ومن قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ، وهو ، أيضا ، مما حُدَّ وصلا مجموعا "الَّذِينَ" ، فَيَحْكِي الإطناب بالمجملَ ثم المبيِّن الذي حُدَّ صِلَةً بعد الموصول فهو له يكمل إذ له يُبَيِّنُ ، فافتقار الأول للثاني افتقار ذاتي لا يُعَلَّلُ فذلك وضع اللسان الأول ، وهو إما وَحْيًا أو إلهاما أو وَضْعًا قَدْ تَوَاطَأَ عليه أصحابه هو في جميع أحواله مما لا يعلل ، فمحله كالتوقيف ، فَلَا يَلْتَمِسُ له الناظر عِلَّةً بل يجريه مجرى الذاتي الذي لا يُعَلَّلُ ، كما أن الفقر في المخلوق ، وَالشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ ، ذَاتِيٌّ لَا يُعَلَّلُ فَتِلْكَ جِبِلَّةٌ أولى بِهَا استبان القدر الفارق بَيْنَ المخلوقِ والخالقِ ، جل وعلا ، فَغِنَى الخالق ، عز وجل ، في المقابل ، ذَاتِيٌّ لا يُعَلَّلُ إِذْ لَا يَفْتَقِرُ إلى سبب من خارج ، بل كلُّ سَبَبٍ ، كما تقدم مرارا ، فَإِلَيْهِ يَفْتَقِرُ ، فكان من الغنى المطلق وصف أول يدخل في حَدِّ الإطلاق في اسمه الكريم "الأول" ، فدلالة "أل" : دلالة عموم قد استغرق وجوه المعنى ، وهو ما رَفَدَهَا بعنوانِ العهدِ الخاص فلا يكون ذلك الإطلاق الذي يُوَاطِئُ الكمال المطلق ، لا يكون إلا لواحد في الخارج هو الرب الخالق ، جل وعلا ، وحده ، فهو الأول والآخر وَبَيْنَهُمَا الكمال المطلق ذَاتًا وَوَصْفًا ، وبه انْتَفَى قِيَاسٌ لا يخلو من تَشْبِيهٍ في الأفعال قد الْتَزَمَهُ مَنْ نَفَى الحكمة في الأفعال ألا تُعَلَّلَ بالأغراض التي تدل على نَقْصٍ يَرُومُ الفاعل استكماله ، وقد حَدَّهُ بعض النظار ممن ينفي الحكمة تَعَلُّلًا بِنَفْيِ الْغَرَضِ آنف الذكر ، قد حَدَّهُ بعبارة : "الفاعل بِغَرَضٍ مستكملٌ بالغرض" ، وذلك ، إن صح فَفِي حَقِّ المخلوق المحدث إذ الفقر والنقص ، كما تقدم ، وصف ذات يلازمه أبدا ، وإلا فأفعال الخالق ، جل وعلا ، تصدر عن كمال أول قد استغنى صاحبه ، عز وجل ، أَزَلًا ، وذلك ، أيضا ، مما يدخل في حد اسمه الأول فمنها أولية الغنى المطلق الذي لا يفتقر إلى سبب من خارج ، فذلك وصفه اللازم وبه قَيَّدَ بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ عِبَارَةَ النُّظَّارِ آنِفَةَ الذِّكْرِ ، فليس الاستكمال دليل نَقْصٍ مطلقا ، وإنما يكون دَلِيلَ نَقْصٍ إذا كان بسبب من خارج ، وأما الاستكمال بالذات فهو دليل كمال إذ ليس ثم سبب من خارج ، بل ثم مِنْ تَعَدِّي الوصفِ إغناءٌ لمن وصفه في الخارج فقر ذاتي ، فالغني الغنَى الذاتي يُغْنِي الفقيرَ الفقر الذاتي بأسباب بها يستكمل ، فحصل الفرق بَيْنَ الغني المغنِي في حَدٍّ ، وَالْفَقِيرِ الْفَقْرَ الذَّاتِيَّ في آخر ، فالخالق ، جل وعلا ، هو الكامل أزلا وأبدا ، وكماله الكمال المطلق ، والفعل في الخارج أَثَرٌ من آثار كماله الأول ، فلا يفعل لِيَسْتَكْمِلَ كما المخلوق المحدَث ، وإنما بالفعل تظهر آثار كماله الأول ، فيفعل لحكمة وإحسان ، فَثَمَّ مِنَ الْفِعْلِ مَا بِهِ الثَّنَاءُ بالكمالِ المطلقِ حكمة وقدرة ، جلالا وجمالا بهما تأويل الكمال المطلق ، فَقَدْ خَلَقَ هَذَا الخلق لِتَظْهَرَ آثارُ قدرتِه جلالا ، وَلِيُحْسِنَ إلى الخلقِ جمالا ، ولو بالإيجاد المطلق أَنْ أَخْرَجَهُم مِنَ العدم إلى الوجود فكيف بما زَادَ من نِعَمٍ تَتَنَزَّلُ ، إِنْ نِعْمَةَ الدِّينِ وهي الأعلى إذ محلها جنان يَلْطُفُ ، أو نعمة الدنيا وهي الأدنى إذ محلها أبدان تَكْثُفُ ، فتلك القدرة والحكمة لا الغرض كما تقدم مِنْ تَشْبِيهٍ لم يسلم منه مَنْ نَفَى الحكمة في فعل الخالق ، جل وعلا ، تَذَرُّعًا بِنَفْيِ الْغَرَضِ إذ إِثْبَاتُهُ يستوجب إِثْبَاتَ النَّقْصِ للفاعل الذي يفعل لِغَرَضٍ ، فهو يَسْتَكْمِلُ بالفعل كما المخلوق المحدَث فَإِنَّ مَبْدَأَهُ عدم ثم وجود ناقص لا يعلم ولا يقدر ، وإن رُكِزَتْ فِيهِ قُوَّةُ العلم والقدرة فلا ينفك يتأولها في الخارج بما يكون من فعل يصدق القوة الأولى ، ويرفدها بآحاد في الخارج بها الاستكمال أَنْ يَصِيرَ الفاعلُ فَاعِلًا بِالْفِعْلِ بَعْدَ أن كان في المبدإ فَاعِلًا بقوة مجملة في النفس فهي تفتقر إلى المبين ، وهو ما يكون من آحاد من الفعل يباشرها المحل الناقص توسلا إلى كمال تال هو المحدَث إذ سُبِقَ أولا بالنقص بل والعدم ، فالقوة المجملة في المحل المخلوق لَمَّا تَظْهَرْ آثارها بَعْدُ في الخارج ، فيكون بَيَانُهَا المصدق ما يكون من أفعال تَالِيَةٍ ، وتلك آحاد من الأفعال بها يستكمل المحل ما يَنْقُصُهُ ، فَفِعْلُهُ سَبَبٌ به يَتَوَسَّلُ إلى الكمال المحدَث إذ ليس له من الكمال الأول حظ ، بل لا يَزَالُ أبدا يوصف بالعجز والجهل ، وإن استجمع من أسباب القدرة والعلم ما استجمع ، فما يَعجز عن فعله أكثر مما يقدر ، وهو الفيصل في الوصف بين الخالق ، جل وعلا ، والخلق ، فـ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) ، وما يجهل المحل المخلوق الطالب لكمال العلم بما يُحَصِّلُ من أدوات التَّعَلُّمِ وَأَسْبَابِهِ وَمَا يَجْمَعُ من أَبْوَابِهِ وَمَسَائِلِهِ ، مبنى يُلْفَظُ ومعنى يُعْقَلُ ، وذلك ، والشيءُ بالشيءِ يُذْكَرُ ، رِكْزٌ وجداني بِهِ امْتَازَتِ الثَّقَافَاتُ كافة ، فهي مجموع مركب من عَلَائِقَ تَدقُّ فِي الذهن ، وطرائق في الاعتقاد والفكر وعناوين رَئِيسَةٍ في باب الحسن والقبح ، وما يكون من شريعة وحكم ، ولا يكون إلا بِنُطْقٍ وَكَتْبٍ ، فذلك المظهِر لِمَا تَرَاكَمَ من المعاني الوجدانية ، وبه التمايز بين الخلق ، فلكلٍّ باعث وَشَرْعٌ هو المعيار الحاكم في الجزئيات بما كان أولا من رُوحٍ بها التشريع يُسْطَرُ وَكُلِّيَّاتٍ بها الفروع تُجْمَعُ ، فالأصول مَعَاقِدُ في التَّفْرِيعِ عنها يصدر المجتهد في أي شرعة أو دين فيحكم في الفروع المحدَثَةِ والنَّوَازِلِ المستجدة ، ولكلٍّ لسان يجاوز المتبادر مِنْ نُطْقٍ بِهِ يَتَعَاطَى الجمعُ أسباب الحياة من بَيْعٍ وَشِرَاءٍ .... إلخ ، فَثَمَّ باعث تَأَوَّلَهُ بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ أَنَّهُ الدِّينُ ، فلكلِّ جَمْعٍ من البشرِ بَاعِثُ دِينٍ ، وهو سَبَبٌ به البقاء في مشهد التاريخ ، صَحَّ أو فَسَدَ ، لا جرم كانت الحداثة ضد الدينية التي حملت لواء المكافحة لكلِّ دينٍ فَلَمْ يكن لها منه حظ ولو مادةً تَتَمَاسَكُ بها المقالة ، لا جرم كانت قصيرة العمر ، كما يذكر بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ إذ يسرد شروطا تَلْزَمُ أَنْ يَتَعَاطَى الناظر مسائلَ فكرٍ وحضارةٍ ، فلا بد أن يشتغل بادي الرأي ، بأصل الدين الذي عنه تصدر ، وإن لم تكن به تعمل ، فهو تَيَّارُ فِكْرٍ قد نَشَأَ عَلَى مكث ، فَتَنَاقَلَتْهُ الأجيال ، ولو عنوان التَّمَايُزِ في الهوية والحد ، فلا بد فيه من الجمع والمنع ، كما يقول أهل الشأن ، والدين جامع أقوى يَسْتَغْرِقُ الأفراد كَافَّةً على قاعدة الاعتقاد الراسخ ، ولو لم يكن له من الأعمال في الخارج شريعة تحكم ، فَاقْتَصَرَ عَلَى باعث الفعل دون ماهيته ، فماهية الأفعال تَفْتَقِرُ إلى اصطلاحٍ في التشريع أخص ذي معيار محكَم في الأمرِ والنهيِ وَتَعْلِيلِ الأحكامِ معقولةِ المعنى والتعدي بها إلى فروع في الخارج تحدث ، فَيُجَاوِزُ الدين في هذا المثال عنوانَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ ، فَلَا جَمْعَ يُنْشِئُ مِثَالَ ثَقَافَةٍ وحضارةٍ في الخارج إلا أن يكون ثم دين ، ولو دِينَ القوة المركوزة في النفس ، لا دِينَ الفعل المصدِّق في الشرع ، والدين ، مع ذلك ، أقوى مانع يميز الجمع إذ يمنع غَيْرًا أن يدخل ، ومنع المخالف كجمع الموافق ، فكلاهما قد اسْتَمَدَّ من الدين الاعتقادَ الراسخ ، فوجب في درس الحضارة دَرْسُ الدين فهو الباعث الذي عنه روح الحضارة والثقافة تصدر ، فالأفراد بها يَتَشَبَّعُونَ نَشْأَةً إذ الجمع يُلَقِّنُهُمْ مَعَايِيرَ الفكرة والحركة ، وما يحسن وما يقبح ، ثم يكون اللسان تَالِيًا وهو المبلِّغ عَنِ الجنان ما احتمل من المعاني والقيم ، فذلك شرط مركب في دِرَاسَةِ أي ظاهرة في الفكر أو الحضارة مع قَيْدٍ بِهِ احترز بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ ، أن يكون ثم تجرد في البحث والنظر ، وهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، آي به الإنصاف يجب ، ولو من النَّفْسِ لخصم يعاند ، ولا يستوجب ما الْتَزَمَ بَعْضٌ ، وَلَوْ زُورًا ، مِنْ حِيَادٍ يروم الانخلاع من الذات الدينية والحضارية ، فلا يُحِبُّ وَلَا يُبْغِضُ ، وما يصنع من انخلاع من ذاته دَلِيلٌ يُكَذِّبُ الدعوى ، فما انخلع إلا وهو يكره ، وإن تَلَطَّفَ أَلَّا يُفْضَحَ فِي الجمعِ أنه مفتون بِغَيْرٍ قَدْ غَزَا وَتَمَكَّنَ ، فاحتل العقول بما احتمل من العلوم والفنون التي نشأت في حاضنة تُغَايِرُ فكان من فتنة المغلوب بالغالبِ ما اطرد سُنَّةً في كل جيل ، فالمغلوب يكره ذاته المغلوبة ويروم الانخلاع منها والدخول في دين الغالب رُوحًا وإن لم يدخلِ اعْتِقَادًا ، فلا يَنْفَكُّ يحب الذات الغالبة ويكره ذاته المغلوبة ، فيصدر عن قاعدة حب وَبُغْضٍ ، وإن زَعَمَ التجرد في البحث فلا يخلو نقده ، كما يقول بعض من حَقَّقَ ، لا يخلو من تكلف ومصادرة إذ اعتقد أولا اعتقادَ الحبِّ والبغضِ وهما أوثق العرى في أي دين أو مذهب ، ثم راح يَنْظُرُ نَظَرَ المستدِلِّ لِمَا اعْتَقَدَ لا المسترشدِ الطالب للحق دَلِيلًا واستدلالا ، وهو ، من وجه آخر ، مما يَفْتَقِرُ إلى اسْتِقْرَاءِ المراجعِ الأصلية التي تحكي الذات الحضارية إذ ضُمِّنَتْ نُصُوصُهَا نظرياتٍ في الفكر والشرع لا تَنْفَكُّ آثارها تظهر في الأحكام الجزئية ، فلكلِّ دين ومذهب روح باعثة يتأولها الجمع في الأحوال كَافَّةً ، ولو في الحر والبرد ، فَالزِّيُّ في كلٍّ لا يقتصر على دفع الحاجة وحصول الكفاية ، بل ثم معيار الحسن والقبح الذي يأطر الناس إذا اشتد الحر ، مثالا يُشْهَدُ في هذا الصيف القائظ ، فهو يأطرهم على أَجناس من الستر أو التَّعَرِّي فليس الأمر عَادَةً في لبسٍ أو خلعٍ ، بل ثم باعثٌ يُحَسِّنُ هذا وَيُقَبِّحُ ذاك فَيَحْكِي الباعث في الوجدان تصورا لِمَا يَلِيقُ وما لا يليق ، وذلك مِنَ الدين بمكان وإن لم يكن الدين المتبادر من الاعتقاد والتَّنَسُّكِ ، فهو دين السلوك والأخلاق التي تصنع العادات والأعراف ، ولو على مكث ، فلا بد ، كما تقدم ، من استقراء المراجع الأصلية وهو ما يجاوز المبنى المنطوق والمكتوب إلى أدوات استدلال بها استنباط المعاني والأحكام ، فلكلٍّ جَمْعٍ لسان يجاوز لسانَ البيعِ والشراء ، فَلَهُ قانون في الْبَيَانِ بما أحكم من الدلالات الظاهرة والخفية ، المجملة والمفسرة ، المنطوقة والمفهومة ، المحكمة والمتشابهة ، العامة والخاصة ، العبارة والإشارة ، فتلك أدوات الاستثمار التي بها يستحصد الباحث ثمار المعرفة من أَيِّ نص فلا يكون ذلك إلا أن يمهر في لسانه الذي نَزَلَ به وحيا ، أو سُطِرَ وضعا ، فَوَجَبَ رَدُّهُ إلى محكمه الذي يُعْرَفُ في جيله الذي شَهِدَ التَّنَزُّلَ أو شهد الوضع الأول ، فوجب رَدُّهُ إِلَيْهِ بِمَا تَرَاكَمَ في الوجدان من مادته ، نَظْمًا وَنَثْرًا ، فلا تَسْلَمُ لمستدِلٍّ فكرة إلا أَنْ يَتَّصِلَ إسناده بالأول : إِنْ إسنادَ النَّقْلِ لَفْظًا أو إسنادَ العقلِ معنى ، فَثَمَّ إسناد الدليل حفظا وثم إسناد الاستدلال فِقْهًا ، وهو ، كما تقدم مرارا ، مما تَجَافَتْ عنه الحداثة فإنها لا تَظْهَرُ إِلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ الإسناد المحكم إلى المراجع الأولى وهي قواعد الذات الأصيلة ، لا جرم كان من ذات الرسالة أصل محكم قد حَضَّ الوحي على الْتِزَامِمِ، فهو المعتصَم أن : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، والمستمسَك أَنِ : (اسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .

والشاهد أن من قياس الغائب على الشاهد في باب الحكمة ما الْتَزَمَ بَعْضُ النظار فأفضى بهم إلى التشبيه في الأفعال ، فَقَاسُوا من له كمال أول في الذات والوصف ، قَاسُوهُ عَلَى مَنْ وصفُه نقص أول يروم استكماله بما يباشر من الفعل ، فما يعجز عن فعله أكثر مما يقدر ، وهو ، كما تقدم ، الفيصل في الوصف بين الخالق ، جل وعلا ، والخلق ، فـ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) ، وما يجهل المخلوق الطالب لكمال العلم بما يباشر من أسباب التعلم ، ما يجهل المخلوق أكثر مما يعلم ، فـ : (مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ، فذلك العلم القليل في مقابل آخر هو المحيط ، فـ : (قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) ، مع ما تَقَدَّمَ من القدرة التي دَلَّ عليها النَّفْيُ فِي قولِه تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) ، فَثَمَّ ما يثبت تلازما في الباب يطرد إذ نَفْيُ النَّقْصِ في باب الإلهيات لا يُرَادُ لِذَاتِهِ ، وإنما يُرَادُ لإثباتِ ضِدٍّ ، بل كمالِ ضِدٍّ ، فَنَفْيُ العجزِ يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ القدرة النافذة التي استغرقت المقدورات الجائزات كافة ، ولا يكون ذلك إلا بعلم أول هو خلق التقدير في الأزل ، فَحَسُنَ ، من هذا الوجه ، ختام به الثناء بوصف العلم والقدرة ، وهما أصل في كل فِعْلٍ فلا يكون إلا بِعِلْمٍ أول يُقَدِّرُ ، وقدرة تالية بها المقدور في الخارج يُتَأَوَّلُ أَنْ يَخْرُجَ من العدمِ إلى الوجود ، فَثَمَّ من الدعوى أَنْ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) ، وَهُوَ مَا افْتَقَرَ إِلَى الْبَيِّنَةِ ، فكان الاستئنافُ على حدِّ التَّعْلِيلِ ، وَهُوَ جَوَابُ سُؤَالٍ قَدْ دَلَّ عليه السياق اقْتِضَاءً ، فَمَا عِلَّةُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَفْيِ العجز عن الله ، جل وعلا ، وهو ما قد عم فاستغرق ، وتلك دلالة النكرة "شَيْءٍ" في سياق النَّفْيِ مع ما زِيدَ فيها مِنْ تَنْصِيصٍ على العموم قد رَقَى بِهِ من الظن إلى القطع ، فَصَارَ نَصًّا في الدلالة لا ظاهرا يحتمل ، وذلك العموم المستغرق لآحاده كافة على حد الجزم واليقين ، وثم من الطباق إِيجَابًا ما استغرقَ أجزاء القسمة الكونية في الخارج : السماوات والأرض جميعا ، مع تكرار النفي في قوله تعالى : (وَلَا فِي الْأَرْضِ) ، وذلك مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الزِّيَادَةِ في المبنى مَئِنَّةَ أخرى تُضَاهِيهَا في المعنى ، وما كان أولا من نَفْيِ الكينونة الماضية وهو آكد في تقرير المعنى فَقَدْ رَفَدَ اللام في "لِيُعْجِزَهُ" فَصَيَّرَهَا نَصًّا في نَفْيٍ أَخَصَّ هو الجحود ، فَتَسَلَّطَ النفي على المصدر الكامن في عامل الكينونة الماضية ابتداء وفي العامل "لِيُعْجِزَهُ" فأفاد العموم فما كَانَ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَنْ يَلْحَقَهُ ، جل وعلا ، عَجْز أي عجز فكان من هذه الدعوى ما افْتَقَرَ إلى البينة ، وهو ما استوجب التقدير : تَقْدِيرَ السؤال : فَمَا عِلَّةَ مَا تَقَدَّمَ من هذا النفي العام المستغرق ، فكان الجواب : لأنه كان عَلِيمًا قَدِيرًا ، فكان الاستئناف بالناسخ "إِنَّ" الذي زِيدَ في دلالته تَعْلِيلٌ ثَانٍ إلى تَوْكِيدٍ أول هو معناه الأصيل فَلَهُ الصدارة في باب التوكيد ، وهو ما زِيدَ في حَدِّهِ ، أَيْضًا ، كَيْنُونَةٌ ماضية تُفِيدُ ديمومةَ الاتصافِ مع ما استغرقته ماضيا وحاضرا واستقبالا إذ نُزِعَتْ دلالتها الماضوية ، واجْتُزِئَ منها بدلالة الديمومة والاستمرار ، وَثَمَّ من جمل التوكيد القياسي ما تقدم من الناسخ اللفظي ، واسمية الجملة فتقديرها قبل دخول الناسخ : هو عليم قدير ، وَثَمَّ من إطلاق الاسمين ما أفاد العموم المعنوي المستغرق لوجود الدلالة كَافَّةً ، مع ما تَقَدَّمَ مِنْ حُسْنِ التَّلَاؤُمِ بين أجزاء الكلام ، فَخُتِمَ بالعلم والقدرة إذ لا يكون شيء في الكون إلا بهما علما أول يحيط وهو علم التقدير ، وما كان من كتب في لوح المقادير ، ثم قدرة بها تأويل المقدور الغائب أن يخرج إلى حد الشاهد في الخارج مصدِّقا لما تقدم من علم تقدير أول ، فيكون من المشيئة والكلمة ما به تصديق العلم الأول بما يكون من معلوم تَالٍ في الخارج .

فشتان من يستكمل بالذات التي ثبت لها الكمال أولا ذاتيا لا يُعَلَّلُ وَمَنْ يستكمل بِالْغَرَضِ الذي يَفْعَلُ لأجله فهو يباشر الأسباب توسلا لهذا الكمال إذ ثَبَتَ لَهُ ضِدٌّ من النَّقْصِ المطلق ، وَلَوِ افْتَقَارًا إلى مُوجِدٍ يخرجه من العدم إلى الوجود فَضْلًا أن يمده تَالِيًا بأسباب بها الرزق والتدبير ، وذلك ، كما تقدم ، أصل في القياس قد صَدَرَ عَنْهُ المشبِّهَةُ في الأفعال والأغراض ، فلا يُقَاسُ الكامل على الناقص ، من وجه ، ولا يُقَاسُ الغائب على الشاهد إلا أن يكون ذلك في أصول المعاني والدلالات التي يجردها الذهن فهي المشترك المعنوي الذي تجوز الشركة فيه بل وتجب إذ به أول في أي كلام يُفْهَمُ .
فكان من عنوان الحق في الباب : غنى تام في مقابل فقر تام ، فالأول ذاتي لا يعلل ، والثاني ذاتي لا يعلل ، وكان من الحكمة في تقدير الموجودات ما غَايَرَ عن حكمة المخلوق في فعله إذ الأصل قد اختلف ، فقد صدرت أفعال الخالق ، جل وعلا ، عن كمال مطلق ، فهي آثار له تصدق مَا قَدُمَ من أَنْوَاعِه وإن حدثت الآحاد بالمشيئة النافذة ، وهذا أصل في باب المدح والثناء الواجب لله ، جل وعلا ، ضَرُورَةً في النقل والعقل كَافَّةً ، فلم يكن من فعله في الخارج دَلِيلُ افْتِقَارٍ إلى النَّاتِجِ ، كما المخلوق يَفْعَلُ طَلَبًا لِنَاتِجٍ يَنْفَعُ فَبِهِ يستكمل ما قد نَقَصَهُ ، فهو يعمل طلبا لكسب به صلاح معاشه بما يكون من شِرَاءٍ وَبَيْعٍ وأكلٍ وشربٍ .... إلخ ، فَفِعْلُهُ في المبدإ يصدر عن محل ناقص ، فهو العاجز والجاهل ، كما تقدم ، وهو فاعل ذو غرض يروم الكمال فالمبدأ نقص ، فلا يَزَالُ يعمل ويكتسب من التجريب حتى تحصل له الملكة والدربة ، فَيَرْتَقِي في درجات الكمال ما كان عنه عَرِيًّا ، فالكمال يحصل له شيئا فشيئا ، إذ ولد جاهلا فلا يَتَعَلَّمُ فِي جَلْسَةٍ بَلِ العلمُ مما يعالج الناظر مَسَائِلَهُ فَيَشْتَغِلُ بالأصول الجليلة وهي الكبار ثم يصدر عنها وقد أحكمها فيعالج ما تَلَا من الفروع الدقيقة وهي الصغار ، وتلك ، كما أُثِرَ عن بعضِ السلفِ ، تلك صفة الرَّبَّانِيَّةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا الجمعُ أَنْ : (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) ، فذلك أمر التكليف الملزِم ، والكينونة فيه حِكَايَةُ الطَّلَبِ لأسباب بها يتوسل الناظر إلى الوصف المحمود ، فلم يُكَلَّفُوا بالتكوين فليس ذلك إليهم بل هو فِعْلُ الخالقِ ، جل وعلا ، الذي يُقَدِّرُ المحال ويوجدها على هيئات مخصوصة فَيُتْقِنُ صَنْعَتَهَا ، ويكون من الحكمة أَنْ وَضَعَ الإيمان في محالٍّ قَدْ هَيَّأَهَا أَنْ تَقْبَلَ آثاره ، وذلك الفضل ، ويكون منها أَنْ وَضَعَ الكفرَ في محالٍّ قد هَيَّأَهَا أَنْ تَقْبَلَ آثاره ، وذلك العدل ، فالحكمة ، كما تَقَدَّمَ مِرَارًا ، وضع الشيء في المحل الذي يقبل ، فالفعلُ لا يحمد إلا إذا كان لغاية ، والغاية لا تستوجب ما استوجبه نُفَاةُ الحكمة في الفعل الرَّبَّانِيِّ أنها دليل الافتقار الذي تَنَزَّهَ عنه الخالق ، جل وعلا ، إذ لَهُ الكمال الأول في الذات والوصف ، وهو المطلق الذي استغرق الوجوه الدلالية والآحاد ، فالكمال مطلق وهو ما استغرق الأوصاف كافة : العلم والحكمة .... إلخ ، وكذا الحياة ، وهي أصل الأوصاف جميعا ، فلا يكون الوصف مدحا إلا إن قام بحي ، فالميت قد سُلِبَ الأهليةَ أَنْ تَقُومَ به الصفات الذاتية والفعلية ، فكان من الحياة أول ، وهو ما يَنْفَعُ في قياس الغائب على الشاهد ، ولا يخلو من قياس أَوْلَى إذ يَتَرَاكَبُ ، فإن في الشاهد المدرَكِ بالحس أنه لا عالم إلا وهي حي أولا ، فالعلم لا يقوم بالميت ، وذلك كمال مطلق في حق المخلوق المشهود أن يُوصَفَ بالعلم وما يكون أولا من الحياة ، فَقِيسَ عليه وصف الخالق ، جل وعلا ، وهو الغائب ، وذلك إنما يصح بقيدين : أن يكون الوصف كمالا مطلقا فلا يحتمل النقص من وجه ، كما تقدم مرارا في مواضع من أوصاف كالأكل والنكاح ... إلخ ، فإنها في عالم الحس مما به كمال القوى الذاتية فمن يأكل فهو أصح ممن لا يأكل ، فلا يَعَافُ الطعام إلا لِدَاءٍ قد أصابه قد أفسد المحل القابل ، إذ قَدْ جُبِلَ أَوَّلًا على ماهية مخصوصة أن يقبل آثار المطعوم والمشروب وَيَنْتَفِعَ بهما لَذَّةً بها يَتَرَفَّهُ وقوة بها يتحرك مع فضلة منها البدن يَتَخَلَّصُ بما رُكِّبَ فيه من قوى تَسْتَدْفِعُ الأذى ، فإذا فسد المحل لم يَنْتَفِعْ بالأسباب إذ لا تُفْضِي إلى المسبَّبَات إلا أَنْ يُسْتَوْفَى الشرط وَيَنْتَفِيَ المانع ، والعلة مانع يحول دون انتفاع البدن بالمطعوم ، بل قد يضره فَيَنْقَلِبُ ضِدًّا يُمْرِضُ وَيَقْتُلُ ، فكان من الأكل والنكاح .... إلخ كمالٌ في الجبلة المخلوقة ، فكذا النكاح فالخصيب بداهة أكمل من العقيم ، فكان من الكمال المشهود في الحس ما لا يخلو ، من وجه آخر ، من النفص ، نقص الحاجة والافتقار إلى لذة تشتهى وصلاح للأبدان وحفظ للأنواعِ ، فلا يجري فيها قياس الأولى ، إذ شرطه في الإلهيات ، أن يكون كمالا مطلقا لا يحتمل النَّقْصَ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ ، كما العلم والحكمة .... إلخ ، وَالْقَيْدُ الثَّانِي فِي هَذَا القياس : قِيَاسِ الغائبِ على الشاهد ، القيد الثاني ألا يجاوز ذلك المعاني المطلقة في الذهن إلى الحقائق والماهيات المقيدة في الخارج ، فلا يكون الاشتراك في باب الغيب إلا في المعاني المطلقة التي يجردها الذهن ، إذ ليس في الخارج إلا ماهيات مقيدة ، وهي الذات والمعنى القائم بها على وَجْهٍ يُوَاطِئُهَا كَمَالًا أَوْ نَقْصًا ، فَثَمَّ الجهة التي انْفَكَّتْ : جِهَةُ الاشْتِرَاكِ فِي المطلقِ الذهنِيِّ المجرَّد ، وجهة الافتراق في الماهيات المقيدة في الخارج ، فإذا كان العلم وصف كمال مطلق فالخالق ، جل وعلا ، به أولى ، وَهُوَ مَا اشْتُرِطَ له أولا وصف الحياة فهي ، كما تقدم ، أصل الصفات كَافَّةً ، صفات الذات والفعل ، ما قَدُمَ نَوْعًا أو ما كان من صفات تُنَاطُ بالمشيئة فهي قديمة النوعِ حادثةُ الآحاد بما يواطئ الحكمة أن تحصل في الخارج إذا حصل السبب ، وهو ، أيضا ، ما زِيدَ في حَدِّهِ الإلهي قَدْرٌ فارق فليست أسباب الفعل الرَّبَّانِيِّ كنظائرها في المخلوق ، إذ الذوات في الخارج قد اختلفت أيما اختلاف ، بل هي ، من وجه ، على حد المقابلة والطباق الذي يحكي الحدَّ الفارق ضَرُورَةً في الخارج ، فَهُوَ يميز الخالق الكامل من المخلوق الناقص ، ويميز الوجود الأول أزلا مما حدث من وجود تال بَعْدًا : وجود الكون المخلوق فهو محدَث بعد عدم بما كان من كَلِمِ تَكْوِينٍ يَنْفُذُ هو العلة الأولى التامة التي تبين عن أوصاف ذاتٍ وفعلٍ كمالُها من كمالِ الذاتِ التي تقوم بها ، فَلَهَا من ذلك الإطلاق فلا تحتمل النقص من وجه ، ولها الأولية المطلقة فَلَا شَيْءَ قَبْلَهَا ، ولها الآخرية المطلقة فلا شيءَ بَعْدَهَا ، كما الخبر الذي أبان عن الباب إبانة الإثبات : "أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ" ، وهو مَا حُدَّ قَصْرَا بِتَعْرِيفِ الجزأينِ "أَنْتَ" و "الْأَوَّلُ" ، فذلك قصر الحقيقة لا المبالغة بالنظر في معنى لا يقبل الشركة وهو الأولية المطلقة فلا شيء يَتَقَدَّمُهَا ، وذلك اللازم في قياس العقل الناصح إذ إثبات الوصف يَسْتَلْزِمَ النَّفْيَ لِضِدِّهِ ، فكان من العطف بالفاء في "فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ" ، فلا تخلو من دلالة السببية ، كان منه بَيَانٌ بِاللَّازِمِ ، إذ لازم الإثبات لشيء نَفْيُ ضِدِّهِ ، فالأولية المطلقة تستلزمُ نَفْيَ ضِدٍّ أن يكون ثم شيء يَتَقَدَّمُ الأوَّلَ المطلق ، خلاف ما يكون من غَيْرٍ : أوليةً مقيدةً فَلَهَا أَوَّلٌ يَتَقَدَّمُهَا ، حتى يكون ثَمَّ أول مطلق قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ في المؤثِّرِينَ ، وكذا الآخرية في الخبر ، فـ : "أَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ" ، فما يكون من سبب به الفعل الإلهي يظهر ، فذلك الكمال المطلق فهو أول عنه أفعال الجلال والجمال كافة تصدر ، والقياس وإن جَرَى فِيهَا على وجوه ، فالأصل فِيهِ المنع إذ لا يدرك ذلك إلا بالنقل ، فَهُوَ من الغيب المحض وإن رُكِزَ في الفطرة وجدانَ الضرورة التي لا ينكرها إلا جاحد أو مسفسط ، فالتوحيد مما ركب في الماهيات المخلوقة فلا تَنْفَكُّ تجد آثاره في كلِّ حال ، إذ افتقارها إلى الأسباب شاهد الصدق أن ثَمَّ غَنِيًّا يُغَايِرُهَا في الوصف ويمدها بالسبب ويكلؤها في الضيق والسعة ، فالأصل ، مع ذلك في هذا الباب ، هو التوقيف الخبري ، فالمنع يستصحب في الإثبات حتى يَرِدَ الدليل المثبِت ، وإن كان ثم من رِكْزِ الفطرةِ ما يُثْبِتُ فهو المجمل الذي يفتقر إلى بَيَانِ الوحي المنزل لا جَرَمَ كان من النبوات مستمد يجاوز من خارج فهو يصدق الفطرة الأولى من وجه ، ويبين عما أجمل منها من آخر ، ويصحِّح ما بُدِّلَ منها من ثالث ، فلا يكون القياس في هذا الباب إلا ضرورة تقدر بقدرها ، ولا يجاوز المطلق الذهني إلى الوجود الخارجي ، والمثل له يضرب بما تَقَدَّمَ من الحكمة وهي مما غَلَا بَعْضٌ في إثباته حتى وقع في التشبيه أَنْ أوجب على الخالق ، جل وعلا ، ما يجب على المخلوق ، وجفا فيه آخر حتى نفى الحكمة إذ تُضَاهِي عنده الغرض الذي لأجله يفعل المخلوق فَنَزَّهَ عنه الخالق المعبود ، جل وعلا ، وهو ، لو تدبر الناظر ، لم يخرج عن حد التشبيه الذي فَرَّ منه إذ لم يُعَطِّلْ تَالِيًا إلا وقد شَبَّهَ أَوَّلًا فَلَمْ يُدْرِكْ مِنَ الحكمةِ إلا ما وجد في الخارج من حكمة المخلوق ، ولم يحسن يحرر محل القياس الجائز ، وهو المعنى المطلق الذي يجرده الذهن دون تال في الماهية المشهودة في الخارج ، فَجَاوَزَ بِقِيَاسِ الغائبِ على الشاهد ، جاوز به المطلقات الذهنية المجرَّدَةَ أصولَ المعاني الأولى إلى الحقائق الخارجية المقيدة في الخارج وهي ما استقل بالوجدان بما كان من فَصْلٍ ، فكان من ذلك أن لم يُقَدِّرْ حكمةً للخالق ، جل وعلا ، إلا من جنس ما يشهد من حكمة المخلوق المحدَث فآلت به الحال أن يَنْفِيَ هذا المثال ، وذلك حق فَقَدْ نَفَى مِنَ التَّشْبِيهِ في الخارج باطلا ، ولكنه جَاوَزَ الحد فَنَفَى الأصل المحرَّر في الباب ، وهو مناط الاشتراك الجائز : الاشتراك المعنوي في المطلق الذهني ، فَنَفَى الحكمة قياسا على حكمة المخلوق إذ لا يفعل إلا لحاجة يروم سدها وَنَقْصٍ يروم السلامة منه ، وهو ما تَنَزَّهَ عنه الخالق ، جل وعلا ، بداهة ، فذلك ، كما تقدم ، لازم اسمه الأول : أولية الذات والوصف ، ومنه الحكمة إذ معناها المجرد في الذهن فِعْلُ الأولى بالنظر في المآل وإن كان ثم في الحال فساد ، فما رَجَحَ من الصالح الآجل أولى بالاعتبار ولأجله احْتُمِلَ الفساد الطارئ ، وهو ما جعله بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ ، وجها من وجوه الحكمة في خلق الكفر وما يكون من فَسَادٍ به في الأرض ، فَثَمَّ من الصالح ما رَجَحَ بما يكون من إيمان يدافعه ، فيكون من الأضداد حكايةُ الثَّنَاءِ التام على الرب ، جل وعلا ، إذ خلق الأضداد بالقدرة وَأَجْرَاهَا عَلَى سَنَنِ الحكمة تدافعا ، فالحكمة قد رجحت الصالح الآجل وهو أعظم فاعتباره في القياس أولى وَإِنِ احْتُمِلَ لأجله فساد أدنى في العاجل ، وذلك معنى يحمد والثناء به يطلق ، حكمة في التدبير ، فَتَثْبُتُ لله ، جل وعلا ، من باب أولى ، مع قيد أول وهو النقل فهو العمدة في المسائل الدينية كافة لا سيما الخبرية التي لا تُنَالُ إلا من مشكاة التوقيف الرسالي .

فما يكون من سبب به فعل الخالق ، جل وعلا ، يكون فهو الكمال المطلق ، فالأفعال عنه تصدر ، وما يكون من سبب به فعل المخلوق يكون ، فهو نقص يروم استكماله وشتان ، والغنى في ذلك أصل ، فغنى الخالق ، جل وعلا ، أول لا شيء قبله ، ذاتي لا يعلل بسبب من خارج ، بل الأسباب في الخارج كافة هي من آثاره بما يكون من تقدير محكم في الأزل ، وما يكون من تأويل تَالٍ في الخارج به يقع المقدَّر كما الرب الغني الحميد ، جل وعلا ، قد قَدَّرَ ، فَيَقَعُ بالمشيئة والكلمة ، كلمة التكوين النافذة ، فكلُّ ما سواه ، جل وعلا ، فهو فقير الفقر الذاتي فَيَفْتَقِرُ إلى ما به يستكمل ما فات ، وهو ما يَرُدُّ عجز كلام إلى صدر تَقَدَّمَ ، فإن الموصول محل الشاهد في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ، فإن هذا الموصول مما افتقر بذاته إلى ما يبين ، كما المخلوق قد افتقر بذاته إلى رب يخلق ويرزق ويدبر ، فالباب واحد : فقر الشيء فقرا ذاتيا إلى مَا بِهِ يستكمل ما فات ، فكذا الموصول ، ولأجله كان البناء ، إذ شُبِّهَ بالحرف شَبَهَ الافتقار إذ لا يستبين المراد به إلا بما بعده ، فالحرف يَعْمَلُ في تال ولا يُعْمَلُ فيه ، ولا يستبين معناه إلا بما يليه ، وذلك مناط الشبه الذي به قِيسَ الموصول على الحرف ، فَتَعَدَّى حكمُ البناء من الحرف إلى الموصول لعلة الافتقار ، فكان من الإجمال في الموصول "الَّذِينَ" في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ، كان منه ما افتقر إلى الصلة التي عنه تبين ، من وجه ، ولا تخلو من دلالة التعليل ، إذ الحكم بالجنة والخلد مما أنيط بالمعنى الذي اشتقت من الصلة : إيمانا وعملا صالحا على ما تقدم مرارا من التعاطف بين الإيمان والعمل ، فهو التعاطف بين العام إيمانا والخاص عملا صالحا إذ يدخل في حد الماهية الإيمانية المركبة من الاعتقاد والقول والعمل ، وثم من الخبر "أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ" وهو الحكم المسنَد ، ثم منه الاسمية حكاية الثبوت والاستمرار وذلك آكد في البيان والتقرير ، وثم من القصر تعريفا لجزأيِ الكلام : المبتدإ "أُولَئِكَ" ، والخبر "أَصْحَابُ الْجَنَّةِ" ، ثم منه توكيد تال ، وهو ما رُفِدَ احترازا إذ احتمل الأمر الفناء أو الخلد ، فكان من النص على الخلد ما به المنة تكتمل ، فهي دار نعيم لا ينقطع ، وهو ما حَسُنَ معه ، أيضا ، اسميةُ الجملةِ الحالية "هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" على وجه من الإعراب ، وثم آخر يحتمل الاستئناف ، وثم ثالث يحتمل التكرار : تكرار الخبر ، فالجملة خبر ثان بعد أول ، فأخبر أنهم أصحابها أولا ، ثم أخبر أنهم الخالدون فيها تاليا ، فـ : "هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" ، فالإطناب في مبناها مئنة آخر في معناها ، وهو آكد في الدلالة من القول في غير التنزيل : أولئك أصحاب الجنة الخالدون ، وثم من الإشارة إلى البعيد في "أُولَئِكَ" ما دل على رفعة في الدرجة حسا ومعنى ، فدار الجنة تعلو في مكانها ، وأهلها يعلون في وصفهم ، ولا يخلو ، أيضا ، من تعظيم للمنادِي ، جل وعلا ، إذ ينادى من بعيد ، فَلَهُ العلو المطلق الذي بَعُدَ فَبَايَنَ الكون المخلوق كافة ، وذلك وعد خبري لا يخلو من حكم إنشائي يأمر بالإيمان والعمل الصالح رجاءَ الجنة والخلد ، فذلك أعظم مطلوب لدى النفس ، ولا يخلو الوعد كَسَائِرِ مَا كَانَ من نَصٍّ فِي الباب ، لا يخلو من شرط يجب استيفاؤه ومانع يجب انتفاؤه ، فلا يدخل في حَدِّهِ من قَارَفَ ناقضا من نواقض الدين ، وإن صدق فيهم بالنظر في ظاهر الحال أنهم قد آمنوا وعملوا الصالحات ، فقد يكون ذلك على حد الإجزاء ثم يكون من المانع ناقض لما قد ثَبَتَ أولا من إيمان وعمل صالح فوجب الاستمرار في الوصف والسلامة من النقص والنقض ، وإن كان لمن نَقُصَ إيمانه ، وإن كان له من هذا الوعد حظ ، ولو تقدمه عذاب به تطهير المحل أن يكون أهلا لدخول الجنة فلا يخرج منها أبدا إذا دخلها ، وثم من تقديم الظرف "فِيهَا" وحقه التأخير على تقدير : هم خالدون فيها ، ثم منه زيادة تَقْرِيرٍ إذ قُدِّمَ وحقه التأخير مَئِنَّةَ حَصْرٍ وَتَوْكِيدٍ .

وكذا ما كان من شطر يقابل وعيدا في مقابل وعد ، فـ : (الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ، وهو ما حُدَّ الْحَدَّ نفسه ، وإن كان ثم من قرينة السياق خُلْدًا في العذاب ما استوجب حملان الكفر في الآية على الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، وإن احتمل الخلد في الآية المكث الطويل فيكون ذلك من جَزَاءِ كَبِيرَةٍ تَعْظُمُ قد أطلق عليها لقب الكفر المطلق إمعانا في الزجر ، وإن لم تكن في نفسها ناقضة للأصل ، وَيَرِدُ على ذلك ما تَلَا من عطف التكذيب على الكفر ، وهو ، أيضا ، من عطف الخاص على العام ، فالتكذيب واحد من آحاد تَنْدَرِجُ في عموم الكفر فمنه الإعراض ومنه التكذيب ، ومنه ناقض بالقول وآخر بالعمل وإن لم يجحد أو يكذب فالفعل في نَفْسِهِ يَنْقُضُ ، فذلك العطف تكذيبا بعد الكفر مما يُصَيِّرُ الكفرَ في السياق نَصًّا في الجنس الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع إذ لا يكون مع التكذيب بداهة إيمان ينفع ولا يكون الكفر في هذه الحال إلا الكفر الأكبر ، وثم من دلالة الإشارة في "أولئك" كما الآية الأولى ، وإن كانت في هذه الحال على ضد فهي مَئِنَّةُ تحقير إذ البعد بُعْدُ السِّفَلِ ، مكانا ومكانة ، وهو ما صَيَّرَ إشارة البعيد حال التجريد ، ما صَيَّرَهَا مِنَ الأضدادِ إذ تحتمل ضدين : العلوَّ والسفلَ ، فكان من إجمالها ما افتقر إلى المبيِّن من السياق الذي يرجح العلو تَارَةً ، كما في وصف الذين آمنوا ، والسِّفَلَ أخرى كما في وصف الذين كفروا ، مع أصل قد حُفِظَ بداهة أن يكون المشيرُ أبدا ، وهو الله جل وعلا ، أن يكون على حَدِّ التَّعْظِيمِ علوا مطلقا فهو يشير من بُعْدٍ إذ قد عَلَا الخلق كافة بالذات والوصف .

والله أعلى وأعلم .