذ ثَمَّ معنى مُعْتَبَرٌ زائد كأن يكون عرف البلد صُنْعَ الخمر والاتجار به أو يكون من القرينة ما يقطع أو يرجح الترجيح المعتبر أن المشتري سَيَتَّخِذُهُ خمرا ، أو يكون من نوع مخصوص من العنب قد اطرد أنه عنب الخمر فلا يزرع ولا يحصد إلا لأجلها ، فتلك قرائن توجب العدول عن الأصل وهو الإباحة ، فيحرم لا لذاته فهو ابتداء طاهر مباح ، وإنما حَرُمَ لما عرض من قرينة رجحت المرجوح أَنْ صَارَ ذريعة قاطعة أو غالبة إلى محرم لما احتف به من قرائن كَعُرْفِ بَلَدٍ أو عَادَةِ قَوْمٍ ، كما السكين مثالا في الباب ، فإنها ابتداء على حد الإباحة إذ تَنْفَعُ بما تقطع من مأكول .... إلخ ، فإذا كان بها سفك دم محرم وغلب على الظن اتخاذها لأجل ذلك فالحرمة تدخلها من خارج ، وكذا يقال فيما تلا من الأجناس ، فـ : "إن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا‏" ، وقد حُدَّتْ جميعا على ما تقدم من ناسخ مؤكد به السياق قد صُدِّرَ ، وتقديم للظرف وحقه التأخير مبالغة لا حصرا .

    والله أعلى وأعلم .


  7. #7
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-05-2022
    الساعة:03:09 PM

    المشاركات
    5,118
    العمر
    44

    فكان من المعنى الذي نص عليه الخبر أَنْ حَرَّمَ المسكر التحريمَ المناط بالوصف ، وهو الاسم الدال على المسمى المخصوص في الخارج وله من الماهية ما صَحَّ في العقل مناطَ تَعْلِيلٍ بما كان من اشتقاق من مادة الإسكار ، وهي مما يتعدى فلا يلزم ، فيجاوز المنصوص إلى آخر يعقل ، إذ ثم من المناط ما أُحْكِمَ ، وهو ما يجتهد النظر في تحريره إما منصوصا عليه ، وإما منقحا بسبر وتقسيم يصرح ، فَهُوَ يجتهد في تَنْقِيحِ مَنَاطٍ منصوصٍ في جملة أوصاف طردية لا تُؤَثِّرُ ، أو هو ينظر في ماهية المحكوم فيجتهد في استخراج المعنى الذي يواطئ مقاصد الوحي في الأمر والنهي ، في الإباحة والحظر ، فحفظ العقل مقصد جامع وتحته من الحكومات ما يحظر أي قادحٍ يقدح في الصحو بما يكون من محرم يُسْكِرُ وللفكرةِ يُذْهِبُ ، فكانَ من الحكم : تحريم المسكر ، كما الخبر ، فَثَمَّ من عنوان الإسناد مَا اطَّرَدَ وَانْعَكَسَ ، إذ أُسْنِدَ وصف الحرام أو حكم المحرَّم إلى كل ماهية يصدق فيها وصف المسكر ، فذلك الطرد ، وثم عكس قد استفيد بمفهوم المخالفة أن كل ما لا يسكر فهو مباح ، وقد يقال ، من وجه آخر ، ألا اعتبار لمفهوم المخالفة في هذا السياق ، إذ ثم من غير المسكرات ما يحرم ، كما النجس فتحرم مباشرته وكذا طاهر يضر ، كما السم ، فهو طاهر لا يسكر ، ولكن نكايته في آكله أعظم إذ يقتل ، والقتل يُهْدِرُ المقصد الثاني من مقاصد الشرع وهو حفظ النفس ، ومحله في المقاصدِ أَنْ يُقَدَّمَ على حفظ العقل إذا تَعَارَضَا وَتَعَذَّرَ الجمع ، كما لو عطش عطشا قد اشتد فَقَارَبَ به ذهاب المهجة ولم يكن ثم إلا الخمر تُسْعِفُ ، فيشرب حفظا لمهجته وإن أفسدت الخمر عليه فكرته ، وهو ، مع ذلك ، لا يجاوز الحد فتلك الضرورة التي تقدر بالقدر ، فَثَمَّ من العموم محفوظ : عموم التحريم لكلِّ مَا أَسْكَرَ ، وهو مما دخله التخصيص من وجوه ، فَثَمَّ التخصيص بما كان ضرورة تطرأ كما العطش الشديد الذي يُفْضِي إلى الهلكة بما غلب من العادة والجبلة ، وثم التخصيص بما كان من دواء يذهب العقل ضرورة أخرى تقدر بالقدر كما آلام الجراحات التي تفدح فلا يطيقها عامة الخلق فلا اعتبار بما نَدَرَ ممن يطيق فَثَمَّ من بلغ في احتمال الألم غايةً أن لو عمل المبضع في جسده حال الصحو ما تألم إن جبلةً أو احتمالا ألا يُقَالَ جازع يضعف ، فذلك مما لا اعتبار به في الجراحات إذ عامة الخلق لا يصبر ، كما أن النادر لا حكم له إن تَذَرَّعَ شَارِبٌ أنه يشرب ولا يسكر فقد فاتت علة التحريم في حقه ، فلا اعتبار به إذ لم تفت في غيره وهم كثير غالب ، فالعبرة بما غلب لا بما خالف من النادر فلا حكم له ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وما يتخلف من الحكمة في آحاد هم الاستثناء لا الأصل ، ذلك مما لا يؤبه إذ الحكم لم يُنَطْ بالمئنة القاطعة بل قد أُنِيطَ بالمظنة الغالبة ، والأحكام إذا أنيطت بالمظنة فلا اعتبار لحقيقة الحكمة أَنْ تَحْصُلَ في كلِّ محلٍّ بل يجوز تخلفها في بَعْضٍ ، فذلك النادر الذي لا حكم له ، فمن شرب ولم يسكر فلا يحل له الشراب ولو لم يقم به وصف السكر المنهي عنه وهو علة تحريم المسكر ، مع أن ثم من الْعِلَلِ أخرى ، فَقَدْ حصل في المسكر من أسباب التحريم ما استغرق المقاصد الشرعية كافة إذ به فساد الدين بما يكون من تَضْيِيعٍ لِلْفَرَائِضَ وانتهاك للحرمات وبه فساد النفس بما يكون من مرض يعضل كما أبان عنه البحث المحدَث وبه تضييع المال سرفا وبه الوقوع على الأبضاع المحرمة إذ غاب المحل العاقل الذي ينهى فضاع النسل واختلط وبه ذهاب العقل وهو مناط التكليف فكان من شؤمِ الخمر ما صَيَّرَهَا أم الخبائث إذ تهدر المقاصد كافة ، فهي مناط ضر ينال المحلَّ ، فـ : "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" ، وذلك مما يتوجه به التحريم حفظا لِلنَّفْسِ ، كما تقدم ، وحفظًا لغيرٍ أَلَّا يَتَوَسَّلَ السكران إليه بما يضر إن في القول أو في الفعل ، فحصل التحريم رعاية لهذا المقصد الجامع ، كما التحريم رعاية لآخر وهو حفظ العقل ، لا جرم كان النهي عن قليل ولم لو يسكر إذ كثير منه يسكر ، فَنُهِيَ عن الأول سدا لذريعة يُتَوَسَّلُ بها إلى الثاني ، وكان من العنوان الجامع ما جاوز المنصوص عليه ، فَقِيَاسُ اللِّسَانِ في هذا الموضع مما احتج به أهل الظاهر إذ ثَمَّ من العنوان ما استجمع المنصوصَ من أجناس الخمر والمحدَث مما لا نص فيه ، فمعنى الإسكار يصدق في الجميع فكان من ذلك علة يدور معها حكم التحريم وجودا وعدما ، كما الخمر عنوانا آخر في السياق ، فذلك شطر ثان من الكلام ، فاسم الخمر إما أن ينصرف إلى عهد خاص ، وهو الخمر المنصوص عليها في الخبر : "إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا‏" ، وليس ذلك بمخصص يقصر التحريم على أعيانها دون ما جاوز ، خلافا لمن قَصَرَ التحريم على المنصوص ، فلا خمر عنده إلا من جنس المذكورات ، فذلك مما يُجَافِي عن حكمة الشريعة التي تَقْضِي ضرورة بالتسوية بين المتماثلات ، فَالنَّظِيرُ لَهُ حكم نظيره إذ اشْتَرَكَا في المعنى الجامع وهو العلة ، علة الحكم الذي يصدق في الفرع المحدَث صِدْقَهُ في الأصل الأول ، فيكون القياس تَسْوِيَةً ، أو يصدق في الفرع ما لا يصدق في الأصل فَقُوَّةُ الإسكارِ في الفرعِ أَشَدُّ ، وذلك قياس الْأَوْلَى ، أو يكون حصوله في الفرع دون الأصل ، فذلك قياس الأدنى ، فلو حُمِلَ اسم الخمر على المعهود فذلك مما يصيرها أصولا يقاس عليها ما حَدَثَ من الفروع لعلة جامعة وهي الإسكار ، وهو ما خالف عنه أهل الظاهر إذ اجتهدوا في إبطال القياس ، وجعلوا في النص كفاية تجزئ ، ولو في آحاد الوقائع ، فالنص قد استغرقها جميعا وهو ما يصدق بالجنس والنوع لا بالاسم المخصوص ، فعناوين الشريعة جامعة تستغرق فلا نص فيها على الآحاد كافة ، فذلك ما يعيب أي شريعة أن تجتهد في حصر الآحاد بأسمائها المخصوصة وهو مما لا يتناهى ، بل يؤذن بالتبديل أبدا ، فكلما جَدَّ فَرْعٌ ذو اسمٍ محدث زِيدَ في نَصِّ الشرع المحكم ، وإنما الإعجاز والإحكام أَنْ تَسْتَغْرِقَ نصوصُ الشريعةِ بأسماء جامعة تصدق في الآحاد ما كان منها زَمَنَ التشريعِ وما حَدَثَ بَعْدًا ، فذلك استيعاب للآحاد كافة ، فكان من نصوص الشريعة ما استغرق الجمهرة الكثيرة من النَّوَازِلِ ، كما ذكر بعضُ من حَقَّقَ ، مع ما فِيهَا من دلالاتِ تَعْلِيلٍ تَتَعَدَّى إلى الفروع المحدَثة ، وهو ، كما تقدم مرارا ، عنوان الإحكام الذي يَنْقُضُ دعوى الحداثة أَنَّ الوحي لم يَسْتَوْفِ ويستغرق إذ لم ينص على آحاد المسائل كافة ، فذلك ، كما تقدم ، عيب قد سلم منه نص الوحي المحكم ، آيًا أو خَبَرًا ، إذ جاء بالجوامع المعجزات إن في البيان نطقا أو في التشريع حكما فاستوفى بالمبنى والمعنى حكما يجاوز المنصوص إلى الحوادث كافَّةً إذ في الوحي لها بيان إما أَخَصُّ بما يكون من القياس أو أعم بما يكون من مقاصد جامعات لا يخالف المستدل بها عن معادن التنزيل أصلا أو فرعا بِمَا يكون من تأويل يَبْعُدُ أو يَبْطُنُ فصاحبُه يعتبر ما قد أَلْغَى الشرعُ المحكم ، فقضى الوحي مرجعا يجاوز من خارج ، قَضَى في المحدثات كافة قضاء العدل والحكمة بما تقدم مرارا أن بَرِئَ من وصمة الهوى والذوق وما يكون من الحرص والشح ، وما تبعثه المراجع الأرضية المحدثة في نفوس أتباعها من قيم فاسدة يوجزها بعض من نظر في مذاهب رأسِ المال المتأخرة ، يوجزها في اللذة إذ تطلب طلب الشبق الذي يجاوز حد الاعتدال ، وما يكون من الجشع إذ يجتهد صاحبه في الاستحواذ على ما أطاق من المال فهو ثمن يبذل طلبا للذات النفس إن حسا وهي الأدنى أو معنى بما يكون من حب رياسة وتصدر ولو لم يكن الطالب لها أهلا فتصدر وحقه التذييل فالمال في يده نقمة وهو مما به يشقى مع ما عَظُمَ من شره وفحشه إن عَمَّتْ برياسته البلوى ، فثم اللذة وثم الجشع مع ما يكون ثالثا من الخوف أن تذهب اللذة وتضيع الثروة فيكون الادخار والكنز وهو ذاهب لا محالة وإن اجتهد صابحه أن يحفظ فإما أن يَزُولَ المال وأما يزول المالك عنه ! .

    فَثَمَّ معان جامعة في الشريعة الخاتمة منها المنصوص ومنها المنقَّح ومنها المخرَّج وهو أعوصها إذ لا نص لا انفرادا أو في سياق يجمع من الأوصاف ما يكثر فيكون التنقيح تحريرا يميز المؤثِّرَ من الطردي الذي لا يؤثر فلا معنى فيه تصح إناطة الحكم به طردا وعكسا .



    فكان من العلة أَيًّا كان مسلكها ، كان منها معنى جامع يستغرق المنصوص وغير المنصوص ، فيلحق الثاني بالأول ، فذكر الأول كما في حديث الخمر : "إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا‏" ، ذكره يجري مجرى المثال المبين عن عموم يستغرق ، فلا يقصر الحكم على المذكورات إذ لم يرد على حد القصر ، وإنما أبان عن الجنس ، جنس ما اتخذت منه الخمر في عصر الرسالة ، فذلك المثال المبين في زمانها فلا يخصص العموم إذ يجاوزه إلى ما حدث بَعْدًا من أجناس المسكر والخمر ، وإنما ذكرت تَبْيِينًا لا تخصيصا ، وبها استفاد الناظر مُثُلًا منها يستنبط المعنى الجامع في الباب ، معنى الإسكار الذي لأجله حُرِّمَتِ الخمر ، فتلك العلة المتعدية في القياس الشرعي إذ يُرَدُّ الفرع غير المنصوص إلى الأصل المنصوص ، وهو ما يُوَاطِئُ مذهب الجمهور الذي يحتج بالقياس ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مما يجري مجرى الإيجاز وهو من وجوه الإعجاز في الشرع المحكم ، إن آيا تعجز بالمبنى والمعنى ، أو جوامع كلم قد استغرقت بألفاظها الموجَزة آحادا كثيرة في الخارج ، ما نص عليه وما لم ينص مما حدث بَعْدًا من فروع تُلْحَقُ بالأصل ، فكان من العموم في عنوان المسكر ما يقع وصفا لآحاد يصدق فيها المعنى ، معنى الإسكار ، ما كان منصوصا فهو الأصل ، وما حدث بَعْدًا فَهُوَ الفرع الذي يُقَاسُ بِرَدِّهِ إلى أول ، وأما أهلُ الظاهرِ فَلَمْ يخرجوا عن عنوان القياس وإن أَنْكَرُوا منه الاصطلاحي في الأصول ، فكان من قِيَاسِ اللسان مَا عم الآحاد جميعا ، فَاسْمُ المسكِر يجزئ في ثبوت التحريم أولا لكلِّ ما يصدق فيه المعنى الذي اشتق منه وهو الإسكار ، فلا حاجة إلى قياس فرع قد حدث على أصل قد ثبت ، وكذا الخمر فهو يصدق في كل ما خامر العقل ، كما قد نص عمر ، رضي الله عنه ، ختاما ، فـ : "الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ" ، فمهد بين يدي العام بمثل بها البيان فلا تخصص العموم إذ وردت مثالا يبين لا نصا يحصر آحاد العام فلا يجاوزها ، وبعده كان العموم الذي اعْتَبَرَ المعنى الجامع ، معنى الخمر التي اشتق منها الاسم فكان من العلة مخامرة هي المفاعلة إذ يهجم على العقل فيخمر منه وَيُغَطِّي معادن الصحو واليقظة ، فَثَمَّ من عنوان اللسان ما أغنى عن القياس في الاصطلاح ، فاسم الخمر يتناول المذكور المعهود وما كان بَعْدًا من آحاد المسكرات والخمور ، فذلك قياس لسان أعم وبه تذرع أهل الظاهر رَدًّا لآخر في الاصطلاح ، وهو القياس المعهود في الأصول ، فَثَمَّ من العموم آنف الذكر : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" ، ثم منه ما استغرق بالأسماء المشتقة ذات الدلالة المتعدية التي تجاوز الآحاد المنصوص عليها إلى أخرى حادثة ، فاستغرق العموم الآحادَ كَافَّةً بعناوينَ مُشْتَقَّةٍ من معان تُؤَثِّرُ في الحكم طردا وعكسا ، وكان من لفظ "حرام" وهو الختام ، كان منه وصف مشبه وهو آكد في تقرير المعنى وتوكيده إذ يلازم الموصوف به فلا يفارق ، وذلك الخبر ذو الدلالة الإنشائية إذ الإخبار عن الشيء أنه حرام مما يدل ضرورة على تحريمه ، وهو ما استوجب النهي عنه جزما ، فالإنشاء بالنهي فرع عن الإخبار بالحرمة ، وَفِي الإخبار أن : "الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ" ، فيه من جناس الاشتقاق بين المحدود وهو الخمر والحد وفيه المخامرة وهي المفاعلة ، فَثَمَّ الجناس إذ اشْتُقَّ كلٌّ من مادة "خمر" ، وهو آكد في الدلالة ولا تخلو المخامرة من المغالبة ولا يشترط فيها الظهور والغلبة بل كل ما نَالَ من العقل ، ولو مَظِنَّةً لا مَئِنَّةً ، فلا يشترط القطع بل ما قد غلب على الظن أنه يسكر فهو يغالب العقل وإن لم يغلب فكان من قوة الصحو ما يدفعه ، فالعبرة بما كان من وصف الخمر إذ يأرز إلى ماهية تغطي العقل بالقوة ، وإن لم تُغَطِّهِ بالفعل أن فات من آحاده في الخارج بَعْضٌ لقوة في العقل لم يطق الخمر لها حَجْبًا ، فلا اعتبار بذلك إذ الخمر كما هي لم تَتَبَدَّلْ فَفِيهَا قوة الإسكار والمخامرة وإن لم تسكر وتخامر بالفعل ، والحكم إنما أنيط بالقوة مَظِنَّةً راجحة لا بالفعل مَئِنَّةً قاطعة .

    والله أعلى وأعلم .


  8. #8
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-05-2022
    الساعة:03:09 PM

    المشاركات
    5,118
    العمر
    44

    فكان من القياس في الباب : قياس الخمر المحدثة على أخرى جاء بها النص لا تخصيصا بالمذكورات وإنما حكاية المعهودات زَمَنَ التشريع فهي المثل التي تبين عن ماهية المحرم ، فذلك جنس أعم يستغرق المذكورات في الخبر ، وما زاد في النظر إذ يستنبط المعنى المؤثِّرَ في سَنِّ التحريمِ وهو الإسكار والتغييب فيصدق في كل مسكر ، مائعا أو صلبا ، مأكولا أو مشروبا ، متماسكا أو مسحوقا ...... إلخ من الصور المتفاوتة فالعبرة بالحقائق التي احتملت معان دلالية تعقل بها خطاب الشرع يُعَلَّقُ ، فالاسم لا يعمل في التشريع إلا أن يحكي الحقيقة صدقا فلا يكون منه زخرف يخدع إذ يصرف الناظر عن معان مخصوصة قد قامت بالماهية المشهودة في الخارج ، فالاسم لا يُعْتَبَرُ إلا إِنْ حَكَى المسَمَّى في الخارج حكايةَ المطابقة ، إذ العبرة في الحكم بالحقيقة في الخارج وَإِنْ خَالَفَ بِهَا المتكلم فَسَمَّاهَا بغير اسمها ، بل بِضِدٍّ ! ، فالنجس لا يصير طاهرا إذا أطلق المتكلم عليه وصف الطاهر ! ، والسفاح لا ينقلب نكاحا إن كَنَّى عنه المسافح ، والفاحشة لا تصير طَبْعًا يواطئ الفطرة وإن تكلف له أصحابه الفكرةَ : حرية تطلب اللذة غَايَةً في مذاهب محدثة تَبُتُّ صلة العقل بالوحي فَتَأْبَى الانقياد له مرجعا يجاوز من خارج ، فهو معيار الحسن والقبح المحكم الذي برئ مما منه لم تَبْرَأْ إذ لها هوى وحظ ، ولها لذة وكسب في فعل يفحش ، فلا تنفك تقترح له من اللفظ ما يجمل سَتْرًا لما قبح من الماهية في الخارج ، فلو سميت باسمها كما الخمر ما خالف عاقل في تحريمها ، فالمشبِّه في الباب يَتَذَرَّعُ بعنوان يلطف كما صاحب المقالة المحدِث إذ يتوسل بحق ، ولو بَعْضًا هو الأقل ، فَيَتَذَرَّعُ به أن يستدل لمذهبه الباطل ، فالحق فيه يضمحل ، إذ يغلبه الباطل وهو الأكثر ، وإنما العزة للكاثر كما القائل ينظم ، فتلك بلوى قد عمت في العقائد والأحكام كافة ، إذ يكون من الاسم ما يُزَيِّفُ الحقيقة ، فلا يصدق في حكاية المسمى الذي أنيط به الحكم إباحة أو حظرا ، سواء أكان جامدا أم مشتقا ، وإن كان الأمر في المشتق أظهر إذ ثم من المعنى ما يعقل فيتعدى إلى آحاد في الخارج تحدث ، والمثل ، كما تقدم ، قد ضُرِبَ بالخمر ، فَقَدِ استحدث أهلها من معادن مِنْهَا تُسْتَخْرَجُ ولو طَيِّبَةً بالنظر في المنشإ فكان من يَدٍ تَعْمَلُ بالإفساد : إفساد الحس والمعنى أَنْ تَقَصَّدَتْ من الفعل ما به يستحيل الطيب خَبِيثًا فخالفت عن المنقول رسالةً من خارج العقل تجاوز فهي ترشده إلى ما ينفع وتحفظه مما يفسد من آفات الحس والمعنى ، فالرسالة تُحِلُّ الطيِّبَ وَتُحَرِّمُ الخبيثَ ، كما وصفُ النبيِّ الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الذي : (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) ، وثم من العموم الرسالي ما يجاوز مرجع الضمير الأخص بالنظر في سياق الآي : ضمير "لهم" ، فالخطاب قد تَوَجَّهَ إلى أهل الكتاب من الأمة الإسرائيلية ذات المرجع التوراتي المؤصِّل والمرجع الإنجيلي المكمِّل ، فكان من إقامة الحجة الأخص أن وجدوه في الكتاب الأول فَثَمَّ من وصفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما بِهِ امْتَازَ وَثَمَّ من شهادة الأحبار ما صَدَّقَ وإن أَبَوا الانقيادَ لحظِّ نَفْسٍ يَطْرَأُ من جاهٍ أو رياسة أو أكلٍ للأموال كَنْزَا قد صار مضرب المثل من لدن صيروا المسجد متجرا وملعبا ، فكان من إقامة الحجة الأخص عليهم ما لا يَنْفِي المناطَ الأعم ، مناط الرحمة العالمية المجاوزة ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، فالنص عليهم ، من هذا الوجه ، يجري مجرى المثال لعام ، فلا يخصصه كما قرر أهل الأصول والنظر ، فإقامة الحجة الأخص عليهم لا تَنْفِي أخرى أعم إذ تُقَامُ عَلَى الخلقِ كافة ، فإن السياق لم يَرِدْ عَلَى حَدِّ الحصر والقصر فتكون الرسالة لهم خاصة ، بل ثم من قياس الأولى ما يشهد بالعالمية المجاوِزَةِ ، فإن قيام الحجة عليهم بعد التبديل وقد صار منهم حزب يناجز الحق بما لهم من الهوى والحظ ، فلم يطيقوا له نقضا بل قد أسلم بعضٌ طوعا ، كما أسلم الحبر ابن سلام رضي الله عنه ، فقيام الحجة عليهم وهم أهل كتاب تَقَدَّمَ ولهم من الخصومة ما يبعث على النقض ذلك مما يقيم الحجة على آخر لا حظ له من العلم كما حظهم إذ لهم من ذكرِ النبوات بَعْضٌ مُعْتَبَرٌ ، وإن دخله التحريف والدس ، فعندهم الأصل ولو اسما ومسمَّى له في الخارج لا يخلو من مواضع حق تكثر ، بل قد قال بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ : إِنَّ التحريف لم يكن إلا الأقل ، وإنما عمت البلوى به ، ولو قليلا ، أن لم يكن ثم مرجع وأصل أول قد نُقِلَ النقل المرضِيَّ المقبول في باب الرواية ، فلم يكن منه ولو واحدا تُرَدُّ إليه المشتبهات فيميز الكثير المحفوظ من القليلِ المبدَّل ، لا جرم كان من الحاجة : حاجة الضرورة التي امتن لأجلها الرب ، جل وعلا ، بما يسد ويجزئ من كتاب خاتم يهيمن بِرَسْمِ الحفظ والصحة فهو معيار من خارج يحكم في الكتب كافة ، كتب النبوات الأولى ، وما سواها من باب أولى ، فإذ قامت الحجة عليهم وهم الأعلم فهي تقوم على غيرهم من باب أولى .

    فكان من وصف الرسالة الجامع وهو ، لو تدبر الناظر ، ما استغرق النبوات كافة ، فإباحة الطيبات وتحريم الخبائث عنوان ضرورة في الشرائع الرسالية جميعا ، بل هو محل الإجماع لدى العقلاء كلِّهم وإن لم يكونوا على دِينِ وحيٍ يُنْقَلُ ، فتحريم الخمر معلوم ضروري لمن تدبر ماهيتها الخبيثة إذ تخرج بالعاقل عن محكم الطريقة ، طريقة الفضلاء أولي المروءة والحشمة والصيانة لما حُفِظَ من الحرمة ، فإذا الخمر تخرج به عن جادة الفضل والمروءة والحشمة والصيانة ، فيخالف عن بدائه الديانة والكياسة وَيُقَارِفُ من الخوارم ما أجمع العقلاء كافة على قبحه وفحشه فلا يأتيه إلا الأصاغر الأسافل فالخمر تنحط بالكبير إلى دركة الوضيع إذ تسلبه الخاصة التي بها امتاز : العقل والحلم ، فَمَنْ شَرِبَ الخمرَ نَطَقَ بالفحش وهتك العرض بل وَوَقَعَ على محارمه فلا يميز إذ مناط العقل وهو من اسمه يعقل ويقيد فينهى صاحبه أن يقارف القبيح والمحرم ، إذ هذا المناط العاقلِ للأهواء والنوازعِ المقيِّدِ لما يَعْتَمِلُ في النفوس من الإرادات والبواعثِ ، هذا المناط قد غاب بما كان من سكرة تُخَمِّرُ معادن التصور والحكم فتحجب عنها شمس الوحي مَرْجِعِ الصدق والعدل فلا يكون إلا القول الفاحش والفعل الفاضح ولو وَطْأَ المحارِمِ الذي أجمع العقلاء كافة على قبحه وتحريمه ، فَلَمْ تستحله إلا أدنى الأمم دَرَكَةً مما تواتر ذكره في التاريخ من الإباحية التي احتملتها مذاهب كالمزدكية والبابكية الخرمية في فارس وما وراءَها ، فالحيوان الأعجم خير من أولئك وصفًا ، فـ : (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) .

    فكانت المخالفة في الباب ، باب المسكر ، كانت المخالفة عن المنقول إذ ينهى عن الخمر خاصة والخبائث عامة ، وكانت أخرى عن المعقول ، فقياس العقل الناصح تَقْبِيحُ ما يُغَيِّبُ الفكرةَ الناصحة فَحُسْنُهَا ، في المقابل ، محل إجماع آخر ، وكانت المخالفة عن المفطور إذ السكران يُقَارِفُ من الأقوال والأعمال ما قد رُكِزَ في الفطرة قُبْحُهُ ، فَتِلْكَ ضرورةٌ لا ينكرها إلا جاحد أو مسفسِط ، وكانت المخالفة عن المحسوس مما يجد الخلق آثاره في الخارج ، فإفساد الخمر يجاوز الأديان إلى الأعيان بما ثبت من ضررها وعظم من إفسادها ، فالسكران يَعْظُمُ شَرُّهُ في الخارج بما يستبيح من المحارم ، فيقتل ويجرح وَيَزْنِي ويفحش ويسلب ويخرِّب .. إلخ من وجوه إفساد يدركها الحس ضرورةً قد أَقَرَّ بها العقلاء جميعا ، فالمخالِف في هذا الباب قد خالف عن مدارك الاستدلال كافة ، واحتال ، كما تقدم ، بما استحدث من أجناس المسكر ، فسماها بغير اسمها ليستبيح منها ما قد حَرُمَ في الشرائع كافة ، وما دلت على قبحه المراجع كافة ، سماوية أو أرضية .

    فاستحدث عاصر الخمر وشاربُها وحاملها .... إلخ ، استحدثوا منها ما جاوز المنصوص إن في الماهية أو في الاسم ، فلو اقْتَصَرَ الناظر على المنصوص ما حَرُمَتْ خَمْرٌ إلا من أجناسه وهو ما يفتح الذرائع إلى استباحة المسكر أن سُمِّيَ بغير اسمه ، من وجه ، واتخذ من أجناس تخالف عن المنصوص ، وقد يكون من قياس التسوية وهو التمثيل ما يصدق في خمر تواطئ شدتها شدة الخمر الأولى فيكون من حصول العلة في الفرع المستحدث ما يكافئ نظيره في الأصل الأول ، فَيَتَعَدَّى الحكم من الأصل إِلَى الفرع على حَدِّ المساواة ، وقد يكون من الخمر المستحدثة ما هو أضعف فيكون القياس قِيَاسَ أدنى ، فـ : "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ" ، فما كان من ضَعْفٍ فيه إذ لا يحصل السكر إلا بكثير ، فَمَا قَلَّ منه فهو محرم وإن لم يسكر ، قِيَاسَ أدنى من وجهٍ ، وسدا لذريعة من آخر إذ قليل منه يُفْضِي إلى كثيرٍ يُسْكِرُ ، فتلك خطواتُ شيطانٍ يمكر إذ يستدرج الشارب من قليل إلى كثير فيحصل السكر الذي لأجله حُرِّمَتِ الخمرُ إذ تخالف عن مَقْصدٍ رئيس من مقاصد الوحي وهو حفظ العقل والصحو ، وما قِيلَ في الحكمة فهو يُقَالُ في العقل ، فهو مما يصدق في عقال البعير إذ يحكمه ، فذلك المحسوس الذي استعير لآخر معقول ، وهو العقل الذي يمنع صاحبه وَيَنْهَى أَنْ يُقَارِفَ ما استقبح من القول والعمل ، فَيَجْرِي ذَلِكَ مجرى استعارة بها المعقول قد قُرِّبَ إلى الأذهان أَنْ حُمِلَ على محسوس قَرِيبٍ تَتَنَاوَلُهُ المدارك فذلك ضرب المثال الذي يحسن في الْبَيَانِ ، وهو ما به العقول قد خُوطِبَتْ خِطَابَ الاعتبارِ والتَّفَكُّرِ بما كان من ضربِ مثالٍ أو قَصِّ قَصَصٍ أو عنوانِ قِيَاسٍ يجتهد العقل في تحرير مناطه وتحقيقه ، ويكون منه عنوانُ تَعَقُّلٍ وَتَفَكُّرٍ ، وهو ما استوجب محلا صحيحا يقبل فكان من تحريم المسكِر أَنْ أَفْسَدَ المحل فلا يُحْسِنُ يُبَاشِرُ ما لأجله قد خُلِقَ أَنْ يَتَفَكَّرَ وَيَعْتَبِرَ بِمَا يُضْرَبُ مِنَ الأمثال وَيُقَصُّ من الأخبار وَيُحَقَّقُ من الأحكام معقولة المعنى إذ يَتَعَّدَى النظر الصريح ويجاوز ، فيكون من تحقيق المعنى في الفرع الحادث ما يواطئ نظيره في الأصل الثابت ، فذلك ، كما تقدم ، قياس التسوية ، وثم من ذلك ما يَتَفَاوَتُ زيادةً فهو الْأَوْلَى ، وَنَقْصًا فذلك الأدنى ، وثم من عكسٍ يشاطر الطرد جِنْسَ الدَّوَرَانِ وجودا وعدما ، فالوجود يواطئ الطرد ، والعدم يواطئ العكس ، إذ أُنِيطَ الحكم بمعنًى يَنْضَبِطُ فَيُحْسِنُ الناظرُ حدَّه فلا يَنْتَشِرُ في الخارج انْتِشَارَ العمومِ فلا يكاد يُضْبَطُ وإن أدرك الناظر منه ما يُعْقَلُ ، كما الخلاف المشهور في الأصول أيكون التعليل بالعلة معنى أخص ينضبط أم بالحكمة معنى أعم يَنْتَشِرُ فلا يَنْضَبِطُ كما العلة وإن صح في باب الغايات والمقاصد الكلية في الذهن ما لا يصح في باب الحكومات الجزئية في الخارجِ ، فالحكمة معنى أعم هو إلى الكليات أَقْرَبُ ، وتلك المعاني الجامعة ، والعلة إلى الجزئيات أقرب ، وتلك الحكومات الأخص في آحاد الأعيان والوقائع في الخارجِ ، فكل أولئك من عنوانِ عقلٍ يأطر المعاني على جادة من الحكمة تَحْسُنُ ، فهي الطرد والعكس الذي تَنْضَبِطُ بِهِ الحكومات كافة إِنِ الدينيةَ أو العقليةَ أو التجريبيةَ .
    فاستعير عقال البعير في الحس لعقل المكلف وذلك المعنى ، وحصل من تقريب المعاني في الأذهان ما تقدم ، ومن ينكر المجاز فهو على الأصل آنف الذكر ، فَكَمَا جَرَّدَ من الحكمة معنى مطلقا في الذهن جنسا عاما يستغرق في الخارج آحادا ، فكذا العقل فهو مما يجرد الذهن عنوان المنعِ والنَّهْيِ ، وله في الخارج آحاد تُصَدِّقُ ، فَثَمَّ مَنْعُ الدَّابَّةِ أَنْ تَنْفِرَ بما يكون من العقال الذي يأطر ، وثم منع المكلَّف أَنْ يَطْغَى أو يظلم بما يكون من العقل الذي يُكَلَّفُ بأمرٍ ونهيٍ يأطره على جادَّةٍ تُحْمَدُ في الأديان والمذاهب كَافَّةً ، فَثَمَّ من معاني الحمد الضرورية ما استوى في دَرَكِهِ كلُّ نَاظِرٍ إلا من جحد أو سفسط فلا اعتبار بخلافه ، ولا قدح في الإجماع بما شَذَّ بِهِ وفارق ذوي النهى ممن اطرد قياسهم وانعكس .

    فَكَانَ من الجنسِ العام ، جنسِ المنعِ ، ما يَصْدُقُ في آحاد في الخارج منها ما يحس كما عقال البعير إذ يمنع ، ومنها ما يُعْقَلُ كما العقل نفسه فهو محل الشاهد من فعله إذ يمنع صاحبه أن يُقَارِفَ ما حَرُمَ في الشرع وَاسْتُقْبِحَ في العرفِ ، فحصل من ذلك حقيقةٌ في الخارج تصدق في كل محل يَعْقِلُ أو يُعْقَلُ ، وإن كان ثم من قِيْدٍ في الخارج بِذَاتٍ تُعْقَلُ وَتُؤَطَّرُ ، وإن كان من ذلك ما يميز آحاد الجنس في الخارج ، فالمعنى يصدق في الجميع حال الإطلاق ، وهو ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي مواضع ، ما اصطلح أنه الاشتراك المعنوي في الأجناس الدلالية الكلية التي يطلقها الذهن فَالشَّرِكَةُ فيها تجوز ، بل وتجب فهي مناط الإفهام الأول في معجم اللسان المفرد الذي تَأْتَلِفُ ألفاظُه في جُمَلٍ بها الكلام التام يكون ، وثم من قيد فارق في الخارج ما يثبت حال التقييد بالمحال المعقولة إن في الحس أو في المعنى ، ولكلٍّ من العقال ما يواطئ ماهيته ، وذلك عنوان حكمةٍ وَتَعَقُّلٍ تَقَدَّم أَنْ يُعْطَى كلُّ محل من الحال والوصف والحكم ما يواطئه إن محسوسةً أو معقولةً .

    ومحل الشاهد الأول ما كان من قَسَمِ النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا" ، فَثَمَّ من القسم ما قد قُدِّرَ أولا إذ دلت عليه لام الجواب تاليا ، لام الجواب في "لَيَشْرَبَنَّ" ، فدلت على القسم المحذوف صدرَ الكلام ِبما تقدم مرارا من دلالة أخص قد احتملت من عنوان الابتداءِ الجنسَ المطلق ، وكان من الفصل الذي يميز في الحد والتعريف ، كان منه قيد الإضافة إلى جواب القسم ، فهي لام الجواب إذ ابْتُدِئَتْ بِهَا جملة مخصوصة ، جملةُ الجواب المتأخر ، وكان من تقدير المحذوف ما اطرد فالقسم قد غلب في نصوص الوحي أن يكون بالاسم الأعظم ، اسم الله ، جل وعلا ، فهو الْعَلَمُ الأشهر ، وهو في باب القسم الأكثر ، وإن كان ثم من القسم آخر باسم الرب كما في قوله تعالى : (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ، و كما في قَسَمِ من أَشْرَكَ وَفُتِنَ أَنْ : (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ، أو ثالث بوصف ، كما في قسم صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا" ، فَقُدِّرِ الغالب قسمًا باسم الله الأعظم جَلَّ وَعَلَا ، وَقُدِّرَ من أداة القسم ما غَلَبَ : واو القسم فهي أم الباب وإن كان ثم أخرى من أدوات القسم كما الباء ، وثالث بالتاء قد اختص بها اسم الله الأعظم ، جل وعلا ، كما في الآي المحكم : (تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) ، وإن حكى بَعْضُ المحققين دخولَها على غيره ، ولو نادرا ، فَمَثَّلَ بقولِ القائل : تَرَبِّ الكعبة ، وثم من عنوان الفعل في "لَيَشْرَبَنَّ" ما يجري ، من وجه ، مجرى المثال لعام وهو التَّنَاوُلُ طعما أو شربا أو شما ..... إلخ ، بما استحدث من أجناس المسكر المحرم ، وثم من عنوان الأمة في "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي" مَا قَدْ عَمَّ فجاوز أمة الإجابة إلى أخرى وهي أمة الدعوة ، فذلك مما اطرد في كلٍّ ، آمن أو كفر ، وثم محل الشاهد في بَابِ الأسماء والمسميات ، الحال "يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا" وهي الحال المقيِّدَةُ في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا" ، أو هي الوصف بالنظر في دلالة الجنسية الأعم في "الخمر" فهي مظنة شيوعٍ يضاهي النكرة كما الوصف "يَحْمِلُ أَسْفَارًا" في قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) ، فاسم "الحمار" : معرفة في لفظه نكرة في معناه إذ الأداة فيه لم تجاوز حَدَّ الْبَيَانِ لجنس المدخول وهو ما يحصل بالنكرة إذ هي الاسم الشائع في جنسه فَتَصْدُقُ في كل فرد من أفراد الحقيقة في الخارج دون دلالة عهد أخص تُقَرِّبُهَا إلى المعرفة ، فَتَعْرِيفُهَا لفظي وَتَنْكِيرُهَا معنوي والعبرة بالمعاني لا بالمباني كما يقول أهل الشأن .
    فكان من القيد حالا أو وصفا مَا رَفَدَ الخمر ، وبه احتال من استحل المسكر أَنْ سَمَّاه بغير اسمه ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، عنوان مجمل في باب الأسماء والأحكام إذ قد يجاوز بِصَاحِبِهِ الحدَّ مِنَ العصيانِ وهو الفعل إلى الكفران وهو الاعتقاد المجاوز إذ الفعل في نَفْسِهِ ، فِعْلُ الشُّرْبِ أو التَّعَاطِي للمسكر ، لَا يَنْقُضُ أصلَ الدينِ الجامع وإن قَدَحَ في كماله الواجب ، فالفعل جنسا أعم في باب النواقض ، الفعل مما استغرق في الخارج أَنْوَاعًا تَتَقَاسَمُ عنوانه المطلق الذي يجرده الذهن ، فمن الفعل في باب النَّوَاقِضِ : فِعْلٌ نَاقِضٌ بِنَفْسِهِ اعْتَقَدَ الفاعل أو لم يعتقد ، كما نَوَاقِضُ عملية قد اسْتَقْرَأَهَا أهلُ الشأن في باب الأسماء والأحكام ، ومنه آخر ناقض لكمال الإيمان الواجب فهو من العصيان الذي يَتَرَاوَحُ من صغيرةٍ تُكَفِّرُهَا الصلاة والصدقة والصيام والحج والعمرة ... إلخ من أعمال البر إلى كَبِيرَةٍ تَفْتَقِرُ إلى تَوْبَةٍ أخص مع ما يكون من رَدِّ الحق إلى أهلِه في مَعَاصٍ يَظْلِمُ صاحبُها غيرَه ، فاستغرق الفعلُ النَّوَاقِضَ كَافَّةً : نَوَاقِضَ الأصلِ الجامع ابتداء ، ولو بلا قَرِينَةٍ من خارج مِنَ استهزاءٍ أو استباحةٍ ، وَنَوَاقِضَ الكمال الواجب فلا تَنْقُضُ أصلَ الدين الجامع ، بادي الرأي ، إلا إذا اقْتَرَنَ بها سبب من خارج يجاوز بها حد العصيان إلى آخر أفدح بما يكون من كفران يقدح في الأصل ، كما الشراب محل الشاهد ، فهو ابتداء من كَبَائِرِ الذنوبِ الناقضةِ لكمال الدين الواجب ، فإذا جاوز به الشارب حَدَّ العصيان إلى الاستباحة فاتخذ الاسم المبيحَ المحدَث ذريعةَ استباحةٍ لما قد عُلِمَ ضرورة من الدين والوحي أنه المحرم تحريمَ القطع ، فَقَدْ بَلَغَهُ من العلم المفصل ما به حصول الحجة وانتفاء عذر يمنع إطلاق الاسم واللقب ، وهو ما يرفد عنوان الشرب آنف الذكر في "لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا" : ما يرفده بآخر يُحْتَمَلُ على تَأْوِيلِ : لَيَسْتَحِلَّنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا ، فَثَمَّ من الإجمال ما اسْتَوْجَبَ بَيَانًا أخص ، فإن الشُّرْبَ عَلَى أنحاء ، فَثَمَّ من شَرِبَهَا مُتَأَوِّلًا إما أنها لا تدخل في حد التحريم أو أَنَّ ثَمَّ رخصة بها يَسْتَبيِحُ كما قد تَأَوَّلَ قدامة بن مظعون ، رضي الله عنه ، ومعه القوم إذ شربوا الخمر أَنَّهُم ممن يَسْتَغْرِقُهُم عمومُ الآية أَنْ : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، وهي التي نَزَلَتْ عُذْرًا للماضين وَحُجَّةً على الباقين لا أنها رخصة لمن بَقِيَ وَأَتَى بَعْدًا أَنْ يَسْتَحِلَّ مِنْهَا ما قَدْ حَرُمَ وأحكم تحريمه فهو المؤبد الذي لا يُنْسَخُ فَلَمْ تَكُنِ الخمر أولا مما أباح الوحي وإنما اسْتُصْحِبَ شربُها إباحةَ عقلٍ لِمَا قد عَمَّتْ به البلوى فكان من حكمة التشريع أن بدأ بالأصل توحيدا ثم ثَنَّى بما تلا تشريعا يصدق التوحيد فهو آية إفراد للشارع ، جل وعلا ، بالنسك والحكم ، ومنه ما تقدم من تحريم الخمر ، فكان تحريمها شيئا فشيئا حتى نَزَلَ النص بِرَسْمِ القطعِ فلا يحتمل فذلك مما رَفَعَ الإباحةَ العقلية في الباب ، إباحةَ الخمر استصحابا فكان رَفْعُهَا بالنِّصِّ المحكمِ أَنْ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) ، فلا يُقَالُ إِنَّهُ نَسْخُ إباحةٍ تَقَدَّمَتْ فَلَمْ تَكُنِ الخمرُ ، بادي الرأي ، مُبَاحَةً بِنَصٍّ ثم كان نَسْخٌ بآخر ، وإنما اسْتُصْحِبَتْ إباحةً في العقل حتى جاء الدليل الحاظر إذ يَنْهَى ، فَأَبَانَ عن العلة أنها : (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) ، وكان من الحكم تال يأمر بالاجتناب أن : (اجْتَنِبُوهُ) ، مع ما يَنْهَى ختامَ السياقِ ، فتلك دلالة الاستفهام في قوله تعالى : (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) ، فلا يخلو من إلهاب وتهييج بَاعِثٍ أن يمتثل المخاطَب حكمَ النَّهْيِ النازلِ ، فاستعير الاستفهام في قوله تعالى : (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) ، اسْتُعِيرَ لِنَهْيٍ عَلَى تَقْدِيرِ : انْتَهُوا ، كما فِي الأثر المشهور مِنْ شَيْءٍ كَانَ بين الصديق وعمر ، رضي الله عنهما ، فَتَمَعَّرَ وجهُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غضبةً لصدِّيقِهِ ، وَقَالَ : "«إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي»" ، فكان الاستفهام الباعث أَنْ يَنْتَهِيَ القومُ فلا يؤذوا الصديق ، رضي الله عنه ، ولو بِالْقَوْلِ ، فَتَقْدِيرُهُ : اتْرُكُوا لي صاحبي فلا تؤذوه ، وهو مما جَرَى مجرى الاستعارة ، إذ استعير إنشاء لآخر ، فاستعير الاستفهام للأمر ، وذلك ما تَنَاوَلَهُ الْبَيَانِيُّونَ ، كما تقدم مرارا ، مثالَ المجازِ فمنه الاستعارة ، ومن ينكر فهو أبدا يَأْرِزُ إِلَى العرف اللساني المتداول ، فذلك مما اطرد واشتهر في لسان العرب مع ما كان من قرينة ترفد التأويل فهي دليل معتبر قد صَرَفَ الاستفهام عن المعنى الراجح المتبادر من الاستعلام إلى مرجوح من الأمر الموجِب ، فإن سياق الخبر مع ما قد حُكِيَ من تَمَعُّرٍ وَغَضَبٍ ، كل أولئك مما تأوله المخاطبون ، فَكَانَ مِنَ الامْتِثَالِ مَا حكاه السياق خَتَامَ الخبرِ ، فـ : "مَا أُوذِيَ بَعْدَهَا" ، فيجري ذلك مجرى الظاهر المركب ، فَثَمَّ قَرِينَةٌ من السياق تقيد وهي ما احتمل عنوان الحقيقة إذ تجاوز المتبادر من حقيقة المعجم المفرد إلى تَالٍ من الحقيقة المركبة من مفردٍ أول وقرينةِ سياقٍ يرجح ، فَرَجَحَ النهيُ في آي الخمر آنف الذكر : (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) ، إذ قد تَقَدَّمَ الأمر بالاجتناب في سباق أول : (فَاجْتَنِبُوهُ) ، وهو في معنى الكف الذي يدل عليه الأمر بالانتهاء ، فتلك قَرِينَةٌ من اللفظ ، لفظِ الآي ، وهي شاهدة بِمَا أراد المتكلم ، وإن لم يَظْهَرْ ، بادي الرأي ، إذ الاستفهام ، كما تقدم ، دليل استعلام ، فإذا القرينة تصرفه من راجح إلى مرجوح فَيُفِيدُ الأمرَ بالانتهاء ، وهو أمر التَّرْكِ الذي يُوَاطِئُ في دلالته التحريم بالنهي القياسي أَنْ : لا تقربوا الخمر والميسر إذ بهما العداوة والبغضاء تحدث وهو ما يشغل المحل بالباطل فلا يكون ثم محلٌّ شَاغِرٌ لِحَقٍّ من الذِّكْرِ والصلاةِ ، فالمحل الواحد لا يسع حَالَّيْنِ اثنين في نَفْسِ الوقتِ مِنْ نَفْسِ الوجه ، وَإِنْ من جنسٍ واحد ، فكيف إذا كان ثم تعارض بل وتناقض بين باطل من عداوة وبغضاء وحق من ذكر وصلاة ، فَانْتَفَى الجمع من باب أولى ، وكان من التخلية ما وجب أولا نفيا لما يخبث من الحال التي تُفْسِدُ ، فإذا تَطَهَّرَ المحل بالتخلية صار أهلا لِتَالٍ من التحلية بالذكر والصلاة ، فلا يكونان إلا بعد تخلية من العداوة والبغضاء ، ولا تكون إلا بِتَرْكِ أسبابهما ، ومنها الخمر والميسر في الآية ، فذكرهما ، من هذا الوجه ، يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، وهو مِمَّا استغرقه عنوان أعم فهو جامع لآحاد الجنس أن : (تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ، فذلك عام قد استغرق الإثم والعدوان نصا يَنْهَى النهي الجازم فذلك المدلول القياسي في اللسان العربي إذ الأصل في النهي : التحريمُ وذلك مما رفده المنهِيُّ عنه فالإثم والعدوان مما قَدْ عُلِمَ ، بداهة ، أنه محرَّمٌ التحريمَ القاطع فمعنى القبح فيه بَيِّنٌ ظاهر ، فاستغرق النهي آحاد المنهِيِّ عنه من الإثم والعدوان ، أجناسا عامة تستغرق إذ دلالة "أل" فيها : دلالةُ بَيَانٍ لجنسِ المدخول ، من وجه ، واستغراقٍ لآحاده في الخارج ، من آخر ، فاستغرق النهي الجنس والآحاد كافة ، فذلك النهي المراد لذاته : نهي المقاصد لما قد تَمَحَضَّ فيه مَعْنَى القبحِ والذم الجالب لحكم التحريم بِالْقَطْعِ ، واستغرق النهي ، أيضا ، اللازم من أسبابهما ، إذ تحريم المسبَّب مقصدًا يدل لزوما على آخر وهو تحريم السبَّبِ ، وهو الذَّرِيعَةُ التي تُسَدُّ ، إذ تُفْضِي إلى محرم يُذَمُّ ، فكان النص العام ، وكان آخر خاص قد أَفْرَدَ الخمر والميسر بالذكر تَنْوِيهًا فذلك آكد في تقرير الحكم تحريما ، وهو ما حُدَّ نَاجِزًا برسم الفور كما قرر أهل الأصول والنظر ، لا جرم بَادَرَ عمر ، رضي الله عنه ، أن قال : انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا ، وبادر الجمع فسكبها حتى جرت بها سكك المدينة كما في الأثر ، فالأصل في النهي : المبادرة فَوْرًا والتكرارُ أبدًا فلا يخرج من عهدةِ التحريمِ أَنْ يَتْرُكَ مَرَّةً ثم يُقَارِفَ بَعْدَهَا أخرى ! ، فذلك المحكم الذي استقر فَلَمْ يُنْسَخْ ، فكان من شبهة قدامةَ وصحبه ما قد رَفَعَ الحكم وهو الكفر ، ولم يَرْفَعِ الحَدَّ ، فَثَمَّ من يشربها متأولا أنها ليست من الجنس المحرم ، كأن يقتصر على المذكورات فلا يجاوز الظاهر دون نظر آخر يجاوز إذ يستنبط من العلة معنى يستغرق آحادا يصدق فيها ، كما تقدم ، عنوان الإسكار ، علة النهي في الباب ، فَثَمَّ شبهة من وقف على الظاهر ولم يجاوز إلى آحاد في الباب لم يُنَصَّ عليها ، وإن كان من نَصٍّ فد تقدم : عنوان تخمير وإسكار يستغرق ، وثم من يشربها متأولا أن لا حرج كما تقدم من صَنِيعِ قدامة وصحبه ، وثم من يشربها وهو عاص وإن سماها بغير اسمها فلا يبلغ حد الاستباحة إذ يقر بتحريمها وإنما شربها شهوة غَلَبَتْهُ ، فذلك مناط عصيان يَنْقُضُ كمال الإيمان الواجب كسائر المعاصي بل قد زَادَتْ فَهِيَ من الكبائر ذات الوعيد الأخص ، الوعيدِ المنصوص ، إن عَاقَرَهَا مُعَاقَرَةَ المصِرِّ الملازِم فشربها أولى وثانية وثالثة ورابعةً ، أَنْ يُسْقِيَهُ الله ، جل وعلا ، من طينة الخبال وهي صديد أهل النار ، فَكُلُّ أولئك مما قد جاوز بها حَدَّ الصغيرة أو المعصية فهي كبيرة وإن لم تَنْقُضِ الأصل الجامع إلا بما احتف في مواضع من قَرَائِنِ الاستهزاء أو الاستباحة ، فهي ، كما تقدم مرارا ، ناقضة بِنَفْسِهَا بَاشَرَ صاحبها المحرَّم أو لم يباشر ، صغيرا كان أو كبيرا بل قد يكون من تَرْكِ بعض المندوب ما ينقض الأصل ، إن اقترن به ما تقدم من الاستهزاء أو الاستباحة أو الإنكار لما قد علم ضرورة أنه من الشرع المنزل ، وإن كان من المندوب ولا إِثْمَ باديَ الرأي في تَرْكِهِ ، على تفصيل في ذلك فقد يَبْلُغُ بصاحبه الذَّمَّ إن كان التَّرْكَ المطِّرِدَ لجنس المندوب كافة مع ما يغلب في أحيان تكثر أن يكون التفريط في الواجب بَعْدًا فيأثم ولو بالنظر في المآل فَيُنْهَى عَنْ تَرْكِ جِنْسِ المندوبِ سَدًّا لذريعةِ تَرْكِ الواجب فمبدؤه المندوب ومن فَرَّطَ في أول فرط في تال بما يكون من الاستدراج في الْخُطَا أو الْخُطَى على خلاف بين البصريين والكوفيين .

    وثم ، وهو محل شاهد تَقَدَّمَ ، ثَمَّ من بَلَغَ بِتَسْمِيَتِهَا بغير اسمها حَدَّ الاستباحة لما قَدْ عُلِمَ بالضرورة الدينية أنه محرم ، فذلك مناط كفران يَنْقُضُ أصل الإيمان الجامع ، وهو ، كسائرِ النَّوَاقِضِ ، مما استوجب شرطا أخص في الباب : شرطَ العلمِ إذ به قيام الحجة فَقَامَ الشرط من ثبوتها سالمة من المعارضة ، وانتفى العذر من الجهل أو التأويل .... إلخ من الموانع المعتبرة في الباب مع قَيْدٍ أخص إذ العذر مما يتفاوت بِتَفَاوُتِ العصر والمصر ، فما يُعْذَرُ به في دَارٍ قد عم فيها الجهل من دور الحرب أو أخرى بَعُدَتْ وَنَأَتْ ، لا يُعْذَرُ به في أخرى هي دار إسلام وعلم فلم تَبْعُدْ ولم تَنْأَ ، وذلك ، لو تدبر الناظر مما جاوز عنوان الخمر وهي مما يدرك بالحس إلى أخرى في المعنى بما يكون من مذاهب محدثة قد كَنَّى عنها أصحابها إذ قد قَبُحَ التصريح بها فهي عورات الفكر والنظر ! ، فكان من مذاهب الوضع المحدث مما قد ناجز به أصحابه الوحي المنزَّل ، كان منه طاغوت قد جاوز به صاحبه الحد ، فمنه طاغوت الحس شجرا وحجرا ، ومنه آخر في المعنى بما يكون من طاعةٍ واتِّبَاعٍ ولا يكون ذلك إلا بشريعةِ أمرٍ ونهيٍ مع ما تقدم من خبر به التصور إذ يأطر صاحبه الجمع على ما يواطئ هواه وذوقه تألها في الأرض بغير الحق ، فيكون من تَأْلِيهِ الأتباعِ له تأويلٌ لِتَأَلُّهِهِ ، ويكون من شرعته المحدثة ، فَرْدًا في الطغيان أو جمعا بما يكون من فكرة قد استقرت فَنَاجَزَ بها أصحابُها الوحيَ قَصْدًا ، يكون من ذلك طاغوت لا يسلم لمكلَّفٍ دين إلا أن يَكْفُرَ بِهِ الكفرانَ المبين ، فتلك التخلية قبل التحلية في آي الكرسي : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا) ، فَاقْتَرَحَ الطاغوتُ لنفسه ، إِنْ محسوسًا أو معقولًا ، اقترح لنفسه اسما به يستر قُبْحَ المسمَّى في الخارج ، لِيَتَعَاطَاهُ الأتباع كما الخمر فَقَدْ سموه بغير اسمه كما الحداثة عنوانٌ يَنْقُضُ محكمَ الرسالة فَكَسَاهُ الأتباع لحاءً من اسمٍ يَلْطُفُ فالحديث والجديد مما تستحسنه النفوس فَتُسَارِعُ فيه وإن كان عنوانَ الفساد في الدنيا والدين بما يكون من بَتِّ صلةٍ بما قد أُحْكِمَ من أخبار الوحي وأحكامه : معادن الصدق المصحِّح لقوة العلم الباطنة ، ومعادن العدل المصحِّح لقوة العمل الظاهرة .

    فلا ينفك الجاحد في هذا الباب ، يُسَمِّي الأشياء بغير اسمها ، كما المستحل للخمر ، فذلك وصف يعم ، وهو ما احتمل في هذا الجيل المغلوب ، إذ الحداثة قد غَلَبَتْ ، ولو قوةً بلا حق فليس لها من عنوان الفكرة والشرعة ما يجادل بحجة ، فليس إلا شبهات خرجت من رحم استبدادٍ وَسِيطٍ فذلك سياق يُؤْثَرُ في التاريخ به قد عَظُمَتِ الجناية أن تَذَرَّعَ صاحبها بالديانة قَيْدًا يأطر الجمع على قاعدةِ ظلمٍ وتحكم فأعطى الذريعة لمن ترصد وترقب فهو ساع في إفساد الأديان والأبدان كافة لما احتمل من وصف شائه قد جمع أضدادا ونقائض من الذلة والكبر ، والحسد المانع من قبول الحق وإن مُؤَيَّدًا بالدليل الناصح نقلا وعقلا وهو ما يَقْتَرِنُ بالاستكبار مادة ترفد في النفس الإباء والرَّدَّ إذ أُعْجِبَ صَاحِبُهَا بِرَأْيِهِ وإن خالف عن الوحي قصدا ، كما إبليس قد أبى السجود وقد أُمِرَ ، فتلك جبلة نارية وإن كانت مادتها طينية ! ، قد احتملت من الأوصاف ما تَرَصَّدَ وَتَرَقَّبَ فخصومتها للنوع الإنساني كافة من جنس الخصومة الإبليسية الأولى ، فجعلت إغواء الخلقِ غايةً أَنْ تُفْسِدَ أديانهم وتسترق أبدانهم ، فأعطى كهنة الدين المبدَّل إذ كان من طغيانهم أول قَدْ عَظُمَ شُؤْمُهُ وبه اسْتُجْلِبَ طغيان أعظم ، فمن طغيان الكهنة باسم الدين إلى آخر قد اتخذ الحرية ذريعة إلى الإلحاد والانحلال ، فإذا فسدت الأديان والأخلاق سَهُلَ على الطاغوت أن يأطر الْخَلْقَ على جَادَّةٍ تواطئ الهوى والحظ ، فَاسْتَرَقَّ الناس طوعا بما استثار فيهم من معادن الغرائِزِ ، إن في الحس وهو المتبادر أو في المعنى بما يكون من حب الجاه والرياسة والإعجاب بالرأي وحب الثناء والحمد ... إلخ ، فأطلقت الغرائز بلا قيد من الشرائع ، وَغُيِّبَ الوحي إذ لم يكن في الوجدان منه إلا ذكرى تؤلم بما قارف كهنة الدين المبدَّل من جناية الاستبداد والتحكم ، واتخذ الخصم من ذلك ذريعةً تُحَرِّضُ فكان الكفرانُ بالوحي كلِّه ، صحيحِه ومبدَّلِه ، فلم يكن ثم من المرجع ما يميز الصحيح من المبدل ولم يكن ثم من العدل ما يَنْظُرُ نَظَرَ الحكمة فلا يَرُدُّ الظلم بأفدح ، فمن غلو في طاعة الأحبار والرهبان إلى ضِدٍّ من الكفران بالأديان كافة ، فليس ثم معيار نبوة محكمة تميز الصحيح من المبدل ، ولم يكن ثم من الإنصاف ما يلجئ أولئك أن ينظروا في النبوة الخاتمة نَظَرَ طالبٍ للهداية فقد كفروا بالأديان كافة ، وكانت الحداثة اسما يَلْطُفُ فلا يَفْجَعُ ولا يَفْجَأُ من له من الدين مذهب ، فَسَمَّوا به الكفران بغير اسمه ، كما الخمر محل الشاهد ، فتلك جناية التأويل الذي احتمل اسم النقد والتجديد فِي القبيلِ المغلوب في هذا الجيل المنكوب إذ استسلم للغالب وانقاد لِمِنْهَاجِهِ وَرَامَ اتباعا لِسَنَنِهِ تصديقَ الخبر المحكم أَنْ : "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ" ، فكما نَقَدَ أولئك دينهم فَجَدَّدُوا فيه وَحَدَّثُوا وإن عطلوا منه الأصول والفروع كافة ! إلا آثارا باهتة ليست إلا ذَرَائِعَ بَاعِثَةً على العدوان أَنْ يُحْشَدَ الجمع نصرةً للأديان ! ، وإن لم يؤمن بها الحاشد فهو حداثي خالص ! ، وإنما اتخذها عنوانا يحفز في النفوس ما شَرُفَ من العقود ، العقود الدينية ، ولو نَالَهَا من التبديل والتحريف ما نَاَلَها فَلَا تَنْفَكُّ تصدر عن رِكْزِ فطرةٍ أولى تُعَظِّمُ الدينَ والوحيَ وتستعين به في السلم والحرب ، ولو اضطِّرَارًا يُلْجِئُ ، فـ : (إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) ، فكما نَقَدَ الغالب دينَه وَجَدَّدَ فالمغلوب أبدا على جادته يسلك فهو ، كما يقول بعضُ من حَقَّقَ ، المولَعُ بمحاكاته إن في حق أو في باطل فقد ضل عن معيار به يحكم فَيَمِيزُ الحسنَ من القبيح ويكون له من استقلال الذات فكرة وشرعة ما يخرجه عن حد التقليد المذموم ، تقليدِ المغلوبِ المقهورِ ، لا تقليد الناظر المحقق ذي المعيار الذاتي المحرَّر ، ولا أَعْلَمَ ولا أَسْلَمَ في الباب من معيار الوحي حَكَمًا تَرُدُّ إليه العقول ما تَنَازَعَتْ فيه من الحكومات ، فَتَقْلِيدُهُ عينُ اجتهادٍ وَاتِّبَاعٍ على بصيرة وبه السلامة من تَقْلِيدِ الخلق بلا معيار يميز الباطل من الحق .
    فلم يكن ثم بُدٌّ أَنْ يُسَمَّى هذا التقليد المذموم : تَقْلِيدُ الغالبِ من المغلوب ، أَنْ يُسَمَّى بغير اسمه كما الخمر ، فقبحه ظاهر يفضح كما قبحها إذ يَغِيبُ العقلُ بها وَيَذْهَبُ ، فَسُمِّيَ الأول حداثة فهي تجدد وَتُقَوِّمُ وإن خرجت بصاحبها أن يجحد وينكر ، كما سميت الخمر بغير اسمها ذريعة الاستباحة لما خبث من جنسها .

    وذلك ، لو تدبر الناظر ، عنوان قد اطرد في المذاهب المحدثة كافة ، إن في العلم أو في العمل فكلٌّ يُسَمِّي محدثته بغير اسمها الذي يصرح إذ لِقُبْحِهَا يفضح ، فوجب أن يَتَلَطَّفَ بما يَتَنَاوَلُ من أسباب الكناية ! .


    وكان من عامل كينونة آخر في رواية : "لَيكونَنَّ من أمَّتِي أقوامٌ، يَستحِلُّون الحِرَ والحريرَ، والخمرَ والمعازفَ" ، كان منه ما يجري مجرى التَّمَامِ على تقدير الوجدان كما في قوله تعالى : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) ، على تأويل : وإن وُجِدَ ذو عسرة فالواجب في حقه الإنظار إلى ميسرة ، ولا يخلو السياق في الروايات كافة أن يجري مجرى الإخبار في سياق الذم ، فذلك مما يستلزم النهي تحريما ، على تأويل : لا تشربوا الخمر فتلك الشهوة المفسدة لقوى العمل الظاهرة مع ما يكون من إفسادٍ لمحل العقل الأول وهو رائد الحركة بما يقترح من فكرة ، ولا تسموها بغير اسمها فذلك في الجرم أفدح فتلك الشبهة المفسدة لقوة العلم الباطنة بل قد تجاوز إذا التزم صاحبها لوازمها فاستحل المحرم عالما عامدا بلا عذر معتبر من تأويل أو جهل ... إلخ ، فذلك ما يَنْقُضُ مَا قد ثَبَتَ أولا من أصل إيمان جامع .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •