الْمُناظَرَة صَنَّاعَةُ الْـفَلاسِفَة

من الأنشطة الطلابية الثقافية التي ظهرت حديثا [الْمُنَاظَرة]، والتي تعتمد في بِنَائِها على الْمُبَارَزَة بين فريقين أحدهما مُؤَيِّد للقضية والآخر مُعَارِض، يَتَبَارَى الفريقان بالْحُجَجِ والأدِلَّة حول قضية ما، اجتماعية، أو فكرية، أو تعليمية أو غيرها.
حيث يقوم كل فريق بتقديم حُجَجٍ وبَراهِين تُثْبِتُ صِحَّةَ مَوْقِفِه كَمُؤَيِّد أو كَمُعَارِض، كما يقوم كل فريق بالاجتهاد في هدم حُجَجِ وبَراهِين الفريق الآخر وإثبات بُطْلَانها.
كل فريق مُؤَيِّدا كان أو مُعَارِضًا يحرص حِرصا شديدا على إثبات أن الحق معه، وأن الفريق الآخر على باطل.

واسمحوا لي أن أناقش معكم الْمُنَاظَرَة مِن عِدَّةِ جوانب:
أولا: إنَّ الأصل في شريعة الإسلام أننا حين نناقش قضية ما، فإننا نُنَاقِشُها لِيَصِلَ كلانا الْمُؤَيِّدُ والْمُعَارِض إلى الحق، وعلى الجميع أن يُذْعِنَ للحَقِّ الذي تم الوقوف عليه في المناقشة. وهذا غير موجود في نشاط المناظرة الطلابية التي انتشرت انتشارا واسعا في بلاد المسلمين.

ثانيا: الْمُنَاظَرَة تحتاج إلى مُتَنَاظِرِينَ وَاسِعِي الثقافة والْمَعْرِفَة والعلم بالإضافة إلى الطلاقَة والْمَهَارَة العالية في اللغة، وهذا قليل نَادِرٌ جِدّاً في طلاب الجامعات فَضْلا عن طلاب الْمَرْحَلَة الثانوية.

ثالثا: مِنْ مَعَايِبِ الْمُنَاظَرَة أنَّ موضوع الْمُنَاظَرة يَتِمُّ عَرضُهُ علَى الْمُتَنَاظِرين قبل مَوْعِدِ انطلاق الْمُنَاظَرَة بِنِصْفِ ساعة فقط، وتَقُومُ الْمُؤَسَّسَة التي تنظم الْمُنَاظَرَة بِتَحديد الْمُؤَيِّد والْمُعارِض دُونَ اختيار مِنَ الْمُتَنَاظِرين، فَقَدْ يَجِدُ الْمُتَنَاظِرُ نَفسَهُ مُضْطَراً لِتَأْيِيدِ قضية ما، هو لا يُؤْمِنُ بها، بل يرفضها، فَيُضْطَرُّ اضْطِرارا أنْ يُدَافِعَ عنها، ويُثْبِتَ صِحَّتَها.
وهذا الْمَوْقِف يُوقِعُ الْمُتَنَاظِرَ في تَنَاقُضٍ مع نَفْسِه، ومع عَقِيدَتِه، ومع ثَقَافَتِه، ومع ما يُؤْمِنُ به، كما يَدْفَعُه ذلك لِلْكَذِب فَيُقَدِّمُ حُجَجًا هو لايؤمن بها لأجل أن يحقق الفوز على الفريق الآخر، فَيَقُوم يُجَادِل لأجل الفوز ليس لأجل الوصول للحق، وهذا يَغْرِسُ أخلاق النفاق في الْمُتَنَاظِرين، لأنَّه يُظْهِرُ غير ما يُبْطِن، ويُدَافِع عَمَّا لا يؤمن به.

رابعا: إن الْمُنَاظَرة لَيْسَتْ أمْرا مُسْتَحْدَثًا، بل هي قديمة في الفكر الإسلامي، ولَعَلَّها بَدَأَت مع ظُهُور الْـخَوارِجِ الذين خرجوا علَى الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث ناظرهم ابن عباس وعلي رضي الله عنهم، ثم فَشَتْ الْمُنَاظَرات وانتشرت مع ظهور الفِرَقِ الْمُنْحَرِفَة، ومع ظُهُور عِلْمِ الكلام، وظهور الفلاسفة، لكن الْمُنَاظَرات في هذا الزمان البعيد وما بعده كانت تقوم للرد على الفرق المنحرفة، تقوم للانتصار للحق وإزهاق الباطل، وليس لأجل الفوز بأي وسيلة كانت.

وأخيرا: النقل عن غير المسلمين
لا بَأْسَ بالإفادة مِنْ عُلُوم بلاد الغرب الطبيعية، بل يجب الأخذ بها والاستفادة منها، ولا بأس من الإفادة من فكر بلاد الغرب وثقافتهم، فنأخذ عنهم ما ينفعنا، ونُهْمِلُ ونترك لهم ما لا يناسب أخلاقنا ولا ديننا ولا ثقافتنا، لا بَأْسَ بذلك.
وحين ننقل عنهم ما يتعلق بالفكر والثقافة فيجب علينا أن نَـحْذَرَ كُلَّ الْـحَذَر، يجب علينا أن نُعْمِلَ العقل والنَّظَر حتى نستوثق مِنَ الْفِكْرَة التي نأخذها عن غير المسلمين، فلا يَصِحُّ أن نَنْقِلَ عنهم نَقلاً دون النظَر في الْمَنْقُول، هل يناسب أخلاق المسلمين ودينهم وثقافتهم أم لا.

ودعوني أعطيكم مثالا:
مِن مَوْضُوعات الْمُنَاظَرة في بعض المسابقات التي شهدتها في ماليزيا موضوع [الذكاء مُقَدَّمٌ علَى الأخلاق]، لا شَكَّ عِندي أنَّ هذا الْمَوْضُوع مَنقُولٌ نَقْلاً بترجمته عن اللغة الانجليزية، ولِلأسَفِ إن الذين نقلوا عَطَّلُوا عُقُولَهم عن النظر في معنى الموضوع، ولم يتكلفوا تأمل المعنى، وهل يناسبنا نحن المسلمين أم لا؟

إن على الفريق الْمُؤَيِّد أن يُدَافِع عن [الذكاء مُقَدَّمٌ علَى الأخلاق] ومطلوب منه أن يُثْبِتَ أن الذكاء أولا وقبل الأخلاق، وأن يُبْطِلَ حُجَجَ وبَراهِينَ الفريق الْمُعَارِض الذي يُدَافِعُ عن الأخلاق، وهذا مما لا يَصِحُّ، وغير مقبول في ديننا، فإن الذكاء مَطِيَّةُ الأخلاق، والأخلاق تتقدم عليه، أما مُؤَيِّدُو هذا الْمَوضُوع حقيقة فإنهم ممن يؤمنون بأن الغاية تُبَرِّرُ الوسيلة مَهْمَا كانت الوسيلة حقيرة، ولا شك أن هذا ليس مِن الإسلام ولا مِن مبادئ الإسلام.

والخلاصة: إن كان لابد من المناظرة فيجب اختيار موضوعات تكون محل خلاف حقيقي في جوانبها إيجابا وسلبا، فإذا دافع الطالب عن موقفه كمؤيد أو كمعارض يكون دفاعه عن حقيقة لا عن كذب، وعن حجج حقيقية صحيحة تؤيد موقفه.
والله مِن وراء القَصد، وإياه نَسْأَلُ الرُّشْدَ والسَّدَاد

والله أعلم
د. محمد الجبالي