نعم؛ المسلمين في حاجة إلى من يرتقي بشئون حياتهم العلمية والعملية إلى مستوى أعلى يليق بمكانة أمة الإسلام حملة هذه الشريعة الربانية.

وفي غفلة من المسلمين عن هذا الأمر ومع انعدام شعورهم بخطورته سار أعداء الله في خطوات خبيثة تزيد الأمة ضعفاً إلى ضعفها، ولما كان في الناس طاقات وقدرات لا بد أن تصرف في شيء ما، تحرك الأعداء لإفراغ حماس المسلمين في سبل واهية واهتمامات لاهية، وهذه وتلك غنيمة باردة يتلقفها أعداء الملة لتأتي على الأخضر واليابس من طاقات الأمة، وعندها تتبدد ثروتها وتنهار قوتها، ولذلك كان شعار الأعداء في مخططاتهم الشيطانية أن [حافظوا على إهدار حماس المسلمين في أي شيء وبأي شيء].

ولذا -أيها الأخوة- وبمناسبة دخولنا إلى عشر ذي الحجة؛ وددنا أن ننوّه أنه ظهر في الديار المسلمة صور من الحماس في أمور دخيلة، بينما هم في فتور عميق عن أمور أصيلة، والواقع يشهد لما ذكرنا ويؤكده فلقد أصبح حماس المسلمين ثروة مهدرة في مجالات شتى، ومن ذلك:

أولاً: إهدار حماس الأمة في التعصب لقوميات وإقليميات جاهلية؛ فتجد كتباً تؤلف في القومية العربية ومنابر ثقافية جندت نفسها وضحّت بأوقاتها وأموالها من أجل القومية العربية، وأقلاماً تسيل في صفحات المجلات والجرائد المحلية والعالمية تنافح عن ذلك وتدافع عنه، وحماساً مشتعلاً من الشعراء في أبيات كفرية تدعو إلى هذه العقيدة البدعية، ويكفي ذلك ما يردده القوميون من قول شاعرهم:

سلام على كفر يوحد بيننا *** وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم

وقال آخر من حزب البعث القومي:

آمنت بالبعث رباً لا شريك له *** وبالعروبة دينا ماله ثان

وهذا الحماس للقومية العربية جعلهم يمقتون الدين ويهونون من شأنه، بل إنهم طالبوا بأن يُنحى عن الحياة، وحاولوا إغراق الناس في معاني أدبية لا تستحق أن يُعاش لها أو يُتحمس من أجلها.

ثانياً: إهدار حماس الأمة في التعصب للبدع والضلالات؛ فترى حماس الأمة وطاقتها تهدر في بدع شركية وضلال مبين، فمرة تصرف الأموال الطائلة في إحياء حفلات الرقص الصوفي ومرة تصرف في إحياء محافل المولد النبوي وإقامة أفراح مناسبات الإسراء والمعراج والهجرة النبوية، بل تُقام المدارس والجامعات لتعليم العقائد الضالة، ومع الطرق الصوفية المخترعة و العقائد الضالة المنحرفة سنرى أن المسلمين يتحمس البعض منهم لهذه الطريقة والبعض الأخر يتحمس لتلك الطريقة، وعندها تفترق الأمة وتختلف قلوبها، كما أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: " تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما عليه أنا وأصحابي".

وترى حماس الأمة يتبدد مع تعصب هؤلاء لرؤسائهم الذين يسمونهم أولياء الله، وكذبوا، فيتبركون بأيديهم ويقبلون أرجلهم وقد يركعون لهم ويسجدون وقد يذبحون لهم وينذرون بل قد يطوفون حول قبور الموتى منهم ويترنمون بالقصائد في مدحهم ورفع مكانتهم، ولما كان التنازع بين الأمة سبيل إلى خورها وضعفها تحرك الأعداء لضرب المسلمين، وعلى وجه الخصوص ضرب أهل السنة والجماعة منهم بالمعتزلة والباطنية فيسقط هؤلاء وأولئك وتكون المصلحة الكبرى هي لأعداء الله ورسوله، ومن ذلك تحرك المستشرقين لإخراج كتب المعتزلة وطباعتها ونشرها بين المسلمين ليحصل الخلاف والتنازع فيصبح منهم الجاهل المؤيد لهذا الفكر، ومنهم العالم المشتغل بالرد عن العقيدة السلفية وهذا واجبه، ولكن بذلك يحصل إهدار طاقة الفريقين وهذا ما يريده أعداء الإسلام.

ثالثاً: إهدار حماس الأمة في دائرة الشهوات؛ فنلحظ هذا المعنى في كلام القس زويمر رئيس مؤتمر القدس التبشيري حيث قال: "إنكم أعددتم نشئاً في بلاد المسلمين لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، أخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقا لما أراده الاستعمار المسيحي لا يهتم بالعظائم ويحب الكسل والراحة ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات فإذا تعلم فمن أجل الشهوات وإذا جمع المال فمن أجل الشهوات وإن تبوء أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء".

وتجد حماس كثير من المسلمين لإشباع شهواتهم من خلال السفر المحرم وفيه تصرف الأموال الطائلة وتجمع أرصدة سوداء من السيئات وذلك لخوضهم في فواحش مظلمة والأمر كما قال الله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)[آل عمران: 14].

وترى حماس المسلمين يتبدد في اهتمامات لاهية في حب غير عفيف وعشق وغرام وهيام، ويتأكد هذا المعنى لكل متأمل حينما يلتفت إلى الدواوين الشعرية وصفحات الشعر الشعبي سيجد بوضوح ذلك الحماس الملتهب للنساء الجميلات من خلال الكلمات ألتي تضج بالغرام والغزل وكما قال أحد الصالحين: "من أحب غير الله عُذب به " فلذلك كلمات العاشقين لا يفوح منها إلا النحيب والنياح والصياح، قلوبهم مجروحة ودموعهم لا تنطفئ نارها.

وحسبنا أن نقول لهؤلاء:
كل محبوب سوى الله سرف *** وهموم وغموم وأسف

وقول الله أبلغ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ)[البقرة: 165].

رابعاً: إهدار حماس الآمة في المهاترات الإعلامية؛ فإن المتأمل في واقع الإعلام وما يتضمنه من أخبار ومتابعات، يجد نسبة عالية منها تخوض في أمور لا أهمية لها في حياة المسلمين؛ فكم أهدر حماس المسلمين في متابعة أخبار الموسيقار الذي خانته زوجته، وكم أهدر حماس الأمة في متابعة أخبار ذلك اللاعب الذي قتل عشيقته، وكم أهدر حماس الأمة في متابعة أخبار تلك الكافرة التي ماتت في حادث مروع مع عشيقها.

ثم تمتلئ الصفحات بكلمات المتحمسين لهذه الأخبار ما بين مؤيد ومعارض ومنتصر ومخذل، وترى المتابعين لهذه المهاترات الإعلامية في ذهول تام عن قضاياهم الرئيسة وهذا ما يريده أعداء الملة.

نهاية إقدام العقول عقال *** وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا *** وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا *** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

كم من الأوقات يضيعها المسلمون في احتضان القنوات الفضائية، وكم من الأوقات تهدر في الحديث عما يُعرض فيها وليس هذا الإهدار في المجالس فحسب بل هو حال كثير من الموظفين الذين يسهرون الليالي في متابعة متحمسة لما يعرض هنا وهناك والعدوى تنتقل كذلك إلى طلاب وطالبات المدارس؛ فما يجدون فرصة وفسحة إلا وخاضوا في حوار ساخن عن تلكم الأفلام والمسلسلات.

إن هذه الطاقات تهدر في أمور تافهة لا ترتجي منها أمة الإسلام منفعة ترى خيرها بل تزيد من ضعفها وشرورها.

كيف بنا لو انصرف المسلمون إلى تعلم دينهم؟ كيف بنا لو انصرف المسلمون إلى تعلم ما ينفعهم في دنياهم؟ كيف بنا لو انصرف أولئك الموظفين إلى تطوير إدارتهم والى الازدياد من المعارف التي تسهل للمراجعين أمورهم ؟ كيف بنا لو انصرف الطلاب إلى تقوية علمهم وتنمية مهاراتهم، مرة يتفقهون في دينهم ومرة يتعرفون على تاريخهم ويطورون أنفسهم تعلما للحاسب الآلي وتنمية لذوقهم الأدبي ومتابعة لأخبار إخوانهم في العالم الإسلامي؛ أليس هذا أولى وأجدى من إضاعة الأيام والليالي في دروب الضلالة والانحراف ؟ بلى وربي.

هذا وللكلام بقية فنسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.